أكثر الناس لا يرون وجهاً لصحة الرواية القائلة أن الحسين زوج ابن أخيه القاسم من ابنته سكينة ، في عرصة كربلاء في اليوم العاشر من المحرم (1) ، وقد قامت الحرب بينه وبين اعدائه على ساقها وحمي وطيسها وكشرت عن أنيابها ، وقد صرع نصب عينيه أبطاله وإخوته وولده وعمومته ، فما وجه مزج فرح العرس والقران بهموم المصائب وغموم فقد الأحبة .
وكل مصيبات الزمان وجدتها
سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وهل هو إلا من قبيل الطفرة من الحزن العظيم الى الفرح ، والتاريخ بكامله لم يحمل نظير هذه المفاجأة الغريبة ، والحكيم من يضع الأشياء في مواضعها ، ويطبق اموره كلها على اعتبارها المناسب لها .
قلنا هذا كله صحيح ولكن هل لتزويج القاسم دخل في عظمة نهضة الحسين وما ذنب الحسين إذا زيد في نهضته ما لم يسبق له فيه علم ولا إطلاع ، شأن الحوادث المهمة ذات الشأن الكبير ، فانها كلما بعد أمدها وزاد اهتمام الناس بها أخذت بالزيادة طولاً وعرضاً ، وتداولتها أخيلة رواتها سعة وضيقاً ، وكل يعمل على شاكلته ، وليست الشهرة دليل الوقوع ما لم تقبل حد التواتر ، ولا عدم الشهرة كاشف عن عدم الصحة ، واستمع الى قول حكيم الشعراء :
1 ـ وسبب ذلك هو ان علماء النسب والتاريخ يشهدون بأنها ـ اي سكينة ـ كان متزوجة من ابن عمها عبد الله الاكبر المكنى بأبي بكر بن الامام الحسن المجتبى وهو اخو القاسم وامهما ام ولد يقال لها (رملة) وعبد الله هذا كان ممن نال الشهادة مع آل ابي طالب بني يدي عمه نصير الحق الحسين بن علي عليه السلام وبعد مضي يسير من الوقت قد لا يتجاوز الساعة او الساعتين التحق به اخوه القاسم ليكون الشهيد الرابع من ابناء الحسن عليه السلام فمتى اذن تزوجها والمفروض انه لم يبق بعد زوجها الاول إلا قليلاً من الوقت . . . ومن هنا لم يذكر احد من علمائنا زواج القاسم من ابنة عمه سكينة إلا الشيخ فخر الدين الطريحي قدس سره في كتابه (المنتخب) ج 2 ص 373 ويرى فريق من افاضل المحققين منهم السيد عبد الرزاق المقرم ان قصة زواج القاسم مدسوسة في كتاب المنتخب وسيحاكم الطريحي ـ كما يقول المقرم ـ واضعها في كتابه .
انظر مقتل الحسين للمقرم ص 264 .
1 ـ لم اقف على هذه الرواية التي سماها المؤلف قدس سره برواية العوذة في الكتب المعتبرة .
2 ـ سورة الرحمن / 60 .
3 ـ انظر بحار الانوار ج 29 ص 417 وما بعدها ووفاة الصديقة الزهراء للعلامة السيد عبد الرزاق المقرم ص 55 وما بعدها .
4 ـ من قصيدة في رثاء الامام الحسين عليه السلام مطلعها :
لذلك كان إذا المت به إحدى الكوارث ورفعت اخته صوتها بالبكاء والنحيب ـ ومن شأن النساء الجزع والرقة ـ ناداها اخية زينب لا تشمتي بنا الأعداء (2) ، فانطبعت شقيقته بطابعه ، فكان قلبها بعد قتله كزبر الحديد ، كما يخبر عنها حجة عصرها زين العابدين عليه السلام وقد قال الحكماء «الجزع على المصيبة أعظم من المصيبة» لأنه يفرح به العدو ويسوء الصديق ، ومنزلة الرضا أعظم من منزلة الصبر ، كما أن درجة الشكر التي ذكرها أبو الحسن أرفع من درجة الرضا ، وهذا الغصن من تلك الشجرة ، وفي الفرع ما في أصله وزيادة ، فكأن الحسين رأى أعداءه يتحفزون للشماتة بقتل رجاله ومشارفة قتله ، حيث هتفوا به «يا حسين قتلت الأجانب وأخذت تلوذ في أطناب الخيام بين النساء والأطفال» فأراد دحض مزاعمهم ، فحقق سروره وابتهاجه بنزول هذه الفوادح بعرس ابن أخيه الذي سيلتحق بعد ساعة بعمومته واطائب ارومته ، فإن ذلك أنكى للعدو في كسر سورة شماتته ، وأشد من التجلد ذكره الهذلي في قوله .
بتجلدي للشماتين أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع
وقديماً اعترض بعضهم على أبيه ـ والشئ بالشئ يذكر ـ لما قتل عمرو بن عبدود وجاء برأسه الى النبي يختال في مشيته ، فقيل للنبي انظر يا رسول الله الى
1 ـ لابن ابي عيينة المهلبي .
2 ـ انظر الملهوف على قتلى الطفوف ص 151 .
1 ـ بحار الأنوار ج 20 ص 216 .
2 ـ نفس المصدر .
3 ـ القرح : ما يصيب المقاتل من اثر الحرب من تعب وجرح / المؤلف .
4 ـ وسائل الشيعة ج 2 ص 19 .
5 ـ لئالي الاخبار ج 1 ص 52 .
6 ـ سورة البقرة / 261 .
1 ـ الحقل : الأرض الطيبة يزرع فيها الزرع / المؤلف .
2 ـ اقول : وهذه حقيقة اكدتها الاخبار الشريفة والروايات المنيفة وبوسعك أن تقف على بعضها في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه القمي باب 88 .
3 ـ رفاء : ترفئة وترفيئاً : هناه ودعا له بالالتئام واستيلاد البنين / المؤلف .
4 ـ بحار الأنوار ج 19 ص 20 .
فاذا فقد أحدهم أعز حبيب ، تذكر مصيبة الحسين بأحبائه وأنصاره وعلى رأسهم حبيب ، واذا أنشبت المنية أظفارها لأحدهم برضيع ، تسلى برزية عبد الله الرضيع ومصرعه الفظيع ، وإذا نكبه الدهر بفقد ولد إكبر ، فإن له الأسوة الحسنة بمصيبة سيد الشهداء بعلي الأكبر ، واذا رماه الزمان بموت أخ له أو أخوين ، جعل نصب عينيه قتل العباس وإخوته وذكر مدى حزنهم العميق في قلب سيده الحسين ، واذا قلب الدهر لأحدهم ظهر المجن ، فمات عروسه بني يدي زفافه وتبدل الفرح بالحزن ، فليتذكر ـ ولا بد أن يتذكر ـ فجيعة سيد الشهداء بالعلامة من أخيه الحسين .
ولكن من للامة بأسرها بغلام كالقاسم ابن ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قسم الحسن فلقتين ففيه
فلقة والأنام في اخراها
ولذا كانت العيون تراه
فلقة البدر اشرقت في سماها (2)
يزف على ابنة عمه سكينة الحوراء الإنسية ، فيمشي الدهر أعمى وإذا به يزف على المنية ، ويلبس للعرس ثياب أبيه الحسن ، وإذا بعمه يشق له ثوباً فيجعلها في صورة الكفن ، وينثر على رأسه النقل ، واذا هو غرض النشاب والنبل ، وتخضب كفه للعرس بالحناء ، واذا بها تخضب من رأسه في الميدان بالدماء ، ويدخله عمه
1 ـ من قصيدة في رثاء امامنا الحسين عليه السلام وهي للشاعر الملحق الشيخ يوسف ابو ذيب رحمه الله واجزل مثواه مطلعها :
حكم المنون عليك غالب
غالبته او لم تغالب
2 ـ من قصيدة لمؤلف الكتاب في رثاء القاسم بن الامام الحسن عليه السلام مطلعها :
1 ـ مقتل الحسين للمقرم ص 265 .
2 ـ الارشاد للشيخ المفيد ج 2 ص 108 .
3 ـ الايقاد ص 118 .
4 ـ ابصار العين ص 37 .
5 ـ مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 28 .
6 ـ من قصيدة عصماء للشيخ صالح الكواز مطلعها :
1 ـ نظر الاستيعاب لابن عبد البر ج 3 ص 230 وسنن البيهقي ج 8 ص 189 وانظر ترجمته رضي الله عنه في رجل السيد بحر العلوم ج 3 ص 170 واسد الغابة لابن الاثير ج 3 ص 308 والاعلام الزركلي ج 5 ص 36 .
2 ـ وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 341 .
3 ـ نفس المصدر ص 343 .
ثم نقول أتلوم الحسين بحمل الطفل لأنه رجع به الى الخيمة مقتولاً ولا تعجب من سياسته ومعرفته بأساليب الدعوة الى الحق ، وتنبيه امه جده من رقدتهم الطويلة وسباتهم العميق ، ألا تسمع الى خطبته التي هزت العسكر على كثرته وقسوته هزةً عنيفة ، بل ماج لها العالم بأسره حزناً وجزعاً وارتجع بهراً (4) وعجباً ، حيث هتف بهم فبلغت دعوته القلوب قبل الآذان «يا قوم قتلتم شيعتي وبني عمي وأولادي وأخواني وقد بقي هذا الطفل يتلظى عطشاً فاسقوه شربةً من ماء» (5) .
ودعا في القوم يا لله للخطب الفظيع
نبئوني أأنا المذنب أم هذا الرضيع
1 ـ اشفى المريض على الهلاك : قاربه / المؤلف .
2 ـ ينابيع المودة للحنفي ج 2 ص 415 .
3 ـ الخلد : البال والقلب / المؤلف .
4 ـ عجباً تفسير بهراً / المؤلف .
5 ـ الملهوف على قتلى الطفوف ص 169 .
ولكن القوم فاتهم الغرض وطبع على قلوبهم ، وأرسلهم الله من يده ارسال من أراد إهماله ، ونزع الرحمة من قلوبهم فكانت على قلوب أقفالها ، ولقد كان الأولى بهم أن يمسحوا عيونهم عند مقتل الطفل غب ما انتبهوا بعض الأنتباه ، في عرضه عليهم يلوك لسانه من العطش ، أليس رؤيته مطوقاً بالسهم أمض من رؤيته ملفوفاً بالقماط ، أليس تشحطه بدمه أعظم من تلظيه بعطشه ، أليس نظره مرفرفاً على صدر أبيه كالطير المذبوح أقرح للقلوب من نظره مرفوعاً بين يدي أبيه ساكناً لا حراك به لكونه مغشياً عليه من شدة العطش ، ألم تبك هذه الحالة حرملة الفظ الغليظ القلب وهو المعتمد على قتله قبلاً ولم تدركه به رحمة ، اليس رجوعه به الى الخيمة قتيلاً على عطشه ، أعظم وأبلغ أثراً من رجوعه به ليموت في الخيمة بين يدي امه عطشاً .
والخلاصة أن الحسين قد بلغ رسالته وأحسن في أدائها كثيراً لأنه رأى الطفل
1 ـ مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 32 .
2 ـ الملهوف على قتلى الطفوف ص 169 .
3 ـ من قصيدة لمؤلف الكتاب يندب فيها مولانا الامام المهدي ويرثي جده الحسين عليهما السلام مطلعها :
واعتماداً على أن رحمة البشر للطفل الصغير من باب إرسال المسلمات تلقت سكينة أباها بسؤالها الذي ذر الملح على جرح فؤاده «أبه لعلك سقيت أخي الماء» فبكى الحسين واكتفى عن الجواب بان دفع لها الطفل على حالته التي قتل عليها والسهم لا يزال في نحره ، ولعله أراد بذلك دفع توهمها في استبعاد صدور قتله كما هو مرتكز في الأذهان قائلاً لها : «بنية خذي أخاك مذبوحاً بسهم الأعداء» (2) .
وأكبر الظن أنه لو جرت العادة في قتل الأطفال على عطشهم ولا ذنب لهم غير استسقاء الولي لهم ، وعرضهم على مانعيهم الماء ، لما تمنى الحسين حضور شيعته يوم عاشوراء ، لينظروا بأعين رؤوسهم هذه المصيبة الغريبة في جنسها العظيمة في نوعها ، كما أوصى اليهم على لسان ابنته سكينة لما ألقت بنفسها عليه وقد قطع رأسه (3) ، كما قالت لما مر القوم بالنسوة على القتلى رمبيت بنفسي على جسد أبي فسمعت صوتاً يخرج من منحره المقدس (4) :
شيعيتي ما إن شربتم عذب ماء فاذكروني
أو سمعتم بقتيل أو شهيد فاندبوني
1 ـ من قصيدة لمؤلف الكتاب رحمه الله وقد مرت الاشارة اليها آنفاً .
2 ـ اقول : لم أقرأ في كتبنا المعتبرة الجليلة مثل :
الملهوف للسيد بن طاووس ، والبحار للشيخ المجلسي ، والارشاد للشيخ المفيد ، واعلام الورى للطبرسي ، ومثير الاحزان لابن نما ، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ، ومقتل العوالم للشيخ عبد الله البحراني ، والمناقب لابن شهر اشوب ، ونفس المهموم للشيخ عباس القمي ، وغيرها ما ذكره مؤلف الكتاب من ان الحسين عليه السلام عاد بطفله المذبوح بسهم حرملة بن كاهل الى الخيام وبالتالي استقبال سكينة لابيها وقولها له (ابه هل سقيت اخي الماء) وجوابه (خذي أخاك مذبوحاً) بل الذي ذكره هؤلاء الاساطين وغيرهم ممن يضارعهم في جلالة القدر ونباهة الشأن وسمو المقام هو ان الحسين لما فجع بقتل ولده وفلذة كبده نزل فحفر له بطرف سيفه حفرةً فأقبره فيها .
3 ـ الايقاد ص 140 .
4 ـ المصباح للكفعمي ص 741 .