دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 292


وهذه من غرر شعره الحسيني ، ومما يجدر ذكره هنا بالمناسبة مدى الفرق بين ما قاله الشريف الرضي شعراً وما قاله الآخرون نثراً حين طعنوا ابن بنت رسولهم الحسين بعد شهادته بطعنة نجلاء وشاركوا أسلافهم في محاربته ولعلهم يرددون يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً بطعن الحسين وأهل بيته وأنصاره ، وقد ردّدت الأذيال مقالتهم : «قتل الحسين بسيف جده»(1) ولعل أوجز ما يقال في المقولتين : «وكل إناء بالذي فيه ينضح»(2) .
هذا وقد اعتبر المجدي الشريف الرضي أشعر قريش إلى وقته ، وقال : انه متقدم على أخيه المرتضى(3) .

= وللسيد المرتضى بيت في هذا المعنى :
سللتم على آل النبي سيوفه ملئن ثلوماً في الطلى وفلولا
«المقطوعة : 46/ البيت : 14» .
(1) راجع باب الشبهات والردود من هذه الموسوعة حيث فصلنا الكلام عن هذه المقولة وشككنا في نسبتها إلى من اشتهرت عنه واعتبرنا ذلك من الدس على بعض الشخصيات .
(2) ريحانة الأدب : 2/98 .
(3) المجدي في الأنساب : 126 .
وهنا أود أن أنقل بيتاً للشريف المرتضى في رثاء أخيه الشريف الرضي وهو من أرق الشعر عاطفة حيث يقول :
يا موتُ كيف أخذت نفسي تاركاً نفسـاًعليها جمّـة الأنفـاس
«ديوان المرتضى : 2/135» .
ويقول تلميذه مهيار الديلمي في مطلع قصيدته التي رثاه فيها :
أقـريـش لا لـفـم أراك ولا يـد فتواكلي غاض النّدى وخلا النّدي
«ديوان مهيار الديلمي : 1/249» .
وفي مدح الشريفين يقول أبو العلاء المعري من قصيدة رثى بها والدهما المتوفى عام 400هـ :
أودى فـلـيت الـحـادثات كـفـاف مال المسيف و عنبر الـمسـتـاف
أبقيت فينا كـوكـبين سـنـاهـمـا في الصبح والظلمـاء ليس بخـاف
متـأنقين و في الـمكـارم إرتـمـا متـألـقـين بسـؤدد و عـفـاف
قدرين في الأرداء بل مطرين في الـ أجـداء بل قمـرين في الأسـداف
ساوى الرضي المرتضى وتقاسـمـا خطط العلـى بتناصف و تصـاف
أنتم ذوو النسب القصير فطـولـكـم بـاد علـى الأمـراء والأشـراف
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 293


وأما الشريف المرتضى فإنه مضافاً على حيازته الرقم القياسي في مجال الشعر الحسيني حيث بلغت قصائده خمس عشرة وكلها من الطوال وإحداها جاوزت المئة بيت ، فقد نظم اثنتين منهما على قافية الضاد والطاء واللتان قلَّما ينظم الشعراء فيهما لعدم وفور المادة اللغوية فيهما . ولا تخلو قصائده من التعبير الرائع ومن ذلك تصويره للروابط الهشة بين الجانبين الأموي والعلوي بقوله :
علمـوا أنكم خَدعتُم و قد يخـ ـدعُ مكراً مَن لم يكن مَكّاراً
كان من قبل ذاك سـتر رقيق بيننا فـاستـلبتم الأسـتارا(1)

فقد نزّه البيت العلوي من المكر والخديعة إلى حد نفي معرفتهم بها لأنها ليست من شيمهم وذهب إلى أن تمرير الخديعة إنما تم بخديعة أخرى في أرضية لم تؤهل أصلاً لغرس الخديعة وذلك من باب خدعت كريماً فانخدع ، ثم أنه شبه ذلك الحياء الضئيل الذي كان سبباً لعدم القطيعة بالستار الرقيق الواهي كأوتار بيت العنكبوت وقد مزقته الخديعة فانقطعت بذلك العصمة التي كانت بينهما .
ويخاطب الأمويين في قصيدة أخرى مصححاً مفهوم الفخر حين تفاخروا بالملك والحكم قائلاً :
وما الفخر يا من يجهل الفخر للفتى قميص مـوشـّى أو رداء مُفـَوَّفُ(2)

وهو تعبير جميل في بيان معرفة الفخر بينما نراه يطعن في ممارسة الفخر في غير محله ويشبه الفخر في مفهومهم بالقميص الملون والرداء الرقيق الذي يتجمل به الإنسان .
وفي أخرى يصور شدة حزنه وبكائه بهذا التعبير الرائع ويقول :
قُوما خُذا نار الصلى من أضلعي إن شئتما والماء من أجفاني(3)


= والراح إن قلت ابنة الكرم اكتفت بأبٍ من الأسـمـاء والأوصـاف
«حلب والتشيع : 108» .
(1) البيتان : 32 و33 من المقطوعة : 26 تحت عنوان : «ديار الأحباب» .
(2) راجع البيت : 48 من المقطوعة : 37 تحت عنوان : «أتناسيتم قول نبيكم» .
(3) راجع البيت : 14 من المقطوعة : 67 بعنوان : «تزاحم على الموت» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 294


حيث يخاطب صاحبيه فيما إذا أردا مشاركته في الحزن والمصاب الجلل أن يأخذا من النار التي تستعر بشدة بين أضلعه ويأخذا شيئاً من دموعه المترقرقة بين أجفانه ليتمكنا من مشاطرته في الحزن والبكاء على سيد الشهداء .
وحكي عن جامع ديوانه أنه قال : سمعت بعض شيوخنا يقول ليس لشعر المرتضى عيب إلا كون الرضي أخاه فإنـه إذا أفرد بشعره كـان أشعر أهل عصره(1) .
وما أبو العلاء المعري فإنه وإن كان مقلاً في شعره الحسيني حيث لم يصلنا من ذلك سوى قصيدة واحدة وثلاث مقطوعات ولكنه أبدع في بداية الابيات التي ذكرناها من قصيدته التي أرسلها إلى الشريف أبي إبراهيم الحراني قائلاً :
وعلى الدهر من الشهيديـ ـنِ علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا نِ وفي أوائلـه شفقـان(2)

والمعري الذي عرفه الأدباء والعلماء بالذكاء الخارق ووصفوه بأنه نسيج وحده بالعربية ، وعرّفوه بأنه إمام الأدب والأمور العقلية والنقلية فلا يقبل منه إلا الأروع الأبدع ، وتكمن أهمية شعره في دقة الوصف رغم أنه كان مكفوفاً وكان يتمنى أن يرى الماء الجاري وكواكب السماء(3) وفي حسن اخيار الموصوف حيث وصف الحسين وأباه عليه السلام بأروع الأوصاف ، إذ لولا سيف الثاني وشهادة الأول ، لما قامت لدين الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قائمة .
ويكفي في علو مرتبة المعري في الشعر ديوان شعره اللزوميات الذي ألزم نفسه في القافية بأكثر من حرف رويّ واحد .
وأما مهيار الديلمي فقد بلغت مجموع قصائده في أبي عبدالله الحسين عليه السلام ومقطوعاته ثمانية وهي وإن كانت لا تتناسب وحجم ديوانه الواقع في أجزاء ثلاثة إلا أنها من بديع الشعر ، والأجمل فيه أنه فارسي المولد

(1) أعيان الشيعة : 8/217 .
(2) راجع البيتين رقم 1 و2 من المقطوعة رقم : 68 تحت عنوان : «شاهدان».
(3) الكنى والألقاب : 3/195 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 295


والمنشأ وحديث العهد بالعربية وبالإسلام(1) ويصل به الأدب والعقيدة إلى هذا الحد من الرفعة بحيث يعد في مصاف البارزين من شعراء العرب والعقيدة ، ولا شك أن الفضل في ذلك يعود إلى سيده الشريف الرضي الذي أسلم على يديه عام 394هـ وتتلمذ عليه بعد ما ورد بغداد مهاجرا واكتسب منه خبرة في اختيار اللفظ والمعنى معاً فانطلق ينظم في آل الرسول عليهم السلام الجواهر والدرر ويخصص جانباً من شعره في ريحانة الرسول عليه السلام ولعل من أبدع ما نظمه في السبط الشهيد واصفاً حال الذين تسارعوا لمناجزته والقضاء عليه هو هذا البيت :
فطاروا له حـاملين النفـاق بأجنحة غِشّها في الحفيف(2)

تصوير جميل لسرعة حركتهم من الكوفة إلى كربلاء مع علمهم بمنزلته عند الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وهذا هو النفاق العملي الذي عبر عنه الفرزدق(3) عندما التقى بالإمام وهو في طريقه إلى كربلاء حين سأله عن أهل الكوفة ، فقال : «قلوبهم معك وسيوفهم عليك»(4) ثم جاء ليصور جلبة القوم كصوت الأجنحة حين تتحرك فكان أحدهم في خضم تلك الأصوات يظن أنه على حق رغم أنه قد استبطن ذلك النفاق الذي انطووا عليه وساروا به إلى الحسين عليه السلام .
وفي مكان آخر يعبر عن ولائه وحزنه الممزوجين معاً بقوله :
ولـيس صديقي غير الحزين ليوم الحسين وغير الأسوف(5)


(1) وفي ذلك يقول كما جاء في المقطوعة رقم : 19 تحت عنوان : «فداؤك نفسي» البيت : 15 :
وفيكم ودادي وديني معاً وإن كان في فارس مولدي
(2) راجع البيت رقم : 16 من المقطوعة رقم : 39 تحت عنوان : «من يحتمل فقدك» .
(3) الفرزدق : هو همام بن غالب التميمي ولد في البصرة نحو عام 18هـ وتوفي فيها عام 100هـ وكان من الشعراء الموالين لأهل البيت عليهم السلام له نفس شعري قوي ولغة غنية بالألفاظ والتعابير .
(4) مقتل الحسين للمقرم : 174 وفيه أنه في الصفاح لقي الحسين عليه السلام الفرزدق بن غالب الشاعر فسأله عن خبر الناس خلفه فقال الفرزدق : قلوبهم معك والسيوف مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء فقال أبو عبدالله عليه السلام : «صدقت لله الأمر..» .
(5) راجع البيت رقم 11 من المقطوعة نفسها .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 296


كلمة فيها التولي والتبري وفيها تصوير لمدى حزنه وأثره على سلوكيته النابعة من صميم قلبه المفعم بالحب لسيده الحسين عليه السلام وحزنه عليه .
وهذا الاستنتاج السريع لا يعني بالضرورة البخس لحق الآخرين والتقليل من قيمة انتاجاتهم الأدبية بل هو مجرد تقييم يأتي في إطار تحديد طبقاتهم وتوزيع مراتبهم الأدبية مما سنبحثه بالتفصيل في محله(1) .
في هذه اللحظات الأخيرة آن الأوان لأن نتخطى عتبة القرن الخامس بأمل اللقاء ثانية في إطلالة جديدة من قرن جديد .

(1) راجع المدخل إلى الشعر الحسيني .

السابق السابق الفهرس