وأما الكلام عن الشعر والشعراء في هذا القرن فلقد أورد مترجموا شعراء القرن السادس الهجري فأحصوهم حوالي ستة وسبعين شاعراً وهذا يطابق من حيث العدد مع من نظم الشعر في حق الإمام الحسين عليه السلام من هذا القرن كما توصلنا إليه لحد الآن ، ولكن العددين لا ينطبقان من حيث المحتوى والشخصية إذ أن العدد الذي أوردناه ينقسم إلى أثلاث ثلاثة ، فثلث منهم يشترك في الجانبين ، وثلث ذُكر عندنا ولم يرد عندهم ، وأما الثلث الأخير فهو من المجاهيل التي لم يعرف قائلها ، ولعلهم من ضمن ما ذكروهم من شعراء .
هذا وتطابق العددين في الجملة ان دل على شيء فإنما يدل على الاستنتاج الذي سبق وذكرناه في مقدمة باب الشعر من أن غالبية العشراء نظموا في الإمام الحسين عليه السلام .
ولا يخفى أن المجموعة المتطابقة أسماؤهم يعدون من أبرز شعراء هذا القرن والمجموعة التي ورد اسمها في هذا الديوان إن لم تكن كلها من الطبقة الأولى فإن فيهم الصفوة الذين يعدون من أعلام الشعر والأدب ويعد شعرهم من عيون الشعر العربي في مثل هذا القرن الشحيح .
هذا ويبرع عدد منهم على ساحة الشعر والأدب بل يتقدم بعضهم على البعض الآخر في نتاجهم الحسيني «ورفعنا بعضهم على بعض درجات»(1) .
ويتصدر الملك الصالح طلائع بن رزّيك قائمة الشعراء من حيث الكم والكيف بل متقدم عليهم منزلة حيث أنه جمع بين الوزارة والأدب والشعر والعلم والمعرفة والسياسة والإدارة فقد كان الوزير الاول في البلاط الفاطمي بل المسؤول الأول في الدولة حيث كانت الوصاية على الفائز الفاطمي(2) الذي تولى الأمر بعد مقتل أبيه الظافر بأمر الله(3) عام 549هـ وعمره خمس
(1) سورة الزخرف ، الآية : 32 .
(2) الفائز بنصر الله : هو عيسى بن إسماعيل الظافر بأمر الله الثالث عشر من حكام الفاطميين ولي الأمر عام 549هـ وتوفي عام 555هـ فخلفه العاضد لدين الله .
(3) الظافر بأمر الله : هو إسماعيل بن عبد المجيد الحافظ لدين الله الثاني عشر من حكام الفاطميين ولي الأمر عام 544هـ بعد الحافظ لدين الله الفاطمي .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
316
سنوات فأوكل تصريف أمور البلاد إلى طلائع فقام بأعباء الحكم أحسن قيام ومع ذلك فلم يصرفه عن العلم والأدب وكان محباً للعلماء والفقهاء والأدباء والشعراء ، وقد بلغ نتاجه الأدبي ديواناً كبيراً خصص عشرين قصيدة ومقطوعة(1) منها في الإمام الحسين عليه السلام كما هو ملاحظ في الديوان . ويعد شعره من عيون الشعر العربي في هذا القرن بل كاد أن لا يوازيه أحد في تلك العصور ورغم بساطة المعاني فقد تميزت بالأمور التالية :
1 ـ إنهاء مفعمة بالولاء .
2 ـ مطالعها بل أوائلها في غالبيتها جميلة وقوية .
3 ـ استخدام في بعضها المعاني الجميلة كما في نونيته التي عنوانها «بجدك هدينا»(2) ونحاول هنا إلقاء الضوء على بعض الأبيات من قصائده دون تعليق وهي كالتالي :
وإذا ذكرت من الحسين مصابه
بالطف ضاقتْ بي له سعة الفضا
يزجي سحابَ الدمع من عيني أسى
بين الضلوع ضِرامُ برق أومضا(3)
وقوله :
أم هذه الأشجان فيـ
ـنا كالحديث لها شجون(4)
وقوله من نونيته التي أرسلها مع الأستار الديبقية إلى المشهد الحسيني :
وما خلتُ أن القلب يصبح للبكا
قليباً ولا أن العيون عيونُ
وأن عنقود الدُّر من بعد إلفها
نحور الغواني في الخدود تكونُ(5)
ولا ننسى تائيته التي جارى بها تائبة دعبل الخزاعي ، قال دعبل(6) :
(1) مقطوعاته كالتالي : 17 ، 26 ، 34 ، 41 ، 54 ، 56 ، 60 ، 62 ، 70 ، 71 ، 73 ، 74 ، 99 ، 100 ، 101 ، 104 ، 105 ، 107 ، 108 ، 109 .
(2) راجع المقطوعة 107 .
(3) راجع البيت (5 و6) من المقطوعة (54) تحت عنوان : «ذكرت مصابه» .
(4) راجع البيت (4) من المقطوعة (104) تحت عنوان : «الظن واليقين» .
(5) راجع البيتين (4 و5) من المقطوعة (105) تحت عنوان «يوم بكربلاء» .
(6) دعبل : ابن علي الخزاعي توفي عام 246هـ عن 97 سنة كان شاعراً مغلقاً موالياً
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
317
تجاوبن بالأرنان والزفرات
نوائح عجم اللفظ والنطقات(1)
وقال طلائع :
ألائِم دع لومي على صبواتي
فما فات يمحوه الذي هو آتِ(2)
وفي نهاية الحديث عن طلائع بن رزّيك أود الإشارة إلى أمرين :
1 ـ إننا لم نحصل على شعر لطلائع في نقله للرأس الشريف من عسقلان وفي بناء المرقد الحسيني بالقاهرة ، وهذا مما يدعو إلى الغرابة مما لا يتناسب مع ذاك الاهتمام الذي أولاه وهو في أوج عظمته وقد احتفل احتفالاً رسمياً وشعبياً عظيماً بهذه المناسبة التي قيل عنها : ان القاهرة بكل طبقاتها وأجيالها وجالياتها اصطفت على قارعة الطريق المؤدي إلى المرقد الحسيني والموائد كانت ممتدة على أطراف الأزقة والطرق والناس زرافات يمشون في الأسواق والشوارع ينشدون المراثي والأشعار ، والتجار يوزعون الصدقات والثياب على الفقراء والمعوزين والوعاظ والقراء والشعراء يقرؤون الأشعار ويتلون قصة استشهاد أبي عبد الله الحسين عليه السلام ويذكرون سيرته ، وأرباب السياسة والعلم يمشون في موكب الرأس الشريف في شكل مهيب للغاية حتى أودع في المكان المعروف باسم مشهد رأس الحسين عليه السلام إلى يومنا هذا وكان ذلك يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى عام 548هـ(3) ولم يصلنا غير بيت من قصيدة واحدة في هذا الحدث العظيم وهو القاضي المهذب الذي يقول عنها الشبراوي(4) : وأنشد المهذب بن الزبير قصيدة طويلة(5) ذكر منها هذا البيت :
= لأهل البيت عليهم السلام لم يمدح الملوك والأمراء ، نقل عنه الجاحظ : ليس من يوم ذر شارقه إلا وأنا أقول فيه شعراً ، كانت له صداقة مع البحتري وأبي تمام .
(1) راجع المقطوعة السابعة بعنوان : «منازل آيات» ديوان القرن الثالث ص : 48 .
(2) راجع المقطوعة (17) تحت عنوان «شبتُ قبل لداتي» .
(3) راجع باب تاريخ المراقد.. الحسين وأهل بيته وأنصاره من هذه الموسوعة .
(4) الشبراوي : عبد الله بن محمد بن عامر الشافعي (1092 ـ 1171هـ) فقيه محدث أديب شاعر ولي مشيخة الأزهر له مؤلفات منها : «نزهة الأبصار في رقايق الأشعار» كما أن له ديوان شعر وله كتاب : «الإتحاف بحب الأشراف» .
(5) الإتحاف بحب الأشراف : 82 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
318
لهف نفسي لرؤوس نقلت
بعد مثواها هنا ثم هنا(1)
وهذا غريب جداً مما يؤكد لنا أن يد العبث لعبت دوراً أثيماً في ضياع هذه القصائد .
2 ـ ذكر جامع ديوان طلائع بن رزّيك أنه أنشأ قصيدته اللامية في مدح العترة الطاهرة عليهم السلام وعدد فيها مناقبهم وفضائلهم وذكر فيها مقتل الإمام الحسين عليه السلام واستشهاده ثم أمر شعراء عصره بأن ينظموا على نفس الوزن والروي وإنشاد شعرهم فعمل كل منهم(2) بما طلب ومطلع اللامية هو :
خلصت من خدعات الأعين النجل
ونبت من تبعات اللهو والغزل(3)
ولكننا لم نعثر على قصيدة واحدة من تلك بل ولا بيتاً واحداً مما يدلنا على أن عدداً كبيراً من القصائد الحسينية قد قضي عليها من قبل الحاكمين على مصر بعد الفاطميين حيث التطرف الديني الذي ساد في تلك الفترة الزمنية التي ظلم فيها شيعة البيت العلوي الطاهر .
ـ وممن أبدع في هذا القرن ابن حكينا الحسن بن أحمد البغدادي(4) المتوفى عام 528هـ في الرد على من عاتبه على اكتحاله في يوم عاشوراء بقوله :
ولائم لام في اكتحالي
يوم استباحوا دم الحسين
فقلتُ دعني أحق عضو
ألبسُ فيه السوادَ عيني(5)
حيث استطاع الاستفادة من اللوم على الاكتحال بلباقة ذكية ليستخدمه كعلامة للحب ودلالة على الحزن والحداد ، وقد أراد شاعر آخر ألا وهو أحمد ابن عيسى الهاشمي(6) المتوفى عام 593هـ أن يجاريه إلا أنه لم يوفق فيما قاله :
(1) راجع المقطوعة : (102) تحت عنوان : «لهف نفسي» .
(2) ديوان طلائع بن رزّيك : 118 .
(3) راجع المقطوعة (74) تحت عنوانه : «منعوا لذيذ الماء» .
(4) ابن حكينا : شاعر بغدادي لطيف الشعر اكثر أشعاره مقطعات ولذا سار شعره بين الناس وحفظته الألسن ، وهناك من ذكره ابن جكينا بالجيم المعجمة وليس بصحيح .
(5) راجع المقطوعة (106) تحت عنوان «دم الحسين» .
(6) الهاشمي : يعرف بابن الغريق من أهل الحريم الظاهري ، وكان شاعراً أديباً توفي عن ثمانين سنة ودفن بباب حرب .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
319
لم أكتحل في صباح يوم
أريق فيه دم الحسين
ألا لحزني وذاك أني
سودت حتى بياض عيني(1)
وهناك فوارق كثيرة بين المقطوعتين ، ويبدو لنا أن ابن حكينا كان دقيقاً في اختيار الكلمات والتعبير أكثر من الهاشمي فبالنسبة إلى الأول فإنه لاحظ الأمور التالية :
1 ـ ذكر اللائم أتم للمعنى .
2 ـ تجاهل اللائم ـ حيث لم يحدده ـ أوقع للمعنى .
3 ـ إطلاق اليوم وذكره دون تقييده بوقت محدد أولى .
4 ـ استخدام كلمة الاستباحة رائع .
5 ـ التعبير باللبس جميل حيث أحيط الكحل بالعين .
6 ـ في بيان أحقية العين بالحداد لطف من جهتين الشرافة ، والبروز .
بينما يرد على الثاني الامور التالية :
1 ـ وقوع النفي في صدر البيت الأول أولاً ووقوع الاستثناء منه في صدر البيت الثاني ثانياً .
2 ـ وقوله صباح غير صحيح تاريخياً حيث أن استشهاد الحسين عليه السلام وقع بعد الزوال . إلا إذا أعيد ضمير «فيه» إلى اليوم .
3 ـ كلمة الإراقة لا تقارن بالاستباحة .
4 ـ الإكتحال لا يسود بياض العين بل الجفنين .
هذا ولقد وقع بيتا ابن حكينا مورد قبول عدد غير قليل من العلماء والأدباء حتى أن عدد الشعراء الذين باروا البيتين ـ فيما وصلنا ـ يتجاوز الخمسة عشر شخصاً وسيأتي ذكر قسم منهم في ديوان القرن السابع الذي يلي هذا القرن .
(1) راجع المقطوعة (117) تحت عنوان «اكتحلت حزناً» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
320
ـ كما أبدع أبو بكر الالوسي(1) فيما نظمه من الشعر في اختلاف المؤرخين حول مدفن الرأس الحسيني الشريف والذي قد يصل إلى خمسة عشر قولاً إلى جانب الأماكن المنسوبة إلى الرأس الشريف حيث قال :
لا تطلبوا رأس الحسين
بشرق أرض أو بغرب
ودعوا الجميع وعرّجوا
نحوي فمشهده بقلبي(2)
حيث عبر عن حبه المفعم وصلته العميقة لمولاه الحسين بأنه مودع في قلبه(3) .
ـ ومن أولئك المبدعين شاعر الاندلس ابن أبي الخصال الشقوري محمد بن معسود(4) المتوفى عام 540هـ حيث يرثي الإمام الحسين عليه السلام في نونيته ويكشف عن ولائه ومدى حسرته لتلك الأجسام الطاهرة التي أناخت بكربلاء ويقول :
يا ليت أني جريح الطف دونهم
أهينُ نفساً تفيد العزَّ مَن هانا
إني لأجعل حزني فيهم ترفا
يكون للذنب تكفيراً وغفرانا
لله عين بكت أبناء فاطمة
ترى البكا لهم تقوى وإيمانا(5)
يتمنى الشاعر أن تهان نفسه وتفدى لتعز أخرى ممن حضرت معركة
(1) أبو بكر الآلوسي : من شعراء بغداد احتملنا أن يكون المؤيد بن عطاف الآلوسي المتوفى عام 557هـ والالوسي نسبة إلى آلوس الواقعة على نهر الفرات بالقرب من حديثةو عانة وكان يعد من أعيان شعراء عصره سجن عشر سنين (545 ـ 555هـ) من قبل المقتفي لأمر الله العباسي .
(2) راجع المقطوعة (12) بعنوان : «مشهده بقلبي» .
(3) هذا وقد جاراه الشاعر مهدي الفلوجي المتوفى عام 1357هـ بقوله :
لا تطلبوا رأس الحسين فإنه
لا في حمى ثاو ولا في واد
لكنما صفو الولاء يدلّكم
في أنه المقبور وسط فؤادي
(4) الشقوري : هو ذو الوزارتين أبو عبد الله المعروف بابن أبي الخصال الغافقي ولد في شقورة عام 465هـ ونشأ بها ثم انتقل إلى قرطبة تولى رئاسة كتاب الأندلس وسكن فاس أيضاً ، وكان شاعراً مرتجلاً عارفاً بالتاريخ له مصنفات منها «مجموع ترسّل وشعر» في خمس مجلدات ، و«عمّا الرسول» وغيرهما .
(5) راجع الأبيات (3 ـ 5) من المقطوعة رقم (98) تحت عنوان : «قم لله شاكراً» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
321
الطف الحزينة . كما يعتبر توفيقه للحزن عليهم نعمة يمكنه أن يكفر بها عن ذنبه ليشغله غفران الله تعالى ثم يترفع في ولائه لآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيرى أن البكاء فيهم هو عين التقى والإيمان .
ـ وما أجمل قول ابن الصيفي حيص بيص سعد بن محمد التميمي(1) المتوفى عام 574هـ القائل :
ملكنا فكان العفو منا سجية
فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما
غدونا عن الاسرى نعف ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالذي فيه ينضح(2)
حيث ينشئ الأبيات عن لسان البيت العلوي معاتباً البيت الأموي ويقارن بين سلوكية كل منها حين أصبح في مركز القرار السياسي والعسكري ويطرح صوراً من تلك الحقائق التي مارسها كل من الطرفين ، البيت العلوي تسلم إليه السلطة فيعفو عمن قاتلوه وعارضوه لكرم خلقه وحسن طبيعته ويطلق أسرى الحرب ويصفح عنهم رحمة بهم ، وأما البيت الأموي فإنه حينما يقفز إلى الحكم يضع السيف في الرقاب لمجرد التهمة بقرار تعسفي ألا وهو : الأخذ بالتهمة والقتل على الظنة(3) ، ويُحل قتل أسرى الحرب للتخلص من تبعاتهم ، وينسب الشاعر هذه المفارقة بين البيتين إلى الخلفية الثقافية والعقائدية التي يمتلكها كل منهما فيقول : «وكل إناء بالذي فيه ينضح» .
ولروعة هذه الأبيات جرى الشطر الأخير منه على ألسن الناس مجرى المثل ، ومما يؤكد حسن تعبير الشاعر أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يرشد
(1) الحيص بيص الصيفي : كان فقيهاً شاعراً وأديباً كاتباً عالماً بأخبار الناس وأشعار العرب يصل نسبه إلى أكتم بن الصيفي وكان يتدين بالشافعية توفي في بغداد في السادس من شعبان ودفن في مقابر قريش .
(2) راجع المقطوعة (25) تحت عنوان : «الإناء ينضح بما فيه» .
(3) جاء في بحار الأنوار : 44/126 في كتاب معاوية إلى واليه زياد بن أبيه «انظروا من قبلكم من شيعة علي واتهمتموه بحبه فاقتلوه وإن لم تقم عليه البينة ، فقتلوهم على التهمة والظنة والشبهة تحت كل حجر» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
322
من سأله في الرؤيا(1) عما فعلته أمية في ابنه الحسين عليه السلام في وقعة كربلاء رغم ما قدمه أبو الحسين وجده لآباء القوم وأجدادهم في فتح مكة إلى مراجعة الشاعر ليتلو عليه هذه الأبيات المباركة .
ولوقع هذه الأبيات قام عدد من العلماء والأدباء بتضمينها في قصائدهم وتخميسها .
ـ ولأخطب خوارزم الموفق بن أحمد الخوارزمي(2) المتوفى عام 568هـ عشر قصائد ومقطوعات شعرية في هذا الديوان نختار منها بداية إحداها حيث يقول :
إذا ذكرتْ نفسي مصائب فاطم
بأولادها هانت عليّ مصائبي
ولم أتذكر منعهم عن مشارب
على ظمأ إلا وعفت مشاربي(3)
ونشفعهما ببيتين آخرين له ليتم المعنى :
نعم بادّكاري كربلاء ومن بها
تفاقم كربي واستحم بلائي
وانفد عيني ماءها ببكائها
عليهم وقد أمددتها بدمائي(4)
نجد فيها تصويراً جميلاً حيث يريد القول بأن النفس قد تطبعت على عدم الاكتراث بما يصيبها فيما لو تذكرت مصاب الحسين بكربلاء كما أنه لا يمكنه شرب الماء حين يذكر عطشهم في ذلك اليوم العصيب ، وتأتي الثانية مكملة للأولى حيث يبين الفلسفة من وراء عدم اكتراثه بمصيبته لأنه عندما يتذكر ما جرى بالطف يزداد هماً وكرباً ويشتد بلاؤه فتصغر عندها مصائبه بل
(1) ينقل الكرمي في كتابه قول على قول : 5/341 عن ابن خلكان في وفيات الأعيان : 2/364 ما موجزه أن الشيخ نصر الله بن مجلّي رأى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في المنام فسأله عن يوم فتح مكة وقولتهم «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» بينما يقتل ابنك الحسين في كربلاء من قبل أبناء الأمويين فأرشده إلى الحيص بيص ليقرأ عليه الأبيات ولم يكن الشاعر قد أباح بشعره بعد ـ راجع باب الرؤيا.. مشاهدات وتأويل ، وباب الأمثال من هذه الموسوعة .
(2) مضت ترجمته في التمهيد .
(3) راجع المقطوعة (9) تحت عنوان : «لا عدّ لفضائلهم» .
(4) راجع المقطوعة (1) تحت عنوان : «تفاقم كربي» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
323
تذوب أمامها ، ويواصل وصف ما يجري عليه عند الوقوف على تلك الذكريات من البكاء المتواصل الذي تنفد عنده الدموع فيمدها بالدماء لعظم هول ما جرى على آل المصطفى ، وفي هذا المعنى يقول طلائع بن رزّيك(1) :
ألا كل رزء بعد يوم بكربلا
وبعد مصاب ابن النبي يهون(2)
ـ ونشير هنا إلى بيت من اللامية الرائعة للقاضي الجليس عبد العزيز بن الحسين السعدي الذي يقول :
دم النبي الطهر من سبطه
سال على أسياف اقتاله(3)
حيث يجسد قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حق سبطه : «حسين مني وأنا من حسين»(4) فيرى أن دم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جرى من أوداج الحسين عليه السلام على أسياف الأعداء وذلك لأنهما نفس واحدة جسدين .
وقريب من هذا المعنى ورد في شعر صفوان بن إدريس المرسي(5) المتوفى عام 598هـ حيث يقول في ميميته الرائعة :
على مشهد لو كنت حاضر أهله
لعاينت أعضاء النبي تقسّم(6)
وعلى ذكر صفوان المرسي أود الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من أشعاره في الإمام الحسين عليه السلام قد غابت عنّا حيث لم يصلنا غير مقطوعة واحدة
(1) ويقول عبد الحسين بن محمد علي الأعسم المتوفى سنة 1247هـ .
أنست رزيتكم رزايانا التي
سبقت وهونت الرزايا الآتية
(2) راجع البيت (24) من المقطوعة : (105) تحت عنوان : «يوم بكربلاء» .
(3) راجع البيت (3) من المقطوعة (75) بعنوان : «ما خاب من رجا نداه» .
(4) راجع باب الحسين في السنة من هذه الموسوعة .
(5) صفوان المرسي : هو أبو البحر التجيبي المولود عام 560هـ رحل إلى مراكش فقصد دار الخلافة مادحاً فما تيسر له شيء فقال : له مدحت أهل البيت لبلغت أملي فمدحهم ، وبينما هو عازم على الرجوع طلبه الحاكم الموحدي فقضى مأربه فعكف على مدح أهل البيت عليهم السلام ورثائهم ، قيل عنه إنه كان أنبه أهل الأندلس في عصره له «كتاب زاد المسافر» .
راجع البيت (3) من المقطوعة (88) بعنوان : «انتصر للسبط» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
324
أثبتناها في هذا الديوان . رغم أن مترجميه ذكروا بأنه قصر مدائحه على أهل البيت عليهم السلام وأكثر من تأبيه الحسين عليهم السلام(1) وفي بعض تراجمه أنه عكف على مدح آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ورثائهم(2) فأين تلك المراثي والمدائح الحسينية التي عكف على نظمها....
ـ هذا ولقد أبدع ابن الجوزي عبد الرحمان بن علي الحنبلي(3) المتوفى عام 597هـ في قوله :
ولما رأوا بعض الحياة مذلة
عليهم وعز الموت غير محرم
أبوا أن يذوقوا العيش والذل واقع
عليه وماتوا ميتة لم تذمم
ولا عجب للأُسد إن ظفرت بها
كلابُ الأعادي من فصيح وأعجم(4)
حيث اعبتر الجزء اليسير من الذل كافٍ في تقديم كرامة الشهادة على ذلك العيش .
ـ وللتعاويذي محمد بن عبيد الله(5) المتوفى عام 584هـ(5) تعبير جميل عن الشهادة والموت الكريم حيث يقول :
ولو رام الحياة نجا إليها
بعزمته نجاء المضرحي
ولكن المنية تحت ظِل الـ
ـرقاق البيض أجدَرُ بالأبي(6)
(1) راجع كتاب المقرب لابن سعد .
(2) راجع ترجمته في معجم الشعراء من هذه الموسوعة .
(3) ابن الجوزي : هو أبو الفرج البكري الذي له يد طولى في التفسير والحديث وصناعة الوعظ وفي أكثر العلوم صنف في فنون عديدة يقال إنه جمعت براء قلمه التي كتب بها الحديث فحصل منها شيء كثير وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها ، ومن مصنفاته : «الرد على المتعصب العنيد المانع عن لعن يزيد» رد على عبد المغيث بن زهير الحنبلي حيث صنف كتاباً في فضائل يزيد بن معاوية ـ الكنى والألقاب : 1/248 .
(4) راجع المقطوعة (90) بعنوان : «أبوا الذل» .
(5) التعاويذي : كان من كبار الشيعة ، اجتمع في شعره جزالة الألفاظ وعذوبتها ودقة المعاني ، توفي في بغداد .
(6) راجع البيتين (45 و46) من المقطوعة (129) بعنوان : «يوم الطف» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
325
وفي نهاية المطاف نشير إلى بيتين من مجزوء الرجز لم نتعرف على قائلهما وفيهما شيء من البراعة حيث عبر عن مدى حبه لآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله :
أربعة مذهبة
لكل هم وحزن
حب النبي والوصـ
ـيّ والحسين والحسن(1)
ولعله أراد أن يعارض بها قول الشاعر :
ثلاثة يذهبن عن وجهي الحزن
الماء والخضراء والوجه الحسن
أراد أن يعارضه في الأسباب التي توجب رفع الهم والغم من وجهة نظره ومن زاوية محجره فحددها بمحبة هؤلاء الأربعة إلا أنه لم يوفق لأمرين :
1 ـ في قوله أربعة ومفرداتها فالمقصود حبهم جميعاً وظاهر اللفظ كل واحد منهم أو بالعكس .
رغم عدم فهم الحصر من كلامه في الصفوة الأربعة إلا أن في عدم ذكره للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام خلافاً لما تعارف عليه أهل الفن .
ولولا الامران لكان من أروع ما قيل في هذا الباب .
إلى هنا آن بنا الأوان أن ننهي هذا القرن حتى نجتاز إلى قرن آخر آملين من الله جل وعلا التوفيق والتسديد إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
(1) راجع المقطوعة (124) بعنوان : «حب الحسين» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
326
استدراك على ديوان القرن الخامس
حسين الخير(*)
ثلاثة أبيات من البسيط(**) :
1 ـ ما لِلَّيالي أمالَ اللهُ عثرَتَنا
منها تُصَرِّعُ أضْداداً بأضدادِ
2 ـ فَلَّتْ قَنا سَمْهَرٍ شَلَّتْ أناملُها
بِعودِ طلحٍ وأسيافاً بأغمادِ
3 ـ فعوَّضَتْ مِن حسينِ الخيرِ أو حسنٍ
بالأرقَطِ ابْنِ أبيه أو بِعَبّادِ
(*) الأبيات لعبد المجيد (ابن عبدون) بن عبد الله الفهري المتوفى بعد سنة 487هـ وقيل عام 520هـ من قصيدة أبَّنَ بها الوزير عبد الملك بن سراج بن عبد الله المتوفى عام 489هـ مطلعها :
ما منك يا موت لا واقِ ولا فادي
الحكم حكمكَ في القاري وفي البادي
(**) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة : 5/817 .
(1) أقام الله عثرتك : أنهضك من سقوطك .
(2) فلّ السيفَ : ثلمه .
السمهري : الرمح الصلب ، وسمهر : اسم رجل كان يقوّم الرماح ، وهو المراد حيث أضاف إليه القنا .
(3) الأرقط : أراد به زياد بن أبيه (1 ـ 53هـ) ألحقه معاوية بن أبي سفيان بأبيه وكان من ولاته على الكوفة .
عباد : هو أبو حرب عباد بن زياد بن أبيه المتوفى عام 100هـ ولي سجستان من قبل معاوية عام 53هـ .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
327
استدراك على ديوان القرن الثاث
السيد المدعو شبيراً(*)
بيت من السريع(**) :
1 ـ والسّيِّدُ المدْعو شَبيراً ومَن
يُدعى بِسِبطِ المصطفى شَبَّرِ
(*) البيت لداوود بن القاسم الجعفري المتوفى عام 261هـ من قصيدة أنشدها الإمام الجواد عليه السلام مطلعها :
يا حجة الله أبا جعفر
وابن البشير المصطفى المنذر
(**) أعيان الشيعة : 6/381 .
(1) شبَّر وشبير : هما الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام . ولعل نصب : «شبيراً» بتقدير عمل المفعول .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
328
النقد
انطلاقاً من مبدأ أنّ الكمال لله وحده جلّ وعلا نرحّب بكل نقد بنّاء يردنا ، وسيؤخذ بعين الاعتبار في سير عملنا إنشاء الله تعالى ، كما وسيثبت نصه في الجزء الأخير من الموسوعة المسمى بالخاتمة والمخصص للتقريظ والنقد ونحوهما .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس
329
نداء
نهيب بذي القلوب النابضة بالعلم والثقافة ، ونستمد العون من أرباب الفضل والمعرفة لتزويدنا بما لديهم من معلومات حسينية لإسعاف هذه الموسوعة «دائرة المعارف الحسينية» التي تولت دراسة كل ما له علاقة بالإمام الحسين عليه السلام ونهضته المباركة وأنصاره الكرام ، والتفضيل بإرسالها على العنوان التالي :