جهاد الامام السجاد عليه السلام 222

وقد اعتمد الإمام زين العابدين عليه السلام على هذه القاعدة الإسلامية ، وجعلها ركيزة في مقاومة النظام الفاسد ، وحاول تجريده من سلاح الوعّاظ المحيطين به ، المتزلّفين ، الذين تمرّر السلطة على وجودهم ما تقوم به من إجراء ، ويحسّنون بذلك أفعالها أمام العوامّ ، ويوقع علماء الزور على آثامها.
ففي الحديث أن الإمام السجاد عليه السلام كان يقول : العامل بالظلم ، والمعين له ، والراضي به : شركاء ثلاثة (1).
وكان يحذّر الناس من التورّط في أعمال الظلمة ، ولو بتكثير سوادهم والحضور في مجالسهم ، والانخراط في صحبتهم ، لان الظالم لا يريد الصالح لكي يستفيد من صلاحه ، وإنما يريده : إما لتوريطه في مظالمه وآثامه ، أو أن يجعله جسرا يعبر عليه للوصول الى مآربه وأهدافه الفاسدة.
فكان الإمام عليه السلام يقول :
لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم ، إلاّ أوشك أن يقول فيه من الشرّ ما لا يعلم ، ولا اصطحب اثنان على غير طاعة الله ، إلاّ أوشك أن يتفرّقا على غير طاعة الله (2).
فبعض ظاهري الصلاح يتصوّر أن اصطحاب الظالمين لا يضرّه شيئا ، وإنما يفيد من خلاله خدمة ، أو على الأقل يكفيه شرا ويدفع عنه ضررا !
ولكنّه تصوّر خاطىء ، مرتكز على الغفلة عن الذي قلناه من استغلال الظالم لصحبة الصالحين لتوريطهم ، أو تمرير أغراضه عبر سمعتهم ، وهو لا يصحبهم على أساس الطاعة قطعا ، فلابدّ أن يتفرّقا على غير طاعة الله أيضا ، وهذا أقلّ الأضرار الحاصلة من هذه المصاحبة الخطرة.
كما أن الذي يعيش مع الظالم ، ولو لفترة قصيرة ، فإن اصطحابه لا يخلو من كلمات التزلّف والمجاملة ، والملاطفة بما لا واقع لكثير منه ، ولو بعمل مثل الأحترام والتبجيل ، وهذا كلّه ممّا يزيد من غرور الظالم وهو تصديق لما يقول ، وتوقيع على ما يفعل.
كما أن فيه تغريرا للناس البسطاء الذين يرون الصالحين في صحبة الظالم ،

(1) بلاغة علي بن الحسين (224) عن الأثني عشرية ، للعاملي.
(2) تاريخ دمشق ( الحديث 128 ) ومختصره لابن منظور ( 17 : 24 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 223

فيعتبرون ذلك تصويبا لتصرفاته ، وإسباغا للشرعية عليها.
بل ، إن مجرد سكوت من يصحب الظالم ، على ما يرى من فعله ، هو جريمة يحاسب عليها.
وقد كان الإمام زين العابدين عليه السلام يسعى بكلّ الوسائل من النصح والموعظة والإرشاد ، الى التخويف والتهديد ، الى الفضح والتشهير ، في سبيل إقناع المتصلين بالأمويين من علماء السوء ، ليرتدعوا ، ويتركوا الارتباط بالبلاط ، هادفا من وراء ذلك فضح الحكّام ، وتجريدهم عن كلّ أشكال الشرعية.
ومن أعلام البلاط الذين ركّز الإمام عليه السلام جهوده في سبيل قطع ارتباطه بالحكام هو : الزهري.
الذي أكسبه الأمويون ـ زورا وبهتانا ـ شهرة عظيمة ، وروّجوا له ، ونفخوا في جلده ، حتى جعلوه من أوثق الرواة في نظر الناس.
بينما كان من المنحرفين عن الإمام علي عليه السلام (1).
وقال محمد بن شيبة : شهدت مسجد المدينة ، فإذا الزهري ، وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليا عليه السلام فنالا منه ! (2).
واشتهر أنه كان يعمل لبني أمية (3) وكان صاحب شرطتهم (4) ولا يختلف الناس أنه كان يأخذ جوائزهم (5).
ولم يزل مع عبدالملك وأولاده هشام وسليمان ويزيد ، وقد استقضاه الأخير (6).
وجميع أهل البيت عليهم السلام يجرحونه ، وتكلّم أناس فيه من غيرهم :
قال عبدالحق الدهلوي : إنّه قد ابتلي بصحبة الأمراء ، وبقلّة الديانة ، وكان أقرانه من العلماء والزهّاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه.

(1) شرح نهج البلاغة ( 4 ـ 102 ).
(2) شرح نهج البلاغة ( 4 ـ 102 ) والاعتصام بحبل الله المتين ( 2 : 258 ).
(3) تهذيب التهذيب ( 4 : 225 ).
(4) الجامع لأخلاق الراوي ( 2/203 ).
(5) الاعتصام ( 1 : 285 ).
(6) لاحظ وفيات الإعيان ، لابن خلكان ( 3 : 371 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 224

وكان يقول : أنا شريك في خيرهم دون شرّهم !
فيقولون له : ألا ترى ما هم فيه ، وتسكت ؟! (1)
ولذلك ـ أيضا ـ كانوا يعلنون : « من كان يأتي السلطان ، فلا يحضر مجلسنا » (2).
وفي علوم الحديث للحاكم : قيل ليحيى بن معين : الإعمش خير أم الزهري ؟
فقال : برئت منه إن كان مثل الزهري ، إنه كان يعمل لبني أمية ، والإعمش مجانب للسلطان ، ورع (3).
وفي ميزان الذهبي في ترجمة خارجة بن مصعب أنه قال : قدمت على الزهري ـ وهو صاحب شرطة بني أمية ـ فرأيته يركب وفي يده حربة ، وبين يديه الناس ، وفي أيديهم الكافركوبات !
فقلت : قبّح الله ذا من عالم ، فلم أسمع منه (4).
وقد عدّه ابن حجر في من أكثر من التدليس وقال : وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بالتدليس (5).
وقال القاسم بن محمد ـ من أئمة الزيدية ـ : أمّا الزهري فلا يختلف المحدثون وأهل التاريخ في أنه كان مدلسا (6) ، وأنه كان من أعوان الظلمة بني أمية ، وقد أقرّوه على شرطتهم (7).
وقال الشيخ محمد محمد أبو شهبة : اعتبروا من الجرح الذهاب الى بيوت الحكّام ، وقبول جوائزهم ، ونحو ذلك مما راعوا فيه إن الدوافع النفسيّة قد تحمل صاحبها

(1) رجال المشكاة ، للدهولي.
(2) رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ( 1/530 ) ضمن كلام الفزاري ، ونقل ابن حجر الكلام في ترجمته في تهذيب التهذيب ( 1/152 ) إلاّ أنه حذف هذه الجملة !
(3) الاعتصام ( 2 : 257 ) ومعرفة علوم الحديث للحاكم ( ص 54 ).
(4) الاعتصام ( 2 : 257 ) وميزان الاعتدال ( 1 : 625 ) والكامل لابن عديّ ( 3/922 ).
(5) تعريف أهل التقديس ( ص 109 ) رقم ( 102 ).
(6) لاحظ طبقات المدلسين لابن حجر ( ص 15 ) وانظر الجامع لاخلاق الراوي ( 1/191 ) الحديث 131.
(7) الاعتصام ( 2 : 257 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 225

على الأنحراف (1).
وقد جرح أبو حازم سلمة بن دينار ، الزهري لما أرسل اليه سليمان بن هشام بن عبدالملك ، ومعه ابن شهاب الزهري ، فدخل ابو حازم فإذا سليمان متكىء ، وابن شهاب عند رجليه ، فقال أبو حازم كلمات لاذعة لابن شهاب ، منها قوله : « إنّك نسيت الله ، ما كلّ من يرسل إليّ آتيه ، فلولا الفرق من شرّكم ما جئتكم... » (2).
ولقد تكلّم فيه شيخ أهل الجرح والتعديل يحيى بن معين بكلام خشن ـ حول قتل الزهري لغلامه ـ وقال : إنه ولي الخراج لبعض بني أمية (3).
وقال يحيى بن معين في معرفة رجاله : هجا عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ـ وكان أعمى ـ : الزهري وصالح بن كيسان ، ومعاوية بن عبدالله بن جعفر ، في بيت واحد فقال :
ليس بإخوان الثقات ابـن مسلم ولا صالح ولا الطويــل معاوية (4)

فنفى ابن معين الوثاقة عن الزهري على لسان الشاعر ، وهو لو لم يوافق عليه ولم يعتقده لم ينقله أو لردّ عليه ، لكنه لم يفعل.
وقال القاسم بن محمد : أليس كان بنو أمية وأتباعهم يلعنون عليا عليه السلام على المنابر ، وابن شهاب يسمع ويرى ، فماله ما يغضب ويظهر علمه ؟! (5).
وقال السيّد مجدالدين المؤيّدي : أما كون الزهري من أعوان الظلمة فمما لا خلاف فيه ، وقد قدح فيه نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم.
وابن شهاب ممن لا يعدّلون ، بطاعة بني أمية ، وتلبيسه وتحريفه ـ لمكان كثرة

(1) دفاع عن السنة ( ص 31 ) وانظر قصة حماد بن سلمة مع أمير البصرة ، في الجامع لأخلاق الراوي ( 1/7 ـ 568 ) وحلية الأولياء ( 6/249 ).
(2) الاعتصام ( 2 : 258 ) والكلام بطوله في الإمامة والسياسة ( 2 : 105 ـ 110 ).
(3) انظر جامع بيان العلم للقرطبي ( 2/160 ) وصرح بانه ترك الكلام الخشن لانه لا يليق بمثله ، ولكن لم نجد ذكرا لمثل ذلك في رجال أبن معين ، ولعلّ الطابعين أيضا تركوا ذلك رعاية لما يليق بالزهري ، وان كان فيه إساءة الى ابن معين والى التراث بالخيانة فيه.
(4) معرفة الرجال ( 2/50 ) رقم ( 80 ).
(5) الاعتصام ( 2 : 260 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 226

وفادته اليهم ـ معروف ، وهو لسان بني أمية (1).
وقال المؤيد بالله في شرح التجريد : الزهري عندنا في غاية السقوط (2).
واستعمل الإمام زين العابدين عليه السلام أساليب عديدة لإتمام الحجّة على الزهري ، ليعتبر به هو وأمثاله ، وكان التركيز عليه لكونه أكبر علماء البلاط ، وأعرفهم عند العوام :
فمن أساليبه :
إسماعه المواعظ في المناجاة.


قال الزهري : سمعت علي بن الحسين سيّد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربّه ، ويقول :
حتّام الى الدنيا غرورك : والى عمارتها ركونك... ؟ (3).
ولما سأله الزهري : أيّ الأعمال أفضل عند الله تعالى ؟
فقال عليه السلام : ما من عمل بعد معرفة الله تعالى ومعرفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من بغض الدنيا ، وإن لذلك لشعباً كثيرة ، وللمعاصي شعبا : فأول ما عصي الله به : الكبر... ثم الحسد. فتشعّب من ذلك حبّ النساء ، وحبّ الدنيا ، وحبّ الرئاسة ، وحبّ الراحة ، وحبّ الكلام ، وحبّ العلوّ والثروة ، فصرن سبع خصال.
فاجتمعن كلهنّ في حبّ الدنيا ، فقال الانبياء والعلماء : « حبّ الدنيا رأس كل خطيئة » والدنيا دنياوان : دنيا بلاغ : ودنيا ملعونة
(4).
ومنها : التنبيه الخاص :


قال المدائني : قارف الزهري ذنبا استوحش منه ، وهام على وجهه ، فقال له علي ابن الحسين : يا زهري ، قنوطك من رحمة الله التي وسعت كلّ شيء أعظم عليك من ذنبك .

(1) لوامع الانوار ( ص 79 ).
(2) لوامع الانوار ( ص 110 ) وقد ألّف سماحة السيد بدرالدين الحوثي حول ( الزهري ) كتابا حافلا في فصلين ، فليراجع.
(3) الى آخر ما ذكره عليه السلام.
(4) الكافي ( 2 : 130 ) المحجة البيضاء ( 5 : 365 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 227

فقال الزهري :« الله أعلم حيث يجعل رسالته » [ الأنعام «6» الآية «124» ] فرجع الى ماله وأهله (1).
وكان يقول ـ بعد ذلك ـ : علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منّة (2).
ومنها : التصغير والتهوين :


فحيثما كان الزهري وعروة بن الزبير ينالان من الإمام علي عليه السلام ، بلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام فجاء حتى وقف عليهما ، وقال :
أمّا أنت يا عروة ، فإنّ أبي حاكم أباك الى الله فحكم لأبي على أبيك.
وأمّا أنت يا زهري ، فلو كنت بمكة لأريتك كيرَ أبيك
(3).
ومنها : التكذيب لتزلّفاته :


ففي الحديث أن الزهري قال لعلي بن الحسين عليه السلام : كان معاوية يسكته الحلم ، وينطقه العلم !
فقال الإمام عليه السلام : كذبت يا زهري ، كان يسكته الحصَر ، وينطقه البَطَر (4).
ومنها : الرسالة التي وجّهها الإمام عليه السلام إليه :


ويبدو أن الزهري لم يأبه بكلّ النصائح والتوجيهات السابقة ، فتوغّل في دوّامة الحكم الغاشم ، والتحق بالبلاط الشاميّ ، فلم يتركه الإمام عليه السلام ، بل أرسل إليه رسالة دامغة ، يصرّح فيها بكل أغراضه ، ويكشف له ، ولأمثاله ، أخطار الاتصال بالأجهزة الظالمة.
وقد رواها العامة والخاصة ، ونصّ الغزّالي على أنها كتبت الى الزهري « لما خالط السلطان » (5).

(1) مختصر تاريخ دمشق ( 17 : 245 ) وكشف الغمة ( 2 : 302 ) وبحار الأنوار ( 46 : 7 ).
(2) تاريخ دمشق ( الحديث 125 ) ومختصره لابن منظور ( 17 : 246 ).
(3) شرح نهج البلاغة ( 4 : 102 ).
(4) الاعتصام ( 2 : 257 ) وانظر نزهة الناظر ( ص 43 ).
(5) إحياء علوم الدين ( 2 : 143 ) وانظر المحجة البيضاء في إحياء الاحياء ( 3 : 260 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 228

ورواها من أعلامنا ابن شعبة ، ونعتمد نسخته هنا (1) قال :
كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري ، يعظه :
كفانا الله ، وإياك ، من الفتن ، ورحمك من النار ، فقد اصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك ، فقد أثقلتك نعم الله بما أصحّ من بدنك ، وأطال من عمرك ، وقامت عليك حجج الله بما حمّلك من كتابه ، وفقّهك من دينه ، وعرّفك من سنّة نبيّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرضي لك ـ في كل نعمة أنعم بها عليك ، وفي كلّ حجة احتجّ بها عليك ـ الفرض بما قضى ، فما قضى إلاّ ابتلى شكرك في ذلك ، وأبدى فيه فضله عليك ، فقال : « لئن شكرتم لأزيدنّكم ، ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد »[ إبراهيم «14» الآية «7» ].
فانظر : أيّ رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله ! فسألك عن نعمه عليك : كيف رعيتها ؟ وعن حججه عليك : كيف قضيتها ؟
ولا تحسبنّ الله قابلا منك بالتعذير ، ولا راضيا منك بالتقصير !
هيهات ! هيهات ! ليس كذلك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال
: « لتبيّننّه للناس ولا تكتمونه » [ آل عمران «3» الآية «187» ].
واعلم أن أدنى ما كتمت ، وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ، وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت ، وإجابتك له حين دعيت !
فما أخوفني أن تبوء بإثمك غدا ، مع الخونة ، وأن تسأل عمّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك ، ودنوت ممّن لم يردّ على أحد حقّا ، ولم تردّ باطلا حين أدناك ، وأحببت من حادّ الله !
أو ليس بدعائهم إيّاك حين دعوك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسرا يعبرون عليك الى بلاياهم ، وسلّما الى ضلالتهم.
داعيا الى غيّهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم.
فلم يبلغ أخصّ وزرائهم ، ولا أقوى أعوانهم إلاّ دون ما بلغت من إصلاح فسادهم ،


(1) تحف العقول ( ص 274 ) والمحجة البيضاء ( 3 : 260 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 229

واختلاف الخاصّة والعامة إليهم.
فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمّروا لك في كنف ما خربّوا عليك ؟
فانظر لنفسك ، فإنه لا ينظر لها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول.
وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ؟
فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه
: « فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا » [ الأعراف «7» الآية «169» ].
إنّك لست في دار مقام ، أنت في دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه ؟
طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يابؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده.
إحذر فقد نبّئت ، وبادر فقد أجّلت.
إنّك تعامل من لا يجهل ، وإنّ الذي يحفظ عليك لا يغفل.
تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد ، وداو دينك فقد دخله سقم شديد.
ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكنّي أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك ، ويردّ إليك ما عزب من دينك ، وذكرت قول الله تعالى في كتابه
: « وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين » [ الذاريات «51» الآية «55» ].
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك ، وبقيت بعدهم كقرن أعضب.
انظر : هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به ؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ؟ أم هل تراهم ذكرت خيرا أهملوه ؟ وعلمت شيئا جهلوه ؟
بل : حظيت بما حلّ من حالك في صدور العامة ، وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك ، إن أحللت أحلّوا ، وإن حرّمت حرّموا ، وليس ذلك عندك ، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم في ما لديك ذهاب علمائهم ، وغلبة الجهل عليك وعليهم ، وحب الرئاسة ، وطلب الدنيا منك ومنهم.
أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة ؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟
قد ابتليتهم ، وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم ممّا رأوا ، فتاقت نفوسهم الى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه ، وفي


جهاد الامام السجاد عليه السلام 230

بلاء لا يقدّر قدره.
فالله لنا ولك ، وهو المستعان.
أمّا بعد :
فأعرض عن كلّ ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ، لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ، ولا يفتنون بها.
رغبوا ، فطلبوا ، فما لبثوا أن لحقوا.
فإن كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ ، مع كبر سنّك ، ورسوخ علمك ، وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنّه ؟ الجاهل في علمه ؟ المأفون في رأيه ؟ المدخول في عقله ؟
إنا لله وإنا إليه راجعون.
على من المعوّل ؟ وعند من المستعتب ؟
نشكوا الى الله بثّنا ، وما نرى فيك ، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك !
فانظر :
كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ؟
وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا ؟
وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا ؟
وكيف قربك أو بعدك ممّن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا ؟
مالك لا تنتبه من نعستك ؟ وتستقيل من عثرتك ؟ فتقول : والله ما قمت لله مقاما واحدا أحييت به له دينا ! أو أمتّ له فيه باطلا ؟
فهذا شكرك من استحملك ؟!
ما أخوفني أن تكون كما قال الله تعالى في كتابه
: « أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا »[ مريم «19» الآية «59» ].
استحملك كتابه ، واستودعك علمه ، فأضعتهما !
فنحمد الله الذي عافانا ممّا ابتلاك به !
والسلام
(1).

(1) روى الرسالة في تحف العقول ( 274 ـ 277 ) ورواها الحائري في : بلاغة علي بن
جهاد الامام السجاد عليه السلام 231

إن هذه الرسالة تدل على سياسة الإمام عليه السلام من جهتين :
فأولا : محتواها يدل على أن الإمام كان يراقب الأوضاع بدقة فائقة ، فهو يضع النقاط على مواضعها من الحروف ، ولا تشذ عنه صغار الأمور فضلاً عن كبارها ؟ ومثل هذا لا يصدر إلاّ ممّن لم ينعزل عن الحياة الاجتماعية ، ولم يزهد في السياسة.
وثانيا : إن إرسال مثل هذه الرسالة الى الزهري ، وهو من أعيان علماء البلاط ، لابدّ أن لا تخفى عن أعين الحكّام ، أو على الأقل يحتمل أن يرفعها الزهري الى أسياده من الحكّام ! وفي هذا من الخطورة على الإمام الذي أرسل الرسالة ما هو واضح وبيّن ، وقد وصفهم فيها بالظلم والفساد ، ونهى ، وحذّر ، وحاول صرف الزهري عن اصطحابهم.
فالسياسة تطفح من جمل هذه الرسالة.
لكنّ الإمام عليه السلام ـ في هذه المرحلة ـ لا يأبه بكل الاحتمالات ، والأخطار المتوقعة ، بل يصارح أعوان الظلمة بكلّ ما يجب إعلانه من الحق ، كما صارح الظالمين أنفسهم بالمواجهة ، والاستفزاز.
وقد وقفنا على شيء من مواجهة الإمام عليه السلام للمتظاهرين بالزهد والصلاح ممن كان يميل باطنا الى الدنيا ، ويحبّ الرئاسة والوجاهة ، وأوضح مصاديق ذلك : هم علماء البلاط ووعّاظ السلاطين الذين ارتبطوا بالولاة والحكّام ، ليستمتعوا باللذات من خلال الحضور معهم ، والتطفّل على موائدهم.

=
الحسين عليه السلام ( ص 122 ـ 126 ) ورواها المقرم في : الإمام زين العابدين ( ص 4 ـ 159 ) ولاحظ إحياء علوم الدين للغزالي ( 2 : 143 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 232

ثالثا : موقفه من الحركات المسلّحة

كان الإمام زين العابدين عليه السلام يخطو نحو أهدافه بحذر تام ، ووعي كامل ، لا يثير انتباه الحكّام والولاة المغرورين ، كي لا يقضوا على حركته وهي في المهد.
فهم ، بانهماكهم في ترفهم واغترارهم بقدراتهم ، كانوا بعيدين عن الأجواء التي يصنعها الإمام عليه السلام ، فكانوا يعدّون مواقفه شخصيّة خاصة وفرديّة ، بل يستوحون منها الانصراف عن التصدّي لأي نشاط سياسيّ.
فلذلك لم يظهر الإمام انتماءا الى أية حركة معارضة للدولة ، ولم يسمح لها أن تتصل بالإمام ، سواء الحركات المتحبّبة إليه ، كحركة التوّابين وحركة المختار ، أو الحركات المحايدة كحركة أهل الحرّة ، أم المعادية له كحركة ابن الزبير في مكة والعراق !
لكن الآثار تشير إلى أن الإمام عليه السلام لم يكن في معزل عن تلك الحركات ، سلبا أو إيجابا ، حسب قربها أو بعدها عن الأهداف الأساسية التي كان الإمام وراء تحقيقها وتثبيتها.
فهو من جهة كان يركّز على خططه العميقة والواسعة ، بالشكل الذي يغرّر بالحكّام الأمويين بصحّة تصورّاتهم عن شغله وشخصه ، حتى أعلنوا عنه أنه « الخير».
ولعلّ رجال الدولة كانوا في رغبة شديدة في الاحتفاظ بهذا التصوّر ، حتى لا يتورّطوا مع آل أبي طالب بأكثر ممّا سبق ، وليتفرّغوا لغير الإمام زين العابدين عليه السلام ممّن اعلن الثورة والمعارضة لهم كابن الزبير ، فلذا نشروا هذا المعنى في علمية تحريف ، ليدفعوا مجموعة من الناس للمشي بسيرة الإمام عليه السلام.
وقد وقف كتاب من مؤرخي عصرنا الحاضر على هذه الأثار ، فأعلنوا : « أنّ الإمام عليه السلام تبنّى مسلكا ، يرفض فيه كلّ تحرك مناهض للسلطة ، ويبتعد عن كلّ نشاط معاد لها » (1).
مع أن الإمام زين العابدين عليه السلام كان يهدف من خلال مواقفه ـ حتى العبادية

(1) الإمام السجاد عليه السلام لحسين باقر ( ص 98 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 233

والعلمية والشخصية منها ـ الى تثبيت مخططاته السياسية كما عرفنا في الفصول السابقة.
وكان مع ذلك يتعامل مع الحركات السياسية الأخرى بشكل مدروس ومدبّر ، حسب المواقع والظروف :
فبالنسبة الى حركة الحرّة :


وجدنا الإمام عليه السلام قد أحرز أنها حركة لم تنبع عن مبدأ يتّفق وضرورات الموقف الإسلامي الصحيح ، فلا القائمون بها كانوا من العارفين بحقّ الإمام عليه السلام ، ولا خططهم المعلنة كانت أساسية ، ولا أهدافهم كانت واضحة أو مدروسة ، واهم ما كانت عليه خطورة الموقع الذي اختاروه للتحرّك ، وهو « المدينة » فقد عرّضوها للجيش الشامي الملحد ، ليدنّس كرامتها ويستهين بمقدّساتها.
وقد عرفنا أن الإمام عليه السلام اتخذ موقف المنجي للمدينة المنكوبة ولأهلها الذين استباح حرماتهم الجيش الأموي.
ولم تكن حركة الحرّة تنبع أمر الإمام عليه السلام ولا قيادته بل ولا إشرافه ، بل كان الإمام عليه السلام يومها في فترة لملمة قواه وتهيئة وضعه ، والتأهّب لخطته المستقبلية.
كما سبق حديث عن ذلك كلّه في الفصل الأول (1).
وأما فتنة ابن الزبير :


فمع أن ابن الزبير لم يكن بأولى من ابن مروان ، في الحكم والسيطرة ، وأن طموحاته المشبوهة كانت مرفوضة لدى أهل الحق ، وخاصة للعلويين وعلى رأسهم الإمام زين العابدين عليه السلام.
ومع ما كان عليه من الحقد والعداء لآل علي عليه السلام (2) ذلك الذي بدأه في حياته بدفع أبيه في أتون حرب الجمل ، وقد حمّله الإمام الصادق عليه السلام ذلك الوزر في كلمته

(1) لاحظ ( ص 65 ـ 72 ) من هذا الكتاب.
(2) فقد قال لابن عباس : إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة. مروج الذهب ( 3 : 84 و 89 ) وانظر تاريخ اليعقوبي ( 2 : 261 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 234

الشهيرة : « ما زال الزبير منا أهل البيت حتى أدرك فرخه فنهاه عن رأيه» (1).
وبدأ في عهد سطوته العداء لآل محمد عليهم السلام بصورة مكشوفة لمّا هدّد مجموعة منهم بالإحراق عليهم في شعب أبي طالب بمكة (2).
وبلغ به حقده أن منع الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلا : « إن له « أهيل سوء » يشمخون بانوفهم » حسب تعبيره الوقح (3).
وكان ـ بحكم معرفته بموقعيّة الإمام السجاد عليه السلام ـ يضع العيون على الإمام يراقبون تصرّفاته (4).
وقد قتل أخوه مصعب الشيعة بالعراق ، حتى النساء (5).
فلذلك كان الإمام يظهر التخوّف من فتنته (6).
ولعلّ من أوضح مبرّرات الإمام في تخوّفه من فتنة ابن الزبير أنّه اتخذ مكة موقعا لحركته ، مما يؤدي عند اندحاره الى أن يعتدي الأمويون على هذه البلدة المقدّسة الآمنة ، وعلى حرمة البيت الحرام والكعبة الشريفة ؟
وقد حصل ذلك فعلا.
مع أن علم الإمام عليه السلام بفشل حركته لضعفه وقلّة أنصاره بالنسبه الى جيوش الدولة الجرّارة ، كان من أسباب امتناع الإمام ومعه كل العلويين من الإعتراف بحركة ابن الزبير.
وهو كان يؤكّد على أخذ البيعة منهم لكسب الشرعية أولا ، ولجرّهم معه الى هاوية الفناء والدمار في ما لو أندحر ، وقد كان متوقعا ذلك ، فيقضي على آل

(1) أرسله الصدوق في الخصال ( ص 157 ) باب الثلاثة ح 199.
(2) تاريخ اليعقوبي ( 2 : 261 ) وسير أعلام النبلاء ( 4 : 118 ) وطبقات ابن سعد ( 5 : 100 ) ومروج الذهب ( 3 : 85 ).
(3) تاريخ اليعقوبي ( 2 : 261 ) مروج الذهب ( 3 : 88 ).
(4) شرح رسالة الحقوق ، لعبد الهادي المختار ( ص 102 ).
(5) مروج الذهب ( 3 : 107 ) وتاريخ اليعقوبي ( 2/264 ).
(6) الكافي ( ) التوحيد للصدوق ( ص 374 ) وشرح الأخبار ( 3 : 261 ) وبحار الأنوار ( 46 : 37 و 145 ). وحلية الأولياء ( 3/134 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 235

محمد عليهم السلام فيكون قد وصل الى أمنيته القديمة.
إن الإمام عليه السلام بإظهاره التخوّف من فتنة ابن الزبير ، كان قد أحبط كلّ أهداف ابن الزبير وأمانيه الخبيثة تلك.
كما أن في هذا التصرف تهدئة لِوَغَرِ صدور الأمويين ضدّ آل محمد عليهم السلام وشيعتهم ، تمهيدا لتثبيت العقيدة وترسيخ قواعدها.
وبهذا حدّد الإمام عليه السلام موقفه من الحركات البعيدة عن خطّ الإمامة ، والتي لم تنتهج اتّباع الإسلام المحمدي الخالص الذي يحمله أئمة أهل البيت عليهم السلام.
فهو لم يظهر تجاهها ما يستفيده الأمويون ، كما لم يؤيدّها بحيث تكون ذريعة للأمويين على محاسبة الإمام عليه السلام.
ولا قام بما يعتبر وسيلة يتشبّث بها أولئك المتحرّكون غير الأصيلين في الفكر والعقيدة ، والمشبوهون في الأهداف والمنطلقات.
فاتخذ الإمام من هذه الحركات موقف الحزم والحيطة ، فهي وإن لم تكن على المعلوم من الحق إلاّ أنها كانت معرضة للمعلوم من الباطل الحاكم ، ومؤديّة الى تضعيفه وزعزعته ، وتحديد سطوته.
والإمام عليه السلام لا يهدف الى مجرّد إحداث البلبلة ، وتعويض فاسد بفاسد ، أو نقل السلطة من ابن مروان ، الى ابن الزبير ، أو ابن الأشعث ، أو غيرهم من المتصدّين للحكم بالباطل ، فتركهم الإمام عليه السلام يشتغل بعضهم ببعض حتى ينكشف للامة زيف دعواهم الإمامة والخلافة ، ويظهر للأمة أنهم ـ جميعا ـ لا يطلبون إلاّ الحكم والسلطة ، دون صلاح الإسلام وإصلاح ما فسد من أمور المسلمين.
وأما موقفه من الحركات الأخرى :


فهي بفرض أنها قامت بشعارات حقّة.
كحركة التوّابين في عين الوردة ، وشعارهم « يالثارات الحسين » (1) وهم الذين تحالفوا على بذل نفوسهم وأموالهم في الطلب بثأر الحسين عليه السلام ومقاتلة قتلته وإقرار

(1) أيام العرب في الإسلام ( ص 436 ).

السابق السابق الفهرس التالي التالي