السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام39

ولادتها ونشأتها

ازدهرت حياة الاُسرة النبوية بالسبطين الكريمين الإمامين : الحسن والحسين عليهما السلام ، فكانا كالقمرين في ذلك البيت الكريم ، الذي أذن الله أن يرفع ويُذكر فيه اسمه ، وقد استوعبا قلب جدّهما الرسول صلى الله عليه وآله مودّةً ورحمةً وحناناً ، فكان يرعاهما برعايته ، ويغدق عليهما بإحسانه ويفيض عليهما من مكرمات نفسه التي استوعب شذاها جميع آفاق الوجود .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله يكنّ في دخائل نفسه أعمق الودّ لسبطيه ، فكان يقول : «هما ريحانتي من الدنيا» (1) .
وبلغ من عظيم حبّه لهما أنّه كان على المنبر يخطب ، فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، وهما يمشيان ويعثران فنزل عن المنبر فحملهما ، ووضعهما بين يديه وقال : «صدق الله إذ يقول : «واعلموا أنّما أموالكم وأولادكم فتنة» (2) لقد نظرت إلى هذين الصبيين وهما يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» (3).

(1) كنز العمّال 7 : 110 . صحيح البخاري ـ كتاب الأدب . مجمع الزوائد 9 : 181 . تأريخ ابن عساكر 13 : 39 .
(2) الأنفال : 28 .
(3) صحيح الترمذي 2 : 306 . مسند أحمد بن حنبل 5 : 354 . اُسد الغابة 2 : 12 . صحيح النسائي 1 : 201 . سنن البيهقي 3 : 218 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام40

وكان يقول لسيّدة النساء فاطمة عليها السلام : «ادعي ابني فيشمّهما ، ويضمّهما إليه» (1) .
وفي تلك الفترة السعيدة التي عاشتها الاُسرة النبوية وهي مترعة بالولاء والعطف من الرسول صلى الله عليه وآله عَرَضَ للصدّيقة الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام حملٌ ، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله ينتظره بفارغ الصبر ليبارك به لحبيبته فاطمة ، ولباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، أمّا ذلك الحمل فهو :

الوليدة المباركة :

ووضعت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وليدتها المباركة التي لم تولد مثلها امرأة في الإسلام إيماناً وشرفاً وطهارةً وعفةً وجهاداً ، وقد استقبلها أهل البيت وسائر الصحابة بمزيدٍ من الابتهاج والفرح والسرور ، وأجرى الإمام أمير المؤمنين على وليدته المراسيم الشرعية ، فأذّن في أذنها اليمنى ، وأقام في اليسرى .
لقد كان أوّل صوت قرع سمعها هو : «الله أكبر ، لا إله إلا الله» وهذه الكلمات اُنشودة الأنبياء ، وجوهر القيم العظيمة في الأكوان .
وانطبعت هذه الانشودة في أعماق قلب حفيدة الرسول فصارت عنصراً من عناصرها ، ومقوماً من مقوماتها .

وجوم النبي وبكاؤه :

وحينما علم النبي صلى الله عليه وآله بهذه المولودة المباركة سارع إلى بيت بضعته ، وهو خائر القوى حزين النفس ، فأخذها ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم ، وضمّها إلى صدره ، وجعل يوسعها تقبيلاً ، وبهرت سيّدة النساء فاطمة عليها السلام من بكاء أبيها ،

(1) تيسير الوصول ـ ابن الدبيغ 3 : 276 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام41

فانبرت قائلةً :
«ما يبكيك يا أبتي ؟ لا أبكى الله لك عيناً» .
فأجابها بصوت خافت حزين النبرات :
«يا فاطمة ، اعلمي أنّ هذه البنت بعدي وبعدك سوف تنصبّ عليها المصائب والرزايا» (1) .
لقد استشف النبي صلى الله عليه وآله ما يجري على حفيدته من الرزايا القاصمة التي تذوب من هولها الجبال ، وسوف تمتحن بما لم تمتحن به أيّ سيّدة من بنات حواء . ومن الطبيعي أنّ بضعته وباب مدينة علمه قد شاركا النبي في آلامه وأحزانه ، وأقبل سلمان الفارسي الصديق الحميم للاُسرة النبوية يهنئ الإمام أمير المؤمنين بوليدته المباركة فألفاه حزيناً واجماً ، وهو يتحدّث عمّا تعانيه ابنته من المآسي والخطوب (2) ، وشارك سلمان أهل البيت في آلامهم وأحزانهم .

تسميتها :

وحملت زهراء الرسول وليدتها المباركة إلى الإمام فأخذها وجعل يقبّلها ، والتفتت إليه فقالت له :
«سمّ هذه المولودة» .
فأجابها الإمام بأدبٍ وتواضع :
«ما كنت لأسبق رسول الله» .
وعرض الإمام على النبي صلى الله عليه وآله أن يسمّيها ، فقال : «ما كنت لأسبق ربّي» .

(1) الطراز المذهّب : 38 .
(2) بطلة كربلاء : 21 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام42

وهبط رسول السماء على النبي ، فقال له :
سمّ هذه المولودة (زينب) ، فقد اختار الله لها هذا الإسم .
وأخبره بما تعانيه حفيدته من أهوال الخطوب والكوارث فأغرق هو وأهل البيت في البكاء (1) .

كنيتها :

وكنيت الصديقة الطاهرة زينب بـ (اُمّ كلثوم) ، وقيل : إنها تكنى بـ (اُمّ الحسن) (2) .

ألقابها :

أما ألقابها فإنّهم تنّم عن صفاتها الكريمة ، ونزعاتها الشريفة وهي :
عقيلة بني هاشم :


و(العقيلة) هي : المرأة الكريمة على قومها ، والعزيزة في بيتها ، والسيّدة زينب أفضل امرأة ، وأشرف سيّدة في دنيا العرب والإسلام ، وكان هذا اللقب وساماً لذريّتها فكانوا يلقّبون بـ (بني العقيلة) .
العالمة :


وحفيدة الرسول صلى الله عليه وآله من السيدات العالمات في الاُسرة النبوية ، فكانت فيما يقول بعض المؤرخين : مرجعاً للسيدات من نساء المسلمين يرجعن إليها في شؤونهن الدينية .
عابدة آل عليّ :


وكانت زينب من عابدات نساء المسلمين ، فلم تترك نافلة من النوافل

(1) زينب الكبرى : 16 ـ 17 .
(2) المصدر السابق : 17 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام43

الإسلامية إلاّ أتت بها ، ويقول بعض الرواة : إنها صلّت النوافل في أقسى ليلة وأمرّها وهي ليلة الحادي عشر من المحرم .
الكاملة :


وهي أكمل امرأة في الإسلام في فضلها وعفّتها وطهارتها من الرجس والزيغ .
الفاضلة :


وهي من أفضل نساء المسلمين في جهادها وخدمتها للإسلام ، وبلائها في سبيل الله . هذه بعض ألقابها التي تدلّل على سموّ ذاتها وعظيم شأنها .

سنة ولادتها :

أمّا السنة التي وُلدت فيها عقيلة آل أبي طالب ، فقد اختلف المؤرخون والرواة فيها ، وهذه بعض أقوالهم :
1 ـ السنة الخامسة من الهجرة في شهر جمادى الأولى .
2 ـ السنة السادسة من الهجرة .
3 ـ السنة التاسعة من الهجرة ، وفنّد هذا القول الشيخ جعفر نقدي ، فقال : وهذا القول غير صحيح لأنّ فاطمة عليها السلام توفيت بعد والدها في السنة العاشرة أو الحادية عشر على اختلاف الروايات ، فإذا كانت ولادة السيدة زينب في السنة التاسعة وهي كبرى بناتها فمتى كانت ولادة اُمّ كلثوم ، ومتى حملت بالمحسن واسقطته لستة أشهر . وقال : والذي يترجّح عندنا هو أنّ ولادة زينب كانت في السنة الخامسة من الهجرة ، وذكر مؤيدات اُخرى لما ذهب إليه (1) .

نشأتها :

نشأت الصدّيقة الطاهرة زينب عليها السلام في بيت النبوة ومهـبط الوحي والتنزيل ، وقد

(1) زينب الكبرى : 18 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام44

غذّتها اُمّها سيدة نساء العالمين بالعفّة والكرامة ومحاسن الأخلاق والآداب ، وحفظتها القرآن ، وعلّمتها أحكام الإسلام ، وأفرغت عليها أشعة من مثلها وقيمها حتى صارت صورة صادقة عنها .
لقد قطعت شوطاً من طفولتها في بيت الشرف والكرامة والرحمة والمودة ، فقد شاهدت أباها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يشارك أمّها زهراء الرسول في شؤون البيت ، ويعينها في مهامه ، ولم تتردّد في أجواء البيت أية كلمة من مرّ القول وهجره ، وشاهدت جدّها الرسول صلى الله عليه وآله يغدق عليهم بفيض من تكريمه وتبجيله وعطفه وحنانه ، كما شاهدت الانتصارات الباهرة التي أحرزها الإسلام في الميادين العسكرية ، والقضاء على خصومه القرشيّين وأتباعهم من عبدة الأوثان والأصنام ، فقد ساد الإسلام ، وارتفعت كلمة الله عاليةً في الأرض ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجا .
لقد ظفرت حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله بأروع وأسمى ألوان التربية الإسلامية ، فقد شاهدت أخاها الإمام الحسين يعظّم أخاه الإمام الحسن عليه السلام ويبجّله ، فلم يتكلّم بكلمة قاسية معه ، ولم يرفع صوته عليه ولم يجلس إلى جانبه ، وشاهدت أخوتها من أبيها ، وهم يعظمون أخويها الحسن والحسين ، ويقدّمون لهما آيات التكريم والتبجيل ، وكانت هي بالذات موضع احترام اخوتها ، فكانت إذا زارت أخاها الإمام الحسين عليه السلام قام لها إجلالاً وإكباراً وأجلسها في مكانه ، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة قبر جدّها رسول الله صلى الله عليه وآله خرج معها أبوها الإمام أمير المؤمنين وأخوها الحسنان ، ويبادر الإمام أمير المؤمنين إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد المعظّم ، فسأله الإمام الحسن عليه السلام عن ذلك ، فقال له : «أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك الحوراء» (1) .

(1) زينب الكبرى : 22 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام45

لقد اُحيطت عقيلة بني هاشم بهالة من التعظيم والتبجيل من أبيها وإخوتها ، فهي حفيدة النبي صلى الله عليه وآله ، ووريثة مُثُله وقيمه وآدابه ، كما كانت لها المكانة الرفيعة عند العلماء والرواة ، فكانوا إذا رووا حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أيام الحكم الاُموي ، يقولون : روى أبو زينب ، ولم يقولوا : «روى أبو الحسنين» ، وذلك إشادة بفضلها وعظيم منزلتها .

قدرتها العلمية :

كانت حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله في فجر الصبا آيةً في ذكائها وعبقرياتها ، فقد حفظت القرآن الكريم ، كما حفظت أحاديث جدّها الرسول صلى الله عليه وآله فيما يتعلّق بأحكام الدين وقواعد التربية واُصول الأخلاق ، وقد حفظت الخطاب التأريخي الخالد الذي ألقته اُمّها سيدة النساء فاطمة عليها السلام في (الجامع النبوي) احتجاجاً على أبي بكر لتقمّصه للخلافة ، ومصادرته لـ (فدك) التي أنحلها إيّاها أبوها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد روت خطبة اُمّها التي ألقتها على السيدات من نساء المسلمين حينما عُدنها في مرضها الذي توفّيت فيه ، كما روت عنها كوكبة من الأحاديث .
قد بهر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من شدّة ذكائها ، فقد قالت له :
«أتحبّنا يا ابتاه» .
فأسرع الإمام قائلاً :
«وكيف لا أحبّكم وأنتم ثمرة فؤادي» .
فأجابته بأدب واحترام :
«يا أبتاه ، إنّ الحبّ لله تعالى ، والشفقة لنا ..» (1) .
وعجب الإمام عليه السلام من فطنتها ، فقد أجابته جواب العالم المنيب إلى الله

(1) زينب الكبرى : 35 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام46

تعالى ، وكان من فضلها واعتصامها بالله تعالى أنّها قالت : «من أراد أن لا يكون الخلق شفعاؤه إلى الله فليحمده ، ألم تسمع إلى قوله : سمع الله لمن حمده ، فخف الله لقدرته عليك ، واستح منه لقربه منك» (1) .
وممّا يدلّ على مزيد فضلها أنّها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين في حال غيابه فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعية ، ونظراً لسعة معارفها كان الإمام زين العابدين عليه السلام يروي عنها ، وكذلك كان يروي عنها عبد الله بن جعفر ، والسيدة فاطمة بنت الإمام الحسين ، ولمّا كانت في الكوفة في أيام أبيها كان لها مجلس خاص تزدحم عليها السيّدات فكانت تلقي عليهن محاضرات في تفسير القرآن الكريم ، كما كانت المرجع الأعلى للسيّدات من نساء المسلمين ، فكنّ يأخذن منها أحكام الدين وتعاليمه وآدابه ، ويكفي للتدليل على فضلها أنّ ابن عباس حبر الاُمّة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها ، كما روى عنها كوكبة من الأخبار ، وكان يعتزّ بالرواية عنها ، ويقول : «حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت علي» ، وقد روى عنها الخطاب التأريخي الذي ألقته اُمّها سيدة النساء فاطمة عليها السلام في جامع أبيها صلى الله عليه وآله ، وقد نابت عن ابن أخيها الإمام زين العابدين عليه السلام في أيام مرضه ، فكانت تجيب عمّا يرد عليه من المسائل الشرعية ، وقد قال عليه السلام في حقها :
«إنها عالمة غير معلّمة» ، وكانت ألمع خطيبة في الإسلام ، فقد هزّت العواطف ، وقلبت الرأي العام وجنّدته للثورة على الحكم الاُموي ، وذلك في خطبها التأريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق ، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية .
لقد نشأت حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله في بيت الوحي ومركز العلم والفضل ، فنهلت من نمير علوم جدّها وأبيها وأخويها ، فكانت من أجل العالمات ، ومن أكثرهن

(1) أعيان الشيعة 7 : 140 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام47

إحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين .

اقترانها بابن عمّها :

ولما تقدّمت سيدة النساء زينب في السن انبرى الأشراف والوجوه إلى خطبتها ، والتشرّف بالاقتران بها ، فامتنع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من إجابتهم ، وتقدّم لخطبتها فتىً من أنبل فتيان بني هاشم وأحبّهم إلى الإمام وأقربهم إليه ، وهو ابن أخيه : عبد الله بن جعفر ، من أعلام النبلاء والكرماء في دنيا العرب والإسلام ، فأجابه الإمام إلى ذلك ورحّب به ، ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى بعض شؤونه .
أبوه جعفر :


أما جعفر فقد كان ـ فيما يقول الرواة ـ : من أشبه الناس خلقاً وخُلقاً بالنبي صلى الله عليه وآله (1) . يقول فيه أبو هريرة : ما احتذى النعـال ولا ركب المطايا ، ولا وطئ التراب بعـد رسول الله صلـى الله عليه وآلـه أفضل من جعفـر بن أبي طالب (2) . وهو من السابقين للإسلام وقد رآه أبوه أبو طالب يصلّي مع أخيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام خلف النبي صلى الله عليه وآله فقال له : صل جناح ابن عمّك ، وصلّ عن يساره ، وكان علي يصلّي عن يمينه» (3) . وله هجرتان : هجرة إلى الحبشة ، وهجرة إلى المدينة (4) .
وكان من أبرّ الناس بالفقراء والضعفاء ، وقد برّ بأبي هريرة وأحسن إليه أيام بؤسه وفقره ، وقد تحدّث عن ذلك ، قال : كنت لألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان أبرّ الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب فيطعمنا ما كان في بيته حتى كان ليخرج

(1) الاستيعاب 1 : 242 ، وجاء فيه أن النبي صلى الله عليه وآله قال له : «أشبهت خَلقي وخُلُقي يا جعفر» .
(2) الاستيعاب 1 : 243 .
(3) (4) اُسد الغابة 1 : 287 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام48

إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقّها فنلعق ما فيها (1) .
وقدم إلى المدينة من هجرته إلى الحبشة فاستبشر به رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفرح فقد صادف قدومه فتح خيبر ، فقال صلى الله عليه وآله :
«ما أدري بأيّهما أنا أشد فرحاً أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر ..» (2) .
واختطّ له النبي صلى الله عليه وآله داراً إلى جنب المسجد ، وكان أثيراً عنده ، لا لأنّه ابن عمه فحسب ، وإنما لإيمانه الوثيق وتفانيه في نشر كلمة الإسلام ، وإشاعة مبادئه وأحكامه ..
بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في جيش إلى مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة فاستشهد فيها ، ويقول الرواة : إنّ اللواء كان بيده اليمنى فقطعت ، فرفعه بيده اليسرى ، فلمّا قطعت رفعه بيديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : «وإن الله عز وجل أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء» (3) .
ولهذا لقّب بـ (ذي الجناحين) وبـ (الطيار) .
وحزن رسول الله صلى الله عليه وآله على جعفر ، فقصده داره ليواسي زوجته وأبناءه بمصابهم الأليم ، فقال لزوجته أسماء : «ائتيني ببني جعفر» ، فأتته بهم ، فجعل يوسعهم تقبيلاً ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم ، وفهمت أسماء نبأ شهادة زوجها فقالت له :
«يا رسول الله ، أبَلَغك عن جعفر وأصحابه شيء» .
فأجابها بنبراتٍ تقطر أسىً وحزناً قائلاً :
«نعم اُصيب هذا اليوم» .

(1) المصدر السابق .
(2) الاستيعاب 1 : 242 ، كان قدوم جعفر إلى يثرب في السنة السابعة من الهجرة .
(3) الاستيعاب 1 : 242 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام49

وأخذت أسماء تنوح على زوجها ، وأقبلت السيدات من نساء المسلمين يعزينها بمصابها الأليم ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يصنع طعام لآل جعفر (1) وأقبلت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام على أسماء تعزّيها وهي باكية العين ، وقد رفعت صوتها قائلة :
«واعماه» .
وطفق رسـول الله صلى الله عليه وآله يقـول : «على مثل جعفـر فلتبك البواكـي» (2) .
لقد كانت شهادة جعفر من أقسى النكبات على النبي صلى الله عليه وآله ، فقد فَقَدَ بشهادته أعزّ أبناء عمومته وأخلصهم إليه .
الاُم : أسماء :


أمّا ام عبد الله فهي السيدة الشريفة أسماء بنت عميس ، وهي من السابقات إلى اعتناق الإسلام ، هاجرت مع زوجها الشهيد الخالد جعفر الطيار إلى الحبشة ، وقد ولدت فيها عبد الله وعوناً ومحمداً ، ثم هاجرت إلى المدينة ، ولما استشهد جعفر تزوّجها أبو بكر ولدت له محمداً ، وهو من أعلام الإسلام ، ثم توفي أبو بكر فتزوّجها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فولدت له يحيى (3) ، وقد أخلصت لأهل البيت عليهم السلام فكانت من حزبهم ، ولها علاقة وثيقة مع سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام ، فقد قامت بخدمتها ، وقد عهدت إليها في مرضها أن لا تدخل عليها عائشة بنت أبي بكر ، فجاءت عائشة عائدة لها فمنعتها أسماء ، فاغتاظت وشكتها إلى أبي بكر فعاتبهـا ، فأخبرتـه بعدم رضـاء الزهـراء في زيارتهـا (4) .
لقد كانت أسماء من خيرة نساء المسلمين في عفّتها وطهارتها وولائها لأهل

(1) (2) اُسد الغابة 1 : 289 .
(3) المصدر السابق 5 : 395 .
(4) حياة الإمام الحسين عليه السلام 1 : 271 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام50

بيت النبوة ، كما كانت من الروايات للحديث ، ويقول المؤرخون : إنها روت عن النبي صلى الله عليه وآله ستين حديثاً .
وعلى أيّ حال ، فإن أسماء حينما تزوّجها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قامت بخدمة الحسنين وأختهما زينب عليها السلام ، وصارت لهم اُمّاً رؤوماً ، ترعاهم كما ترعى أبناءها ، لأنهم البقية الباقية من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد أخلصوا لها كأعظم ما يكون الإخلاص وشكروا لها رعايتها وعطفها .
عبد الله :


ونعود للحديث عن عبد الله بن جعفر ، فقد كان فذاً من أفذاذ الإسلام وسيّداً من سادات بني هاشم ، يقول فيه معاوية : هو أهلٌ لكلّ شرفٍ ، والله ما سبقه أحدٌ إلى شرف إلاّ وسبقه (1) . وكان يُسمى (بحر الجود) (2) ، ويقال : لم يكن في الإسلام أسخى منه (3) ، مدحه نصيب فأجزل له في العطاء ، فقيل له : تعطي لهذا الأسود مثل هذا فقال : إن كان أسود فشعره أبيض ، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال ، وهل أعطيناه إلاّ ما يبلى ، وأعطانا مدحاً يروى ، وثناءً يبقى (4) . وعوتب على كثرة برّه وإحسانه إلى الناس ، فقال : إن الله عوّدني عادة ، وعوّدت الناس عادة ، فأخاف إن قطعتها قطعت عني (5) . وأنشد :
لسـت أخشى قلة العدم ما اتقيت الله في كرمي
كلمـا أنفقـت يخلفـه لـي ربّ واسع النعـم (6)

ونقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه وسخائه ، وقد وسع الله عليه لدعاء

(1) تهذيب التهذيب 5 : 171 .
(2) اُسد الغابة 3 : 134 .
(3 ـ 5) الاستيعاب 3 : 881 ، 882 ، 288 .
(6) عمدة الطالب : 37 ـ 38 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام51

النبي صلى الله عليه وآله له فكان من أثرى أهل المدينة ، ومضافاً إلى سخائه فقد كان من ذوي الفضيلة ، فقد روى عن عمه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وعن الحسن والحسين عليهما السلام .
أبناؤه :


ورزق هذا السيد الجليل من سيدة النساء زينب عليها السلام كوكبة من السادة الأجلاء وهم :
1 ـ عون :


وكان من أبرز فتيان بني هاشم في فضله وكماله ، صحب خاله الإمام الحسين عليه السلام ، حينما هاجر من يثرب إلى العراق ، ولازمه في رحلته ، فلما كان يوم العاشر من المحرم ، اليوم الخالد في دنيا الأحزان ، تقدم إلى الشهادة بين يدي خاله ، فبرز إلى حومة الحرب وهو يرتجز :
إن تنكروني فأنا ابن جعفـر شهيد صدق في الجنان أزهر
يطير فيها بجنـاح أخضـر كفى بهذا شرفـاً من محشر (1)

لقد عرّف نفسه ـ بهذا الرجز ـ فقد انتسب إلى جده الشهيد العظيم جعفر ، الذي قطعت يداه في سبيل الإسلام ، ويكفيه بذلك شرفاً وفخراً ، وجعل الفتى يقاتل قتال الأبطال غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة ، فحمل عليه وغد خبيث هو عبد الله الطائي فقتله (2) ، ورثاه سليمان بن قنة بقوله :
واندبـي إن بكيـت عوناً أخاه ليـس فيمـا ينوبهـم بخـذول
فلعمـري لقد أصبت ذوي القر بى فكبى على المصاب الطويل (3)

(1) حياة الإمام الحسين عليه السلام 3 : 258 ، نقلاً عن الفتوح .
(2) الإرشاد : 268 .
(3) مقاتل الطالبيّين : 91 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام52

2 ـ علي الزينبي .
3 ـ محمد .
4 ـ عباس .
5 ـ السيدة اُم كلثوم :
(1)





وبلغت هذه السيدة مبلغ النساء ، وكانت فريدة في جمالها وعفافها واحترامها عن أهلها وعامة بني هاشم ، وأراد معاوية أن يتقرّب إلى بني هاشم ويعزّز مكانته في نفوس المسلمين ، في أن يخطبها لولده يزيد ، فكتب إلى واليه على يثرب مروان بن الحكم كتاباً جاء فيه :
أمّا بعد : فإنّ أمير المؤمنين أحب أن يرد الإلفة ، ويسلّ السخيمة ، ويصل الرحم ، فإذا وصل إليك كتابي ، فاخطب إلى عبد الله بن جعفر ابنته اُمّ كلثوم على يزيد ابن أمير المؤمنين ، وارغب إليه في الصداق ...
وظنّ معاوية أنّ سلطته المزيفة ، وما يبذله من الأموال الطائلة تغري السادة العلويين الذين تربّوا على الكرامة والشرف ، وكل ما يسمو به الإنسان ، ولم يعلم أن سلطته وأمواله لا تساوي عندهم قلامة اظفر .
ولمّا انتهى كتاب معاوية إلى مروان خاف جانب الامام الحسين ، لأنّه يعلم أنّه يفسد عليه الأمر ، وسافر الحسين ، فاغتنم مروان فرصة سفره فبادر مسرعاً إلى عبد الله بن جعفر ، فعرض عليه كتاب معاوية ، وجعل يحبّذ له الأمر ، ويطالبه بالإسراع فيه لأنّ في ذلك إصلاحاً لذات البين ، واجتماعاً للكلمة ولم يخف عن عبد الله الأمر ، فقال لمروان : إنّ خالها الحسين في ينبع (2) . وليس لي من سبيل أن

(1) زينب الكبرى : 126 .
(2) ينبع : تبعد عن المدينة بسبع مراحل ، فيها عيون ماء عذب غزيرة ، قيل : إنّها لبني الحسن ، وقيل : إنّها حصن به نخيل وزرع ، وبها وقوف الإمام عليّ عليه السلام يتولاّها ولده ، جاء ذلك في معجم البلدان 5 : 45 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام53

أقدم على هذا الأمر من دون أخذ رأيه وموافقته .
ولمّا رجع الإمام الحسين عليه السلام إلى يثرب خفّ إليه عبد الله بن جعفر مسرعاً ، فعرض عليه الأمر ، وما أجاب بن مروان ، فالتاع الإمام الحسين عليه السلام من ذلك ؛ إذ كيف تكونن ابنة أخته عند فاجر بني أمية ، حفيد أبي سفيان ، فانطلق الإمام عليه السلام إلى شقيقته زينب عليها السلام وأمرها بإحضار ابنتها اُمّ كلثوم فلمّا مثلت أمامه ، قال لها : إن ابن عمّك القاسم بن محمد بن جعفر أحقّ بك ، ولعلك ترغبين في كثرة الصداق .
واستجابت الفتاة لرأي خالها ، ورحّبت اُمّها العقيلة بذلك ، ورضي أبوها عبد الله برغبة الإمام الحسين ، وقدم لها الإمام مهراً كثيراً .
وكتم الإمام الأمر ، فلما كانت ليلة الزواج أقام دعوة عامة دعا فيها جمهرة كبيرة من أبناء المدينة ، وكان من جملة المدعوين : مروان ، وقد ظن أنّه دعي لتلبية ما رغب فيه معاوية من زواج السيّدة اُمّ كلثوم بابنه يزيد ، فقام خطيباً فأثنى على معاوية وما قصده من جمع الكلمة وصلة الرحم ، ولمّا أنهى كلامه قام الإمام الحسين عليه السلام فأعلن أنّه زوّج السيّدة اُمّ كلثوم بابن عمّها القاسم بن محمد بن جعفر . ولمّا سمع مروان تميز غيظاً وغضباً ، وفقد صوابه ، فقد أفشل الإمام رغبته ، فرفع عقيرته قائلاً : أغدراً يا حسين (1) .
وخرج مروان يتعثّر بأذياله ، وانتهى الأمر إلى معاوية ، فحقد على الحسين ، وساءه ذلك ، فقد فشلت محاولاته في خداع العلويين ، وخداع المسلمين بمصاهرة ولده للاُسرة النبوية .

(1) زينب عقيلة بني هاشم : 27 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام54




السابق السابق الفهرس التالي التالي