وما من صفةٍ كريمةٍ أو نزعةٍ شريفةٍ يفتخر بها الإنسان ، ويسمو بها على غيره من الكائنات الحية إلاّ وهي من عناصر عقيلة بني هاشم ، وسيدة النساء زينب عليها السلام ، فقد تحلّت بجميع الفضائل التي وهبها الله تعالى لجدّها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، وأبيها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، واُمّها سيدة نساء العالمين عليها السلام ، وأخويها الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقد ورثت خصائصهم ، وحكت مميزاتهم ، وشابهتهم في سموّ ذاتهم ومكارم أخلاقهم .
لقد كانت حفيدة الرسول بحكم مواريثها وخصائصها أعظم وأجلّ سيدة في دنيا الإسلام ، فقد أقامت صروح العدل ، وشيّدت معالم الحق ، وأبرزت قيم الإسلام ومبادئه على حقيقتها النازلة من ربّ العالمين ، فقد جاهدت هي واُمّها زهراء الرسول كأعظم ما يكون الجهاد ، ووقفتا بصلابة لا يعرف لها مثيل أمام التيارات الحزبية التي حاولت بجميع ما تملك من وسائل القوة أن تلقي الستار على قادة الاُمّة وهداتها الواقعيين ، الذين أقامهم الرسول صلى الله عليه وآله أعلاماً لاُمّته ، وخزنة لحكمته وعلومه ، فقد أظهرت زهراء الرسول بقوة وصلابة عن حق سيد العترة الإمام أمير المؤمنين ، رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام ، فناهضت حكومة أبي بكر في خطابها التأريخي الخالد ، وسائر مواقفها المشرّفة التي وضعت فيها الأساس المشرق لمبادئ شيعة أهل البيت ، فهي المؤسّسة الاولى بعد أبيها صلى الله عليه وآله لمذهب أهل البيت عليهم السلام ، وكذلك وقفت ابنتها العقيلة أمام الحكم الاُموي الأسود الذي
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
56
استهدف قلع الإسلام من جذوره ومحو سطوره ، وإقصاء أهل البيت عليهم السلام عن واقعهم الاجتماعي والسياسي ، وإبعادهم عن المجتمع الإسلامي ، فوقفت حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله مع أخيها أبي الأحرار في خندق واحد ، فحطّم أخوها بشهادته وهي بخطبها في أروقة بلاط الحكم الاُموي ، ذلك الكابوس المظلم الذي كان جاثماً على رقاب المسلمين .
وعلى أي حال ، فإنا نعرض بصورة موجزة لبعض العناصر النفسية لحفيدة الرسول صلى الله عليه وآله ، وما تتمتّع به من القابليات الفذة ، التي جعلتها في طليعة نساء المسلمين ، وفيما يلي ذلك :
الإيمان الوثيق :
وتربّت عقيلة بني هاشم في بيت الدعوة إلى الله تعالى ، ذلك البيت الذي كان فيه مهبط الوحي والتنزيل ، ومنه انطلقت كلمة التوحيد وامتدت أشعتها المشرقة على جميع شعوب العالم واُمم الأرض ، وكان ذلك أهمّ المعطيات لرسالة جدّها العظيم .
لقد تغذّت حفيدة الرسول بجوهر الإيمان وواقع الإسلام ، وانطبع حبّ الله تعالى في عواطفها ومشاعرها حتى صار ذلك من مقوماتها وذاتياتها ، وقد أحاطت بها المحن والخطوب منذ نعومة أظفارها ، وتجرّعت أقسى وأمرّ ألوان المصائب ، كلّ ذلك من أجل رفع كلمة الله عالية خفّاقة .
إنّ الإيمان الوثيق بالله تعالى والانقطاع الكامل إليه كانا من ذاتيات الاُسرة النبوية ومن أبرز خصائصهم ، ألم يقل سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين في دعائه :
«عبدتك لا طمعاً في جنتك ، ولا خوفاً من نارك ، ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك» .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
57
وهو القائل :
«لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً» .
أما سيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام ، فقد أخلص الله تعالى كأعظم ما يكون الإخلاص ، وذاب في محبته وقد قدّم نفسه والكواكب المشرقة من أبنائه وأخوته وأبناء عمومته قرابين خالصة لوجه الله ، وقد طافت به المصائب والأزمات التي يذوب من هولها الجبال ، وامتحن بمالم يمتحن به أحدٌ من أنبياء الله وأوليائه ، كل ذلك في سبيل الله تعالى ، فقد رأى أهل بيته وأصحابه الممجدين صرعى ، ونظر إلى حرائر النبوة وعقائل الوحي ، وهنّ بحالة تميد من هولها الجبال ، وقد أحاطت به أرجاس البشرية وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ، ليتقرّبوا بقتله إلى سيّدهم ابن مرجانة ، لقد قال وهو بتلك الحـالة كلمته الخـالدة ، قـال :
«لك العتبى يا ربّ إن كان يرضيك هذا ، فهذا إلى رضاك قليل» ، ولمّا ذُبح ولده الرضيع بين يديه ، قال :
«هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله» (1) .
أرأيتم هذا الإيمان الذي لا حدود له !
أرأيتم هذا الانقطاع والتبتل إلى الله !
وكانت حفيدة الرسول زينب سلام الله عليها كأبيها وأخيها في عظيم إيمانها وانقطاعها إلى الله ، فقد وقفت على جثمان شقيقها الذي مزّقته سيوف الشرك ، هو جثة هامدة بلا رأس ، فرمقت السماء بطرفها ، وقالت كلمتها الخالدة التي دارت مع الفلك وارتسمت فيه :
«اللهم تقبّل منّا هذا القربان» (2) .
(1) حياة الإمام الحسين عليه السلام 3 : 276 .
(2) المصدر السابق 3 : 304 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
58
إنّ الإنسانية تنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السرّ في خلودها وخلود أخيها .
لقد تضرّعت بطلة الإسلام بخشوع إلى الله تعالى أن يتقبّل ذلك القربان العظيم الذي هو ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله .
فأيّ إيمان يماثل هذا الإيمان ؟!
وأيّ تبتّل إلى الله تعالى يضارع هذا التبتّل ؟!
لقد أظهرت حفيدة الرسول بهذه الكلمات الخالدة معاني الوراثة النبوية ، وأظهرت الواقع الإسلامي وأنارت السبيل أمام كلّ مصلح اجتماعي ، وأنّ كلّ تضحية تُؤدّى للاُمّة يجب أن تكون خالصة لوجـه الله غير مشفـوعة بأيّ غـرض من أغراض الدنيـا .
ومن عظيم إيمانها الذي يبهر العقول ، ويحيّر الألباب أنها أدّت صلاة الشكر إلى الله تعالى ليلة الحادي عشر من المحرّم على ما وفّق أخاها ووفّقها لخدمة الإسلام ورفع كلمة الله .
لقد أدّت الشكر في أقسى ليلة وأفجعها ، والتي لم تمرّ مثلها على أيّ أحدٍ من بني الإنسان ، لقد أحاطت بها المآسي التي تذوب من هولها الجبال ، فالجثث الزواكي من أبناء الرسول وأصحابهم أمامها لا مغسّلين ولا مكفّنين ، وخيام العلويات قد أحرقها الطغاة اللئام ، وسلبوا ما على بنات رسول الله صلى الله عليه وآله من حُلي وما عندهنّ من أمتعة وهن يعجن بالبكاء لا يعرفن ماذا يجري عليهن من الأسر والذلّ إلى غير ذلك من المآسي التي أحاطت بحفيدة الرسول صلى الله عليه وآله وهي تؤدي صلاة الشكر لله تعالى على هذه النعمة التي أضفاها عليها وعلى أخيها .
تدول الدول وتفنى الحضارات وهذا الإيمان العلوي أحقّ بالبقاء ، وأجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش فيه .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
59
الصبر :
من النزعات الفذة التي تسلّحت بها مفخرة الإسلام وسيدة النساء زينب عليها السلام هي الصبر على نوائب الدنيا وفجائع الأيام ، فقد تواكبت عليها الكوارث منذ فجر الصبا ، فرزئت بجدّها الرسول صلى الله عليه وآله الذي كان يحدب عليها ، ويفيض عليها بحنانه وعطفه ، وشاهدت الأحداث الرهيبة المروعة التي دهمت أباها واُمّها بعد وفاة جدّها ، فقد اُقصي أبوها عن مركزه الذي أقامه فيه النبي صلى الله عليه وآله ، وأجمع القوم على هضم اُمّها حتى توفيت وهي في روعة الشباب وغضارة العمر ، وقد كوت هذه الخطوب قلب العقيلة إلاّ أنّها خلدت إلى الصبر ، وتوالت بعد ذلك عليها المصائب ، فقد رأت شقيقها الإمام الحسن الزكي عليه السلام قد غدر به أهل الكوفة ، حتى اضطر إلى الصلح مع معاوية الذي هو خصم أبيها وعدوّة الألد ، ولم تمض سنين يسيرة حتى اغتاله بالسمّ ، وشاهدته وهو يتقيأ دماً من شدة السمّ حتى لفظ أنفاسه الأخيرة .
وكان من أقسى ما تجرّعته من المحن والمصاعب يوم الطف ، فقد رأت شقيقها الإمام الحسين عليه السلام قد استسلم للموت لا ناصر له ولا معين ، وشاهدت الكواكب المشرقة من شباب العلويين صرعى قد حصدتهم سيوف الاُمويين ، وشاهدت الأطفال الرضع يذبحون أمامها .
إن أي واحدة من رزايا سيدة النساء زينب لو ابتلي بها أيّ إنسان مهما تذرّع بالصبر وقوة النفس لأوهنت قواه ، واستسلم للضعف النفسي ، وما تمكن على مقاومة الأحداث ، ولكنّها سلام الله عليها قد صمدت أمام ذلك البلاء العارم ، وقاومت الأحداث بنفس آمنة مطمئنة راضية بقضاء الله تعالى وصابرة على بلائه ، فكانت من أبرز المعنيين بقوله تعالى : «وبشّر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون * اولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة»(1) ، وقال
(1) البقرة : 155 ـ 157 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
60
تعالى : «إنّما يوفّي الصابرون آجرهم بغير حساب»(1) ، وقال تعالى : «ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون»(2) ، لقد صبرت حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله وأظهرت التجلّد وقوة النفس أمام أعداء الله ، وقاومتهم بصلابة وشموخ ، فلم يشاهد في جميع فترات التأريخ سيدة مثلها في قوة عزيمتها وصمودها أمام الكوارث والخطوب .
يقول الحجّة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في صبرها وعظيم محنتها :
لله صبـر زينـب العقـيلـة
كم شاهدت مصائباً مهولة
رأت مـن الخطوب والرزايـا
أمراً تهـون دونه المنايـا
رأت كـرام قومهـا الأمـاجد
مجزريـن في صعيد واحد
تسفي على جسومهـا الريـاح
وهي لذؤبـان الفلا تبـاح
رأت رؤوسـاً بـالقنا تشـال
وجثثـاً أكفانهـا الرمـال
رأت رضيعـاً بالسهام يفطـم
و صبيتة بعـد أبيهم أيتموا
رأت شمـاتـة العـدو فيهـا
وصنعـه ما شاء في أخيها
وإن من أدهى الخطوب السود
وقوفهـا بين يـدي يزيـد
وقال السيد حسن البغدادي :
يـا قلب زينب مـا لاقيت من محن
فيك الرزايا و كـل الصبر قد جمعـا
لو كان ما فيك من صبر و من محن
في قلب أقوى جبال الأرض لإنصدعا
يكفيـك صبراً قلوب النـاس كلهـم
تفـطّـرت للـذي لاقـيتـه جزعـا
لقد قابلت العقيلة ما عانته من الكوارث المذهلة والخطوب السود بصبر يذهل كل كائن حي .
(1) الزمر : 10 .
(2) النحل : 96 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
61
العزة والكرامة :
من أبرز الصفات النفسية الماثلة في شخصية سيدة النساء زينب عليها السلام هي : العزة والكرامة ، فقد كانت من سيّدات نساء الدنيا في هذه الظاهرة الفذة ، فقد حُملت بعد مقتل أخيها من كربلاء إلى الكوفة سبية ومعها بنات رسول الله صلى الله عليه وآله قد نُهب جميع ما عليهنّ من حُلي وما عندهنّ من أمتعة ، وقد أضرّ الجوع بأطفال أهل البيت وعقائلهم ، فترفعت العقيلة أن تطلب من اولئك الممسوخين ـ من شرطة ابن مرجانة ـ شيئاً من الطعام لهم ، ولمّا انتهى موكب السبايا إلى الكوفة ، وعلمن النساء أنّ السبايا من أهل بيت النبوة سارعن إلى تقديم الطعام إلى الأطفال الذين ذوت أجسامهم من الجوع ، فانبرت السيدة زينب مخاطبة نساء أهل الكوفة قائلة :
«الصدقة محرّمة علينا أهل البيت ..» .
ولما سمع أطفال أهل البيت من عمّتهم ذلك ألقوا ما في أيديهم وأفواههم من الطعام ، وأخذ بعضهم يقول لبعض : إن عمّتنا تقول : الصدقة حرام علينا أهل البيت .
أيّ تربية فذّة تربّى عليها أطفال أهل البيت إنّها تربية الأنبياء والصدّيقين التي تسمو بالإنسان فترفعه إلى مستوى رفيع يكون من أفضل خلق الله .
ولمّا سُيّرت سبايا أهل البيت من الكوفة إلى الشام لم تطلب السيدة زينب طيلة الطريق أيّ شيء من الاسعافات إلى الأطفال والنساء مع شدّة الحاجة إليها ، فقد أنفت أن تطلب أيّ مساعدة من اولئك الجفاة الأنذال الذين رافقوا الموكب .
لقد ورثت عقيلة بني هاشم من جدّها وأبيها العزّة والكرامة والشرف والإباء ، فلم تخضع لأي أحدٍ مهما قست الأيام وتلبدت الظروف ، إنها لم تخضع إلاّ إلى الله تعالى .
الشجاعة :
ولم يشاهد الناس في جميع مراحل التأريخ أشجع ولا أربط جأشاً ولا أقوى جناناً من
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
62
الاُسرة النبوية الكريمة ، فالإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه) عميد العترة الطاهرة كان من أشجع خلق الله ، وهو القائل :
«لو تضافرت العرب على قتالي لما وليت عنها» ، وقد خاض أعنف المعارك وأشدّها قسوة ، فجندل الأبطال ، وألحق بجيوش الشك أفدح الخسائر ، وقد قام الإسلام عبل الذراع مفتول الساعد بجهاده وجهوده ، فهو معجزة الإسلام الكبرى ، وكان ولده أبو الأحرار الإمام الحسين عليه السلام مضرب المثل في بسالته وشجاعته ، فقد حيّر الألباب وأذهل العقول بشجاعته وصلابته وقوة بأسه ، فقد وقف يوم العاشر من المحرم موقفاً لم يقفه أي أحدٍ من أبطال العالم ، فإنه لم ينهار امام تلك النكبات المذهلة التي تعصف بالحلم والصبر ، فكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلما ازداد الموقف بلاءً ومحنةً ، فإنه بعدما صُرعَ أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره ـ وكان عدده فيما يقول الرواة ثلاثين ألفاً ـ فحمل عليهم وحده وقد طارت أفئدتهم من الخوف والرعب ، فانهزموا أمامه كالمعزى إذا شدّ عليها الذئب ـ على حد تعبير بعض الرواة ـ وبقي صامداً كالجبل يتلقى الطعنات والسهام من كل جانب ، لم يوهن له ركن ، ولم تضعف له عزيمة .
يقول العلوي السيّد حيدر :
فـتـلـقـى الـجـمــوع فـرداً
ولكن كل عضو في الروع منه جموع
رمحـه مـن بنـانـه و كأن مـن
عـزمـه حـد سيـفـه مـطبـوع
زوّج السيـف بـالنفـوس و لكـن
مهرها المـوت والخضـاب النجيـع
ولما سقط (سلام الله عليه) على الأرض جريحاً قد أعياه نزف الدماء تحامى الجيش الاُموي من الإجهاز عليه خوفاً ورعباً منه ، يقول السيد حيدر :
عفيـراً متى عاينته الكماة
يختطف الـرعب ألوانها
فما أجلت الحرب عن مثله
صريعـاً يجبّن شجعانها
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
63
وتمثلت هذه البطولة العلوية بجميع صورها وألوانها عند حفيدة الرسول وعقيلة بني هاشم السيدة زينب (سلام الله عليها) ، فإنّها لمّا مثلت أمام الإرهابي المجرم سليل الأدعياء ابن مرجانة احتقرته واستهانت به ، فاندفع الأثيم يظهر الشماتة بلسانه الألكن قائلاً :
الحمد لله الذي فضحكم ، وقتلكم ، وكذّب اُحدوثتكم ...
فانبرت حفيدة الرسول بشجاعة وصلابة قائلة :
«الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا ، وهو غيرنا يابن مرجانة ..»(1) .
لقد قالت هذا القول الصارم الذي هو أمض من السلاح ، وهي والمخدرات من آل محمد في قيد الأسر ، وقد رفعت فوق رؤوسهن رؤوس حماتهن ، وشهرت عليهن سيوف الملحدين .
لقد أنزلت العقيلة ـ بهذه الكلمات ـ الطاغية من عرشه إلى قبره ، وعرّفته أمام خدمه وعبيده أنّه المفتضح والمنهزم ، وأنّ أخاها هو المنتصر ، ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يقوله سوى التشفّي بقتل عترة رسول الله صلى الله عليه وآله ، قائلاً :
كيف رأيت صنع الله بأخيك .. ؟ (2) .
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود ، فأجابت بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة :
«ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتُحاجّ وتُخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ ، ثكلتك أُمّك يابن مرجانة ..» .
أرأيتم هذا التبكيت الموجع ؟ أرأيتم هذه الشجاعة العلوية ؟ فقد سجلت
(1) تاريخ الطبري : 6 : 263 .
(2) زينب الكبرى : 61 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
64
حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله بموقفها وكلماتها فخراً للإسلام وعزّا للمسلمين ومجداً خالداً للاُسرة النبوية .
أما موقفها في بلاط يزيد ، وموقفها مع الشامي وخطابها الثوري الخالد فقد هزّ العرش الاُموي ، وكشف الواقع الجاهلي ليزيد ومن مكّنه من رقاب المسلمين ، وسنعرض لخطابها وسائر مواقفها المشرّفة في البحوث الآتية .
الزهد في الدنيا :
ومن عناصر سيدة النساء زينب عليها السلام : الزهد في الدنيا ، قد بذلت جميع زينتها ومباهجها مقتدية بأبيها الذي طلّق الدنيا ثلاثاً لا رجعة له فيها ، ومقتدية باُمّها سيدة نساء العالمين زهراء الرسول ، فقد كانت فيما رواه المؤرّخون لا تملك في دارها سوى حصير من سعف النخل وجلد شاة ، وكانت تلبس الكساء من صوف الإبل ، وتطحن بيدها الشعير ، إلى غير ذلك من صنوف الزهد والإعراض عن الدنيا ، وقد تأثرت عقيلة الرسول صلى الله عليه وآله بهذه الروح الكريمة فزهدت في جميع مظاهر الدنيا ، وكان من زهدها أنّها ما ادّخرت شيئاً من يومها لغدها حسب ما رواه عنها الإمام زين العابدين عليه السلام (1) . وقد طلقت الدنيا وزهدت فيها وذلك بمصاحبتها لأخيها أبي الأحرار ، فقد علمت أنه سيستشهد في كربلاء أخبرها بذلك أبوها ، فصحبته وتركت زوجها الذي كان يرفل بيته بالنعيم ومتع الحياة ، رفضت ذلك كلّه وآثرت القيام مع أخيها لنصرة الإسلام والذبّ عن مبادئه وقيمه ، وهي على علم بما تشاهده من مصرع أخيها ، وما يجري عليها بالذات من الأسر والذل ، لقد قدّمت على ذلك خدمة لدين الله تعالى .
(1) صحيح الترمذي 2 : 319 ، وقريب منه رواه الحاكم في مستدركه 3 : 149 ، وابن الأثير في اُسد الغابة 5 : 523 ، والخطيب في تأريخ بغداد 7 : 36 ، وغيرهم .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
65
أحداث مروّعة
وقطعت عقيلة بني هاشم شوطاً من حياة الصبا في كنف جدّها الرسول صلى الله عليه وآله وفي ذرى عطفه ، وهي ناعمة البال قريرة العين ، يتلقاها بمزيدٍ من الحفاوة والتكريم ، وترى أبويها وقد غمرتهما المودة والاُلفة والتعاون ، فكانت حياتهما أسمى مثل للحياة الزوجية في الإسلام ، وقد نشأت في ذلك البيت الذي سادت فيه تلاوة كتاب الله العزيز ، وآداب الإسلام وأحكامه وتعاليمه ، فكان مركزاً للتقوى ومعهداً لمعارف الإسلام ، كما شاهدت الانتصارات الرائعة التي أحرزها الإسلام في الميادين العسكرية ، واندحار القبائل القرشية التي ناهضت الإسلام وناجزته بجميع ما تملك من قوة ، فقد اندحرت وأذلّها الله ، فقد فتحت مكة وطُهّر بيتها الحرام من الأصنام والأوثان التي كانت تُعبد من دون الله تعالى .
ولعلّ من أهمّ ما شاهدته العقيلة في أدوار طفولتها هو احتفاء جدها الرسول صلى الله عليه وآله بأبيها واُمّها وأخويها ، فقد كانوا موضع اهتمامه وعنايته ، وقد أثرت عنه كوكبة من الروايات أجمع المسلمون على صحتها ، وهذه بعضها :
1 ـ روى زيد بن أرقم : أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام : «أنا حربٌ لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم» (1) .
(1) مسند أحمد 1 : 77 . صحيح الترمذي 2 : 301 . تهذيب التهذيب 10 : 430 ، وجاء فيه : أنّ نصر بن عليّ حدّث بهذا الحديث ، فأمر المتوكّل بضربه ألف سوط ، فكلّمه فيه جعفر بن عبد الواحد وجعل يقول له : إنّه من أهل السنّة ، فلم يزل يترجّاه حتى تركه .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
66
2 ـ روى أحمد بن حنبل بسنده : أنّ النبي صلى الله عليه وآله أخذ بيد الحسن والحسين ، وقال : «من أحبني وأحبّ هذين وأباهما واُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة» (1) .
3 ـ روى أبو بكر ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله خيّم خيمة ، وهو متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : «معاشر المسلمين ، أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، وحرب لمن حاربهم ، ووليّ لمن والاهم ، لا يحبّهم إلاّ سعيد الجدّ ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ ردئ الولادة» (2) .
4 ـ روى ابن عباس : أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : «النجوم أمانٌ لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لاُمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس» (3) .
5 ـ روى زيد بن أرقم : أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (4) .
6 ـ روى أبو سعيد الخدري ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول : «إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق ، وإنّما مثل أهل بيتي
(1) الرياض النضرة 2 : 252 .
(2) مستدرك الحاكم 3 : 149 . كنز العمال 6 : 116 . الصواعق المحرقة : 111 . نصّ الحديث : «النجوم أمان لأهل الأرض وأهل بيتي أمان لاُمّتي» .
(3) صحيح الترمذي 2 : 308 . اُسد الغابة 2 : 12 . وما يقرب من هذا الحديث روي في : كنز العمّال 1 : 48 . مجمع الهيثمي 9 : 163 .
(4) مجمع الزوائد 9 : 168 . مستدرك الحاكم 2 : 43 . تأريخ بغداد 2 : 19 . ذخائر العقبى : 20 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
67
فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غفر له» (1) .
7 ـ روى أبو برزة ، قال : صلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله سبعة أشهر ، فإذا خرج من بيته ، أتى باب فاطمة عليها السلام ، فقال : «السلام عليكم ، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً» (2) .
رأت العقيلة هذا الاحتفاء البالغ من جدّها الرسول صلى الله عليه وآله لأبيها واُمّها وأخويها ، ووعت الغاية من صنوف هذا التكريم والتعظيم ، وأنّه ليس مجرد عاطفة وولاء لهذه الاُسرة الكريمة ، وإنّما هو للإشادة بما تتمتّع به من الصفات الفاضلة ، والقابليات الفذّة التي ترشحهم لقيادة الاُمّة ، وتطويرها فكرياً واجتماعياً ، وأنّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تحتلّ اُمّته مركزاً كريماً تحت الشمس ، وتكون رائدة لاُمم العالم وشعوب الأرض إلاّ بقيادة السادة من عترته الذين وعوا الإسلام ، والتزموا بحرفية الرسول صلى الله عليه وآله .
خطوب مروّعة :
ولم تدم الحالة الهانئة للاُسرة النبوية فقد دهمتهم كارثة مروّعة فقد بدت على الرسول صلى الله عليه وآله طلائع الرحيل عن هذه الدنيا تلوح أمامه ، فكان القرآن الكريم قد نزل عليه مرتين فاستشعر بدنوّ الأجل المحتوم منه (3) ، وأخبر بضعته الزهراء عليها السلام ، فقال لها :
(1) ذخائر العقبى : 24 . روى أنس بن مالك : أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يمرّ ببيت فاطمة ستّة أشهر إذا خرج إلى الفجر ويقول : «الصلاة يا أهل البيت» ، ويتلو الآية الكريمة . جاء ذلك في : مجمع الزوائد 9 : 169 . أنساب الأشراف 1 : 157 ، القسم الأوّل .
(2) الخصائص الكبرى 2 : 368 .
(3) تأريخ ابن كثير 5 : 223 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
68
«إن جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة ، وأنّه عارضني بهذا العام مرتين ، وما أرى ذلك إلاّ اقتراب أجلي» (1) .
وتقطّع قلب زهراء الرسول ألماً وحزناً ، وشاعت الكآبة والحزن عند أهل البيت وذوت عقيلة بني هاشم من هذا النبأ المريع ، وطافت بها وهي في فجر الصبا تيارات من الأسى .
ونزلت على النبي صلى الله عليه وآله سورة النصر فكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول : «سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه» .
وذهل المسلمون ، وفزعوا إليه يسألونه عن هذه الحالة الراهنة ، فأجابهم : «إن نفسي قد نعيت إليّ» (2) .
وكادت نفوس المسلمين أن تزهق من هذا النبأ المريع ، فقد وقع عليهم كالصاعقة ، فلا يدرون ماذا سيجري عليهم لو خلت الدنيا من منقذهم ومعلّمهم وقائدهم .
رؤيا العقيلة :
ورأت العقيلة في منامها رؤيا أفزعتها ، وأذهلتها فأسرعت إلى جدها الرسول صلى الله عليه وآله تقصّها عليه ، ولما مثلت عنده أجلسها في حجره وجعله يوسعها تقبيلاً ، فقالت له :
«يا جدّاه ، رأيت رؤيا البارحة ..» .
«قصّيها عليّ» .
«رأيت ريحاً عاصفاً اسودّت الدنيا منه وأظلمت ، ففزعتُ إلى شجرة عظيمة فتعلقت بها من شدّة العاصفة ، فقلعتها الرياح وألقتها على الأرض ، فتعلقت بغصنٍ
(1) مناقب ابن شهرآشوب 1 : 167 .
(2) زينب الكبرى : 19 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام
69
قويّ من تلك الشجرة فقطعتها الرياح ، فتعلقت بفرع آخر فكسرته الرياح أيضاً ، وسارعت فتعلّقت بأحد فرعين من فروعها فكسرته العاصفة أيضاً ، ثم استيقظت من نومي» .
فأجهش النبي صلى الله عليه وآله بالبكاء ، وفسّر لها رؤياها قائلاً :
«أما الشجرة : فجدّك ، وأمّا الفرع الأوّل : فاُمّك ، والثاني : أبوك عليّ ، والفرعان الآخران هما : أخواك الحسنان ، تسودّ الدنيا لفقدهم وتلبسين لباس الحداد في رزيتهم» (1) .
وساد الحزن والأسى في البيت النبوي ، وصدقت رؤيا العقيلة فلم تمض أيام حتى رزئت بجدّها واُمّها ، وتتابعت عليها بعد ذلك الرزايا ، فقد استشهد أبوها وأخواها ، ولبست عليهم لباس الحزن والحداد .
حجة الوداع :
ولمّا علم النبي صلى الله عليه وآله أنّ لقاءه بربّه قريب ، رأى أن يحجّ إلى بيت الله الحرام ليلتقي بالمسلمين ، ويضع لهم الخطوط السليمة لنجاتهم ، ويقيم فيهم القادة والمراجع الذين يقيمون فيهم الحق والعدل .
وحجّ النبي صلى الله عليه وآله لهذا الغرض ، وهي حجّته الأخيرة الشهيرة بـ (حجة الوداع) ، وقد أشاع بين حجاج بيت الله أنّ التقاءه بهم في هذا العام هو آخر التقاء بهم ، وأنه سيسافر إلى الفردوس الأعلى ، وجعل يطوف بين الجماهير ، ويعرّفهم سبل النجاة ، ويرشدهم إلى ولاة اُمورهم من بعده قائلاً :
«أيّها الناس ، إني تركت فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي» (2) .
(1) صحيح الترمذي 2 : 308 .
(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 91 ـ 92 .