|
|
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 118 |
|  |
واحد منهم سوى الإمام فانصرف عنه ، فقال عمر لمن حضر عنده :
والله إني لأعلم مكان رجل لو ولّيتموه أمركم لحملكم على المحجّة البيضاء .
فقالوا له :
من هو ؟ .
هذا المولي من بينكم .
ما يمنعك من ذلك ؟
ليس إلى ذلك من سبيل (1) .
ودعا عمر بأبي طلحة الأنصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى فقال له :
يا أبا طلحة ، إن الله أعزّ بكم الإسلام فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، والتفت إلى المقداد فعهد إليه بمثل ما عهد إلى أبي طلحة ثم قال له :
إذا اتفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقهما ، وإن اتّفق ثلاثة على رجل ورضي ثلاثة منهم برجلٍ آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس .
والتاع الإمام وعرف أنّها مكيدة دبّرت ضدّه ، فقد قال لعمّه العباس :
«يا عمّ ، لقد عدلت عنّا» .
وسارع العباس قائلاً :
من أعلمك بذلك ؟ .
وكشف الإمام الغطاء عمّا دبّره عمر ضدّه قائلاً :
«لقد قرن بي عثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، ثم قـال : كونوا مع عبد الرحمـن
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 119 |
|  |
وسعد ، لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر لعثمان ، وهم لا يختلفون ، فإمّا أن يولّيها عبد الرحمن عثمان أو يولّيها عثمان عبد الرحمن» .
وصدق تفرس الإمام ، فقد ولاّها عبد الرحمن لعثمان إيثاراً لمصالحه ، وابتغاءً لرجوعها إليه من بعده .
إنّ أدنى تأمل في وضع الشورى يتّضح منه صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، ووضعها عند القوى المنحرفة عنه .
وعلى أي حال فإنّ الشورى بأسلوبها الهزيل ، قد ألقت الاُمّة في شرّ عظيم ، وفرّقت كلمتها ، وأشاعت الطمع والتهالك على الحكم والسلطان بين أبنائها ، وقد أعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان ، فقد قال لأبي الحصين :
بلغني أنّ عندك ذهناً وعقلاً فأخبرني عن شيء أسألك عنه .
سلني عمّا بدا لك .
أخبرني ما الذي شتّت شمل أمر المسملين وملأهم وخالف بينهم ؟ .
قتل الناس عثمان .
ما صنعت شيئاً .
مسير عليّ إليك وقتاله إياك .
ما صنعت شيئاً .
مسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم .
ما صنعت شيئاً .
ما عندي غير هذا .
وطفق معاوية يبيّن أسباب الخلاف والفرقة بين المسلمين قائلاً :
أنا اُخبرك أنّه لم يشتّت بين المسلمين ، ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر .
وأضاف يقول :
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 120 |
|  |
ثم جعلها ـ عمر ـ شورى بين ستّة نفر ، فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه ورجاها له قومه ، وتطلّعت إلى ذلك نفسه (1) .
لقد شاعت الأطماع السياسية بشكل سافر عند بعض أعضاء الشورى وغيرهم ، فاندفعوا إلى خلق الحزبية في المجتمع الإسلامي للوصول إلى كرسي الحكم والظفر بخيرات البلاد .
وعلى أي حال فقد ذكرنا بصورة موضوعية وشاملة آفات الشورى في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، وقد ألمحنا إليها في هذه البحوث ؛ وذلك لأنّها تلقي الأضواء على الحياة الاجتماعية والسياسية في ذلك العصر الذي عاشت فيه عقيلة بني هاشم والتي أدت إلى ما عانته من الأهوال والكوارث التي تذهل كل كائن حيّ .
|
انتخاب عثمان وحكومته :
|
|
|
 |
واجتمع أعضاء الشورى في بيت المال ، وقيل في بيت مسرور بن مخرمة ، وتداولوا الحديث عمّن أحقّ بأمر المسلمين ، وكثر الجدل فيما بينهم ، فانبرى الإمام أمير المؤمنين فحذّرهم من الخلاف والفتنة إن استجابوا لعواطفهم ، ولم يؤثروا المصلحة العامة للمسلمين قائلاً :
«لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ وصلة رحم وعائدة كرم ، فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتطي فيه السيوف ، وتخالف منه العهود حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلال وشيعة لأهل الجهالة» .
ولم يعوا منطق الإمام ونصيحته ، فقد استجابوا لعواطفهم ، وكان الاُمويون قد حفوا بأهل الشورى وهم يقدّمون لهم الوعود المعسولة إن انتخبوا عميدهم عثمان .
| |
(1) العقد الفريد 3 : 73 ـ 74 .
|
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 121 |
|  |
وانقضت الثلاثة أيام التي حدّدها عمر ولم ينتخب أعضاء الشورى أحداً منهم ، فحذّرهم أبو طلحة الأنصاري وجعل يتهدّهم ويتوعدّهم إن لم ينتخبوا أحداً منهم ، انبرى طلحة فوهب حقّه لعثمان لأنّه كان شديد الكراهية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام لأنه نافس ابن عمّه أبا بكر على الخلافة ، ووهب سعد بن أبي وقّاص حقّه لابن عمّه عبد الرحمن بن عوف ، وأصبح رأيه هو الفيصل لأن عمر وضع ثقته به ، وكان رأيه مع عثمان لأنّه صهره وقد زهّده القرشيون في الإمام وحرّضوه على انتخاب عثمان ؛ لأنه يحقّق رغباتهم وأطماعهم ، وأمر عبد الرحمن مسوراً بإحضار أمير المؤمنين وعثمان بن عفان ، فلمّا حضرا عنده في الجامع النبوي التفت إلى الحاضرين فقال لهم :
أيها الناس ، إن الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم فأشيروا عليّ .
وانبرى الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن للاُمّة مصالحها ويصونها من الاختلاف والفرقة قائلاً :
إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً .
وأيد المقداد مقالة صاحبه عمار فقال :
«صدق عمار إن بايعت علياً سمعنا وأطعنا ...
وشجبت الاُسر القرشية المعادية للإسلام والحاقدة عليه مقالة عمار ، ورشحت عميد الاُمويين عثمان بن عفان ، وقد كان الممثل لها عبد الله بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلاً :
إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان .
وكأن شؤون الخلافة ومصير المسلمين موكول إلى قريش وهي التي حاربت رسول الله صلى الله عليه وآله وناهضت دعوته وعذّبت أنصاره حتى هرب منها ، وتابعته إلى يثرب
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 122 |
|  |
بجيوش مكثفة لاستئصال دعوته ومحو دينه ، ولكن الله تعالى ردّ كيدهم وأفشل خططهم ، ونصر نبيّه العظيم ، ولولا سماحة النبي صلى الله عليه وآله ورأفته لأجرى عليهم حكم بني قريضة ، ولكنّه عفا عنهم ، وجعلهم من الطلقاء .
وعلى أي حال فقد اندفع عبد الله بن أبي ربيعة فأيّد مقالة ابن سرح قائلاً :
إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا .
وانبرى الصحابي الجليل عمّار بن ياسر فردّ على ابن أبي سرح قائلاً :
متى كنت تنصح للمسلمين .
وصدق عمار فمتى كان ابن أبي سرح ينصح المسملين وهو من ألدّ أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أمر بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة (1) .
واحتدم الجدال بين الهاشميين وخصومهم الاُمويين ، وانبرى ابن الإسلام البار عمار بن ياسر فجعل يدعو لصالح المسلمين قائلاً :
أيها الناس ، إن الله أكرمنا بنبيّه ، وأعزنا بدينه فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ؟
وانبرى رجل من مخزوم فقطع على عمّار كلامه قائلاً :
لقد عدوت طورك يابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها .
وطفحت الروح الجاهلية على هذه الكلمات ، فليس فيها إلاّ الدعوة إلى الباطل ، فقد اعتبر المخزومي أمر الخلافة وشؤونها إلى قريش التي ما آمنت بالله وكفرت بقيم الإسلام ، فأيّ حق لها في خلافة المسلمين ، وقبله أعلن أحد أعلام القرشيين : أبت قريش أن تجتمع النبوة والإمامة في بيت واحد .
إن أمر الخلافة بيد جميع المسلمين يشترك فيه ابن سميّة وغيره من الضعفاء
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 123 |
|  |
الذين أعزهم الله بدينه ، وليس لأيّ قرشي الحق في التدخل بشؤون المسلمين لو كان هناك منطق وحساب .
وعلى أي حال فقد احتدم النزاع بين القوى الإسلامية وبين القرشيّين ، فخاف سعد أن يفلت الأمر من أيديهم وتفوز الاُسرة النبوية بالحكم فالتفت إلى عبد الرحمن قائلاً له :
يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس .
والتفت عبد الرحمن إلى الإمام فقال له :
هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر ؟ .
فرمقه الإمام بطرفه وأجابه بمنطق الإسلام قائلاً :
«بل على كتاب الله وسنّة رسوله ، واجتهاد رأيي» .
إن ابن عوف يعلم علماً جازماً أن الإمام لا يسوس المسلمين بسيرة الشيخين ولا يحفل بها ، وإنّما يسوسهم بكتاب الله وسنّة نبيّه ورأيه المشرق الذي هو امتداد ذاتي لرأي النبي صلى الله عليه وآله ، وإنّما شرط عليه ذلك لصرف الخلافة عنه .
ولو كان الإمام ممّن يبغي الحكم والسلطان لوافق على هذا الشرط ، ثم خالفه ، ولكنه سلام الله عليه في جميع أدوار حياته واكب الصدق والحقّ ولم يحد عنهما مهما كانت الظروف .
وعلى أي حال فإنّ عبد الرحمن لمّا يئس من إجابة الإمام اتّجه صوب عثمان فعرض عليه شروطه فأجابه بلا تردّد ، فصفق بكفّه على يده وقال له :
اللهم إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .
والتاع الإمام فخاطب ابن عوف :
«والله ما فعلتها إلاّ لأنك رجوت منه ما رجا صاحبها من صاحبه ، دقّ الله بينكما عطر منشم» .
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 124 |
|  |
لقد رجا ابن عوف من بيعته لعثمان أن يكون خليفة من بعده كما كان ذلك بالنسبة للشيخين ، واتّجه الإمام صوب القرشيّين فقال لهم :
«ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون» .
ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدّده :
يا عليّ ، لا تجعل على نفسك سبيلاً .
وغادر الإمام المظلوم قاعة الاجتماع وهو يقول :
«سيبلغ الكتاب أجله ..» .
والتفت الصحابي العظيم عمار بن ياسر فخاطب ابن عوف :
يا عبد الرحمن ، أما والله لقد تركته ، وإنّه من الذين يقضون بالحق وبه كانوا يعدلون .
وانبرى المقداد فرفع صوته قائلاً :
تالله ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ! وا عجباً لقريش لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحداً أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أنقى منه ، لو أجد أعواناً .
وصاح به عبد الرحمن :
اتّق الله يا مقداد ، فإنّي خائف عليك الفتنة .
وانتهت بذلك مأساة الشورى التي وضعها عمر لصرف الخلافة عن أهل بيت النبوة ومنحها لبني اُميّة ، وقد رأت عقيلة الوحي السيدة زينب عليها السلام أضغان القرشيّين وحقدهم على أبيها ، وإنّهم قد عملوا جاهدين على إطفاء نور الله ، والإجهاز على رسالة الإسلام الهادفة لتطوير الوعي الاجتماعي ، وإشاعة الخير والهدى بين الناس .
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 125 |
|  |
لقد خلقت الشورى العمرية الفتن والضغائن بين المسلمين وحجبت الاُسرة النبوية عن القيادة العامة للعالم الإسلامي ، وسلّطت عليهم شرار خلق الله ، فأمعنوا في ظلمهم والتنكيل بهم ، وما كارثة كربلاء وما عانته عقيلة بني هاشم السيّدة زينب عليها السلام من صنوف الظلم والكوارث التي هي ـ من دون شك ـ من النتائج المباشرة لأحداث الشورى والسقيفة فإنهما الأساس لكل ما لحق بآل النبي صلى الله عليه وآله من الكوارث والخطوب .
|
حكومة عثمان :
|
|
|
 |
وتسلّم عثمان قيادة الاُمّة ، وقد احتفّ به بنو اُميّة وآل أبي معيط ، وأخذوا يتصرفون في شؤون الدولة حسب رغباتهم وميولهم ولا شأن لعثمان في جميع المناحي السياسية والاقتصادية ، فقد كان بمعزل عنها ، وقد سيطر عليها وتسلّم قيادتها مروان بن الحكم الوزغ بن الوزغ ، والذي يسمّيه معاصروه بالخيط الباطل ؛ وذلك لخبثه وسوء سريرته ، فكان وزيره ومستشاره .
وقد هام عثمان بحبّ اُسرته ، وتفانى في الولاء لهم فكان يقول : لو كانت مفاتيح الجنة بيدي لأعطيتها لبني اُميّة (1) .
وقد أسند مناصب الدولة لهم ، كما عيّنهم ولاة في معظم الأقاليم الإسلامية ، ووهبهم الثراء العريض فكانوا في طليعة الرأسماليين في العالم الإسلامي ، وقد عرضنا في بعض كتبنا (2) بصورة موضوعية وشاملة إلى الهبات المالية الهائلة التي منحها عثمان لاُسرته ، كما عرض لها الحجّة الأميني والدكتور طه حسين والعقّاد وغيرهم ، وقد أدت هباته ومنحه الامتيازات الخاصة لهم إلى نقمة المسلمين
|
(1) مسند أحمد 1 : 62 .
(2) حياة الإمام الحسن ، وحياة الإمام الحسين عليهما السلام .
|
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 126 |
|  |
وشيوع السخط والتذمّر عليه في معظم الأقاليم الإسلامية .
|
الجبهة المعارضة :
|
|
|
 |
ونقمت على عثمان ، وسخطت على سياسته معظم الصحابة وأعلام الإسلام وفي طليعتهم .
1 ـ أبو ذرّ الغفاري .
2 ـ عمّار بن ياسر .
3 ـ السيّدة عائشة .
4 ـ طلحة .
5 ـ الزبير .
6 ـ عبد الرحمن بن عوف .
7 ـ عبد الله بن مسعود ، وغيرهم من أقطاب الإسلام وحماته وقد نكّل عثمان بالكثيرين من معارضيه ، فقد نفى الصحابي العظيم أبا ذرّ الغفاري إلى الشام ، ثمّ نفاه إلى الربذة ، وهي صحراء قاحلة خالية من جميع مقومات الحياة ، وقد أنهكه الجوع حتى توفي غريباً جائعاً مظلوماً ، كما نكّل بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ، وقطع عنه مرتبه فلم يسعفه شيء حتى أهلكه الفقر وفي يد عثمان ذهب الأرض وخيراتها ، كما نكّل بأعظم صحابي وأجلّ مجاهد إسلامي وهو الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر فقد ضربه ضرباً مبرحاً حتى أصابه فتق واُغمي عليه .
وقد رفعت السيدة عائشة قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وهي تقول : هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبل وعثمان قد أبلى سنّته ، كما أفتت بحلّية قتله فقالت : اقتلوا نعثلاً فقد كفر ، وقد اشتدّت عليه المعارضة وقويت ، وامتدّت إلى معظم الأقاليم الإسلامية ، وقد استجارت المعارضة بالعراق ومصر وغيرها لإنقاذ المسلمين من
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 127 |
|  |
عثمان وبطانته ، فخفّت بعض الكتائب العسكرية فزحفت إلى يثرب ، وأحاطت بدار عثمان وطلبت منه إبعاد مروان وإقصاء بني اُميّة عنه أو الاستقالة من منصبه ، فوعدهم بتنفيذ أهم متطلباتهم وهي إقصاء بني اُميّة إلاّ أنّه خان بوعده ، وكتب إلى ولاته على الأقطار بالتنكيل بمن استجاب للمعارضة ممّن قدموا إلى يثرب .
وقبض الثوار في أثناء رجوعهم إلى مدنهم على رسائله التي بعثها إلى ولاته في التنكيل بهم ففزعوا وقفلوا راجعين إلى يثرب ، وعرضوا عليه رسائله ، وطالبوه بالاستقالة الفورية من منصبه ، فلم يستجب لهم ، وأصرّ على الإحتفاظ بكرسي الحكم ، فعمدوا إلى الإجهاز عليه فقتلوه شرّ قتلة ، وتركوا جسده مرمياً على مزبلة من مزابل يثرب استهانة به ، ولم يسمحوا بمواراته إلاّ أنّ الإمام أمير المؤمنين توسط في دفنه فاستجاب له الثوار على كره فدفنوه في حش كوكب .
لقد انتهت حكومة عثمان ، وقد أخلدت للمسلمين المصاعب والفتن ، وألقتهم في شر عظيم ، فقد اتّخذت عائشة قتله وسيلة لتحقيق مآربها وأطماعها السياسية فراحت تطالب الإمام بدمه ، وهي التي أفتت بقتله وكفره ، كما اتّخذ الذئب الجاهلي معاوية بن هند قتل عثمان ورقة رابحة للتمرّد على حكومة الإمام والمطالبة بدمه .
وعلى أي حال فقد رأت حفيدة النبي صلى الله عليه وآله السيدة زينب عليها السلام هذه الأحداث الجسام ووعت أهدافها السياسية فكان لها أعمق الأثر في نفسها ، فقد كان لها من المضاعفات السيئة ما اهتز من هولها العالم الإسلامي ، والتي كان من نتائجها كارثة كربلاء التي رزئت فيها السيدة زينب ، فقد عانت من الكوارث والخطوب ما تذوب من هولها الجبال .
|
حكومة الإمام :
|
|
|
 |
وبعدما أطاح الثوار بحكومة عثمان أحاطوا بالإمام أمير المؤمنين وهم يهتفون
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 128 |
|  |
بحياته ، ويعلنون ترشيحه لقيادة الاُمّة فليس غيره أولى وأحق بهذا المركز الخطير ، فهو ابن عمّ النبي صلى الله عليه وآله وأبو سبطيه ، ومن كان منه بمنزل هارون من موسى ، وهو صاحب المواقف المشهورة في نصرة الإسلام والذبّ عنه ، وليس في المسلمين من يساويه في فضائله وعلومه وعبقرياته ، إلاّ أنّ الإمام رفض دعوتهم ، ولم يستجب لهم لعلمه بما سيواجهه من الأزمات السياسية ، فإنّ منهجه في عالم الحكم يتصادم مع رغبات الاُسر القرشية التي تريد السيطرة على السلطة ، وإخضاعها لرغباتها الخاصة ، فقال عليه السلام للثوار :
«لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به ..» .
فهتفوا بلسان واحد :
ما نختار غيرك .
وعقدت القوات المسلحة مؤتمراً خاصاً عرضت فيه ما تواجهه الاُمّة من الأخطار إن بقيت بلا إمام يدير شؤونها ، وقد قرّرت إحضار المدنيّين وإرغامهم على انتخاب إمام المسلمين ، فلمّا حضروا هدّدوهم بالتنكيل إن لم ينتخبوا إماماً وخليفة للمسلمين ، ففزعوا إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأحاطوا به رافعين عقيرتهم :
البيعة .. البيعة ..
فامتنع الإمام من إجابتهم ، فأخذوا يتضرّعون إليه قائلين :
أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى .
فأجابهم الإمام بالرفض الكامل قائلاً :
«دعوني ، والتمسوا غيري ..» .
ثم أعرب لهم الإمام عما ستعانيه الاُمّة من الأزمات قائلاً :
«أيها الناس ، إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ، ولا تثبت له العقول ..» .
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 129 |
|  |
لقد كشف الإمام عمّا سيواجهه المسلمون من الأحداث المروّعة التي تعصف بالحلم وتميد بالصبر ، الناجمة من الحكم المباد الذي عاث فساداً في الأرض ، فقد أقام عثمان اُسرته حكّاماً وولاةً على الأقاليم الإسلامية ، فاستأثروا بأموال المسلمين واحتكروها لأنفسهم ، وإنهم حتماً سيقاومون كل من يريد الإصلاح الاجتماعي ، فلذلك امتنع الإمام من إجابة القوم .
ثم عرض الإمام على القوات المسلحة ، وعلى الصحابة وغيرهم منهجه فيما إذا ولي اُمورهم قائلاً :
«إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم ، ألا وإنّي من أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه ..» .
واستجاب الجميع لما عرضه الإمام عليهم قائلين :
ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك .
وأجّلهم الإمام إلى الغد لينظر في الاُمور ، ولمّا أصبح الصبح هرعت الجماهير إلى الجامع الأعظم ، فأقبل الإمام فاعتلى أعواد المنبر فخطب الناس ، وكان من جملة خطابه :
«أيها الناس ، إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ من أمرتم ، وقد افترقنا بالأمس ، وكنت كارهاً لأمركم ، فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم وإلاّ فلا آخذ على أحد ..» .
وتعالى هتاف الجماهير بالتأييد والرضا قائلين :
نحن على ما فارقناك عليه بالأمس .
وطفق الإمام قائلاً :
«اللهم اشهد عليهم ..» .
وقد اتّجهت الناس كالموج صوب الإمام لتبايعه ، وأوّل من بايعه طلحة فبايعه
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 130 |
|  |
بيده الشلاّء التي سرعان ما نكث بها عهد الله فتطيّر منها الإمام وقال :
«ما أخلفه أن ينكث ..» (1) .
ثمّ بايعه الزبير وهو ممّن نكث بيعته ، وبايعته القوات العسكرية ، كما بايعه من بقي من أهل بدر والمهاجرين والأنصار كافة (2) ، ولم يظفر أحد من خلفاء المسلمين بمثل هذه البيعة في شمولها ، وقد فرح بها المسلمون وابتهجوا ووصف الإمام عليه السلام مدى سرورهم بقوله :
«وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب ..» .
لقد ابتهج المسلمون ، وعمّت الفرحة الكبرى جميع الأوساط الإسلامية بخلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام رائد العدالة الاجتماعية ، والمتبنّي لحقوق الإنسان الذي شارك البؤساء والمحرومين في سغبهم ومحنهم ، القائل :
«أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش» .
|
وجوم القرشيين :
|
|
|
 |
واستقبلت قريش خلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب ، كما استقبلوا نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإنّ الروح الجاهلية بما تحمل من عادات وتقاليد وكراهية للحق لم تزل مائلة فيهم ولم يغيّر الإسلام من طباعهم أي شيء .
وقريش تعرف الإمام جيداً فهو الذي حصد رؤوس أعلامهم بسيفه ، ومحق
|
(1) العقد الفريد 3 : 93 .
(2) حياة الإمام الحسن عليه السلام 1 : 376 .
|
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 131 |
|  |
كبرياءهم في سبيل الإسلام الذي ناهضوه ، وقد خفّ إليه الاُمويّون ، وفي طليعتهم الوليد فقال للإمام :
إنّك قد وترتنا جميعاً ، أما أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر ، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر ، وكان أبوه من نور قريش ، وأمّا مروان فشتمت أباه ، وعبت على عثمان حين ضمّه إليه . فنبايع على أن تضع عنّا ما أصبنا ، وتعفو عنّا عمّا في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا .
فرد الإمام عليه مقالته التي لا بصيص فيها من نور الحق قائلاً :
«أما ما ذكرت من وتري إيّاكم فالحق وتركم ، وأمّا وضعي عنكم عمّا في أيديكم فليس لي أن أضع حقّ الله ، وأمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم ، وأمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتالهم اليوم لزمني قتالهم غداً ، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فمن ضاق عليه الحق فالباطل عليه أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم» (1) .
إن الأمويّين أرادوا المساومة فيما نهبوه من أموال المسلمين وما اختلسوه من بيت المال ، وهيهات أن يستجيب لهم رائد الحق والعدالة في دنيا الإسلام الذي لا تساوي السلطة عنده قيمة حذائه الذي كان من ليف ، وقد انصرفوا عنه وقلوبهم مترعة بالحقد والكراهية له .
وعلى أي حال فقد فزع القرشيّون من حكومة الإمام عليه السلام وخافوا على مصالحهم ونفوذهم وامتيازاتهم التي ظفروا بها في عهد الخلفاء ، لقد أيقنوا أن الإمام سيعاملهم معاملة عادية ، ولا يميّزهم على أيّ أحد من المسلمين ، وقد كان سيء الظنّ بهم ، وقد أعرب عن مدى استيائه منهم بقوله :
«ما لي ولقريش لقد قاتلتهم كافرين ، ولأقتلنهم مفتونين ، والله لا بقرنّ الباطل
| |
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 155 .
|
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 132 |
|  |
حتى يظهر الحق من خاصرته ، فقل لقريش فليضج ضجيجها ..» .
لقد حقدت قريش على الإمام كما حقدت على ابن عمّه رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد صرفت الخلافة تارة عنه إلى تيم ، وإلى عدي اُخرى ، وإلى بني اُمية ثالثة ، وقد جهدت على محاربته وإشاعة التمرّد في أيام خلافته ، وقد ظهرت بوادر ذلك في حرب الجمل وصفين .
|
إجراءات حاسمة :
|
|
|
 |
وقام الإمام رائد العدالة الاجتماعية بإجراءات حاسمة ضد الحكم المباد كان منها :
| |
1 ـ مصادرة الأموال المنهوبة :
|
وأوّل عمل قام به الإمام أنّه أصدر أوامره بمصادرة القطائع التي اقتطعها عثمان ، وباسترجاع الأموال التي استأثر بها لنفسه ، والأموال التي منحها لبني اُميّة وآل أبي معيط لأنّها أخذت بغير وجه مشروع ، وقد صودرت أموال عثمان حتى سيفه ودرعه ، وقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها :
ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشّرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه ، كما تقشّر عن العصا لحاها ...
وعمّ الذعر والخوف جميع الرأسماليين القرشيّين الذين أقطعهم عثمان ووهبهم الثراء العريض ، فقد خافوا من مصادرتها وتأميمها للدولة كما صنع الإمام بأموال عثمان فلذا أعلنوا التمرّد والبغي على حكومة الإمام .
وقام رائد العدالة الاجتماعية بعزل ولاة عثمان لأنّهم أظهروا الجور والفساد
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 133 |
|  |
في الأرض ، فقد عزل معاوية بن هند ، وقد نصحه جماعة من المخلصين له وطلبوا منه إبقاء معاوية فأبى وامتنع من المداهنة في دينه ، وكيف يبقي الإمام في جهاز حكمه هذا الذئب الجاهلي ، ويقرّه على عمله وهو رأس المنافقين ومصدر قوتهم .
وكذلك عزل غير معاوية من ولاة عثمان ، ولم يبق واحداً منهم والياً على قطر من الأقطار .
| |
3 ـ المساواة بين المسلمين :
|
وأعلن الإمام عليه السلام المساواة العادلة بين جميع المسلمين ، مساواة في العطاء ومساواة في الحقوق وغيرهما من الشؤون الاجتماعية ، وقد عوتب على مساواته في العطاء ، فأجاب :
«أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه ، والله ما أطور به ما سمر سمير ، وما أمّ نجم في السماء نجماً ، لو كان المال لي لسوّيت بينهم فكيف وإنّما المال مال الله ! ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله ..» .
وهكذا سلك عليّ في أيام حكومته مسلكاً مشرقاً لا التواء ولا منعطف فيه ، فطبق العدل ونشر المساواة ، فلم يؤثر أي أحد من أبنائه وأرحامه على غيرهم ، ولم يمنحهم أي امتياز في دولته ، وكان من بوادر عدله أنّه دخل بيت المال فقسّمه فجاءت طفلة إمّا للحسن أو للحسين فتناولت منه شيئاً فلمّا بصر بها أسرع إليها فأخذه منها وأرجعه إلى بيت المال ، فقال له أصحابه :
يا أمير المؤمنين ، إن لها فيه حقّاً ..
فأنكر عليهم ذلك وقال :
 | |
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام | | 134 |
|  |
«إذا أخذ أبوها منه فليعطها منه ما شاء» (1) .
لقد تحرج في سلوكه كأشدّ وأقسى ما يكون التحرج وأرهق نفسه إرهاقاً شديداً ، فلم يرق الناس مثل عدله في جميع فترات التاريخ .
على خطة العدل والشرف غذّى أبناءه ، وقد رأت ابنته حفيدة الرسول زينب عليها السلام هذه السيرة المشرقة التي تأخذ بأعماق القلوب قد سار عليها أبوها فكانت من عناصر تربيتها ومن مقوّمات ذاتها ، وهي التي خلقت له الخصوم والأعداء .
| |
(1) أنساب الأشراف 1 : 160 ، القسم الأوّل .
|
| |