السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام135

التمرّد على حكومة الإمام

وثارت القوى المنحرفة عن الحق والمعادية للإصلاح الاجتماعي على حكومة الإمام رائد الحق والعدالة في دنيا الإسلام ، وقد أرادوا منه أن يعدل عن منهجه ، ويسير وفق مخططاتهم الهادفة إلى ضمان مصالحهم ، ومنحهم الامتيازات الخاصة ، فأبى عليه السلام إلاّ أن يسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويطبّق قانون الإسلام وتعاليم القرآن ، ونشير إلى بعض هؤلاء المتمرّدين الذين شقّوا صفوف المسلمين ، وأغرقوا البلد في المحن والاضطراب ، وأشاعوا بين المسلمين الحزن والحداد ، وهم :

طلحة والزبير :

وبايع طلحة والزبير الإمام أمير المؤمنين ، وانعقدت بيعته في أعناقهما ، ولكن الأطماع السياسية والشورى العمرية التي نفخت فيهما روح الطموح ، وساوت بينهما وبين بطل الإسلام وأخي رسول الله صلى الله عليه وآله ، هي التي دفعتهما إلى إعلان التمرّد ، وقد خفّا إلى الإمام عليه السلام وقد أترعت نفوسهما بالأطماع والكيد للإسلام ، فقالا للإمام :
هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين ؟
فأسرع الإمام قائلاً :
«نعم على السمع والطاعة ، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان ..» .
فرفضا ذلك ، وقالا :

السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام136

لا ، ولكن بايعناك على أنّا شريكاك في الأمر .
فرمقهما الإمام بطرفه ، وأوضح لهما ما ينبغي أن يكونا شريكين له قائلاً :
«لا ، ولكنّكما شريكان في القول والاستقامة ، والعون على العجز والأولاد» .
لقد أعربا عن أطماعهما وأنّ بيعتهما للإمام لم تكن من أجل صالح المسلمين وجمع كلمتهم ، وقاما مغضبين ، فقال الزبير في ملأ من قريش :
هذا جزاؤنا من عليّ ، قمنا له في أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب ، وسبّبنا له القتل ، وهو جالس في بيته ، وكفي الأمر ، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا ...
وقال طلحة :
ما اللوم إلاّ أنّا كنّا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا (1) وبايعناه ، وأعطيناه ما في أيدينا ومنعنا ما في يده ، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا ...
والشيء المؤكّد أنّهما لم يعرفا عليّاً ، ولم يعيا أهدافه في عالم الحكم ، ولو عرفاه ما نازعاه ، أو أنّهما عرفاه وحالت أطماعهما وجشعهما على منازعته ، وانتهى حديثهما إلى الإمام فاستدعى مستشاره عبد الله بن عباس فقال له :
«بلغك قول الرجلين ..» .
نعم .
«أرى أنّهما أحبّا الولاية فولّ البصرة الزبير ، وولّ طلحة الكوفة ..» .
ولم يرتض الإمام رأي ابن عباس ، فقال مفنّداً لرأيه .
«ويحك إنّ العراقين ـ البصرة والكوفة ـ بهما الرجال والأموال ، ومتى تملّكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع ، ويضربا الضعيف بالبلاء ، ويقويا على القوي بالسلطان ، ولو كنت مستعملاً أحداً لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ،

(1) يريد به سعد بن أبي وقّاص فإنّه امتنع عن بيعة الإمام عليه السلام والذي دفعه على ذلك حقده له .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام137

ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي ..» .
لقد كان الإمام عالماً بأطماعهما ، وما انطوت عليه نفوسهما من التهالك على الامرة والسلطان ، ولو كان يعلم نزاهتهما واستقامتهما لولاّهما البصرة والكوفة .
ولمّا علم طلحة والزبير أنّ الإمام لا يولّيهما على قطر من أقطار المسلمين خفّا إليه طالبين منه الإذن بالخروج قائلين :
ائذن لنا يا أمير المؤمنين ...
«إلى أين ؟» .
نريد العمرة .
فرمقهما الإمام بطرفه ، وعرّفهما ما يريدان قائلاً لهما :
«والله ما العمرة تريدان ، بل الغدرة ونكث البيعة ..» .
فأقسما له بالأيمان المغلظة أنّهما لا يخلعان بيعته ، وأنّهما يريدان أن يعتمرا بالبيت الحرام ، وطلب منهما الإمام أن يعيدا له البيعة ثانياً ، ففعلا دون تردد ، ومضيا منهزمين إلى مكة يثيرا الفتنة ، ويلحقا بعائشة ليتّخذوها واجهة لتمرّدهما على الحق وشقّ كلمة المسلمين .

تمرّد عائشة :

ويجمع المؤرخون على أنّ عائشة في طليعة من أشعل نار الثورة على عثمان ، فقد أفتت بقتله ومروقة من الدين ، وكانت تسمّيه نعثلاً ، ولمّا أحاط به الثوار خرجت إلى مكة ، وبعد أدائهما لمناسك الحج قفلت راجعة إلى يثرب ، وهي تجدّ في السير لتنظر ما آل إليه أمر عثمان ، فلمّا انتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها كان قادماً من المدينة ، فأسرعت قائلة :
مهيم .. (1) .

(1) مهيم : كلمة استفهام من معانيها ما وراؤك .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام138

قتلوا عثمان ...
وأسرعت قائلة :
ثم صنعوا ماذا ؟
واجتمعوا على بيعة عليّ فجازت بهم إلى خير مجاز .
ولمّا سمعت أنّ الخلافة قد آلت إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام انهارت أعصابها وتحطّمت قواها ، وهتفت وهي حانقة ، وبصرها يشير إلى السماء ثم ينخفض فيشير إلى الأرض قائلة :
والله ليت هذه انطبقت على هذه ، إن تمّ الأمر لابن أبي طالب ، قتل عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه ...
وبهر عبيد من منطقها ، فقال لها باستهزاء وسخرية :
ولِمَ ؟ فوالله إنّ أول من أمال حرفه لأنت ، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر !!
وانبرت عائشة تبرّر هذا التناقض في كلامها وسلوكها ، فقالت له :
إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل .
وهي حجّة واهية لا واقع لها ، فهل أنّها كانت حاضرة حينما أحاط الثوار بعثمان فأعلن لهم توبته فلم يحفلوا بها ، وعدوا عليه فقتلوه ، كما تقول ولم يخف على ابن خالها هذا التناقض الصريح في قولها ، فراح يرد عليها :
منـكِ البداء ومنكِ الغِيَـر ومنكِ الرياح ومنكِ المطر
وأنتِ أمـرتِ بقتل الإمام وقلـتِ لنا إنّـه قد كفـر
فهبنا (1) أطعناكِ في قتله وقـاتِلُه عندنـا من أمـر

(1) في رواية : «ونحن» .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام139

ولم يسقُـط السقف من فوقنـا ولم ينكسـف شمسنا والقمـر
وقد بايـع الناس ذو تُدرؤ (1) يُزيـل الشبـا ويقيـم الصعر
و يلبـس للحـرب أثـوابهـا وما مَن وفى مثل من قد غدر

وغاظها قوله فأعرضت عنه ، وقفلت راجعة إلى مكة (2) وهي كئيبة حزينة ؛ لأن الخلافة آلت إلى باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وأبي سبطيه .
وراحت تندب عثمان ، فقد اتّخذت قتله ورقة رابحة للإطاحة بحكم الإمام ، يقول شوقي :
أثأر عثمان الذي شجاها أم غصّة لم ينتزع شجاها
ذلك فتق لم يكن بالبـال كيد النساء موهن الجبـال

إنّ دم عثمان لا يصلح بأي حال من الأحوال أن يكون من بواعث ثورتها على حكومة الإمام ، فقد كانت هناك أسباب وثيقة دعتها إلى هذا الموقف الذي لا تحمد عليه ، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا (حياة الإمام الحسن) .

الزحف إلى البصرة :

وانضمّ طلحة والزبير إلى عائشة ، ومعهما جميع رجال الحكم المباد من ولاة عثمان وغيرهم من المعادين لحكومة الإمام ، وقد قرّر زعماء الفتنة الزحف إلى البصرة لاحتلالها ، ونادى المنادي في مكة :
أيها الناس ، إنّ اُمّ المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة ، فمن كان يريد إعزاز الإسلام ، وقتال المحلين والطلب بدم عثمان ، ولم يكن عنده مركب

(1) ذو تدرؤ : أي ذو عزيمة ومنعة . الشبا : المكرون . الصعر : ميل في الوجه أو في أحد الشفتين ، والمراد أنّه يقيم الشيء الملتوي .
(2) تاريخ الطبري 3 : 454 ، وغيره .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام140

ولا جهاز فهذا جهازه ، وهذه نفقته ...
وزوّدوا الجند بالسلاح والعتاد والأموال ، وقد كان قسم من النفقات من يعلي ابن اُمية والي عثمان ، فقد أعان بأربعمائة ألف وحمل سبعين رجلاً (1) .
واعتلت عائشة على جملها ، ولم ترغب فيه ، وصادفوا في الطريق العرني ، وكان عنده جمل اُعجب به أتباع عائشة ، فقالوا للعرني :
يا صاحب الجمل تبيع جملك ؟
نعم .
بِكَم ؟
بألف درهم .
مجنون أنت ، جمل يباع بألف درهم !!
نعم ، جملي هذا .
وممّ ذلك ؟
ما طلبت عليه أحداً إلاّ أدركته ، ولا طلبني وأنا عليه قطّ إلاّ فتّه .
لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا .
لمن تريده ؟
لاُمّك .
قد تركت اُمّي في بيتها قاعدة ما تريد براحاً .
إنّما نريده لاُمّ المؤمنين عائشة .
هو لكم ، خذوه بغير ثمن .
لا .
ارجع معنا إلى الرحل نعطيك ناقة ونزيدك دراهم .

(1) الطبري 3 : 454 ، وغيره .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام141

ورجع معهم فاعطوه ناقة مهرية وزادوه أربعمائة أو ستمائة درهم (1) .
واعتلت عليه عائشة ، وقد احتفى بها أنصارها من الاُمويين وغيرهم من الطامعين في الحكم .

ماء الحوأب :

وسارت قافلة عائشة تجدّ في السير لا تلوي على شيء ، فاجتازت على مكان يقال له الحوأب ، فتلقّت كلاب الحيّ القافلة بهرير وعواء ، فذعرت عائشة من شدّة ذلك النباح ، فقالت لمحمد بن طلحة :
أيّ ماء هذا ؟
ماء الحوأب .
فذعرت عائشة ، وقالت :
ما أراني إلاّ راجعة .
لِمَ يا اُمّ المؤمنين ؟
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لنسائه : «كأنّي بإحداكن قد نبحتها كلاب الحوأب (2) ، وإيّاك أن تكوني يا حميراء ..» .
فرد عليها محمد وقال لها :
تقدمي رحمك الله ، ودعي هذا القول ...
ولم تقتنع عائشة وذاب قلبها أسى على ما فرّطت في أمرها . وعلم طلحة

(1) تاريخ الطبري 3 : 475 .
(2) روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال يوماً لنسائه وهنّ جميعاً عنده : «أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة كلّهم في النار ، وتنجو بعد ما كادت» ، جاء ذلك في : شرح النهج 2 : 497 ، وهذا الحديث من أعلام النبوّة ، ومن إخباره بالمغيبات .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام142

والزبير بإصرارها على الرجوع إلى يثرب فأقبلا يلهثان ؛ لأنّها متى انفصلت عن الجيش تفرّق وذهبت آمالهما أدراج الرياح ، فتكلّما معها في الأمر فامتنعت من إجابتهما ، فجاءوا لها بشهود اشتروا ضمائرهم فشهدوا عندها أنّه ليس بماء الحوأب ، وهي أوّل شهادة زور تقام في الإسلام (1) ، وبهذه الشهادة الكاذبة استطاعوا أن يحرفوها عمّا صمّمت عليه .

في ربوع البصرة :

وأشرفت قافلة عائشة على البصرة ، فلمّا علم ذلك عثمان بن حنيف والي البصرة أرسل إلى عائشة أبا الأسود الدؤلي ليسألها عن قدومها ، ولمّا التقى بها قال :
ما أقدمك يا اُمّ المؤمنين ؟
أطلب بدم عثمان .
فردّ عليها من منطقه الفيّاض قائلاً :
ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد .
صدقت ولكنّهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم .
فردّ عليها أبو الأسود ببالغ الحجّة قائلاً :
ما أنت من السوط والسيف ، إنّما أنت حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، أمرك أن تقرّي في بيتك وتتلي كتاب ربّك ، وليس على النساء قتال ، ولا لهنّ الطلب بالدماء ، وأنّ عليّاً لأولى منكم وأمسّ رحماً ، فإنّهما إبنا عبد مناف .
ولم تقنع عائشة وأصرّت على محاربة الإمام ، وقالت لأبي الأسود :
لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه ، أفتظنّ أبا الاسود أنّ أحداً يقدم

(1) مروج الذهب 2 : 342 . تاريخ اليعقوبي 2 : 181 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام143

على قتالي .
فأجابها أبو الأسود :
أما والله لتقاتلن قتالاً أهونه الشديد .
ثم تركها وانصرف صوب الزبير فقابله ، وذكّره بماضي جهاده وولائه للإمام أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً له :
يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب ، وأين هذا المقام من ذاك ؟
فأجابه الزبير :
نطلب بدم عثمان .
ونظر إليه أبو الأسود فأجابه بسخرية :
أنت وصاحبك ولّيتماه فيما بلغنا .
ورأى الزبير في كلام أبي الأسود النصح والسداد فانصاع لقوله ، إلاّ أنّه طلب منه مواجهة طلحة وعرض الأمر عليه ، فمضى أبو الأسود مسرعاً نحو طلحة وكلّمه في الأمر فلم يجد منه أيّة استجابة ، وقفل أبو الأسود راجعاً إلى ابن حنيف فأخبره بنيّة القوم وإصرارهم على الحرب .
وعقد الفريقان هدنة مؤقتة ، وكتبا في ذلك وثيقة وقّعها كلا الطرفين على أن لا يفتح أحدهما على الآخر باب الحرب ، حتى يستبين في ذلك رأي الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .

مظاهرة نسوية لتأييد عائشة :

وقامت بعض السيّدات من النساء بمظاهر لتأييد عائشة وهن يجبن في شوارع يثرب ويضربن بالدفوف ، وقد رفعن أصواتهن بهذا النشيد :
ما الخبر ، ما الخبر ، إن عليّاً كالأشقر ، إن تقدم عقر ، وإن تأخر نحر ...

السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام144

ولمّا سمعت ذلك اُمّ المؤمنين السيدة اُمّ سلمة ، خرجت هي وحفيدة الرسول العقيلة زينب عليها السلام تحفّ بها إماؤها فجعلت توبخهنّ ، وقالت لهنّ : إن تظاهرتن على أبي ، فقد تظاهرتن من قبل على جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فاستحيت النساء وتفرّقن ، وعادت السيدة زينب عليها السلام إلى بيتها (1) .

نقض الاتفاق :

وعمل حزب عائشة إلى نقض الهدنة ، فقد هجموا على والي البصرة ابن حنيف ، وكان مقيماً في دار الإمارة ، فاعتقلوه ونكّلوا به ، فنتفعوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه ، ونهبوا ما في بيت المال ، وثارت الفتنة في البصرة ، فقد قتلوا خزّان بيت المال وبعض الشرطة ، ووقعت معركة رهيبة بين أنصار الإمام وحزب عائشة ، وقد حملوها على جمل ، وسمّيت تلك الوقعة بيوم الجمل الأصغر ، وقد استشهد فيها جمع من المسلمين (2) .

زحف الإمام للبصرة :

وزحف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بجيوشه إلى البصرة للقضاء على هذا الجيب المتمرّد الذي ينذر بانتشار التمرّد وسقوط الحكم ، وحينما انتهى إلى البصرة بعث عبد الله بن عباس وزيد بن صوحان إلى عائشة وطلحة والزبير يدعوهم إلى السلم وعدم إراقة الدماء ، فلم يستجيبوا لدعوته وأصرّوا على التمرّد والبغي ومناجزة الإمام ، وأرسل الإمام فتىً نبيلاً وأمره أن يحمل كتاب الله تعالى ويدعوهم إلى تحكيمه ، فأخذ الفتى الكتاب العزيز وجعل يلوّح به أمام عسكر عائشة وهو يدعوهم إلى العمل بما فيه ويدعوهم إلى السلم والوئام ، فحملوا عليه فقطعوا

(1) زينب الكبرى : 25 .
(2) عرضنا لهذه الأحداث بصورة مفصّلة في كتابنا حياة الإمام الحسن عليه السلام .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام145

يمينه فأخذ المصحف بيساره ، وجعل يدعوهم إلى السلم والعمل بما في الكتاب ، فحملوا عليه فقطعوا يساره ، فأخذ المصحف بأسنانه ، وجعل يناديهم :
الله في دمائنا ودمائكم .
فانثالوا عليه يرشقونه بسهامهم حتى سقط إلى الأرض جثة هامدة ، ولم تُجْدِ معهم هذه الدعوة الكريمة وأصرّوا على الحرب .

إعلان الحرب :

ولم تُجب مع عائشة وحزبها دعوة الإمام إلى السلم وعدم إراقة الدماء ، فقد أصرّوا على الحرب والتمرّد على الحق ، فاضطرّ الإمام إلى مناجزتهم ، فعبّأ جنوده ، ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف فقالت : انظروا إليه كأن فعله فعل رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ، أما والله ما ينتظر بكم إلاّ زوال الشمس .
ومع علمها بأنّ فعله كفعل رسول الله صلى الله عليه وآله كيف ساغ لها أن تحاربه ، وخاطبها الإمام فقال لها :
«يا عائشة ، عمّا قليل ليصبحن نادمين» (1) .
وأعطى الإمام خطته العسكرية لجنوده ، فقال لهم :
«أيها الناس .. إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيراً ، ولا تتّبعوا مولّياً ، ولا تطلبوا مدبراً ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثّلوا بقتيل ، ولا تهتكوا ستراً ، ولا تقربوا من أموالهم إلاّ ما تجدونه في معسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة ، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله ..» .
ومثّلت هذه الوصية الشرف والرأفة والرحمة ، كما وضعت الأصول الفقهية في حرب المسلمين بعضهم مع بعض ، كما أعلن ذلك بعض الفقهاء .

(1) حياة الإمام الحسن عليه السلام 1 : 447 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام146

واعتلت عائشة جملها المسمّى بعسكر وأخذت كفّاً من حصباء فرمت به أصحاب الإمام عليه السلام وقالت : شاهت الوجوه ، فأجابها رجل من شيعة الإمام : يا عائشة وما رميت إذ رميت ولكن الشيطان رمى .
وتولّت عائشة القيادة العامة للقوات المسلحة ، فكانت هي التي تصدر الأوامر للجيش .
وبدأ القتال كأشدّه ، وقد حمل الإمام على معسكر عائشة وقد رفع العلم بيسراه ، وشهر بيمينه ذا الفقار الذي طالما كشف به الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وآله .
واشتدّ القتال ، وقد بان الانكسار في جيش عائشة وقد قتل طلحة والزبير والكثيرون من قادة عسكر عائشة ، وأخذت عائشة تبثّ في نفوس عسكرها روح التضحية والنضال ، وقد دافعوا عنها بحماس بالغ ، وقد شاعت القتلى بين الفريقين.

عقر الجمل :

وأحاط أصحاب عائشة بجمل اُمّهم ، فدعا الإمام عمّار بن ياسر ومالك الأشتر ، وأمرهما بعقر الجمل قائلاً :
«اذهبا فاعقرا هذا الجمل ، فإن الحرب لا يخمد ضرامها ما دام حياً ، فإنّهم قد اتّخذوه قبلة لهم ..» .
وانطلق الأشتر وعمار ومعهما فتية من مراد ، فوثب فتى يعرف بمعمر بن عبد الله إلى الجمل فضربه على عرقوبه فهوى إلى الأرض وله صوت منكر لم يُسمع مثله ، وتفرّق أصحاب عائشة حينما هوى الصنم الذي قدّموا له آلاف القتلى ، وأمر الإمام عليه السلام بحرقه وذرّ رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها الغوغاء ، وبعدما فرغ من ذلك قال :
«لعنه الله من دابة فما أشبهه بعجل بني إسرائيل ..» .

السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام147

ثم مدّ بصره نحو الرماد الذي تناهبته الريح وتلا قوله تعالى : «وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرّقنّه ثم لننسفنّه في اليمّ نسفاً» (1) .
وانتهت بذلك حرب الجمل التي أثارتها الأحقاد والأطماع ، وقد أشاعت بين المسلمين الضغائن والفتن ، وألقتهم في شرّ عظيم .

العفو العام :

وأصدر الإمام أوامره بالعفو العام عن جميع أعدائه وخصومه ، وطلبت عائشة من الإمام أن يعفو عن ابن أختها عبد الله بن الزبير وهو من ألدّ أعدائه فعفا عنه ، وكذلك عفا عن مروان بن الحكم ، وقد توسط في أمره الحسن والحسين عليهما السلام ، وآمن الأسود والأحمر ـ على حد تعبير اليعقوبي ـ ، ولم ينكّل بأيّ أحد من خصومه وأعدائه .

تسريح عائشة :

وسرّح الإمام عليه السلام عائشة ، وردّها إلى يثرب ، ولم يعرض لها بأي مكروه أو أذى ، وقد غادرت البصرة ونشرت في ربوعها الحزن والحداد والثكل ، وتصدّعت الوحدة بين المسلمين ، وشاعت بينهم الكراهية والبغضاء .
وعلى أي حال فقد وعت سيدة النساء زينب عليها السلام هذه الأحداث وعرفت ما تحمله الاُسر القرشية من العداء العارم والبغض الشديد لأبيها عليه السلام ، وأنّها قد شنّت الحرب عليه كما شنّته على أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل .

تمرّد معاوية :

ومهّدت عائشة الطريق إلى معاوية ، وفتحت له أبواب المعارضة لحكومة الإمام

(1) طه : 97 .
السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام148

أمير المؤمنين عليه السلام ، فلولاها لما تمكّن ابن هند من مناجزة الإمام ورفضه لبيعته .
وقد اتّخذ معاوية دم عثمان ورقة رابحة للمطالبة بدمه ، ومن المؤكّد زيف هذه الدعوى وعدم واقعيتها ، فقد استنجد به عثمان حينما حوصر وطلب منه أن يسعفه بقوة عسكرية لرفع الحصار عنه فلم يستجب له حتى أجهز عليه الثوار .. إنّ الذي دعا معاوية إلى التمرّد على حكومة الإمام هو ما يعلمه من سيرة الإمام وسياسته الهادفة إلى إقامة الحق وتدمير الباطل ، فالإمام لا يُبقي معاوية في جهاز الحكم لحظة واحدة ، ويجرّده من جميع أمواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين ، ويحاسبه حساباً عسيراً على جميع تصرّفاته المجافية لروح الإسلام من لبس الحرير والديباج واستعمال أواني الذهب والفضة والإسراف الفظيع في بناء القصور ، ولا يقرّ شرعية دعم عمر له وثنائه عليه ومبالغته في تأييده ، فهو الذي لم يحاسبه على أعماله التي تصادمت مع تعاليم الإسلام وقال فيه : إنّه كسرى العرب ، واعتبر الإمام ذلك تعدٍّ على سياسة العدل التي تبنّاها في جميع مراحل حكمه وحياته .
وعلى أيّ حال ، فقد بعث الإمام إلى معاوية جرير بن عبد الله البجلي ، وزوّده برسالة يدعوه فيها إلى مبايعته والدخول في طاعته ، إلاّ أن معاوية أصرّ على غيّه ورفض الاستجابة لدعوة الحقّ والوئام ، فقد توفّرت عنده القوة العسكرية التي يستطيع بها على محاربة الإمام .

زحف معاوية لصفين :

وبعدما توفّرت لمعاوية الإمكانيات العسكرية والقوى المكثفة زحف بها إلى صفين وأقام فيها ، وكان أوّل عمل قام به احتلال الفرات واعتبر ذلك أوّل الفتح ؛ لأنّه حبس الماء على عدوّه ، وظلّت جيوشه مقيمة هناك تصلح أمرها وتنظّم قواها لتستعدّ إلى حرب وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وباب مدينة علمه .

السيدة زينب رائدة الجهاد في الاسلام149

مسير الإمام إلى صفين :

وتهيّأ الإمام عليه السلام للخروج إلى صفين ، وأمر الحارث بن الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة فعجّت الكوفة بالنفار ، وخرج الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تحفّ به البقية الخيرة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وفي طليعتهم الصحابي العظيم عمّار بن ياسر .
ولزمت جيوش الإمام في زحفها السريع الفرات حتى انتهت إلى صفين ، فلم يجدوا شريعة يستقون منها الماء إلاّ وعليها الحرس الكثير وهم يمانعونهم أشد الممانعة من الوصول إليه ، فأخبروا الإمام عليه السلام فدعا صعصعة بن صوحان وأمره بمقابلة معاوية ليسمح لجنوده بورود الماء ، وسار إليه صعصعة وعرض عليه مقالة الإمام ، فامتنع من إجابته واعتبر ذلك أوّل الفتح .
وحملت جيوش الإمام حتى احتلت الفرات وانهزمت جيوش معاوية ، وطلب أصحاب الإمام منه أن يمنع الماء عن عسكر معاوية فأبى عليه السلام ، وأبى أن يكيل لهم الصاع بالصاع ، وقابلهم مقابة المحسن الكريم إلى أعدائه وخصومه.

الحرب :

وأوفد الإمام إلى معاوية رسل السلام رجاءً في الصلح وحقن الدماء ، فردّهم بعنف وأعلمهم أنّه مصمّم على الحرب ، ورجعت كتائب السلام إلى الإمام ، وعرّفته برفض معاوية لدعوته وإصراره على الحرب .
ولم يجد الإمام بدّاً من الحرب ، فأصدر تعاليمه لعموم جيشه بعدم قتل المدير ، وعدم الإجهاز على الجريح ، وعدم المُثلة بأي قتيل منهم ، وعدم أخذ اموالهم إلاّ ما وجد في معسكرهم ، وغير ذلك من صنوف الشرف والرحمة التي لم يعهد لها نظير في عالم الحروب .
وبدت الحرب بين جيش الإمام وجيش معاوية فكانت كتائب من عسكر

السابق السابق الفهرس التالي التالي