الحسين  والتشريع الإسلامي     (الجزء الخامس)

اسم الکتاب : الحسين والتشريع الإسلامي (الجزء الخامس)

المؤلف : محمد صادق محمد (الكرباسي)
المطبعة : المركز الحسيني للدراسات لندن ـ المملكة المتحدة

 

 

دائرة المعارف الحسينية

الحسين

والتشريع الإسلامي

 

(الجزء الخامس)

 

محمد صادق محمد

(الكرباسي)

 

المركز الحسيني للدراسات

لندن ـ المملكة المتحدة

 

(3)

 

الحقوق كافة محفوظة و مسجلة

للمركز الحسيني للدراسات

لندن - المملكة المتحدة

 

الطبعة الأولى

1439هـ ـ 2018م

 

(4)

بســم الله الرحمن الرحيم (1)

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى(2) ادم ونوحاً وال إبراهيم وال عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم(2)، إنه لقول رسول كريم(4) إني لكم رسول أمين(5)، أبلغكم رسالات ربي(6) لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى(7) وآت ذا القربى حقه(8) ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون(9).

 

صدق الله(10) العلي العظيم(11)

 

 

 

________________

(1) سورة النمل، آية 30.

(2) سورة النمل، آية 59.

(3) سورة آل عمران، آية 33-34.

(4) سورة الحاقة، آية 40.

(5) سورة الشعراء، آية 107.

(6) سورة الأعراف، آية 62.

(7) سورة الشورى، آية 23.

(8) سورة الإسراء، آية 26.

(9) سورة الروم، آية 38.

(10) سورة آل عمران، آية 59.

(11) سورة البقرة، آية 255.

(5)

 

 

 

              قال الرسول الأعظم (ص):

                    

                     «أن الحسين مصباح الهدى

                           وسفينة نجاة

                                  وإمام خيرٍ ويمنٍ

                                                وعزٍ وفخرٍ

                                                وبحر علم وذخر»(1).

                                                       وصدق رسوله الكريم

 

______________

(1) عيون أخبار الرضا: 1/62، وقريب منه في فرائد السمطين: 1/155 ح: 477.

 

(6)

 

مقدمة الناشر

 

       المشروع الأول حتماً هو الخالق عز وجل، العارف بما يقوم الإنسان، وما يجلب له الخير والسعادة في الدنيا والثواب والأجر الجزيل في الآخرة. هو عز وجل مرسل الأنبياء ومنزل الأديان السماوية التي تناسب البشرية بما يؤدي بهم إلى إلى الصلاح والاستمرار، وهو القائل في كتابه الكريم: (إن الحكم إلا لله)، ومن المسلم به أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده من خلفاؤه المعصومون «عليه السلام» يدعون إلى اتباع وتطبيق شرع الله عز وجل، فما من أمر شرعه الله إلا لحكمة تخفي منفعة للناس، وهذا ما أكده الأئمة المعصومون سلام الله عليهم كما في قول الإمام الصادق «عليه السلام»: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قول الله عز وجل».

وتبعاً لذلك فإن ما يقرره ويفعله ويقوله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين سلام الله عليهم، هو السنة الشريفة بأوسع نطاق عما اعتمدته سائر المذاهب الأخرى، وقد اهتم علماء مذهب أهل البيت «عليه السلام» بصورة مكثفة بالسنة الشريفة من ناحية التدوين والحفظ وبيان الكنوز المعرفية الكامنة فيها.

فعلماء الأصول يقولون: السنة قول المعصوم وفعله وتقريره. الكلام الذي يصدر من المعصوم سنة، وفعل المعصوم سنة، وتقرير المعصوم لفعل أو ترك ما سنة.

ويقصد من تقرير المعصوم أن يواجه المعصوم «عليه السلام» فعلاً سواءً كان كذلك الفعل لفرد أو كان للأمة، ثم لا يردع عن ذلك الفعل، ولا ينكره، فإن سكوت المعصوم عن الفعل يدل على إمضائه وارتضائه، ويدل على شرعيته، لأن وظيفة المعصوم «عليه السلام» أن يبلغ أحكام الله ويصلح سلوك الأمة، فلو كان الفعل غير مرضي أو مقبول لنهى عنه المعصوم، وعدم ردعه يكشف عن ارتضائه للفعل، من هنا يقال السنة ليست القول والفعل بل هي أيضاً الإمضاء.

(7)

 

بناء عليه فإن أفعالاً عدة فعلها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة «عليه السلام» من بعده هي بحكم السنة المؤكدة ومن هذه الأفعال ما يتعلق بالمولود من فترة حمله إلى ما بعد ولاته، كحلق شعره والعق عنه وتسميته والتهنئة بولادته، إلى جانب ما يعثر عليه من خبز في مكان ما ووجوب تطهيره أو إزالة الدرن عنه واستحباب أكله، وهذه الأمور هي محور هذا هذا الجزء من أجزاء دائرة المعارف الحسينية الكبرى، وبالتحديد في باب الحسين والتشريع الإسلامي، وقد عمل المؤلف سماحة آية الله الشيخ الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي دام ظله جاهداً في الحصول على تلك الموارد من مطاوي الكتب، إلى جانب مناقشة فقهية وأصولية ورجالية، محققاً في سند الروايات وتشخيص الراوي وطبقته، مبرزاً آثار تلك السنن المتبعة ودلالاتها الشرعية والعلمية والنفسية والدينية، بأسلوب مسهب ودقيق.

في هذا الجزء وهو الجزء الخامس من باب الحسين والتشريع الإسلامي، من دائرة المعارف المباركة، يستكمل فيه المؤلف عرض المسائل التي طرحها الإمام الحسين «عليه السلام» في مجال التشريع وإقرار السنن التي أشرنا إليها أعلاه، بالاعتماد على ما نص عليه «عليه السلام» أو ما قام به ومارسه بنفسه، أو أجراه أحد المعصومين بحقه، أو أنه سكت عما جرى أمامه وهو في مقام تنبيه الفاعل أو القائل ولم يكن يفعل ذلك إمضاء منه على ما جرى.

وقبل الختام نشير كما جرت العادة إلى أن هذا الجزء هو الجزء الثالث عشر بعد المائة من أجزاء هذا الموسوعة العملاقة، التي استطعنا إصدارها حتى اليوم بفضل من الله وتوفيق، ورعاية من المؤمنين الراجين بركات الإمام الحسين «عليه السلام»، وما خاب من رجا بركاته.

ولا يسعنا في الختام إلا القول الحمد الله على أن من علينا بهذه البركة العظمى، بركة خدمة نهج الحسين الشهيد سلام الله عليه وعلى أبيه وأخيه وأمه وجده وبنيه، وهو نهج الخالق عز وجل، وما أراد الله بعباده إلا خيراً.

                                                                                                                   29/جمادى الأولى/ 1439            

                     16/شباط/ 2018م      

 

(8)

 

قسم

الفقه

 

(9)

 

(10)

 

كتاب الطهاة

(تتمة)

 

 

(11)

 

(12)

 

عناوين البحوث

 

       1- تطهير الخبز الملوث.

       2- حكم اللقمة المتنجّسة.

       3- الجنابة والمسجد النبوي.

       4- دخول غير المتطهر على المعصوم.

       5- الطلي بالنورة.

 

(13)

 

(14)

 

الطهارة

 

       الطهارة: بفتح أولها مصدر الفعل «طهر» بفتحتين أو بفتحة ثم ضمة، «يطهر» بضم الهاء، ومن مصادر هذا الفعل الثلاثي المجرد أيضاً «طهراً»، جاء في اللغة بمعنى النظافة والنقاء والنزاهة من الدنس والرجس والنجس والقذر والوسخ، وهذا المعنى اللغوي سائد عند كل الملل والنحل.

       والطهارة: في المصطلح الفقهي عند المتشرعة بناء على القول بثبوت الحقائق الشرعية التي مال إليها المحققون من الفقهاء هو استخدام ما حدده الشرع لما اعتبره الشرع خبثاً او حدثاً، إذاً فإن تحديد المطهر- بالكسر- والمطهر- بالفتح- منصوص عليه في الشريعة، بعيداً عن المجاز، بل إن حقيقة الطهارة لدى الشرع هي: إزالة ما هو نجس حسب ما حدده هو عن الشيء، أو رفع ما هو خبث حسب ما حدده هو عن الإنسان.

       وقد يراد بها أمور معنوية كطهارة النفس من أمراضها الخاصة بها كالحقد والحسد والكبر وسوء الخلق وأمثال ذلك، وهذا محله علم الأخلاق وتنزيه النفس، ولكن الحديث هنا عن الماديات في نطاق الشرع بغض النظر عن معناه اللغوي، إذ قد يكون الشيء وسخاً من التراب والطين ولكنه طاهر في نظر الشرع من القاذورات والخمر وما إلى ذلك، ومن هنا فإن الطهارة في المجال الفقهي تنقسم إلى التطهير من الخبث وإلى التطهير من الحدث، ولكلٍ بابه وخصوصيته. فعلى سبيل المثال فإن الأول يتطلب بيان ما هو الخبث، ثم بيان ما هي الوسيلة التي يمكن بها تطهير الشيء منه، وفي ما يلي بيان الخبث والمادة المطهرة له:

       1- الغائط: الحجر، الماء.

       2- البول: الماء.

       3- الدم: الماء.

(15)

 

       4- المني: الماء.

       5- الخمر: الماء.

       6- الكلب البري: الماء، ولوغه: التراب والماء.

       7- الخنزير البري: الماء.

       8- الكافر: الماء، الإسلام.

       9- الميتة: الماء، الاستحالة.

       10- العصير العنبي: الماء، الانقلاب.

       هذه الأمور بغض النظر عن التفاصيل تطهر شرعاً ما تنجس بالنجاسات التي ذكرناها، وهذه النجاسات العشر تعد من الخبث.

       وأما الأمور المتعلقة بالحدث والتي لها مطهرات خاصة سنذكرها في التالي:

       1- الجنابة: الماء، التراب.

       2- الحيض: الماء، التراب.

       3- الاستحاضة: الماء، التراب.

       4- النفاس: الماء، التراب.

       5- مس الميت: الماء، التراب.

       6- إخراج الريح: الماء، التراب.

       7- التغوط: الماء، التراب.

       8- التبول: الماء، التراب.

       9- الميت: الماء، التراب.

       الأمور الخمسة الأولى لا يتحقق فيها التطهير إلا بالغسل أو التيمم البديل عن الغسل، وأما الأمور الأربعة يتحقق التطهير فيها بالوضوء أو التيمم.

       وما تجب الإشارة إليه: إن كلاً من التيمم والضوء والغسل تعتبر

(16)

 

عبادة ولا تصح إلا بنية القربة إلى الله تعالى، وبقصد القيام بذلك العمل، بينما التطهير من الخبث لا يحتاج إلى نية القربة ولا قصد التطهير.

       هذا مجمل ما أردنا إيراده، وأما الذي نريد بيانه هو: تطهير ما تنجس بالخبث، ومنه تطهير الخبز من النجاسات والذي يعد من الأغذية الشائعة بين عامة الناس.

       وأما المطهرات الطبية المزيلة لدرن الخبث لا تجعل الشيء النجس طاهراً باستخدامها من دون تطهيرها تطهيراً شرعياً، اي بالمطهرات الشرعية.

(17)

 

 (18)

 

تطهير الخبز

 

       المراد من التطهير إزالة النجاسة من الخبز، والخبز هو: ما يصنع من الحنطة أو الشعير وربما الذرة، ولا يخفى ما للخبز من مكانة عند الشرع باعتباره من النعم الإلهية التي عم التغذي به، وقد وردت الكثير من الروايات في ضرورة احترام لقمة العيش التي يقتاتها الإنسان بشكل عام.

       الخبز: بضم أوله وسكون ثانية هو الدقيق المعجون بالماء ويصاغ منه على شكل أقراص ثم ينضج النار ليكون سائغاً للأكل، وقد أصبح الخبز الغذاء الرئيسي للإنسان منذ خلقه الله تبارك وتعالى، وكتب التاريخ والأساطير مليئة بذكر الخبز دون سواه، وقد ورد ذكره في القرآن لمرة واحدة في قصة رؤيا الشخصين اللذين سجنا مع النبي يوسف «عليه السلام» حيث: (قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه)(1).

       هذه المادة الأساسية في الحياة بالاعتبار الأخص تعد نعمة إلهية، وذلك لأن كل شيء يمكنك أن تستفيد منه يعد نعمة ورزقاً من الله جل وعلا سواء كان ظاهراً أو باطناً حتى القوى الباطنة التي غفل عنها الإنسان وكشفها بعد ذلك، بل وكشف بعضها العلم الحديث تعد من النعم الإلهية بل من أقواها، وبهذا الاعتبار الخاص أصبح للخبز اعتبار آخر غير التغذية، وأصبحت له حرمة معنوية لا بد من احترامها، ومن موارد الاحترام عدم تدنيسها بالخبائث بل إنقاذها منها، وهذا ما نتحدث عنه من خلال الاهتمام الشرعي بها.

       والخبز كما تقدم ومعلوم لدى الجميع أنه يصنع في الأعم الغالب من دقيق الحنطة أو الشعير حيث أنهما أكثر اتساعاً على مدى الجغرافيا

_________
(1) سورة يوسف، الآية: 36.

(19)

 

والتاريخ، ولكن الإنسان منذ أن بدأ بتطوير نفسه وتحضر أخذ يكشف أموراً أخرى قابلة للتغذية كدقيق الذرة والحمص وباقي البقولات والحبوب التي أغنانا الله جل وعلا بها، بل إنه أخذ يدعم الخبز الحنطوي أو الشعيري بمواد أخرى كالملح والسكر والزيت والحليب ليجعله غذاءً كاملاً، إذ يمكنه أن يقتاته من دون الحاجة إلى أمور أخرى، وهذا الأمر جعله في مرقى أكبر مما كان يصنعه في سابق الزمان، وإذا توسعنا في الأمر نجد أن الإنسان تفنن في صناعة الخبز من حيث المادة والشكل، بل ومن حيث الصناعة مضافاً إلى ابتكاره التنوع في ما يصنعه فتارةً يضيف الملح والسكر والحليب، وتارة يصنع منه أقراص الخبز بأشكاله المختلفة والكعكة بأنواعها المتعددة، والمعجنات الأخرى، وتارة يعرضه على النار أكثر من مرة ليتقوت به في فصل الشتاء أو في السفر من دون أن يفسده طول الزمان، وأخرى يمزجه أو يلطخه باللحم أو الزعتر أو السمسم، أو معجون الطماطم، أو الثوم، أو ما إلى ذلك.

       ومما قدمناه يمكن درك أهمية الخبز في جميع المتجمعات القديمة والحديثة، والذي لم يتمكن الأرز أن يأخذ مكانه في الطبخ، نعم ورد في الحديث عن الإمام الصادق «عليه السلام» عندما انتشر الأرز في عصره وكانوا من دقيقه يصنعون الخبز فقال: «أطعموا المبطون خبز الأرز، فما دخل جوف المبطون شيء أنفع منه، أما أنه يدبغ المعدة ويسل الداء سلاً»(1)، ومع تمكنهم من أن يصنعوا من دقيقه خبزاً إلا أنه رغم كل التطورات التي ذكرناها فإن الحنطة والشعير بقيا على رأس قائمة التغذية العالمية.

       إذاً فالتطهير في مثل هذا المقام إن كان للأكل وجب من حيث عدم جواز أكل النجس، وإن لم يكن للأكل والتناول فإنه يأتي من باب حرمة نعم الله جل وعلا، ويعد خلافه من إنكار النعمة الإلهية والاستهانة بها.

_______
(1) راجع: وسائل الشيعة: 25/13، وهناك روايات متعددة وردت عن الصادقين (محمد وجعفر «عليه السلام») حول الأرز وغيره من الحبوبات باعتبار أنها كالحنطة والشعير في أداء زكاتها، يمكن مراجعة ذلك في وسائل الشيعة 9/61 الباب التاسع.

(20)

اللقمة المتنجسة

 

       المسألة الأولى: على المكلف أن يطهر الخبز الملوث بالقاذورات.

       المسألة الأولى: من المرغوب فيه شرعا أكل الخبز الذي طهر من القاذورات.

       حيث روى الصدوق بإسناده عن الحسين بن علي «عليه السلام»: «انه دخل المستراح(1)، فوجد لقمة(2) ملقاة، فدفعها إلى غلام له.

       فقال له «عليه السلام»: يا غلام اذكرني(3) بهذه اللقمة إذا خرجت.

       فأكلها الغلام.

       فلما خرج الحسين بن علي «عليه السلام» قال: يا غلام أين اللقمة؟ قال: أكلتها يا مولاي(4).

       قال «عليه السلام»: أنت حر لوجه الله تعالى(5).

            قال له رجل: أعتقته يا  سيدي؟.

       قال «عليه السلام»: نعم سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول(6): من وجد لقمة

__________
(1) المستراح: بيت الخلاء، في الذخائر «دخل الخلاء».

(2) اللقمة: الظاهر المراد به لقمة من الخبز كما يتبين من أحاديث أخرى.

(3) في الصحيفة: «ذكرني» عن هذه «اللقمة»، في الذخائر: «اذكرنيها اذا خرجت»، في المقتل: «اذكرني في هذه اللقمة».

(4) اختصر كتاب الذخائر الكلام وجاء فيه: «فلما سأله عنها، قال: أكلها... »، وفي المقتل: «يا غلام اللقمة».

(5) في الذخائر: «اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى».

(6) في الصحيفة: «وهو يقول».

(21)

 

ملقاة، فمسح منها أو غسل(1) ما عليها ثم أكلها لم تستقر في جوفه إلا أعتقه(2) الله من النار»(3).

       وأضافت الصحيفة أنه «عليه السلام» قال: «ولم أكن لأستبعد رجلاً أعتقه الله تعالى من النار».

       والبحث في المسألتين يقع في جهات:

       الأولى: السند: لقد رويت هذه الرواية بأكثر من طريق، واليك ما يلي:

       1- روى الصدوق عن محمد بن علي بن الشاه الفقيه المروزي بمرو الرود(4) في داره، عن أبي بكر محمد بن عبد الله النيسابوري، عن أبي القاسم عبد الله بن أحمد الطائي بالبصرة، عن أبيه أحمد بن عامر بن سليمان الطائي في سنة ستين ومائتين، عن الإمام علي بن موسى الرضا «عليه السلام» سنة 194هـ، والإمام قد توفي سنة 203هـ، وقد وصل الإمام إلى طوس قبل 7/9/201هـ حيث ولي ولاية العهد فيها بهذا التاريخ، وعليه فان روايته عن الإمام الرضا «عليه السلام» في سنة 194هـ كانت في المدينة المنورة لأنه «عليه السلام» وصل طوس سنة 200هـ على رواه المسعودي في المروج(5).

       أما الصدوق فهو أبو جعفر محمد بن علي بن موسى بن بابويه القمي

_______

(1) في الصحيفة: «وغسل منها ما غسل ثم أكلها»، في الذخائر: «أو غسل ثم أكلها أعتق الله من النار»، في المقتل: «فمسح منها ما مسح، وغسل منها ما غسل وأكلها، لم يسغها في جوفه حتى يعتقه الله من النار».

(2) عيون أخبار الرضا: 2/47، ح: 154، وعنه وسائل الشيعة: 1/361، ح: 2، صحيفة الإمام الرضا: 80، ح176، مقتل الحسين للخوارزمي: 1/148 وقد رواه الطبري محب الدين في ذخائر العقبى: 245 مختصرا.

(3) في الصحيفة: «حتى يعتقه الله تعالى».

(4) مرو الرود: نسبة إلى رود مرغاب (نهر مرغاب) الذي ينبع من شمال غرب أفغانستان بطول 850 كيلومتراً وينتهي في تركمنستان، والمنطقة التي يمر منها النهر عند مدينة مرو التاريخية في خراسان الكبرى تسمى «مرو الرود» وتقع المدينة حاليا في جمهورية تركمنستان.

(5) مروج الذهب: 3/440.

(22)

 

المتوفى سنة 381هـ رئيس المحدثين عند الإمامية المجمعين على عدالته ووثاقته.

       وأما محمد بن علي المروزي فالظاهر أن الشاه جده وليس لقباً لأبيه حيث ذكره في موارد متعددة «علي بن الشاه»، وفي موارد أخرى «علي الشاه» فلو كان الشاه لقبه لما صح منه أن يضيف مفردة الابن عليه، والعكس جائز، ومحمد بن علي المروزي يكنى بأبي الحسين أو أبي الحسن(1)، وكان يسكن مرو الرود والتي هي من توابع خراسان الكبرى، وقد توجه إليها الصدوق في شهر رجب من سنة 352هـ وهو في طريقه إلى المشهد الرضوي، ويبدو أنه ورد عليه في داره، وهناك استمع إلى رواياته والتي منها هذه الرواية، وقد جلله الصدوق حينما وصفه بالفقيه وكفى في وثاقته أنه لم يرد فيه طعن، وقد أكثر الصدوق الرواية عنه بما ليس بمنكر في أكثر من مائة وثمانين حديثاً في باب واحد وهو باب 31 من العيون، وقد روى كثيراً عن حماد بن عمرو وأنس بن محمد في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي «عليه السلام» فقد رواه عن محمد بن علي المروزي(2)، وفي استظهار صاحب(3) القاموس(4): أنه عامي، نظر، حيث كثرة روايته في فضائل أهل البيت «عليه السلام» وعنهم بما ليس بمنكر يوجب توثيقه، نعم يستظهر مما ورد في تاريخ مدينة دمشق(5): إنه من العامة ويروي من العامة وقد ذكروا بأن جده الثاني هو جناح ونسبته إلى تميم، وذكره لسان الميزان: بأنه مجهول(6).

       وأما محمد بن عبد الله النيسابوري فالظاهر أنه كنيته أبو بكر وليس

_________
(1) راجع: الانساب: 5/ 399.

(2) راجع: قاموس الرجال: 9/441.

(3) صاحب القاموس: هو محمد تقي بن محمد كاظم بن محمد علي بن جعفر التستري (1330- 1415هـ)، من فقهاء الإمامية وأعلامها، أصله من شوشتر جنوب إيران، ولد في النجف الأشرف ودرس في شوشتر وكربلاء والنجف واستقر في الأولى حتى رحيله، من مصنفاته: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، النجعة في شرح اللمعة، وجوامع أحوال الأئمة.

(4) قاموس الرجال: 9/441.

(5) راجع: تاريخ مدينة دمشق: 54/18.

(6) راجع: لسان الميزان: 5/198.

(23)

 

اسمه (أبو بكر)، بل إسمه محمد بن عبد الله كما ورد في طبعة العيون التي لدينا، والذي نظنه أنه من آثام الطباعة، والصدوق لم يرو عنه مباشرة حيث ورد نيشابور بعد عودته من مشهد الإمام الرضا «عليه السلام» في شعبان 352هـ، وقد ورد في كتاب وسائل الشيعة(1) دون ذكر لأبي بكر ما يدل على أنه كنيته وليس «أبو بكر» اسما للراوي، وهو غير أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك المتوفى سنة 405هـ، بل هو أبو بكر محمد بن يوسف النيسابوري الحفيد نسبة إلى جده العباس بن حمزة الواعظ النيسابوري، ويكنى بأبي بكر فقط وقد رحل إلى العراق والبحرين، وفي البصرة روى هذا الحديث سنة 337هـ، ويذكر أنه كان محدث أصحاب الرأي في عصره كما ورد في تاريخ نيسابور للحاكم المفقود، ولكن ورد اسمه في مختصره المطبوع(2).

       وأما عبد الله بن أحمد الطائي: كنيته «أبو قاسم» واسمه عبد الله على ما هو محقق لدينا وما ورد في الوسائل(3) «عبيد الله» غير دقيق حيث أنه يروي عن العيون، وهو يرويه مكبرا غير مصغر، وعبد الله هذا من أتباع مدرسة أهل البيت «عليه السلام» أباً عن جد، توفي يوم الجمعة 14/4/324هـ، تلقى هذا الحديث عن أبيه في البصرة سنة 260هـ، له كتاب قضايا أمير المؤمنين، وكتب أخرى كما في رجال النجاشي(4).

       وذكره الطوسي(5) في الفهرست(6) أن له كتاب القضايا والأحكام، وقد كناه النجاشي(7) في ترجمة أبيه بأبي الفضل مما يفهم أن له القاسم

_________

(1) راجع:وسائل الشيعة: 1/488.

(2) تلخيص تاريخ نيسابور: 106.

(3) راجع: وسائل الشيعة: 1/488.
(4) راجع: رجال النجاشي: 159.

(5) الطوسي: هو محمد بن الحسن بن علي (385- 460هـ) المعروف بشيخ الطائفة ومن كبار أعلام الإمامية، ولد في طوس وحدث في بغداد وسكن فترة كربلاء المقدسة واستقر في النجف الأشرف وفيها مات.

(6) راجع: الفهرست: 133.

(7) النجاشي: هو أحمد بن علي بن أحمد بن العباس الأسدي (372- 450هـ) من أعلام الإمامية يعرف بابن الكوفي من المؤرخين، ويقال له: الصيرفي، من أهل بغداد، =

(24)

 

والفضل، وجاء في تاريخ بغداد(1) أنه مكنى بأبي القاسم وقد طعن به لأنه إمامي، ويقول صاحب القاموس(2): «ويظهر من النجاشي لدى الحديث عن أبيه أن الابن أدرك الهادي(3) والعسكري(4) «عليه السلام» وأباه كان مؤذناً لهما» وبذلك تظهر وثاقته، وعبد الله هو الراوي عن أبيه صحيفة الإمام الرضا «عليه السلام»(5)، وذلك في سنة 194هـ(6).

       وأما أحمد بن عامر بن سليمان الطائي فهو حفيد صالح بن وهب بن عامر بن حسان بن شريح بن سعد، نسبه النجاشي في رجاله(7) إلى قطرة بن الطيء، وروي عن ابنه عبد الله أنه ولد سنة 175هـ ولقي الإمام الرضا «عليه السلام» سنة 194هـ، وعاش بعد الإمام الرضا «عليه السلام» إلى أن اصبح مؤذناً للإمام الهادي والعسكري «عليه السلام»، ويظهر أنه مات بعد وفاة الإمام العسكري «عليه السلام» سنة 260هـ، والنجاشي يوثقه ويوثق روايته بشكل غير مباشر. فهو من أصحاب الإمام الرضا «عليه السلام»(8)، والإمام علي الهادي والإمام الحسن العسكري «عليه السلام»، هذا وكان جده عامر بن حسان من شهداء كربلاء وجده حسان بن شريح بن سعد بن حارثة بن لام الطائي من شهداء صفين مع علي «عليه السلام».

____________
= وتوفي في مطير آباد من توابع سامراء من آثاره: الفهرست، الكوفة وما فيها من الآثار، وأنساب بني نصر.

(1) راجع: تاريخ بغداد: 9/385.

(2) راجع: قاموس الرجال: 6/247.

(3) الهادي: هو أبو الحسن الثالث علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، العاشر من أئمة أهل البيت «عليه السلام» ولد في المدينة المنورة في 2/7/212هـ والمتوفى في سامراء في 3/7/254هـ.

(5) العسكري: هو أبو محمد الثاني الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الحادي عشر من أئمة أهل البيت «عليه السلام» ولد في المدينة المنورة في 10/6/232هـ والمتوفى في سامراء في 8/5/260هـ.

(6) راجع مستدركات علم رجال الحديث: 4/477 عن دلائل الإمامة: 58.

(7) راجع: الذريعة: 15/17.

(8) راجع: رجال النجاشي: 73.

(9) راجع: رجال الطوسي: 367.

(25)

 

       2- روى الصدوق(1) عن أبي منصور أحمد بن إبراهيم بن بكر الخوزي بنيسابور، عن أبي إسحاق إبراهيم بن هارون بن محمد الخوزي، عن جعفر بن محمد بن زياد الفقيه الخوزي بنيسابور، عن أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني عن الإمام الرضا «عليه السلام».

       أما الصدوق، فهو من أجلة علماء الإمامية.

       وأما أحمد بن إبراهيم الخوزي فقد ذكره البعض «الخوري» بالراء المهملة، والآخر «الجوري» بالجيم التحتانية، ولعل الخوزي هو الأقرب إلى الصواب، وذلك نسبة إلى خوزستان حيث يقال لها بلاد الخوز.

       وأحمد هو حفيد بكر وقيل بكير، والظاهر أن «بكر» هو الأشهر من «بكير»، وقد قال عنه صاحب المستدركات(2) أنه «حسن الحال والعقيدة» روى عنه الصدوق في باب 31 أكثر من مائة وثمانين رواية، وكانت رواية الصدوق عنه في شعبان سنة 352هـ بعد عودته من مشهد الرضا «عليه السلام».

       وأما إبراهيم بن هارون بن محمد الخوزي المكنى بأبي إسحاق لا شك أنه غير إبراهيم بن محمد بن هارون(3)، ولم نحصل على حياته وسرته، فهو اذاً مجهول لدينا وإن كانت روايته بل رواياته سديدة.

       وأما جعفر بن محمد بن زياد الخوزي فلم نحصل على شيء من حياته، فهو مجهول وإن كانت رواياته غير منكرة.

       وأما أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني فهو الجويباري النهرواني والذي روى عنه الصدوق بإسناده عن جعفر بن محمد الخوزي 186 رواية، والظاهر أن روايته عنه «عليه السلام» كانت في نيسابور أو في طوس، وجوبار قرية

_______
(1) عيون أخبار الرضا: 2/28، عنه وسائل الشيعة: 1/488.

(2) مستدركات علم رجال الحديث: 1/40.

(3) إبراهيم بن محمد بن هارون: التميمي من أهل همدان سكن عبادان ويشار له بالهمداني العباداني التميمي، روى عن الإمام محمد بن علي الجواد (195- 220هـ)، وإبراهيم هذا هو غير إبراهيم محمد بن هارون الملاحمي وكنيته أبو إسحاق.

(26)

 

من قرى هرات في أفغانستان، وقد طعن به البعض باعتباره يوري فضائل أهل البيت «عليه السلام»، وآخرون ذكروه من أتباع مدرسة الخلافة(1).

       إذاً أسانيد الصدوق هذه غالبها غير معروفة،ولكنها يمكن أن تدعم الرواية الأولى ذات الأسانيد الموثقة.

       3- روى الصدوق(2) عن أبي عبد الله الحسين بن محمد الأشناني الرازي العدل ببلخ، عن علي بن مهرويه القزويني عن داود بن سليمان الفراء، عن الإمام الرضا «عليه السلام».

       أما الصدوق فهو من العلماء الأجلة عند الإمامية.

       وأما الحسين بن محمد الأشناني الرازي فهو المكنى بأبي عبد الله والملقب بعدل، وروايته هذه حصلت في بلخ في أفغانستان، وكان الصدوق قد دخلها سنة 368هـ، نسبه الخوئي(3) في معجمه(4) كالتالي: أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن أحمد الأشناني الدارمي الفقيه العدل، وقد روى عنه الصدوق 91 حديثاً أوردها في كتابه معاني الأخبار، وقال عنه ما مجمله: لا بد أن يكون الرجل من العامة، وأن كلمة العدل من ألقابه، وهذه الكلمة تطلق عادة على الكتاب في القضاء والحكومات، فيقال كاتب العدل، ولكن فهم منه البعض أن الصدوق وصفه بالعدل كدلالة على أنه موثوق بكلامه(5)، هذا وله أكثر من 185 حديثاً رواه الصدوق عنه، وعلى حال فهو من مشايخ الصدوق الذي روى عنه في كتابه معاني الأخبار والخصال، واحتمال توثيقه وارد(6).

____________
(1) راجع: الأنساب: 2/10، ولسان الميزان: 1/193 وفيه ذكر بأن جده خالد.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/28، وعنه وسائل الشيعة: 1/488.

(3) الخوئي: هو أبو القاسم بن علي أكبر بن هاشم الموسوي (1317- 1413هـ)، من فقهاء الإمامية ومراجعها، ولد في مدينة خوي في إيران وهاجر إلى النجف الأشرف وفيها سكن ودرس ومات، من آثاره: معجم رجال الحديث، تفسير البيان، ومباني تكملة المنهاج.

(4) معجم رجال الحديث: 5/193.

(5) راجع قاموس الرجال: 3/519.

(6) راجع: مستدركات علم رجال الحديث: 3/91.

(27)

 

       وأما علي بن مهرويه القزويني فهو علي بن محمد مهرويه القزويني والمكنى بأبي الحسن كما في البحار: 10/367، وأكثر روايته كانت في قزوين حيث روى عنه سنة 397هـ الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الرازي البخاري(1) بواسطة داود بن سليمان الغازي(2) عن الإمام الرضا «عليه السلام»(3)، قال الطوسي في الفهرست(4): إن له كتاباً رواه أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصفهاني المتوفى سنة 430هـ وفي السير(5): إن توفي سنة 335هـ ووصفه بالمعمر والصدوق، والمحدث الإمام الرحال وفي تاريخ بغداد(6): إنه تحدث ببغداد سنة 323هـ وقال عنه: كان شيخاً مسناً ومحله الصدق، وفي لسان الميزان(7): إنه يروي نسخة الإمام الرضا «عليه السلام» ويأخذ مالاً على ذلك، وما ورد في معجم رجال الحديث(8): «وفي طريقه ارسال» لم نفهم ذلك حيث إنه توفي سنة 325هـ وقد روى عن داود بن سليمان وهو بدوره روى عن الإمام الرضا «عليه السلام» المتوفى سنة 203هـ فإذا كان معمراً والذي عادة يصطلح على من فاق عمره المائة ولا يمكن أن يكون في طريقه إرسال، ولعل استاذنا الخوئي لم يطلع على وفاته وانه كان معمراً والله العالم، فتأمل،

___________
(1) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الرازي البخاري: هو حفيد بن عبد الله بن يزداد بن علي بن عبد الله، من رواة الحديث روى عنه الزاهري أبو علي الحسن بن يعقوب بن السكن بن زاهر البخاري المتوفى سنة 449هـ.

(2) داود بن سليمان الغازي: هو حفيد يوسف بن أحمد، وكنيته أبو أحمد القزويني، من رواة الحديث، روى عن الإمام الكاظم المتوفى سنة 203هـ.

(3) الإمام الرضا: هو أبو الحسن الثاني علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الثامن من أئمة أهل البيت «عليه السلام» ولد في المدينة المنورة في 11/11/148هـ ومات في خراسان (مشهد) في 17/2/203.

(4) الفهرست للطوسي: 128.

(5) سير أعلام النبلاء: 15/396.

(6) تاريخ بغداد: 12/69.

(7) لسان الميزان: 4/258.

(8) معجم رجال الحديث: 12/192.

(28)

 

وفي مجمل القول عنه أنه مرضي، وما ورد في النفحات(1): إنه كان حياً سنة 355هـ نظنه من التصحيف.

       وأما داود بن سليمان الفراء: يبدو أنه كان يتاجر بالفرو فلقب بالفراء، والظاهر اتحاده مع أبي أحمد داود بن سليمان بن جعفر القزويني أصحاب أبيه الكاظم «عليه السلام»(2) أيضاً والذي له أخ يقال له أبو حمزة بن سليمان(3)، وأما اتحاده مع داود بن سليمان بن يوسف بن أحمد الغازي القزويني فمستبعد كما ذهب إلى ذلك النمازي(4) في مستدركاته(5)، وعلى أي فإن داود بن سليمان كان من خواص الإمام الكاظم «عليه السلام» وممن ترضى عليه الإمام الهادي «عليه السلام» كما في الإرشاد(6): واعتبره من خاصة الكاظم «عليه السلام» وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته.

       4- روى الخوارزمي(7) أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي بإسناده(8)

__________

(1) نفحات الأزهار: 11/27.

(2) الإمام الكاظم: هو أبو الحسن الأول موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، السابع من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، ولد في المدينة المنورة في 7/2/128هـ ومات في بغداد في 25/7/183هـ ومرقده في مدينة الكاظمية.

(3) راجع: معجم رجال الحديث: 7/107 و109.

(4) النمازي: هو علي بن محمد بن اسماعيل الشاهرودي (1332- 1402هـ)، من أعلام الإمامية، ولد في شاهرود، وجاور مشهد الإمام الرضا «عليه السلام» حتى وفاته، من مؤلفاته: مستدركات سفينة البحار، الأعلام الهادية، ومناسك الحج.

(5) مستدركات علم رجال الحديث: 3/307.

(6) الإرشاد للمفيد: 2/248 و251.

(7) إسناده: يأتي كالتالي: روى الموفق بن أحمد الخوارزمي المتوفى سنة 568هـ، عن أبي الحسن علي بن أحمد العاصمي (القرن السادس)، عن أبي علي اسماعيل بن أحمد البيهقي الخسرجردي المتوفى سنة 507هـ، عن أبيه أبي بكر أحمد بن حسين البيهقي المتوفى سنة 458هـ، عن أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بن أيوب النيسابوري المتوفى سنة 406هـ -وذلك- سنة 400 في نيسابور، عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن حمدويه النيسابوري المتوفى سنة 405هـ والمتقدم ترجمته.

(29)

 

عن أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري بنيسابور سنة 400هـ، عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري عن أبي القاسم عبد الله بن أحمد الطائي عن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، عن الإمام الرضا «عليه السلام».

       أما الموفق بن أحمد المكي الخوازرمي: حفيد إسحاق المكي الخوارزمي (484- 568هـ) كان على مذهب أبي حنيفة(1) وكان محباً لأهل البيت «عليه السلام» راوياً لأحاديثهم وفضائلهم، وهذا هو الذي جعل ابن تيمية(2) يطعن فيه كثيراً، وأنكر عليه أن يكون من علماء الحديث، ولا ممن يرجع اليه في هذا الشأن ألبتة(3)، وفي قباله فإن جمعاً آخر مدحوه بالفقاهة وكونه من علماء الدين ومن رجال الأدب حتى قال فيه العماد الإصفهاني(4): «خطيب خوارزم من الأفاضل الأكابر فقهاً وأدباً والأماثل والأكارم حسباً ونسباً»(5).

            وأما الحسن بن محمد النيسابوري فهو حفيد حبيب بن أيوب المتوفى سنة 406هـ، المكنى بأبي القاسم والذي حديث في نيسابور سنة 400هـ أي قبل وفاته بست سنوات، وهو الواعظ المفسر صاحب كتاب عقلاء

_______
(1) أبو حنيفة: هو النعمان بن ثابت بن زوطي (80- 150هـ) مولى تيم الله بن ثعلبة الكوفي، أحد أئمة الحديث وإليه ينسب مذهب أبي حنيفة، أصله من كابل في أفغانستان، ولد في الكوفة وتوفي في بغداد، له: الفقه الأكبر، المسند، والعالم والمتعلم.

(2) ابن تيمية: هو أحمد بن عبد الحليم النميري الحراني (611- 728هـ)، من رؤوس المذهب الحنبلي، ولد في حران في تركيا ومات في دمشق، من مؤلفاته: الواسطة بين الحق والخلق، نقد مراتب الإجماع، ومنهاج السنة النبوية.

(3) راجع: منهاج السنة: 5/41.

(4) العماد الإصفهاني: هو محمد بن محمد صفي الدين بن نفيس الدين (519- 597هـ)، كاتب وأديب وشاعر، ولد في إصفهان ونزل بغداد وعمل كاتباً حكومياً في البصرة وواسط ثم استقر في دمشق وعمل كاتباً حتى وفاته، من آثاره: ديوان الرسائل، البرق الشامي، وديوان شعر.

(5) نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار: 19/147 عن مخطوطة خريدة القصر وجريدة العصر.

(30)

 

المجانين، كان من علماء الشافعية، وقد مدحه كل من الصريفيني(1) في المنتخب(2)، والذهبي(3) في السير(4)، والسيوطي(5) في الطبقات(6).

       أما أبو بكر محمد بن عبد الله النيسابوري فهو المتقدم ذكره.

       وأما أبو القاسم عبد الله بن أحمد الطائي فهو المتقدم ذكره.

       وأما أحمد بن عامر الطائي فهو المتقدم ذكره.

       لم أجد أكثر من أربعة طرق في رواية مسح اللقمة عن الإمام الرضا «عليه السلام».

       هذا: وقد أورد الطوسي في الخلاف: «وروي: أن ابن عمر(7) رأى كسرة(8) في الطريق، وكان معه غلام، فأخذها ومسحها وأكلها، فقال له ابن عمر: ما صنعت بها؟ فأخبره بما صنع، فقال: أنت حر، إني استحي أن استعبد من هو مغفور له، لأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من رأى كسرة فأخذها، وأكرمها ومسحها وأكلها غفر الله له ما تقدم من ذنبه»(9).

_________

(1) الصريفيني: هو إبراهيم بن محمد بن الأزهر العراقي الصريفيني الحنبلي (581- 641هـ)، من مشايخ الحديث في العراق وسوريا، ولد في صريفين من قرى العراق، تنقل في البلدان، نزل منبج وحلب واستقر في دمشق حتى وفاته.

(2) المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور: 179.

(3) الذهبي: هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الدمشقي الشافعي (673- 748هـ)، من أئمة الحديث والرجال ومؤرخ، تركماني الأصل من أهل ميافارقين في تركيا، ولد وتوفي في دمشق، من مؤلفاته: تذكرة الحفاظ، دول الإسلام، وميزان الاعتدال.

(4) سير أعلام النبلاء: 17/237.

(5) السيوطي: هو جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي (849- 911هـ)، من أعلام مصر وفقهائها ومفسريها ومؤرخيها، أصله من أسيوط ولد في القاهرة وفيها مات، ترك نحو 600 مؤلف منها: الحاوي للفتاوي، الإتقان في علوم القرآن، والأشباه والنظائر.

(6) طبقات المفسرين: 45، وراجع ترجمته أيضا في إتحاف المرتقي: 147.

(7) ابن عمر: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي (10ق.هـ- 73هـ) من فقهاء المدينة ورواتها، ولد في مكة وتوفي فيها.

(8) الكسرة: أراد به كسرة أو قطعة من رغيف الخبز.

(9) الخلاف: 3/583.

(31)

 

       الثانية: الدلالة لا خلاف ولا إشكال في دلالتها على رجحان تطهير اللقمة من القاذورات حيث أن قول الإمام دال على ذلك، واضح المقصود وإن لم يكن صريحاً، ومن جهة أخرى: تقريره على عمل غلامه يدل على ذلك دون شك، ومن حجم الحدث يمكن استفادة الوجوب، وسنفصل الكلام عن ذلك بعد أن نتحدث عن فهمنا النص.

       لا شك أن المراد بالمستراح هو بيت الخلاء حيث هو محل الاستراحة بخروج الخبث، وهو مصطلح قديم جديد، ويؤيده روايات أخرى بل نسخ أخرى من الروايات نفسها.

       أما بالنسبة إلى اللقمة فهي في اللغة ما يلتقم ويؤكل بل ما يهيئه المرء للأكل مما هو قابل للأكل، فاللقمة من الخبز: اسم لما يلقم في مرة(1) واحدة، ويشمل الخبز وغيره وإن تبادر إلى الذهن أن المراد به الخبز في الوهلة الأولى باعتباره قابلاً للقم أكثر من غيره وبالأخص في الأزمنة الغابرة، وإذا أطلق أريد منه الخبز عادة، كما ويذكر مضافاً إلى الخبز حيث ورد في حديث الإمام الباقر «عليه السلام»(2) ما يقرب هذا النص الا أنه ذكر فيه «لقمة خبز» حيث هو أبرز النعم وأكثرها استخداماً في سد الرمق وهي من النعم الإلهية التي لها مكانتها، ولا بأس بإيراد رواية الصدوق بإسناده إلى الإمام أبي جعفر الباقر «عليه السلام» «إنه بأس بإيراد رواية الصدوق بإسناده إلى الإمام أبي جعفر الباقر «عليه السلام» «إنه دخل الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معط لآكلها إذا خرجت، فلما خرج «عليه السلام» قال للملوك: أين اللقمة؟ فقال: أكلتها يا بن رسول الله، فقال «عليه السلام» إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فأذهب أنت حر، فإني أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنة»(3) مما لا يوحي إلى أن للخبز خصوصية باعتبار أنه الطعام

_____________

(1) راجع: مجمع البحرين: 6/163.

(2) الإمام الباقر: هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الخامس من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، ولد في المدينة المنورة في 3/2/57هـ وفيها مات في 7/3/113هـ.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/18، وعنه وسائل الشيعة: 1/36.


(32)