الحسين  والتشريع الإسلامي(الجزء السادس)

اسم الکتاب : الحسين والتشريع الإسلامي(الجزء السادس)

المؤلف : محمد صادق محمد (الكرباسي)
المطبعة : المركز الحسيني للدراسات لندن ـ المملكة المتحدة

 

 

 

(4)

بســم الله الرحمن الرحيم (1)

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى(2) ادم ونوحاً وال إبراهيم وال عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم(2)، إنه لقول رسول كريم(4) إني لكم رسول أمين(5)، أبلغكم رسالات ربي(6) لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى(7) وآت ذا القربى حقه(8) ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون(9).

 

صدق الله(10) العلي العظيم(11)

 

 

 

________________

(1) سورة النمل، آية 30.

(2) سورة النمل، آية 59.

(3) سورة آل عمران، آية 33-34.

(4) سورة الحاقة، آية 40.

(5) سورة الشعراء، آية 107.

(6) سورة الأعراف، آية 62.

(7) سورة الشورى، آية 23.

(8) سورة الإسراء، آية 26.

(9) سورة الروم، آية 38.

(10) سورة آل عمران، آية 59.

(11) سورة البقرة، آية 255.

(5)

 

 

 

              قال الرسول الأعظم (ص):

                    

                     «إن الحسين مصباح الهدى

                           وسفينة نجاة

                                  وإمام خيرٍ ويمنٍ

                                                وعزٍ وفخرٍ

                                                وبحر علم وذخر»(1).

                                                       وصدق رسوله الكريم

 

______________

(1) عيون أخبار الرضا: 1/62، وقريب منه في فرائد السمطين: 1/155 ح: 477.

     

 

(6)

 

مقدمة الناشر

 

       خلق الله تعالى الإنسان لغاية عبادته جل وعلا وعدم الشرك، ولتحقيق هذا الهدف أرسل الله رسله للعباد جميعهم.

       فإضافة لدعوة الناس إلى عبادة الله تعالى وتحريرهم من عبودية غيره من طواغيت، وأصنام، كان الهدف من إرسال الأنبياء والرسل «عليه السلام» تعليم الناس دستور السماء بما فيه من عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملات، ونظام سياسي واجتماعي واقتصادي وتربوي وجهادي، ثم وجوب العمل بما تعلموه وتطبيق ذلك تطبيقاً كاملاً في جميع مرافق الحياة، وفي ذلك التعليم تأديب وتزكية وإصلاح للناس جميعاً، وبالتالي فإن دور الأنبياء والرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) هو تبليغ شرائع الله، وتشريع ما الناس بحاجة ليه لتستقيم أمور دنياهم والتي تتوقف عليها صلاح أخراهم.

       ولقد تولى مسؤولية الهداية والتوجيه تلك من خلال حفظهم شريعة السماء والتشرع بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حصراً خلفاؤه الميامين من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، فكانت أفعالهم وأقوالهم سنة إتبعها المسلمون، ولاسيما الموالون لهم سلام الله عليهم أجمعين.

       وتلك الأقوال والأفعال حفظها ونقلها الرواة الموثوقون، وبذلك اعتمدت وأقرت ووثقت من قبل علمائنا وفضلائنا، وما كان فيها من شك أو ضعف جرى رفضها من قبلهم رضوان الله عليهم.

       وقد أسهم مؤلف هذا الكتاب سماحة آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي في توثيق تلك الأفعال والأقوال في هذا الجزء في معالجة دقيقة وعلمية سواء من حيث وثاقة الرواة، أو من حيث التناقض الحاصل في بعض الروايات، مبينا سبب ذلك، مع تثبت الصحيح والموثق من تلك

(7)

 

الروايات التي وردت عن الإمام الحسين «عليه السلام» وهي بالتالي مستمدة من أبيه وأخيه وجده عليهم صلوات الله وسلامه.

       إذن هذا ما شرعه الإمام الحسين «عليه السلام» للمسلمين لكي يتبعوه ويلتزمون به، ويستكمل المؤلف دام ظله في هذا الجزء من باب الحسين والتشريع الإسلامي وضمن قسم الفقه البحث في موضوعين حصراً هما: موضوع الجنائز، وموضوع التجمل، بكل تفاصيلهما من الجنائز إلى السقط وتغسيله وتغسيل المحرم إلى الدعاء على القبر وقيام المؤمن لجنازة الآخرين، وانتهاءً بشق الجيب والخمش والنياحة على الميت وأحكام تلك الأمور مجتمعة.

       أما في موضوع التجمل، فيتشعب البحث إلى الخضاب ولونه، والتختم، والتختم باليد اليسرى، ونقش الخاتم، والتختم بالعقيق، ولبس الخز (الحرير) والشهرة ولباسها، والحجاب، والفراش، وأثاث المنزل، وانتهاءً بمراسم العيد وزينتها.

       وهذا الجزء هو الجزء السادس من باب الحسين والتشريع الإسلامي، وهو الجزء الرابع عشر بعد المائة من أجزاء دائرة المعارف الحسينية الكبرى التي يصدرها المركز الحسيني للدراسات في لندن بجهد فردي كبير ومبارك من قبل مؤلف سماحة آية الله الفقيه الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي دام ظله، والتي تعد من أكبر الموسوعات في القرن الحالي. نسأل الله تعالى التوفيق والعون لمواصلة إصدار بقية أجزائها ونحن على ثقة بتأييد الله لهذا الجهد العظيم لأنه في سبيل الله، ومن أجل إحياء تراث سيد الشهداء وأبي الأحرار الإمام المظلوم الحسين عليه وعلى آبائه وأبنائه صلوات الله وسلامه، وما كان في سبيل الله ينمو، والحمد الله رب العالمين.

                                                                                                                                                2 / شعبان / 1439هـ

                                                                                                                                                19 /نيسان / 2018م

 

(8)

 

قسم

الفقه

 

 

(9)

 

(10)

 

كتاب الجنائز

 

(11)

(12)

 

عناوين البحوث

 

       1- غسل السقط.

       2- غسل الميت المحرم.

       3- الدعاء على القبر.

       4- شق الجيب وتوابعه.

       5- النياحة على الميت.

       6- القيام للجنائز.

 

(13)

 

(14)

 

الجنائز

 

       الجنائر: بفتح أولها، وهي في اللغة جمع الجنازة مفتوحة الجيم ومكسوره على حد سواء، فالأولى: بمعنى الميت نفسه، والثانية: هي السرير الذي يوضع عليه الميت، وقيل بالعكس، وقيل من دون فرق، واصطلح تسمية السرير بالتابوت، وشاع استخدام المكسور والمفتوح على الميت مع سريره، ويطلق على الميت نفسه أيضاً، ولا يقال للسرير او التابوت جنازة إذا لم يكن عليه الميت(1)، وقيل إن السرير والميت ومن يشيعه يقال له جنازه(2).

       اصطلح بعض الفقهاء على تسمية الباب الذي يختص بالأموات بالجنائز وآخرون سموه بالأموات والثالث لم يخصص له باباً، بل أورد مسائله إما في باب الغسلٍ أو التيمم أو الجهاد أو الحج أو أمثالٍ ذلك، ولكننا ارتأينا أن نختار «الجنائز» لأنه أكثر لصوقاً بالموضوع.

       ومن المعلوم أن أحكام الميت تأتي على التسلسل التالي:

       1- الاحتضار: وهو حالة الشروع بالموت وقبض الروح.

       2- التشييع: وهو حمل الميت من قبل ذويه والمقربين إليه لتجهيزه.

       3- الغسل: وهو يتضمن ثلاثة أغسال السدر والكافور والقراح.

       4- الكفن: وهو بمنزلة اللباس له.

       5- الصلاة: والتي هي عبارة عن قراءة بعض الأدعية والتكبيرات مع التوجه إلى القبلة.

       6- الدفن: وهو المواراة تحت الأرض.

___________
(1) راجع: مجمع البحرين: 4/10 وغيره.

(2) المنجد في اللغة: 105.

(15)

 

       7- الترحم عليه: وهو يتضمن البكاء والرثاء والدعاء وما يرافقها.

       8- إقامة المراسم: وهذه تختلف من شخص الى آخر ومن موقع الى آخر.

       9- القيام بما يجب القيام به من تنفيذ الوصية وما عليه من واجبات.

       10- زيارة القبور وتعاهدها.

       11- النياحة على الميت وأخواتها.

       وأحكام الجنائز متعددة ومتنوعة، ولكن ما حضرت منها بوجود الدليل عليه من قبل الإمام الحسين «عليه السلام» قليلة جداً والتي سيجري بيانها.

       ومن الجدير ذكره أننا أوردنا كتاب الجنائز بعد كتاب الولادة لأن الولادة هي بدء الحياة والثاني هو نهاية الحياة، وكان من المفروض أن نضعها بعد كتاب الطهارة لأن عدداً من فصولها وأحكامها ترتبط بمسألة التطهير رغم أننا في دراسة منهجية لترتيب أبواب الفقه نرجح أن يتناغم مع مسيرة الإنسان منذ انعقاد نطفته إلى حين قبض روحه، ولكن دأب معظم الفقهاء على منهجية أخرى، ألا وهي ترتيب أبواب الفقه على تقسيمها حسب نوعية الحكم، ومن هنا حصروها في الأقسام التالية: العبادات، المعاملات، الإيقاعات، الأحكام، ولكننا حتى في هذا التقسيم فإننا أضفنا قسماً خامساً جمعنا فيه ما لم يكن من الأقسام الأربعة السابقة الذكر وسميناه بقسم الإنجازات(1).

_________
(1) راجع الجزء الرابع من الحسين والتشريع الإسلامي، فصل تبويب الفقه.

(16)

 

السقط

 

       السقط: بكسر أوله وسكون ثانيه هو الجنين الذي يلد ميتاً، هذا في المصطلح الخاص بالولادة، وأما من حيث اللغة فكل شيء يقع فهو سقط، وقد يتعدى هذا المعنى إلى الحالة المجازية فيقال: سقط من عيني، أي وقع وصار حقيراً عندي، وفي مسألة الولادة تقول: سقطت المرأة جنينها أي وقع غير تامٍ، بمعنى لاحياة له، وفي الأعم الأغلب يطلق على الجنس البشري، وربما شمل الحيوان الولود أيضاً، كما ويقال له الطرح أيضاً.

       الجنين هو المخلوق الكائن في رحم الأم فإنه إذا كمل وولد حياً قيل له مولود والطفل، وما دام هو في رحم أمه فيقال له جنين، وهذا الجنين له مراحل مختلفة: منها النطفة «الحيمن» والنطفة الأمشاج، والعلقة، والمضغة، وإتمام بناء العظام، وإتمام عملية إكساء اللحم، والخلق الآخر، ولكل هذه المراحل وقت محدد، فالنطفة عمرها يوم واحد، والنطفة الأمشاج عمرها ما بين يوم واحد وأربعين يوماً (5- 6 أسابيع)، والعلقة عمرها ما بين واحد وأربعين يوماً وثمانين يوماً (5- 6أسابيع)، والمضغة عمرها ما بين واحد وثمانين يوماً ومائة وعشرين يوماً (5- 6أسابيع)، وإتمام العظام يكون ما بين مائة وواحد وعشرين يوماً إلى مائة وخمس وثلاثين يوماً (أسبوعان)، وإتمام شد اللحم يكون ما بين مائة وستة وثلاثين يوماً ومائة وخمسين يوماً (أسبوعان)، والخلق الآخر والذي يكون ما بين مائة وواحد وخمسين يوما ومائة وثمانين يوماً (5- 6أسابيع)، وفي هذه المراحل يكتمل الجنين فيولد، وإذا ما حدث أي خلل فإنه يموت ويلفظه الرحم إلى الخارج بشكل طبيعي إلا إذا كانت هناك مشكلة غير طبيعية، والآيات(1)

____________

(1) راجع على سبيل المثال الآيات: 12- 14 من سورة «المؤمنون» والتي تصف مراحل الخلقة كالتالي: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا =

 

(17)

 

والروايات(1) تشير إلى هذه المراحل بشكل علمي ودقيق. وللجنين في كل هذه المراحل أحكام شرعية فيما لو تعرضت الأم إلى حالة الإجهاض المتعمد أو الخطأ من إثم ودية وكفارة، أو كان غيرها سببا في إجهاض وإسقاط الجنين، وقد بينا أحكامه في «شرعية الجنين» بشكل مفصل فليراجع.

       هذا وقد تطابق العمل الحديث مع ما ورد في الآيات والروايات عن مراحل الجنين وخصوصياته مما لا يدع للشك مجالا للقول في أن الإسلام دين الحقيقة والواقع ودين العلم والمعرفة، فلا يعطي لنا غير الحقائق، بعيداً عن النظريات التي قد تتغير بالاكتشاف الحديثة يوما بعد يوم.

       وعلى أي حال فإن من جملة المسائل التي تتعلق بالجنين هي مسألة إسقاطه أو الإجهاض عليه وهي متعددة الجوانب، ومن تلك هي مسألة الغسل أي غسل الميت، وهذا الغسل مفروض من قبل الشرع على كل آدمي ميت الا بالنسبة إلى الشهيد المستشهد في سبيل الله تعالى فإنه يكتفى بدمائه عن الغسل وبثيابه عن الكفن، والسقط ما لم تتم خلقته فلا يكون بشراً سويا حتى يتحقق عليه غسل الميت، وهذا هو محل النقاش.

       وغسل الميت هو عملية تطهير جسم الميت من الدرن الظاهري والواقعي على تفصيل أوردناه في «شريعة الغسل» وللعلم أن للميت ثلاثة

__________

العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)، والآية الخامسة من سورة الحج: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ليكلا يعلم من بعد علم شيئا).

(1) راجع على سبيل المثال رواية محمد بن مسلم، عن الإمام الباقر «عليه السلام»، كما في الكافي: 7/345 عندما سأله «عن الرجل يضرب المرأة فتطرح النطفة؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): عليه عشرون ديناراً، فقلت: يضربها فتطرح العلقة؟، قال «عليه السلام»: عليه أربعون ديناراً، قلت: فيضربها فتطرح المضغة؟، قال «عليه السلام»: عليه ستون ديناراً، قلت فيضربها فتطرحه وقد صار له عظم؟ فقال «عليه السلام»: عليه الدية كاملة» إلى آخر الحديث، وهناك أحاديث أخرى تتحدث عن تفاصيل حالات الجنين فليراجع مظانها في كتب الأحاديث.

(18)

 

أغسال، غسل كغسيل الأحياء بماء مخلوط بالسدر وآخر مثله مخلوط بالكافور، وثالث بماء القراح.

       ومن المعلوم إن هذا النوع من الغسل هو فرض كفائي لأجل الميت المسلم التام الخلقة، فمن هنا إذا تمت خلقة الجنين وأصبح إنساناً متكاملاً فجيب القيام بما يجب القيام به بالنسبة إلى الميت التام الخلقة، بغض النظر عن الكفن والصلاة عليه حيث أن الأول قبل إتمامه يخضع للفه في الخرقة وعندما يكون تاماً يكفن كما يكفن الإنسان، ولكن الصلاة تتأخر إلى مراحل متأخرة.

(19)

 

(20)

 

غسل السقط

 

       مسألة: يجب غسل السقط من الآدمي المسلم إذا تجاوز عمر الجنين في بطن أمه ستة أشهر.

       وذلك لما ورد عن الإمام الصادق «عليه السلام»(1) إنه قال: «إذا سقط لستة أشهر فهو تام وذلك أن الحسين بن علي «عليه السلام» ولد وهو إبن ستة أشهر»(2).

       مؤيداً برواية أخرى ظاهرها أنها مروية عن الإمام الصادق «عليه السلام» أيضاً إنه قال: إذا تم للسقط أربعة أشهر غسل، وقال: «إذا تم له ستة أشهر فهو تام وذلك ان الحسين بن علي «عليه السلام» ولد وهو إبن ستة أشهر»(3).

       والنقاش في هذه الرواية وحليفتها في السند والدلالة.

       أما من حيث السند فإن الشيخ الطوسي(4) المتوفى سنة 460هـ رواها بإسناده عن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي(5) (الصدوق الأول)

___________

(1) الإمام الصادق: هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، السادس من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، ولد في المدينة المنورة في 17/3/83هـ وفيها مات في 25/10/148.

(2) تهذيب الأحكام: 1/328.

(3) تهذيب الأحكام: 1/328.

(4) الطوسي: هو محمد بن الحسن بن علي (385- 460هـ) المعروف بشيخ الطائفة ومن كبار أعلام الإمامية، ولد في طوس وحدث في بغداد وسكن فترة كربلاء المقدسة واستقر في النجف الأشرف وفيها مات.

(5) إبن بابويه القمي: هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المعروف بالصدوق الأول تمييزا عن ابنه الصدوق الثاني محمد بن علي القمي، من أعلام الإمامية في قم وفيها مات سنة 329هـ وقبره مزار، من مصنفاته: النساء والولدان، مناسك الحج، والإمامة والتبصرة من الحيرة.

(21)

 

المتوفى سنة 329هـ، عن سعيد (سعد) بن عبد الله الأشعري(1) المتوفى سنة 301هـ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب زيد الزيات(2) المتوفى سنة 262هـ، عن الحسن بن موسى الخشاب(3) المتوفى قبل سنة 260هـ(4)، عن زرارة بن أعين(5) الشيباني بالولاء، المتوفى سنة 150هـ، عن أبي عبد الله الصادق «عليه السلام» المتوفى سنة 148هـ وإسناد الشيخ الطوسي إلى الصدوق الأول هو عبر إبنه الصدوق الثاني(6) محمد بن علي بن الحسين القمي سنة 381هـ، عن الشيخ المفيد(7) محمد بن محمد

____________
(1) سعيد الأشعري: وقيل سعد، هو حفيد أبي خلف الأشعري القمي، وكنيته أبو القاسم، مات يوم الأربعاء 27 شوال، وقيل مات سنة 299هـ وقيل سنة 300هـ، وهو من الوجهاء الثقات، رأى الإمام الهادي المتوفى سنة 254هـ ومن أصحاب العسكري المتوفى سنة 260هـ.

(2) محمد الزيات: وكنيته أبو جعفر الهمداني الكوفي، وثقه الأصحاب، عدوه من أصحاب الجواد المتوفى سنة 220هـ والهادي المتوفى سنة 254هـ والعسكري المتوفى سنة 260هـ، وقع في إسناد 189 مورداً، من كتبه: التوحيد، المعرفة والبداء، ووصايا الأئمة.

(3) الحسن بن موسى: وقيل الحسين بن موسى والصحيح مكبرا، قال فيه النجاشي إنه من وجوه الأصحاب، وهو من أصحاب العسكري «عليه السلام» المتوفى سنة 260هـ، من كتبه: الرد على الواقفة، النوادر، وكتاب الأنبياء.
(4) المفروض أن يكون بالواسطة.

(5) زرارة بن أعين: وزرارة لقبه الذي اشتهر به واسمه عبد ربه بن أعين بن سنسن، من أهل الكوفة أصله من بلاد الروم وكان جده من الرهبان، وثقه الأصحاب وأجلوه، وكان إلى جانب الفقاهة متكلما وأديبا وشاعراً، ولد نحو سنة 80هـ وقيل مات سنة 148هـ بعد شهرين من رحيل الإمام الصادق «عليه السلام»، وهو من أصحاب الإمامين الباقر «عليه السلام» المتوفى سنة 113هـ والصادق «عليه السلام»، من كتبه: الاستطاعة والجبر.

(6) الصدوق الثاني: هو إبن بابويه القمي الرازي، ولد سنة 306هـ، ويقال له الصدوق الثاني تمييزاً عن والده الصدوق الأول، من كبار فقهاء الإمامية وهو ممن أجمع الأصحاب على عدالته ووثاقته، ولد في قم ونزل الري وبغداد واستقر في الثانية حتى وفاته فيها، من مؤلفاته: الخصال كمال الدين وتمام النعمة، وعلل الشرائع.

(7) المفيد: العبكري البغدادي، ولد في عكبرا شمال بغداد سنة 338هـ، من كبار أعلام الإمامية وفقهائها، سكن بغداد وفيها توفي ودفن داخل المرقد الكاظمي وقبره يزار، من مصنفاته: المقنعة، أصول الفقه، والإرشاد.

(22)

 

بن النعمان العكبري المتوفى سنة 413هـ، فإذا استقام السند فالرواية صحيحة وسلسلة رواتها ثقات.

       وأما الرواية الثانية فإن سندها جاء كالتالي: روى الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ، عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان العكبري المتوفى سنة 413هـ، عن الشيخ الصدوق الثاني محمد بن علي بن الحسين القمي المتوفى سنة 381هـ، عن أحمد بن إدريس بن أحمد زكريا الاشعري القمي(1) المتوفى سنة 306هـ، عن محمد بن احمد(2) بن يحيى بن عمران الأشعري القمي (القرن الثالث الهجري)، عن أحمد بن محمد (السياري) المتوفى نحو سنة 260هـ، عمن ذكره، ولعل الأرجح أن الأشعري يروي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي المتوفى سنة 221هـ، حيث روى الكليني(3) قريبا من هذا النص في الكافي مروياً بإسناده إلى سهل بن زياد الآدمي(4) المتوفى بعد عام 255هـ عن الحسين بن موسى المتوفى نحو سنة 183هـ عن زرارة بن أعين المتوفى سنة 150هـ عن الصادق «عليه السلام» قال: «السقط إذا تم له أربعة أشهر غسل»(5)، مما يستظهر أيضاً المروي عنه هو الإمام الصادق «عليه السلام»

_____________
(1) الأشعري: وكنيته أبو علي، أدرك الإمام العسكري «عليه السلام» المتوفى سنة 260هـ ولم يرو عنه، وثقة النجاشي والطوسي، مات في منطقة القرعاء في محافظة القصيم في طريقه الى مكة، له كتاب النوادر.

(2) محمد بن أحمد: من كبار العلماء في قم، له كتاب نوادر الحكمة وكان يعرف بـ«دبة شبيب» لغزارة مادته وما فيه من معلومات، روى عن أحمد بن محمد البرقي المتوفى سنة 274هـ، قيل مات نحو سنة 290هـ.

(3) الكليني: هو محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي البغدادي (بعد 254- 329هـ)، وقيل مات سنة 328هـ من كبار فقهاء الإمامية وأعلامها، ولد في كلين من نواحي الري وسكن بغداد وفيها مات وقبره يزار، وهو أول من لقب بثقة الاسلام لعودة الناس من الفريقين في الفتيا إليه، من مصنفاته: تفسير الرؤيا، الرد على القرامطة، والرسائل.

(4) سهل بن زياد الآدمي: القمي الرازي، من أهل قم سكن الري، عاش في حياة الأئمة الجواد «عليه السلام» والهادي «عليه السلام» والعسكري «عليه السلام» المتوفى سنة 260هـ، وهو من شيوخ الإجازة وثقه الطوسي، روى عن الحسن بن محبوب الزراد المتوفى سنة 224هـ، في إسناد 2300 مورداً، من كتبه، التوحيد، والنوادر.

(5) الكافي: 3/206.

(23)

 

لأن النص قريب من نص التهذيب جداً، هذا بالنسبة الى القسم الأول من الرواية، والله العالم.

       إن سند هذه الرواية المنتهية الى أحمد بن محمد لا إشكال في وثاقة رواته، ولكن لدى البحث نصطدم بالأمور التالية:

       1- إن أحمد بن محمد والذي ذكره البعض مقلوباً (محمد بن أحمد) غير صحيح حيث ذهب المحققون من الفقهاء والرجاليين إلى أن الصحيح هو أحمد بن محمد(1)، إلا إنهم لم يوضحوا عن شخصيته، ولكن الذي يتطابق مع واقع الحال بمراجعة عمن روى وعمن روى عنه يتبين أن المراد به هو أحمد بن محمد بن سيار (السياري) حيث إن أحمد بن يحيى الأشعري يروي عنه، فإن كان هو فإن القوم ضعفوه لما في رواياته من الغلو(2)، ووصفوه بالبصري حيث كان من أهل البصرة، وإنما قيل له السياري لأن جده إسمه سيار، وقد كان من كتاب آل طاهر، وكان من أصحاب الإمام العسكري «عليه السلام»(3) المتوفى سنة 260هـ وأبيه الإمام الهادي «عليه السلام»(4) المتوفى سنة 254هـ.

       2- إن أحمد بن محمد السياري رفع الحديث حيث جاء في النص «عمن ذكره» فمن يا ترى هذا الذي رفعه إليه من الرواة، والظاهر أنه يروي

______________

(1) جاء في معجم رجال الحديث: 15/53- 54 لدى ترجمة محمد بن أحمد السياري «الظاهر إن في النسخة تحريفا والصحيح أحمد بن محمد السياري، وذلك فإن محمد بن أحمد السياري لا وجود له لا في كتب الرجال ولا في الروايات غير هذه الرواية... ولا شك في أنه ينصرف إلى أحمد بن محمد الذي استثنى إبن الوليد من روايات محمد بن أحمد بن يحيى ما يرويه عن السياري».

(2) راجع: معجم رجال الحديث: 2/282 حيث نقل آراء الرجاليين ومقولتهم في ضعفه.

(3) العسكري: هو أبو محمد الثاني الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الحادي عشر من أئمة أهل البيت «عليه السلام» ولد في المدينة المنورة في 10/6/232هـ والمتوفى في سامراء في 8/5/260هـ.
(4) الهادي: هو أبو الحسن الثالث علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، العاشر من أهل البيت «عليه السلام» ولد في المدينة المنورة في 2/7/214 وتوفي في سامراء في 3/7/254هـ.

(24)

 

عن علي بن أسباط بن سالم بياع الزطي أبو الحسن المقرئ الكوفي(1) الذي روى عن الأئمة الكاظم(2) والرضا(3) والجواد(4) «عليه السلام»، ولكن ذا كان يوري ما رواه عن الإمام الصادق «عليه السلام» المتوفى سنة 148هـ، فلا نجد من ذكر بأنه روى عن الإمام الصادق «عليه السلام» وعليه فلا بد وأن يكون هناك وسيط آخر بين علي بن أسباط والإمام الصادق «عليه السلام»، ويظهر أن الوسيط هو قائد أبي بصير علي بن أبي حمزة(5) المتوفى بعد سنة 183هـ وهو بدوره يوري عن أبي بصير المكفوف يحيى بن قاسم الأسدي(6) بالولاء المتوفى سنة 150هـ عن الإمام الصادق حيث تجد سلسلة رواته في بعض الأحاديث الواردة في الكافي(7).

__________
(1) أبو الحسن المقرئ الكوفي: الكندي بالولاء، وثقه النجاشي، عاش في القرنين الثاني والثالث، روى عن الحسن بن علي بن فضال الكوفي المتوفى سنة 224هـ، ورى عنه أبو جعفر الزيات محمد بن الحسين بن أبي الخطاب المتوفى سنة 262هـ، وقع في إسناد 387 مورداً، من كتبه: الدلائل، التفسير، والمزار.

(2) الكاظم: هو أبو الحسن الأول موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، السابع من أئمة أهل البيت «عليه السلام»،ولد ف في المدينة المنورة في 7/2/128هـ ومات في السجن في بغداد في 25/7/183هـ ومرقده في مدينة الكاظمة.

(3) الرضا: هو أبو الحسن الثاني علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الثامن من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، ولد في المدينة المنورة في 11/11/148هـ ومات في خراسان (مشهد) في 17/2/203هـ.
(4) الجواد: هو أبو جعفر الثاني محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، التاسع من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، ولد في المدينة في 17/9/195هـ ومات في بغداد في 29/12/220هـ ودفن في الكاظمة إلى جانب جده موسى الكاظم «عليه السلام».

(5) علي بن أبي حمزة: هو علي بن سالم البطائني الكوفي، كان قائداً لأبي بصير يحيى بن القاسم الأسدي الكوفي المتوفى سنة 150هـ، كان من وكلاء الإمام الكاظم المتوفى سنة 183هـ قيل توقف عن إمامة الرضا المتوفى سنة 203هـ.

(6) أبو بصير الأسدي: هو يحيى بن القاسم وقيل إبن أبي القاسم واسمه إسحاق الكوفي الأسدي بالولاء، من أهل الكوفة، ورى عن الباقر «عليه السلام» والصادق «عليه السلام» وأدرك الكاظم «عليه السلام».
(7) راجع: الكافي: 1/414 و8/290.

(25)

 

       3- إنه لم يذكر الى من رفعه أهو الإمام الصادق «عليه السلام» أم غيره، وإن كان المتبادر من الرواية بمقتضى الرواية التي سبقتها هو الإمام الصادق «عليه السلام»، إلا إنه هو من الاحتمال والظن مما لا يمكن بناء صحة السند عليه.

       وأخيراً فإن الاعتماد على هذه الرواية لا يمكن مع هذه الأمور التي قدمناها، وما قيل بأن إسم الراوي الآخر فيه تصحيف لم يثبت تماماً حيث ورد في الحدائق ما يخالف ما ورد في المصدر، وجاء في الحدائق ذكره بالشكل التالي: «مرفوعة محمد بن أحمد»(1) وهو مختلف لما حققه أستاذنا الخوئي.

       أما من حيث الدلالة فإن الرواية الأولى تدل على أن الجنين ذا الستة أشهر يعد تام الخلقة وليس فيه ما يدل على أكثر من ذلك، مستدلا بأن الجنين في عمر ستة أشهر يعيش كما حصل ذلك في ولادة الإمام الحسين «عليه السلام» لستة أشهر ولا يتحدث عن متى تتم خلقة الجنين.

       ولكن الرواية الثانية تدل بالمقاربة بأن بداية إتمام الخلقة هي أربعة أشهر وإمكان أن يولد لستة أشهر ويعيش.

       وكلا الروايتين في دلالتهما على الموضوع قاصرتان إلا إذا اعتمد على روايات أخرى، وعلق الشيخ الطوسي على الرواية الثانية قائلا: «فتخصيصه «عليه السلام» غسل السقط إذا كان له أربعة أشهر فما زاد عليها يدل على إنه إذا كان أقل من ذلك فإنه لا يجب غسله»(2)، وأما الشيخ المفيد فقد قال: «وإذا أسقطت المرأة وكان السقط تاماً لأربعة فما زاد غسل وكفن ودفن، وإن كان لأقل من الأربعة أشهر لف في خرقة ودفن بدمه من غير تغسيل»(3).

       ولم أجد غير رواية واحدة صريحة مؤيدة للغسل إذا بلغ الجنين أربعة أشهر، وهي رواية الكليني محمد بن يعقوب المتوفى سنة 329هـ، عن عدة

______________

(1) الحدائق الناضرة: 3/408.

(2) تهذيب الأحكام: 1/328.

(3) المقنعة: 83.

(26)

 

أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد(1)، عن الحسين بن موسى(2) عن زرارة(3)، عن أبي عبد الله الصادق «عليه السلام» حيث قال: «السقط إذا تم له أربعة أشهر غسل»(4)، وأما سائر الروايات فليس فيها صراحة كالتي أوردناها إلا الرضوية التالية التي وردت في فقه الرضا: «وإذا أسقطت المرأة وكان السقط تماماً غسل وحنط وكفن ودفن، وإن لم يكن تماماً فلا يغسل ويدفن بدمه، وحد تمامه إذا أتى عليه أربعة أشهر»(5)، وهناك روايات أخرى تصرح بأن يكون تاماً من دون تحديد ذلك، ولكن يمكن فهم ذلك من روايات أخرى تصرح بأنه يتحول إلى الخلق الآخر كما عبر بذلك القرآن والذي يعد هو مرحلة التمام حيث ينفخ فيه الروح التي تبقى معه الى أن يتوفاه الله، وهذه الحياة تختلف عن الحياة قبل الروح، إذ الأولى حياة أيضاً لأن فيها نمواً، ولكنها دون روح.

       ومما لا خلاف فيه أن الجنين إذا بلغ ستة أشهر فإنه تام وقابل للحياة ولذلك مثل بالإمام الحسين «عليه السلام»، أما ما دون ذلك أي أربعة أشهر وما فوق فإنه مصرح به في ورايات اخرى كما عرفت، ولا مجال للنقاش استواء الخلقة من دون تحديد الوقت لأن هناك تلازماً بين الأربعة أشهر ونفخ الروح واستواء الخلقة بما لا يدع للشك مجالاً، ورواية الإمام الرضا «عليه السلام» وغيرها صريحة بمسألة الأربعة أشهر ونفخ الروح، كما في موثقة الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني(6) المتوفى نحو سنة 203هـ، قال:

___________
(1) أحمد: هو إبن محمد بن أبي نصر زيد البزنطي الكوفي المتوفى سنة 221هـ، من رواة الحديث وثقه الطوسي وغيره.

(2) الحسين بن موسى: من رواة الحديث، يروي عن الإمام موسى الكاظم المتوفى سنة 183هـ، جاء ذكره في الأحاديث في 14 مورداً.

(3) زرارة: هو ابن أعين بن سنسن الكوفي، الشيباني بالولاء (ن80- 150هـ)، ويقال زرارة لقب واسمه عبد ربه، رومي الأصل، من أعلام ومتكلميها وهو من أصحاب الباقر والصادق والكاظم «عليه السلام».

(4) الكافي: 3/206.

(5) الفقه الرضوي: 175.

(6) الحسن بن الجهم: وكنيته أبو محمد، روى الكاظم والرضا «عليه السلام»، وثقه النجاشي، روى عن الفضيل بن يسار النهدي بالولاء المتوفى قبل سنة 148هـ، وعنه روى الحسن بن علي بن فضال المتوفى سنة 224هـ.

(27)

 

سمعت أبا الحسن الرضا «عليه السلام» يقول: قال أبو جعفر (الباقر) «عليه السلام»(1): «إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً، ثم تصير علقة أربعين يوماً، ثم تصير مضغة أربعين يوماً، فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله تعالى ملكين خلاقين فيقولان: يا رب ما تخلق ذكراً أم أنثى؟».. الحديث(2)، الى غيرها من الروايات والتفاصيل التي أوردناها في شريعة الجنين فلتراجع.

       هذا ولم أجد من شذ عن هذا القول عند الإمامية ربما يرفع الى القول بالشهرة أو الإجماع.

       واما غير الإمامية فالمذاهب الأربعة بشكل عام تذهب فيمن تم خلقه الى وجوب تغسيله بلا خلاف، وأما الخلاف عندهم يقع فيمن لم يتم خلقه، فذهب البعض الى تغسيله وآخرون الى عدمه(3)، وذهبت الأباضية أيضاً إلى أن السقط إذا كان تام الخلق يغسل ويحنط ويكفن(4)، وظاهر الزيدية على إن الغسل متوقف على إتمام الخلقة كما هو الحال في الصلاة عليه(5)، ويبدو أن هناك إجماعاً بين المذاهب الإسلامية كلها على أن الغسل المتكامل واجب عند تمام الخلقة في السقط، وإن اختلفوا في غيرها، كما إن الظاهر أن الجميع متفقون على إن الجنين ذا الستة أشهر تام، لأنه يمكن أن يولد حياً، وبحسب القواعد الفقهية والعلمية والفهم القرآني أن الجنين بتمام الرابعة يتحول الى خلق آخر ويكون تاما بالإجماع.

       أما بالنسبة إلى الحكمة الشرعية فإن الذي ينفخ فيه الروح الإنساني يكون إنساناً، وما دام صدق عليه ذلك فإن الأحكام المتعلقة بالإنسان تتعلق به.

       وأما بالنسبة إلى الحكمة العلمية فهي متطابقة مع الوجهة الدينية لأن الجنين ما بعد الأربعة غير الجنين ما قبل الأربعة.

___________
(1) الباقر: هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الخامس من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، ولد في المدينة المنورة في 3/2/57هـ وفيها مات في 7/3/113هـ وقبره في بقيع الغرقد.

(2) الكافي: 2/85.

(3) راجع: الموسوعة الفقهية: 6/122.

(4) جامع أبي الحسن البسيوي: 2/49.

(5) راجع: الإعتصام بحبل الله المتين: 2/166.

(28)

 

غسل الميت المُحْرِم

 

       تحدثنا في المسألة السابقة عن غسل السقط وما يجب على الولي تجاهه من الغسل، ومتى يجب ذلك، وهنا نريد أن نسلط الضوء على المحرم إذا مات وما يجب القيام به في غسله.

       إن مسألة الإنسان المسلم إذا مات فان على وليه أولاً وبالذات واجبات عليه القيام بها، وفي الدرجة الثانية يجب وجوباً كفائياً على كل المسلمين القيام بتجهيزه، والغسل يعد جزءاً من عملية التجهيز، وتجهيز الميت في حده الواجب والمباشر- بغض النظر عن المقدمات والمعقبات- هو الغسل والكفن والصلاة والدفن وهذه الأمور الأربعة هي أسا في تجهيز الميت المسلم، وبالنسبة إلى الغسل سبق وبينا أنه واجب على كل من أم أربعة أشهر في رحم أمه وإلى أرذل العمر، ويختلف من موقع إلى آخر كالغريق والمحروق والذي انهار على الجدار ولم يمكن تخليصه او إذا ابتلعته الأرض في الزلزال وفي العواصف والبراكين وما إلى ذلك.

       وللمحرم الميت بعض الأحكام الخاصة والتي لا بد دمن بيانها حسب ما ورد في نص الإمام الحسين «عليه السلام» أو تقريره أو فعله وحتى تتضح الصورة لا بد من الإشارة إلى المحرم فنقول:

       المحرم: هو الشخص الذي أقبل على الحج او العمرة فإنه عندما يلبس ثوبي الإحرام عليه أن يتجنب عدداً من الأمور ومن تلك استخدامه الطيب بأشكاله المختلفة استشماماً بكل ما يعد استخداماً، ولا فرق بين أنواع الطيب إذا ما صدق عليه العنوان.

       وبما إن الميت كان يزاول مناسك الحج او العمرة وهو ما زال محرماً ولم يتحلل من إحرامه فكان من الواجب عليه التجنب من الطيب،

(29)

 

ولأن الواجب في هذا الغسل هو غسل الميت ثلاث مرات، ومرة بالماء المخلوط بالكافور، وثالثة بالماء القراح، وبما إن الكافور يعد من الطيب الذي لا يمكن استخدامه للمحرم فهذا ما يقع البحث فيه، وكيف يمكن التعامل معه.

       إن الكافور مادة ملزمة بالإغتسال به في الغسلة الثانية، والكافور هو زهرة الكافور الدائمة الخضار على مدار السنة، والتي لونها أبيض ضارب إلى الصفرة، لها رائحة طيبة، وتستخدم في العطور وفي صناعة الأدوية، مهدها الأصيل جنوب الصين إلا إنها منتشرة في أكثر من مكان، وللكافور فوائد جمة صحياً، أهمها مسألة الغسل بالذات: إنها معقمة ومبيدة للجراثيم، إلى جانب أنها معطرة تحافظ على الجسم وتفوح رائحتها بحيث لو حدث خلل في جسم الميت من عفونة وما إلى ذلك تداركته، بل وتحافظ على كرامة الميت لدى مشيعيه حيث تستولي عليه الروائح المنفرة، وقد ورد ذكرها في الذكر الحكيم عند الحديث عن الجنة حيث يقول جل وعلا: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا)(1).

       ولا يخفى أن الطيب بالنسبة إلى الميت يستخدم في اتجاهين:

       الأول: هو الغسل بالكافور في الغسلة الثانية.

       الثاني: هو التحنيط بالكافور، وبشكل عام في الأعم الأغلب ذهب الفقهاء إلى توحيد المسار لأن الواجب هو اجتناب الطيب للميت المحرم.

__________
(1) سورة الإنسان، الآية: 5.

(30)

 

تغسيل الميت المحرم

 

       مسألة: لا يجوز استخدام الكافور ولا أي طيب آخر لمن مات وهو محرم بإحرام الحج أو العمرة.

       لما ورد أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان حاضراً لدى تجهيز إبن أخيه الإمام المجتبى «عليه السلام» (1) او مشرفا على تجهيزه، حيث ورد عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: «إن عبد الرحمان بن حسن مات بالأبواء مع الحسين «عليه السلام» وهو محرم، ومع الحسين «عليه السلام» عبد الله بن العباس(2)- المطلبي- وعبد الله بن جعفر(3)- الطيار-، وصنع به كما يصنع بالميت، وغطى وجهه ولم يمسه طيباً»(4).

       وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق «عليه السلام»، عن أبيه الإمام الباقر «عليه السلام» قال: «قد مات إبن للحسين بن علي «عليه السلام» وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما معه، فأجمعوا على أن لا يغطى رأسه، ولا يقربوا طيبا»(5).

____________

(1) الإمام المجتبى: هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الثاني من أئمة أهل البيت «عليه السلام»، وخامس من تولى الحكم في العهد الإسلامي الأول، ولد في المدينة في 15/9/3هـ، ومات فيها في 7/2/50هـ ودفن في البقيع.

(2) عبد الله بن عباس: هو حفيد عبد المطلب (3ق.هـ- 68هـ)، وكنيته أبو العباس، من فقهاء الصحابة، ولد في مكة وصحب النبي صغيراً، ولي لعلي «عليه السلام» البصرة وشارك في حرب الجمل وصفين والنهروان، له في كتب الحديث 1660 رواية، نفاه الزبير إلى الطائف وفيها مات.

(3) عبد الله بن جعفر: هو حفيد أبي طالب القرشي (1- 80هـ) من صغار الصحابة، ولد في الحبشة عندما هاجر أبواه إليها، صاهر الإمام علياً «عليه السلام» على ابنته زينب الكبرى «عليه السلام»، أحد الأمراء في جيش علي «عليه السلام» يوم صفين، توفي في المدينة المنورة، ودفن في مقبرة البقيع.

(4) تهذيب الأحكام: 1/329.

(5) الجعفريات: 69، وعنه مستدرك الوسائل: 2/167.

(31)

 

       الظاهر: إن الحدث واحد وإنما وقع تصحيف بين الحسين والحسن، لكنما يورى مرة عن الإمام الصادق «عليه السلام» مباشره: وتارة يروى عن الإمام الصادق «عليه السلام»، عن أبيه الإمام الباقر «عليه السلام».

       ويتطلب منا مناقشة سند هذه الرواية ودلالتها.

       أما بالنسبة إلى السند فإن الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ يروي بإسناده عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري(1) المتوفى سنة 301هـ، عن العباس ابو محمد بن عبد الله بن أبي عيسى الباكسائي الترقفي(2) المتوفى سنة 267هـ، عن حماد بن عيسى(3) الجهني البصري المتوفى سنة 209هـ، كلاهما عن عبد الله بن سنان بن طريف(4) المتوفى نحو سنة 183هـ، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله ميمون البصري(5)

_________
(1) أبو خلف الأشعري: القمي المكنى بأبي القاسم، وقيل مات سنة 301هـ، شيخ الطائفة وفقيهها وجيهها في قم، وكان من أصحاب الإمام العسكري «عليه السلام»، وثقه الأصحاب، من كتبه: الضياء في الرد على المحمدية والجعفرية، فرق الشيعة، وناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه.

(2) الباكسائي الترقفي: واسم جده أبو عيسى هو أزداذ، وباكسائي نسبة إلى قربة باكسا أقصى شرق مدينة النهروان العراقية وترقف من توابع مدينة واسط، من رواة الحديث، ولد نحو 187هـ وقيل مات في محرم سنة 267هـ، سكن بغداد والشام، من مؤلفاته المطبوعة: حزء الترقفي.

(3) حماد بن عيسى: هو أبو محمد الجهني بالولاء الكوفي البصري، من أصحاب الإمام الصادق والكاظم «عليه السلام»، وبقي حياً إلى عصر الإمام الجواد «عليه السلام» المتوفى سنة 220هـ، ولد نحو 118هـ وتوفي سنة 209هـ غريقاً وله من العمر نيف وتسعين سنة، وقيل توفي في عهد الإمام الرضا «عليه السلام» المتوفى سنة 203هـ.

(4) عبد الله بن سنان بن طريف: الكوفي الهاشمي بالولاء، من الفقهاء وثقه النجاشي، من أصحاب الإمامين الصادق «عليه السلام» والكاظم «عليه السلام» المتوفى سنة 183هـ، ولد بعد سنة 92هـ، كان خزناً لأربعة من الحكام العباسيين: المنصور والمهدي والهادي والرشيد، روى عنه أحمد بن محمد بن ابي نصير زيد البزنطي المتوفى سنة 221هـ، من كتبه: الصلاة، عمل يوم وليلة، وكتاب في الأحكام.

(5) عبد الرحمان بن ميمون البصري: الكوفي الشيباني بالولاء وقيل العربي الكندي، من أصحاب الصادق «عليه السلام» المتوفى سنة 148هـ، وثقه النجاشي وغيره، روى عن محمد بن مسلم الطحان الكوفي المتوفى سنة 150هـ، وعنه حماد بن عيسى الكوفي المتوفى سنة 209هـ، والحسن بن محبوب الزراد المتوفى سنة 224هـ وغيرهما، ورد في إسناد 336 مورداً.

(32)