أدب الطف ـ الجزء الثاني 282


قـل لقوم بنوا بغـير أسـاس في ديارٍ مـا يملكون مَـنارا
واستعاروا من الـزمان وما زا لـت لياليه تـستردّ المـعارا :
لـيس أمرٌ غصبتـموه لـزاماً لا ولا مـنزل سـكنتم قرارا
أيّ شـيء نفعاً وضراً على ما عوّد الدهـر لم يكن أطـوارا ؟
قـد غـدرتـم كما علمتم بقومٍ لـم يكـن فيهم فتى غـرارا
ودعـوتـم منهم إليكـم مجيباً كرمـاً منهم وعـوداً نضارا
أمـنوكـم فـما وفيتم وكـم ذا آمـن مـن وفـائنا الـغدارا
ولكـم عـنهـم نجـاءٌ بعـيد لو رضوا بالنجاء منكم فرارا
وأتـوكم كــما أردتـم فـلما عـاينوا عسكراً لـكم جرارا
وسيوفـاً طـووا عـليها أكفـّا وقنـاً في أيمانـكـم خطارا
علموا أنكم خدعتم وقـد يُخـد عُ مكراً مَن لم يكنَ مـكـارا
كان مـن قبل ذاك ستر رقيـق بيننـا فاستـلبتم الأســتارا
وتنـاسيـتم ومـا قـدمَ العهـ ـد عهوداً معقـودة وذمـارا
ومـقـالاً ما قيل رجمـاً محالاً وكـلاماً ما قيل فينا سـرارا
قـد سبرناكـم فكـنتم سـراباً وخبرناكـم فكـنتم خَـبـارا(1)
وهـديناكم إلى طرق الـحـق فكنتم عنا غـفولاً حـيـارى
وأردتـم عـزاً عزيزاً فما أزدد تم بذاك الصنيع إلا صغـارا
وطلبتـم ربحاً وكم عادت الأربا ح مـا بيننا فعـدن خسـارا
كان مـا تضمرون فينامن الشر ضماراً ، فالآن عـاد جهارا
في غـدٍ تبصر العيون إذا مـا حُلـن فيكـم إقبالـكم أدبارا
وتـودّون لو يـفيـد تـمـنٍّ أنكـم مـا ملـكتـم ديـنارا
لاولا حـزتم بأيديـكم في النـ ـاس ذاك الإيراد والإصدارا
عدّ عن معشر تناءوا عن الحـ ـق وعن شعبه العزيز مزارا


(1) الخبار : بالفتح مالان من الارض واسترخى .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 283


لـم يكونوا زينـاً لقـومهـم الغُرّ ولـكن شـينـاً طويـلاً وعـارا
وكـأنّـي أثنيكـم عـن قبــيح بمقـالـي أزيـدكـم إصــرارا
قد سمعتم مـا قال فينا رسول الـ ـله يـتـلـوه مـرة ومــرارا
وهـو الجاعــل الـذين تراخوا عن هـوانا مـن قومـه كفـارا
وإذا مـا عـصـيتم فـي ذويـه حال مـنكـم إقراركـم إنـكارا
ليـس عـذر لكـم فـيقـبله الـ ـله غداً يوم يـقبـل الأعـذارا
وغررتم بالحلم عـنكـم وما زيـ ـدَ جهول بالحلم إلا اغـتـرارا
وأخـذتـم عمـا جـرى يوم بدر وحـنين فيما تـخالـون ثـارا
حـاشَ لله مـا قـطـعتم قتيـلاً لا ولا صـرتم بذاك مـصـارا
إن نـور الاسـلام ثاوٍ وما اسطا عَ رجال أن يـكسفـوا الأنوارا
قـد ثللنا عــروشكم وطـمسنا بيـد الـحق تـلكـم الآثـارا
وطـردناكـم عـن الكفر بـالـ ـله مقاماً ومـنطـقاً وديـارا
ثـم قـدنـاكـم إلينا كمـا قـا دت رعاة الأنعام فيـنا العشارا
كـم أطعتم أمراً لنا واطـرحـنا ماتقـولـون ذلة واحتـقـارا
وفـضلناكـم وما كنتم قـطّ عن الـطائـليـن إلا قــصـارا
كـم لنـا منكم جـروح رغـاب وجـروح لـما يكـنّ جبـارا
وضـِرارٌ لـولا الوصية بالسلـ ـم وبالحلم خاب ذاك ضرارا
وادعـيـتم الـى نـزارٍ وأنـى صدقكم بـعد أن فضحتم نزارا
واذا ما الفروع حدنَ عن الأصـ ـل بعيدا فما قربـن نجـارا
إن قـوماً دنوا إليـنا وشـبـوا ضَرمـاً بيـننـا لهـم وأوارا
ما أرادوا إلا الـبوار ولـكـن كم حَمى الله مَـن أراد البوارا
فإلى كم والـتجربـاتُ شعاري ودثـاري الابـس الاغـمـار(1)
وبطيئين عـن جميل فإن عـنّ قبيـحٌ سعـوا لـه إحـضارا


(1) الشعار : الثوب الذي يلي البدن ، والدثار فوقه ، والاغمار : الحمقى والجهلاء .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 284


قـسماً بالـذي تسـاق لـه الـبد ن ويـكسى فـوق الـستار سـتارا
وبـقـوم أتوا منــى لا لـشيء غيـر أن يـقذفـوا بها الأحجـارا
وبأيـد يُـرفعـن فـي عـرفات داعــيـات مـخـوّلاً غــفـارا
كم أتاهـا مخيـّب مـا يـرجـى فانـثنـى بالغـاً بـهـا الأوطـارا
والـمصلـين عند جمـع يُرجـّو ن الـذي مـا استـجير إلا أجـارا
فوق خـوص كللن من بعد أن بـ ـلـّغنَ تـلـك الآمـاد والأسفـارا
وأعاد الـهجـير والـقر والروحا تُ مـنها تـحت الـهجار هجـارا
يا بني الـوحي والرسالة والتطـ ـهيـر مـن ربهـم لهـم إكبـارا
إنكم خير من تـكون لـه الخضـ ـراء سقـفاً والعـاصفـات إزارا
وإذا ما شـفعـتم من ذنـوب الـ ـخلق طـراً كـانت هـباء مطارا
ولقد كنتـم لـديـن رسـول الـ ـله فيـنا الأسـماعَ والأبـصـارا
كم أداري العدا فهل في غيوب الـ ـله يـوم أخـشـى بـه وأدارى ؟
وأصادي اللئامَ دهـري فـهل يقـ ـضى بأن بـتّ للأكـارم جـارا ؟
وأقاسـي الشـدات بُـعداً وقـرباً وأخوض النـغـمار ثـم الغـمارا
وأموراً يـعيـين للخـلق لــولا أننـي كـنـتُ فـي الاذى صبارا
أنـا ظـام ولـيس أنـقـع أن أبـ ـصر في الناس ديمـة مـدرارا
وطـموح الـى الخـيار فـما تبـ صر عيني في الخلق الا الشرارا
ليـت أنـي طِـوال هذي الـليالي نلـتُ فـيهـن سـاعـة إيثـارا
وإذا لـم أذق مـن الـدهـر إحلا ءً مـدى الـعـمر لم أذق إمراراً
مِيّ أنى ليَ أن أقصر اليوم عن كل الأمـانـي إن أمـلك الإقصـارا ؟(1)
سالياً عن غروس أيـدي الـليالي كيف شـاءت وقد رأيت الثـمارا
أيُ نفـعٍ فـي أن أراهـا ديـاراً خـالـيــات ولا أرى دَيّــارا
وسُكـارى الزمان بالطمـع الكـا ذب فيه أعيوا علـيّ الـسكـارى


(1) مي : ترخيم مية ، منادى محذوف حرف النداء الياء .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 285


فسقـى الله ما نـزلـتـم مـن الأر ض عـلـيه الأنـواءَ والأمطـارا
وإذا مـا اغتـدى اليـهـا قـطـار فـثنى الـله لـلـرواح قطــارا
مـا حـدا راكـب بركـب ومــا دبّ مطيّ الـفلاة فيـهـا وسـارا
لست أرضى في نصـركم وقد احـ ـتجتم الى النصـر مني الأشعارا
غير أنـي متـى نصـرتم بطعـن أو بـضربٍ أسابـق النـصـارا
والى أن يـزول عـن كفـي المنـ ـع خذوا اليوم من لساني انتصارا
واسمعوا نـاظـرين نصـر يميني بـشبا الـبيـض فحـليَ الهـدّار
فلسـاني يحـكي حسامي طـويلاً بطـويـل وما الغِـرار غـِرارا
وأمرنا بالصبـر كي يأتـي الأمـ ـر وما كـلنا يـطيـق اصطبارا
وإذا لـم نكـن صـبرنـا اختياراً عن مراد فقد صبـرنا اضطـرارا
أنا مهما جـريت فـي مدحكـم شأ واً بعيداً فـلـن أخـاف العثـارا
وإذا ما رثـيتـكـم بـقـوافـيّ سراعاً فمـُرجَـل الحـي سـارا
عاضني اللـه في فضائلـكم علـ ـماً بـشكٍّ وزادنـي استبـصارا
وأراني منكـم وفيـكـم سـريعاً كل يوم ما يُـعجـب الأبصـارا(1)

وقال يرثي جده الحسين عليه السلام في عاشوراء :
يـا يـوم أيُ شجـىً بـمثلك ذاقـه عصب الرسول وصفوة الرحمن ؟
جرعتهم غصص الردى حتى أرتووا ولذعـتهـم بـلواذع الـنيـران
وطـرحتـهم بدداً بـأجـواز الـفلا لـلذئـب آونـةً وللـعـقــبان
عافوا الـقرارَ ولـيس غير قرارهم أو بردهـم موتـاً بحـدّ طـعان
منعوا الفرات وصـرّعـوا من حوله مــن تـائـق للوردِ أو ظمـآن
أوَ ما رأيت قراعـهـم ودفـاعـهم ؟ قـدمـاً وقد أُعـروا من الأعوان
متزاحمين على الـردى فـي موقف حـشي الـظبا وأسـنّة الـمران


(1) عن الديوان .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 286


ما إن به إلا الـشجاع وطـائـرٌ عنه حـذار الـموت كـل جبـان
يـوم أذلّ جـماجمـاً مـن هاشمٍ وسرى الـى عدنـان أو قحـطان
أرعى جميم الحــق في أوطانهم رعي الهشـيم سـوائـم الـعدوان
وأنار نـاراً لا تبـوخ وربـمـا قــد كـان للنيـران لون دخـان
وهو الـذي لم يـبق من دين لنا بـالغـدر قائـمة مـن البـنـيان
يا صاحبيّ على المصـيبة فيـهم ومشـاركـيّ اليـوم فـي احزاني
قوماً خذا نار الصلا مـن أضلعي إن شـئـتما «والماء» من أجفانـي
وتعـلـّما أن الـذي كـتـّمتـه حذر الـعدا يابـى علـى الكتـمان
فلو أنـني شاهدتـهم بـين العدا والكـفر مُعـلـولٍ على الإيـمـان
لخضبتُ سيفي من نجيع عدوهم ومحوت مـن دمهم حجول حصاني
وشفيت بالطعن الـمبرح بالقنـا داءَ الحـقود ووعـكـة الأضغـان
ولبعتهـم نفسـي على ضننٍّ بها يوم الـطفوف بأرخـص الأثـمان

وقال يرثي جده الحسين عليه السلام :
عـرّج علـى الـدارسـة القـَفر ومُر دمـوع العـين أن تجري
فـلو نـهيت الدمـع عـن سَحّه والدار وحش لم تطـع أمـري
مـنزلـة أسـلـمهـا لـلبـلى «عَبرُ» هبوب الريح والــقطر
فجِعتُ فـي ظـلمائهـا عنـوةً بـطلعـة الشـمـس أو الـبدر
لهفـان لا مـن حرّ جمرِ الجوى سكران لا مــن نـشوَة الخمر
كأنـني في جاحمٍ مـن شجـىً ومن دمـوع الـعـين فـي بحر
عُجـتُ بـها أُنفقُ فـي آيهـا ما كان مذخـوراً مـن الـصبر
في فتيةٍ طارت بـأوطـارهـم «في ذيـلهم» أجنـحةُ الـدهـر
ضيموا وسُقّوا في عِراض الأذى ما شـاءت الأعـداء مـن مـُرّ
كلّ خميص البطن بادي الطوى ممتلـئ الـجلد مـن الـضـر
يَبري لِحـا صَـعدتـه عامـداً بَريَ العَصا مـن كـان لا يبري


أدب الطف ـ الجزء الثاني 287


كـأنّه مـن طـول أحــزانـه يُسـاق مـن امـنٍ إلى حِذر
أو مـفـرد أبـعـده أهــلـه عن حـَيّه من شفـق العـُر(1)
يا صاحبي فـي قـعر مـطويةٍ لو كان يرضى لـي بـالقعر
أما تراني بـيـن أيــدي العدا ملآن من غيظ ومـن وتـر
تسرى إلـى جلـدي رقـش لهم والشر في ظـلمائها يسـري
مـردّد فـي كــل مكـروهةٍ أنـقلٌ من نابٍ إلـى ظـفر
كأنـني نـصـل بـلا مـقبض أو طائـر ظـل بـلا وكـر
بالـدار ظـلمـاً غيـر سكانها وقد قرى من لـم يكن يَقري
والسرح يرعى في حميم الحمى ما شاء من أوراقـه الخضر
وقد خـبالي الـجمرَ فـي طيّه لوامـعٌ يـنذرن بالجـمـر
لا تبك إن أنـت بكـيت الهدى إلا عـلى قاصـمة الـظهر
وأبـكِ حسيناً والأولى صرّعوا أمامَـه سطـراً إلى سطـر
ذاقـوا الردى من بعد ما ذوقوا أمثالـه بالبـيض والسـُمر
قـتل وأسر بـأبـي منـكـم مَن نـيل بالقـتل وبالأسـر
فـقل لـقومٍ جـئتهـم دارهم على مـواعيـدٍ مـن النصر
قروكـم لـمّا حلـلتـم بهـا ولا قـرى أوعيــةَ الـغدر
وأطرحوا النهج ولـم يَحلفوا بما لكم في محـكم الـذكـر
واسـتلـبوا إرثكـم منــكم من غـير حـقٍ بـيد القسر
كسرتـم الدين ولـم تعلمـوا وكسرة الـديـن بـلا جـبر
فيالـها مظـلمـةً أو لجـت على رسول الله فـي القبـر
كانـه مـا فـك أعناقـكـم بكـفه مــن ربـقِ الـكفر !
ولا كسـاكـم بـعد أن كنتم بـلا ريـاشٍ حِبـرَ الفخـر
فهو الـذي شاد بأركانــكم من بعـد أن كنـتم بـلا ذكر


(1) العرّ : الجرب .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 288


وهو الـذي أطـلع فـي لـيلكم من بعـد يـأس غـرّة الـفجر
يا عُـصب الله ومـَن حبـهـم مخيّم ما عــشت في صـدري
ومـن أرى «ودهــم» وحـدَه «زادي» إذا وُسـّدتُ فـي قبري
وهـو الـذي أعددتـه جُـنتي وعصمتي فـي سـاعة الـحشر
حتـى إذا لم أكُ فـي نصـرةٍ من أحـدٍ كان بـكم نـصـري
بمـوقف لـيس بـه سـلـعة لـتـاجـر أنفـق مـن بــِرّ
فـي كـل يـوم لكـم سـيدٌ يُهـدى مـع النيب الـى النحر
كم لكم من بعد «شمـرٍ» مرى دمائـكم في الترب مـن شـمر
ويح «ابن سـعدٍ عمـرٍ» إنه بـاع رسـول الله بـالـنـزر
بغى علــيه فـي بني بنته واستلّ فـيهم أنصـل الـمكـر
فهو وإن فـاز بـها عـاجلاً من حطـب الـنار ولا يـدري
متـى أرى حـقّـكم عـائداً إلـيكـم فـي الـسر والـجهر ؟
حتى متى أُلوى بـموعـودكم أمطل من عـام الـى شـهـر ؟
لـولا هـَناتٌ هـنّ يلوينني لبُحـتُ بالمكتـوم مـن سـرّي
ولم أكن أقـنع في نصـركم بـنظـم أبـيـاتٍ مـن الشـعر
فـإن تجـلت غـمـم ركـّدٌ تركـنني وعـراً عـلى وعـَر
رأيـتمـونـي والـقنا شرّعٌ أبـذل فيهـنّ لـكـم نـحـري
على مطا طِرفٍ خفيف الشوى كأنـه الـقـِدح مـن الـضـُمرِ(1)
تخالـه قـد قـدّ من صـخرةٍ أو جيبَ إذ جـيـبَ من الحضر(2)
أعطيكم نفسـي ولا أرتـضي في نصركـم بالبـذل لـلوفـر
وإن يدم مـا نـحن في أسـره فـالله أولـى فيــه بالـعـذر


(1) المطا : الظهر ، والطرف «بكسر الطاء» : الجواد من الخيل ، والشوى : الاطراف والقدح : السهم ، والضمر : الهزال .
(2) جيب وقدّ بمعنى واحد أي : قطع ، ومنه قوله تعالى «وثمود الذين جابوا الصخر بالواد» والحضر : الحجارة .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 289


وقال في يوم عاشوراء من «سنة 430» .
يا خلـيلـي ومعـينـي كـلما رمـت النـُهوضا
داوِ دائـي أو فعـدنـي مــع عوّادي مريـضا
فـقبيـح بـك أن تـَر فـضَ من لـيس رفوضا
قد أتـى من يوم عاشو راء ما كـان بغـيضـا
دَع نشيـجي فـيه يعلو ودمـوعـي أن تفـيضا
وبناني قـد خضبن الـ ـدم من سني عضيـضا
وكـن الناهـض للـحر بِ متى كـنت نهوضـا
وأجـعل الجـيب لدمع من مآقـيــك مغيـصا
إنـه يـوم سـقـيـنا من نـواحـيه مضيـضا
هزل الدين ومـن فيـ ـه وقـد كـان نحـيضا
ورمـت مـجهضة من كان في البـطن جهيـضا
ودع الأطراب وأسمـع من مراثيه «الـقـريضا»
لا تـرد فيـه وقـد أد نسنا ثوبـاً رحــيـضا
قل لـقـوم لم يزالـوا في الجـهالات ربـوضا
غرّهـم أنـهـم سـا دوا ومـا شادوا بعـوضا
في غدٍ بالـرغم منـكم سـتردّون الـقـروضـا
سـوف تلـقون بـناءً لـكـم طـال نقـيضـا
والذي يحـلو بـأفـوا هـكـم الـيوم حمـيضا
وقـبابـاً أنـتـم فيـ ـها وهـاداً وحـضيضا
واراهـا عـن قـريبٍ كالدبـى سـوداً وبيضا
وترى للبـيض والبيـ ـض علـيهن وميـضا
وعلى أكـتادهـا كـل فتىً يلـفى جـريـضا(1)


(1) الاكتاد : الظهور ، والجريض : المغموم .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 290


فبهـم يـطـمع طـرف كـان بـالامـس غضـيضا
وبهـم يـبرأ مـن كـا ن ـ وقد ضيموا ـ المريضا
وبهـم يرقـد طــرف لم يكـن وجـداً غــموضا
لأبـاةٍ دمـهـم ســـا لَ عـلى الأرض غـريـضا
رفـع الرأس على عـا لي القـنا يـحكي الـوميضا
وأنثنى الجسم الجرد الـ ـخيل بالعَــدوِ رضيضـا
حاش لي أن أن أتخـلى مـنهـم أو أســتـعيـضا
فسـقـى الله قـبـوراً لــهم العذب الغـضيـضا
وأبـت إلا ثرى الأخـ ـضـر والروض الأريضا
وإليـهـنّ يشـدّ الـ ـقوم هاتيك الـغـروضـا
مانحـوهـنّ لنــدب إنمـا قـضـوا فـروضـا
وحَـيوهـنّ استلامـاً يتـرك الأفـواه فـوضـى
وقال يذكر بني أمية ويرثي جده الحسين عليه السلام (وقد سقط أولها) :
كـأنّ معـقـري مـهجٍ كـرامٍ هنالك يعقرون بهـا العـباطـا
فقل لنـبـي زيـاد وآل حـرب ومَن خلطـوا بغـدرهم خلاطـا :
دمـاؤكم لـكـم ولـهـم دمـاء ترويها ســيوفـكم البـَلاطـا
كلـوها بعـد غصبكم عليها انـ ـتهابـاً وازدراداً واسـتراطـا
فمـا قـدّمـتـم إلا سـَفاهــاً ولا أُمـرتــم إلا غـلاطــا
ولا كـانت مـن الزمن المُلحّى مراتـبكم بـه إلا سـفـاطــا
أنحو بني رسـول الله فيـكـم تقودون المـسوّمـة السـلاطـا ؟
تثار كما أثـرتَ الـى معــينٍ لتكرع من جـوانبه الغَـطاطـا
وما أبقـَت بهـا الـروحات إلا ظهوراً أو ضلوعاً او مـلاطـا
وفوق ظهورها عُـصَبٌ غضابٌ إذا أرضيتـم زادوا اخـتلاطـا


أدب الطف ـ الجزء الثاني 291


وكل مـرفـّع في الجو طاطٍ ترى أبداً على كـنفيه طـاطـا(1)
إذا شـهد الكريـهة لا يـبالي أشـاط على الصوارم أم أشاطـا
وما مـد الـقنا إلا وخـيلـت علـى آذان خـيلهـم قِـراطـا
وكم نِـعَم لـجدّهـم عـليكم لقينَ بكـم جحـوداً أو غـماطا
هُم أتكـوا مرافقكم وأعـطوا جنوبكـم النـمارقَ والنـماطـا
وهم نشـطوكـم من كل ذُل حَللـتم وسـط عَقوتِـه انتشاطا
وهم سدوا مخـارمكم ومـدوا على شـجرات دوحكم اللياطـا
ولولا أنهـم حدبـوا علـيكم لما طُلتـم ولا حزتـم ضغـاطا(2)
فما جازيتـم لـهم جـمـيلاً ولا أمضيـتم لهـم اشــتراطا
وكيف جحدتـم لـهم حقـوقاً تبين عـلى رقـابـكم اختـطاطا ؟
وبين ضلوعكـم منهـم تراتٌ كمرخِ القيظِ أُضرم فــاستشاطا
ووتـر كلما عمـدت يمـيـن لرقعِ خروقـِه زدن انعـطاطـا
فلا نـسـبٌ لكـم أبـداً اليهم وهل قربى لـمن قـطع المناطا ؟
فكم أجرى لـنا عاشـور دمعاً وقطّع من جوانحـنا الـنيـاطا
وكم بـتنـا به والـلـيل داج نُميط من الجوى مـا لن يُماطـا
يُسـقّـينـا تـذكـره سمـاماً ويولجـنا تـوجّـعـه الوراطـا
فلا حديت بكـم أبــداً ركابٌ ولا رُفعت لـكـم أبـدا سـياطا
ولا رفـع الزمـان لكم أديـماً ولا ازددتـم به إلا نحـطـاطـا
ولا عرفـت رءوسكم ارتفاعاً ولا ألِفت قـلوبـكم اغـتبـاطـا
ولا غفر الإلـه لـكـم ذنـوباً ولا جُزتم هنـالِـكم الـصراطـا


(1) الطاط : الشجاع ، والباشق من الطيور .
(2) الضغاط : جمع الضغيطة وهي النبتة الضعيفة .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 292


وقال يذكر مناقب أهل البيت عليهم السلام :
يا آل خير عبـاد الله كـلّـهم «ومَن لهم فوق» أعناق الورى مننُ
كم تُثلمون بأيدي الناس كلـهم وكم تُعرّس فيـكم دهـرها الـمحن(1)
وكم يذودُكـم عن حقـّكم حنقاً مُمَلأ الصدر بالأحـقاد مـُضطـغن
إن الذين نضـوا عنكم تراثكم لم يغبـنوكـم ولـكن دينهم غَبَـنوا
باعوا الجـنان بدارٍ لا بقاء لها ولـيـس لله فيـما بـاعـه ثمـن
احبّكم والـذي صلى الجميع له عند البنـاء الـذي تُـهدى له البُدن
وأرتجيكـم لما بعد الممات إذا وارى عن الناس جَمعاً أعظـم جبن
وإن يـضلّ أناسٌ عن سبيلهم فليس لي غير ما أنـتم بـه سَـنَن
وما أبالي اذا ما كنتم وضحاً لناظريّ ، أضـاء الخـلق ام دجنوا
وأنتم يوم أرمي ساعدي ويدي وأنتم يوم يرميـني العِـدا الـجَنن

وقال في التوسل الى الله تعالى بأهل البيت صلوات الله عليهم :
أقـلني ربـي بالـذيـن أصـطفيتهم وقلتَ «لنا» : هـم خـيرُ من أنا خالقُ
وإن كنت قد قصرتُ سعياً إلـى التقى فإني بهم «إن» شـئتَ عـندك لاحـق
هـم أنـقـذوا لمـّا «فزعتُ» إليهـم وقد صمّمت نحوى «النيوب» العوارق
وهم «جذبوا» ضبعى» إليهم من الأذى وقد طرقت «بابي» الخطوب الطوارق
ولولاهم «مانلتُ» في الديـن «حُظوةً» ولا اتّسَعَت فيـه عـليّ المـضائـق
ولا سيـّرت فـضلي إليها مغـاربٌ ولا طيـّرتــه بـينهـنّ مـشـارق
ولا صيّـرت قـلبي من الناس كلهم لهـا وطناً تـأوي إلـيه الـحقـائـق


(1) تعرس : تقيم من التعريس وهو نزول المسافر للاستراحة .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 293


وقال يفتخر بابائه عليهم السلام :
لو لـم يعـاجلـه الـنوى لتـحيرا وقـصاره وقد انـتأوا أن يـقصرا
أفكلـما راع الـخليـط تـصوبـت عبرات عـين لـم تـقلّ فـتكثرا ؟
قد أوقـدت حـرق «الفراق» صبابة لم تستعـر ومـرين دمعاً ما جرى
«شعـفٌ» يكتمـه الحـياء ولـوعة خفيت وحق لمـثلـها أن يظـهرا
«وأبـى» الركـائب لم يكن «ماعلنه» صبراً ولـكن كـان ذاك تـصبّرا
لبـيـن داعيـة الـنوى فـارينـنا بين القباب البـيض مـوتاً أحمرا
وبـعدن بالـبين المـشتـت سـاعة «فكأنهن» بعـدن عنـا أشـهـرا
عاجـوا على ثـمد البـطاح وحبهم أجرى العيون غـداة بـانوا أبحرا
وتنكـبوا وعرَ الـطريق وخلـفـوا ما في الجوانح من هواهـم أوعرا
أما الـسـلو فـإنـه لا يهــتـدى قصد القـلوب وقـد حشين تذكرا
قد رمـت ذاك فلـم أجـده وحق من فقد السبيل إلـى الـهدى أن يعذرا
أهلاً بطـيف خيـال مانعة «الحـبا» يقظى ومفضلة علينـا فـي الكرى
مـا كـان أنعـمنا بهـا مـن زورة لو باعدت وقت الورود المصـدرا !
جـزعت لوخطـات الـمشيب وإنما بلغ الشبـاب مدى الكمال فنـوّرا
والشـيب إن «فكـرت» فيه مـوردٌ لا بدّ يـورده الـفتى إن عـمّرا
يبـيضّ بـعد سـواده الـشعر الذي لو لم يزره الشيـب واراه الـثرى
زمن الشـبيبة لاعـدتـك تحــيةٌ وسقاك منهمر الحيا ما استـغزرا
فلطالما اضـحـى ردائـي سـاحباً في ظلك الـوافي وعودي اخضرا
أيـام يرمـقـني الـغزال إذا رنـا شعفاً ويطرقـني الخيال إذا سرى
ومرنّحٍ في الكور يحسب أنه اصـ ـطبح العقار وإنما اغتبق السُرى
بـطـل صفـاه للخـداع مـزلـّةٌ فإذا مشى فيـه الزمـاع تغشمرا(1)
«إمـا» سألـت بـه فـلا تسأل به «ناياً» يناغي في البطالة مـزمرا


(1) تغشمر : تنمر .
أدب الطف ـ الجزء الثاني 294


وأسـأل بـه الـجرد العـتاق مغيرةً يخطـبن هـامـاً أو يطأن سنّورا
يحمـلن كـل مدجـجٍ يقـرى الظبا عـلقاً وأنفـاس الـسوافـي عثيرا
قومي الذيـن وقد دجت سبُل الهدى تركوا طريق الديـن فينـا مـقمرا
غلبوا على الـشرف التليد وجاوزوا ذاك الـتليـد تـطـرفاً وتـخيرا
كـم فـيهم من قـسورٍ متـخـمطٍ يردى إذا شاء الهزبـر الـقسـورا
متنمرٍّ والـحرب إن هتـفـت بـه أدّته بسـام المــحـيّا مـسفـرا
ومـلـوّم فـي بـذلـه ولطـالـما أضحى جديراً فـي العلا أن يشكرا
ومرفـع فـوق الـرجــال تخاله يوم الـخطابـة قد تـسنم منـبرا
جمعوا الجمـيل إلى الـجمال وإنما ختموا إلى المرأى الممدّح مخبـرا
سائل بهـم بـدراً وأحـداً والـتي ردّت جبين بني الضـلال معفـّرا
لله درّ فـوارسٍ فـي خـيـبــر حملوا عن الاسلام يــوماً منكـرا
عـصفوا بسلـطان اليهود وأولجوا تلك الجـوانـح لوعـة وتحسـرا
واستلحموا أبطالهم واستخرجوا الـ ـأزلام مـن أيديـهم والمـيسـرا
وبمرحبٍ ألـوى فـتىً ذو جـمرة لا تصطلي وبسالـةٍ «لا تُـعترى»
إن حزّ حزّ مـطبـقاً أو قـال قـا ل مصـدّقاً أو رام رام «مطـهّرا»
فثناه مـصفــرّ البـنان كــأنما لطخ الحمـامُ عـليه صبغاً أصفرا
«تهفوا» العقاب بشـلوه ولـقد هفت زمـناً به شـم الذوائـب والـذرا
أما الـرسـولُ فـقـد أبـان ولاءَه لو كـان ينفـع «جائراً» أن ينذرا
أمضى مقـالاً لم يقـله مـعرّضـاً وأشاد ذكـراً لم يشـده «مُـغرّرا»
وثنى اليـه رقـابـهـم وأقـامـه علماً على بـاب النـجاة مـشهرا
ولقد شفى «يوم الـغدير» معاشـراً ثلجت نفوسـهم «وأدوى» معشرا
«قلقت» بهـم أحقـادهـم فمرّجـعٌ نـفسـأً ومـانع أنـةٍ أن تجهرا
يا راكباً رقـصــت بـه مهـريةٌ أشبت بساحتـه الهـموم فاصحرا
عج «بالـغـريّ» فـإن فيـه ثاوياً جبلاً تطأطأ فاطـمأن به«الـثرى»


أدب الطف ـ الجزء الثاني 295


واقرا السلام عليه من كلفٍ به كشفت له حجاب الصباح فأبصرا
فلو استطعت جعلت دار إقامتي تلك القبـور الزُهر حتـى أقبرا

ومن روائعه قوله :
ومن السعادة أن تموت وقد مضى من قـبلك الحـُسـاد والأعـداء
فـبقاءُ مـَن حـُرِمَ الـمراد فناؤه وفنـاء من بلـغ المـراد بقـاء
والناس مخـتلفون فـي أحوالـهم وهـم إذا جاء الـردّى أكـفـاء
وطلاب ما تـفنى وتـتركه عـلى من لـيس يشكر ما صنعت عناء

وقوله :
أحب ثرى نـجد ونـجد بعـيدة ألا حبذا نجد وإن لم تفد قربا
يقولون نجد لست من شعب أهلها وقد صدقوا لكنني منـهم حُبّا
كأني وقد فـارقت نـجداً شقاوة فتى ضل عنه قلبه ينشد القلبا

وقوله في اخرى :
ولقـد زادنـي عـشية جمـع مـنكـم زائـر علـى الآكـام
بات أشهى الى الجفون وأحلى في منامي غبّ السرى من منامي
كـدتُ لـما حللتُ بين تراقيه حـرامـاً أحـل مـن إحرامي
وسقاني مـن ريقـه فسقـاني مـن زلال مصـفق بــمـدام
صدّ عني بالنزر إذ أنا يقظان وأعطـى كثـيـره فـي المنـام
والتقينا كما اشتهينا ولا عيب ســوى أن ذاك فـي الأحـلام
واذا كـانت الـملاقـاة ليلاً فالـلـيالي خيــرٌ مـن الأيـام

ومن قوله في قصيدة طويلة :
أترى يؤب لنا الأبيرق والمنى للمرء شغل
طـلل لَعـزة لا يزال على ثراه دم يُطلّ


أدب الطف ـ الجزء الثاني 296


فتـلوا ومـا قـتلوا وعند هــم لنـا قَـودٌ وعقـل
قل للذين علـى مواعدهم لنـا خُــلـفٌ ومـطـل
كم ضامني مـن لا أضيم وملّـنــي مَـن لا أمـَلّ
يـا عـاذلاً لعـتـابــه كَلّ علــى سمعي وثِقـل
ان كـنت تـأمر بالسـلو فقل لقـلبي كـيف يسلـو
قلبي رهــين في الهوى ان كـان قــلبك منه يخلو
ولقد علمـتُ على الهوى أنّ الـهـوى سقــمٌ وذلٌ
وتعجبتُ جَـملٌ لشـيب مفارقـي وتـشـيبُ جمل
ورأت بياضـاً في سـواد ما رأتـه هـنـاك قَـبـل
كذُبالة رفـعـت عـلـى الهضبات السـارين ضلّوا
لا تنكريـه ـ ويب غيرك فـهو للـجُـهـلاء غـُلّ(1)

وله قدس الله سره :
مـولاي يـا بـدر كل داجية خذ بيدي قد وقعت في اللجج
حسنك ما تنـقضي عجائبـه كالبحر حدّث عنه بلا حرج
بحق من خط عارضيك ومَن سلّط سلطانهـا عـلى المهج
مدّ يديك الكريـمـتين مـعاً ثم ادع لي من هواك بالفرج

وقوله :
ولما تفرقنا كما شاءت النوى تبيّن ودّ خالصٌ وتـوددُ
كأني وقد سار الخليط عشيةً أخو جنّةٍ مما أقوم وأقعد

وله من قصيدة :
الا يا نسيم الريح من أرض بابل تحمّل الى أهل الخيام سلامي
وقل لحبيب فيـك بعـض نسيمه أما آن تسطيع رجـع كلامي



(1) ويب : كلمة ويل زنة ومعنى . والغل بالضم : طوق من حديد يجعل في اليد .

السابق السابق الفهرس التالي التالي