المجالس السنية ـ الجزء الاول 1


المجالس السنية

في

مناقب ومصائب العترة النبوية


تأليف
المجتهد الاكبر

السيد محسن الامين


رضوان الله عليه

الجزء الاول

الطبعة الخامسة


1394هـ _ 1974م


المجالس السنية ـ الجزء الاول 2




المجالس السنية ـ الجزء الاول 3

مقدمة الطبعة الجديدة

هذا كتاب (المجالس السنية) بحلته الجديدة تخرجه دار التعارف تعميماً لفائدته ونشراً لدعوته .
وهذا الكتاب قصد مؤلفه اول ما قصد من تأليفه ان يكون دليلاً للخطباء ، ومستنداً للذاكرين ، يعتمدون عليه في تنقية ما يلقون ويذكرون من سيرة الحسين عليه السلام . وقد ادى رسالته طوال الخمسين السنة التي مرت حتى الآن على تأليفه ونشره لأول مرة .
ولما كان لا بد له من مسايرة الزمن في حياته الطويلة ليستطيع الاستمرار في اداء مهمته مواكباً العصور كلها لذلك رأينا ونحن نعده للطبع ان نزيد عليه مجالس جديدة تزيده اشراقاً على اشراق وقد حرصنا على ان نشير الى اصحاب الاقلام التي كتبت تلك المجالس ليكون المطالع على بينة من ذلك .
سائلين لدار التعارف الناهضة بهذه المهمة التوفيق والنجاح .

المجالس السنية ـ الجزء الاول 4

السيد محسن الامين

يصعب الالمام بكل جانب من جوانب حياة المجتهد الاكبر السيد محسن الامين الماماً كاملا لغير المتخصصين المتفرغين لمثل هذه الدراسات العميقة الواسعة .
فحياة السيد محسن الامين حياة زاخرة بأخصب ما تزخر به حياة الرجال ، حافلة بأطيب ما تحفل به حياة المصلحين قادة الامم ورعاة الشعوب .
وحين تقبل على دراسة سيرة السيد محسن تحار من اي جانب من جوانبها يمكن ان تقبل على تلك السيرة الفريدة ! . .
فبينما هو امامك إمام في الدين ، مجتهد في رأس المجتهدين ، عليه ان يتفرغ للجواب على الاستفتاءات وحل المشكلات وفض الخصومات . اذا امامك قائد شعبي يجعل من الدين طريقاً للاصلاح وثورة على الجمود ونقمة على البدع ، يصادم الجماهير بغير ما تعتقد ، ويواجه الجموع بغير ما ترى ، فيتخذ الخرافيون او المستغلون هذه المصادمة وهذه المواجهة وسيلة لاثارة الناس محاولين الفت في عضد المنادي بالاصلاح وترويع الثائر على البدع ، فما يزداد إلا صموداً وثورة وشجاعة ! . .
وكان كتاب (المجالس السنية) احدى محاولاته الاصلاحية ، لشدة ارتباط استشهاد الحسين عليه السلام بحياة الشعب ، ولتأثير ما يلقى في الاحتفالات التذكارية الحسينية في نفوس الناس .
وقد اراد ان تكون تلك الاحتفالات بعيدة عن الشوائب ، فنظم لها عدة مجالس ضمنها كتابه هذا ، بعد ان قدم له بمقدمة تبين نهجه واسلوبه وغايته .
لقد عاش السيد محسن حياة زاخرة بالعمل حافلة بالصلاح والاصلاح . ثم توفاه الله فظل حياً بآثاره وكتبه ومبادئه .
وهكذا تكون حياة المصلحين ، وهكذا يخلدون ابد الدهر .
محمد علي صندوق


المجالس السنية ـ الجزء الاول 5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي فضل المجاهدين على القاعدين درجات ، ورفع منازل الشهداء في أعالي الجنات ، وجعل الذين قتلوا في سبيله احياءً عند ربهم يرزقون غير اموات ، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف البريات ، وأفضل المخلوقات ، وعلى آله الأئمة الهداة ، الذين ابتلوا بأعظم البليات ، وافجع الرزايا والمصيبات .
(وبعد) فيقول العبد المفتقر إلى عفو ربه الغني محسن ابن المرحوم السيد عبد الكريم الامين الحسيني العاملي نزيل دمشق الشام عفا الله عن سيئاته : هذا كتاب (المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية) وهو خمسة اجزاء : اربعة منها في ذكر مصيبة الحسين (ع) التي هي اعظم مصائب أهل البيت عليهم السلام . والجزء الاول من الاربعة وهو هذا الجزء في تاريخ مولده ومقتله وقدر عمره ومدة خلافته وكنيته ولقبه ونقش خاتمه وعدد اولاده وصفته ونبذ في مناقبه وسيرته وخطبه ونظم الشعر في رثائه وزيارته ، وما جرى له بعد موت معاوية وكيفية شهادته وما جرى بعد قتله الى رجوع اهل بيته إلى المدينة وما يتعلق بذلك .
والجزء الثاني والثالث والرابع في جملة من مناقب اهل البيت عليهم السلام وجملة من الغزوات والمواعظ والآداب واخبار السلف المستحسنة ، وغير ذلك مما فيه فوائد نافعة للمستمع مع التخلص الى ذكر المصيبة على الطريقة المألوفة بأنسب وجه واجمل طريق ناقلا ذلك من الكتب المعتمدة المشهورة لمؤرخي الاسلام .
والجزء الخامس فيما يتعلق بأحوال النبي (ع) والزهراء والأئمة (ع) ومناقبهم على ابسط وجه واحسن ترتيب .
والله المسؤول ان يكون عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم مقبولاً عنده تعالى وعند نبيه وعترته الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين .

المجالس السنية ـ الجزء الاول 6

مقدمة مهمة

لا يخفى انه قد قضى العقل والدين باحترام عظماء الرجل احياءً وأمواتاً وتجديد الذكرى لمن بذل نفسه في اسمى المقاصد وأنفع الغايات وجرت على ذلك جميع الأمم في كل عصر وزمان وان سيدنا ومولانا الإمام ابن الامام أخا الإمام أبا الأئمة الحسين الشهيد ابن امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أحد ريحانتي الرسول (ص) وسبطيه وخليفته في امته من اعاظم رجال الاسلام بل من اعاظم رجال الكون فقد جمع إلى شريف نسبه وكريم عنصره وبنوته لسيد الانبياء ولسيد الاوصياء وللبضعة الزهراء سيدة النساء صلوات الله عليهم اكرم الصفات وأحسن الاخلاق وأعظم الافعال وأجل الفضائل والمناقب وقام بما لم يسمع بمثله قبله ولا بعده من بذل نفسه وماله وآله في سبيل أحياء الدين واظهار فضائح المنافقين واظهر من إباء الضيم وعزة النفس والشجاعة والبسالة والصبر والثبات ما بهر العقول . ومصيبته وكيفية شهادته من أفظع ما صدر في الكون مع انه ابن بنت النبي (ص) الذي لم يكن على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره وقد حزن النبي (ص) لتلك المصيبة قبل وقوعها وكذلك آله الأئمة الأطهار عليهم السلام كانت سيرتهم تجديد الاحزان لذكرى تلك الفاجعة الاليمة حتى قال الرضا «ع» : كان ابي اذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام منه فأذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وقد ندبوا «ع» إلى ما ندب إليه العقل في حق كل محب مع حبيبه من الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم واقتدى بهم في ذلك شيعتهم وأولياؤهم فجددوا ذكرى مصيبة الحسين «ع» وكيفية شهادته التي تكاد ان تفتت الصخور فضلاً عن الاكباد والقلوب لا سيما في عشرة المحرم التي وقعت فيها تلك المصائب الفادحة .
هذا ولكن كثيراً من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب

المجالس السنية ـ الجزء الاول 7

وغيرها لم يذكرها مؤرخ ولا مؤلف ومسخوا بعض الاحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الاخبار وسقمها حتى حفظت على الالسن واودعت في المجاميع واشتهرت بين الناس ولا رادع وهي من الاكاذيب التي تغضبهم «ع» وتفتح باب القدح للقادح فأنهم لا يرضون بالكذب الذي لا يرضي الله ورسوله «ص» وقد قالوا لشيعتهم كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا . وقد اكتسبوا هم ومن قبلها منهم واقرهم عليها الاثم المبين فان الله لا يطاع من حيث يعصى ولا يتقبل الله الا من المتقين والكذب من كبائر الذنوب الموبقة لا سيما إن كان على النبي «ص» واهل بيته الطاهرين .
كما ان ما يفعله جملة من الناس من جرح انفسهم بالسيوف او اللطم المؤدي الى إيذاء البدن إنما هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الاعمال فذلك مما يغضب الحسين «ع» ويبعد عنه لا مما يقرب اليه فهو «ع» قد قتل في سبيل الاحياء لدين جده «ص» وهذه الاعمال مما نهى عنها دين جده فكيف يرضى بها وتكون مقربة اليه تعالى والله تعالى لا يطاع من حيث يعصى كما ذكرنا آنفاً . وانتحال بعض الجهال عذراً لذلك بما ينقلونه من ان احدى الطاهرات نطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رئي الدم يجري من تحت قناعها هو من هذا البحر وعلى هذه القافية الذين مرت الاشارة اليهما وهكذا ما يجري من التمثيل والتشبيه للوقعة فأن في نفسه مشتمل على كثير من المحرمات وموجب لهتك الحرمة وفتح باب القدح للذين يحاولونه بما استطاعوا فيكون منهياً عنه بقوله «ع» : ولا تكونوا شيناً علينا . نعم التمثيل الخالي عن المحرمات والشائنات لا بأس به ولكن اين هو ؟ ! .
فعلى من يريد التقرب الى الله تعالى ونبيه «ص» وأوليائه بالبكاء والحزن لمصاب الحسين «ع» ان لا يتعدى ما رسمه الرضا نقلا عن ابيه عليهما السلام مما مر وإلا كان من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً .

المجالس السنية ـ الجزء الاول 8

مقتل سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام

ذكر مولده ومقتله وقدر عمره ومدة خلافته وكنيته ولقبه ونقش خاتمه وعدد اولاده وصفته ونظم الشعر في رثائه وجملة من مناقبه وما جرى له بعد موت معاوية وتفصيل شهادته وما جرى بعد قتله الى رجوع اهل بيته الى المدينة وما يتعلق بذلك وفيه مجالس :
المجلس الاول

ولد الحسين بن علي عليهما السلام بالمدينة المنورة عام الخندق في شعبان يوم الخميس او الثلاثاء لخمس او ثلاث خلون منه وقيل في آخر ربيع الاول وقيل لخمس خلون من جمادى الاولى سنة ثلاث او اربع من الهجرة . حملت به امه الزهراء صلوات الله عليها بعد ولادة اخيه الحسن بخمسين ليلة فلم يكن بينهما سوى هذه المدة ومدة الحمل .
(وروى) مولانا الإمام جعفر بن محمد الصادق عن ابيه عليهما السلام انه لم يكن بينهما الا طهر واحد . وكانت مدة حمله ستة أشهر . فلما ولد جاءت به امه فاطمة عليها السلام الى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستبشر به واذن في أذنه اليمنى واقام في اليسرى وعق عنه كبشا يوم السابع وسماه حسيناً وامر امه ان تحلق رأسه وتتصدق بزنة شعره فضة كما فعلت بأخيه الحسن فامتثلت ما أمرها به .
وقتل «ع» شهيداً بكربلاء من ارض العراق يوم الجمعة أو السبت أو الاثنين عاشر المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة ، وعمره الشريف خمس وخمسون أو ست وخمسون سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام و سبعة ايام او أكثر من ذلك

المجالس السنية ـ الجزء الاول 9

باشهر وايام على اختلاف الروايات والاقوال المتقدمة (1) عاش منها مع جده رسول الله (ص) ست سنين أو سبع سنين وشهوراً ، ومع أبيه امير المؤمنين «ع» بعد وفاة رسول الله (ص) ثلاثين سنة إلا أشهراً ، ومع اخيه الحسن بعد وفاة ابيه نحو عشر سنين ، وبعد وفاة أخيه الحسن نحو عشر سنين (وقيل) خمس سنين وأشهراً للاختلاف في تاريخ وفاة الحسن «ع» وهي مدة خلافته وإمامته الثابتة بقوله «ص» له ولأخيه الحسن إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا ، ودلت وصية أخيه الحسن اليه على إمامته كما دلت وصية أمير المؤمنين «ع» الى الحسن على إمامته بحسب ما دلت وصية رسول الله «ص» الى امير المؤمنين«ع» على امامته. وكان الحسين «ع» في هذه المدة صابراً الهدنة التي بينه وبين معاوية فالتزم الوفاء بها فلما مات معاوية أظهر أمره بحسب الامكان ولما وجد انصاراً دعا الى الجهاد وتوجه بولده وأهل بيته من حرم الله وحرم رسول الله «ص» الى العراق استنصاراً بمن دعاه ، وقدم أمامه ابن عمه مسلم بن عقيل رضي الله عنه وأرضاه الدعوة الى الله والبيعة على الجهاد فبايعه من بايعه على ذلك وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة ، ثم نكث من نكث وخذلوه وأسلموه فقتل بينهم ولم ينصروه وخرجوا الى حرب الحسين «ع» فحاصروه ومنعوه المسير الى بلاد الله واضطروه الى حيث لا يجد ناصراً ولا ملجأ منهم وحالوا بينه وبين ماء الفرات وقتلوه فمضى عليه السلام ظمآن مجاهداً صابراً محتسباً مظلوماً قد نكثت بيعته واستحلت حرمته ، ولم يوف له بعهده ولا رعيت فيه ذمة شهيدا على ما مضى

(1) قيل ان عمره الشريف سبع وخمسون سنة وكأنه مبني على نوع من التسامح بعد السنة الناقصة سنة كاملة ومن الغريب قول المفيد عليه الرحمة ان عمره الشريف ثمان وخمسون سنة مع ذكره ان مولده لخمس خلون من شعبان سنة اربع من الهجرة وشهادته عاشر المحرم سنة احدى وستين فأن عمره من هذا يكون ستا وخمسين سنة وخمسة اشهر وخمسة ايام .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الاول 10

عليه أبوه وأخوه .
ميت تبكي له فاطمة وأبوها وعلي ذو العلى

(وكنيته) ابو عبد الله «ولقبه» الرشيد والطيب والوفي والسيد والزكي والمبارك والتابع لمرضاة الله والدليل على ذات الله والسبط . «وشاعره» يحيى بن الحكم وجماعة «وبوابه» اسعد الهجري «ونقش خاتمه» لكل اجل كتاب كتب «ملوك عصره» معاوية وابنه يزيد . له من الاولاد تسعة ، ستة ذكور وثلاث بنات فالذكور : علي الاكبر وعلي الاوسط وعلي الأصغر ومحمد وعبد الله وجعفر ، والبنات زينب وسكينة وفاطمة «وقال المفيد» له اربعة ذكور وابنتان باسقاط احد العليين ومحمد وزينب واختلف في علي الاكبر فالمشهور انه المقتول بكربلاء وامه ليلى بنت ابي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية «وقال المفيد» ان الاكبر هو زين العابدين وامه شاهزنان بنت كسرى يزدجرد ، والاصغر جاءه سهم بكربلاء فقتله ، وجعفر امه قضاعية توفي في حياة أبيه ولم يعقب ، وعبد الله الرضيع جاءه سهم وهو في حجر ابيه فذبحه وامه وام سكينة الرباب بنت امرئ القيس بن عدي كلبية معدية ، وفاطمة امها ام اسحق بنت طلحة بن عبد الله تيمية . والذكر المخلد والثناء المؤبد من بين بنيه لعلي زين العابدين ومنه عقبة :
ذرية مثل ماء المزن قد طهروا وطيبوا فصفت اوصاف ذاتهم

المجلس الثاني

قالت ام الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب واسمها لبابة : يا رسول الله رايت في منامي كأن عضواً من اعضائك سقط في بيتي ، قال خيراً رأيت ان صدقت رؤياك فان فاطمة ستلد غلاماً فأدفعه اليك لترضعيه ، فولدت فاطمة الحسين «ع» فكفلته

المجالس السنية ـ الجزء الاول 11

ام الفضل ، وقيل كانت ام الفضل مربية للحسين «ع» ولم ترضعه كما ان ام عبد الله ابن يقطر كانت حاضنة للحسين «ع» . قالت ام الفضل : فأتيت به يوماً الى رسول الله «ص» فبينا هو يقبله إذ بال فقطرت منه قطرة على ثوب النبي «ص» فقال خذيه فأخذته وقرصته قرصة بكى منها ، فقال كالمغضب مهلاً يا ام الفضل آذيتني وأبكيت إبني فهذا ثوبي يغسل «وفي رواية» لقد اوجع قلبي ما فعلت به .
«الله اكبر» إذا كان قد بلغ حب النبي (ص) للحسين ورأفته به ان تكون قرصة أم الفضل له تؤذي النبي (ص) وتوجع قلبه فإلى أي حد بلغ الأذى بالنبي (ص) حين كانت السيوف والرماح والسهام تقع في بدن ولده الحسين «ع» حتى اثخن بالجراح وصارت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ وهل يلام من بكى على الحسين «ع» وتألم لقتله وواسى رسول الله (ص) في الحزن والبكاء وهل يتوقف مسلم في استحقاق قتله الحسين عليه السلام للّعنة ومن أمر بذلك او أعان عليه بعد قوله تعالى «إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهينا» .
يا رسـول الله لـو عاينتهم وهم مـا بين قتل وسـبا
من رميض يمنع الظل ومن عاطش يسقى أنابيب القنا
لرأت عـيناك منهم منظراً للحشى شجواً وللعين قذا

المجلس الثالث

في كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي الشافعي عن علي عليه السلام قال زارنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبات عندنا والحسن والحسين نائمان واستسقى الحسن فقام النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم واخذ قربة لبناً فصب منها في القدح ثم جعل يسقيه فتناول الحسين فمنعه وبدأ بالحسن فقالت فاطمة يا رسول الله كأنه أحب اليك قال انما استسقى اولاً ثم قال رسول الله

المجالس السنية ـ الجزء الاول 12

صلى الله عليه (وآله) وسلم اني واياك وهذان وهذا الراقد يعني علياً يوم القيامة في مكان واحد . لم يدع النبي (ص) فاطمة عليها السلام ان تسقي الحسن لما استسقى بل قام وسقاه بنفسه ثم سقى الحسين وذلك لأن الحسن طلب أولاً والماء لمن طلب اولاً بذلك ظهرمقدار كرامة الحسنين عند النبي (ص) حتى انه لم يدع أمهما تسقيهما حتى سقاهما بنفسه . فليتك يا رسول الله حضرت يوم كربلاء ورأيت ولدك الحسين وقد اشتد به العطش عندما منعه جيش بني أمية من الماء وحالوا بينه وبين ماء الفرات وجعل يطلب شربة من الماء فلا يجد وكلما حمل بفرسه على الفرات ليشرب حملوا عليه حتى أجلوه عنه فكنت تسقيه الماء كما سقيته في بيت أمه بنفسك ولم تدع امه تنوب عنك في ذلك . قال السمهودي وعن علي قال : زارنا رسول الله (ص) فعملنا له خزيرة (وهي لحم يقطع صغاراً ويصب عليه ماء كثير فاذا نضج ذر عليه الدقيق) وأهدت لنا أم ايمن قعباً من لبن وصحفة من تمر فأكل رسول الله (ص) وأكلنا معه ثم وضأت رسول الله (ص) ـ أي غسلت يديه ـ فمسح رأسه وجبهته ولحيته بيده ثم استقبل القبلة فدعا بما شاء الله ثم اكب الى الأرض بدموع غزيرة يفعل ذلك ثلاث مرات فتهيبنا رسول الله (ص) ان نسأله فوثب الحسين على ظهر رسول الله (ص) وبكى فقال له رسول الله (ص) بأبي وأمي ما يبكيك قال يا أبت رأيتك تصنع شيئاً ما رأيتك تصنع مثله ، فقال رسول الله (ص) يا بني سررت بكم اليوم سروراً لم أسر بكم مثله قط وان حبيبي جبرائيل «ع» أتاني وأخبرني انكم قتلى وان مصارعكم شق فأحزنني ذلك ودعوت الله لكم بالخيرة . نعم يا رسول الله ان آلك وذريتك قتلى بعض بالسم وبعض بالسيف وقبورهم شق فأخوك وابن عمك علي قتلوه وهو يصلي في محرابه فكان قبره بظهر الكوفة ، وولداك الحسنان اللذان فديتهما بأبيك وأمك قتل أحدهما وهو الحسن بالسم الذي دس اليه وقطع كبده فكان قبره بالبقيع ، وأخوه الحسين قتل بضرب السيوف وطعن الرماح ورمى السهام من جيش يزيد بن معاوية فكان قبره بكربلاء :
بعض بطيبة مدفون وبعضهم بكربلاء وبعض بالغريين


المجالس السنية ـ الجزء الاول 13

جاشت على آله ما ارتاح واحدهم من قهر اعداه حتى مـات مقهورا
قضى أخوه خضيب الرأس وأبنته غضبى وسبطاه مسموماً ومنحوراً

المجلس الرابع

مما جاء في صفة الحسين عليه السلام انه كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقال أنس بن مالك لما رأى الحسين عليه السلام بين يدي ابن زياد : كان أشبههم برسول الله . وعن علي عليه السلام كان الحسن أشبه برسول الله (ص) ما بين الصدر الى الرأس والحسين أشبه به فيما كان أسفل من ذلك . وكانت الزهراء عليها السلام ترقص الحسن «ع» وتقول :
إشبه أباك يا حسن واخلع عن الحق الرسن
واعبد إلهاً ذا منن ولا تــوال ذا الاحـن

وقالت للحسين «ع» :
انت شبيه بأبي لست شبيها بعلي

وكان الحسين «ع» يخضب بالحناء والكتم وقتل صلوات الله عليه وقد نصل الخضاب من عارضيه .
وأقوى دليل وأوضح برهان على كمال فضل الحسنين عليهما السلام وعلو مقامهما وإمامتهما للمسلمين ان النبي (ص) باهل بهما وهما صبيان كما دل عليه قوله تعالى في آية المباهلة «وقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم» وبايع لهما النبي (ص) وهما صبيان لم يبايع صبياً غيرهما وأوجب لهما الجنة على عملهما وهما طفلان بقوله تعالى في سورة هل أتى «فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا» . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحسنين عليهما السلام هما ريحانتاي من الدنيا . وقال (ص) الحسن

المجالس السنية ـ الجزء الاول 14

والحسين سيدا شباب أهل الجنة . وقال (ص) فيهما هذان ابناي فمن أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني . وقال (ص) فيهما : اللهم إني أحبهما فأحبهما . وقال (ص) إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا ، وكان النبي (ص) يصلي فاذا سجد وثب الحسنان عليهما السلام على ظهره فاذا أرادوا ان يمنعوهما أشار إليهم ان دعوهما ، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال من احبني فليحب هذين وكان (ص) يجثو الحسنين عليهما السلام فيركبان على ظهره ويقول نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما . وحملهما (ص) مرة على عاتقه ، فقال رجل نعم الفرس لكما ، فقال (ص) ونعم الفارسان هما . (وحج) الحسنان عليهم السلام ماشيين ، فلم يمرا برجل راكب إلا نزل يمشي ، فقال بعضهم لسعد بن ابي وقاص قد ثقل علينا المشي ولا نستحسن ان نركب وهذان السيدان يمشيان ، فرغب اليهما سعد في ان يركبا ، فقال الحسن عليه السلام لا نركب ، قد جعلنا على انفسنا المشي الى بيت الله الحرام على اقدامنا ولكننا نتنكب عن الطريق ، فأخذا جانباً من الناس . وكان ابن عباس مع علمه وجلالة قدره يمسك بركاب الحسنين عليهما السلام حتى يركبا ويقول هما إبنا رسول الله (ص) . وسمع النبي (ص) بكاءهما وهو على المنبر فقام فزعاً . وكان (ص) يخطب على المنبر فجاء الحسنان عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل (ص) من المنبر فحملها ووضعهما بين يديه ، ثم قال : انما اموالكم واولادكم فتنه . فاذا كان بكاء الحسنين عليهما السلام وهما طفلان صغيران وعثورهما في ثوبيهما أزعج النبي (ص) كل هذا الازعاج حتى نزل عن المنبر فزعاً مدهوشاً وحملهما ووضعهما بين يديه فما كان يجري على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو رأى ولده الحسن يلفظ كبده قطعاً من السم الذي دس اليه ، وما كان يجرى عليه لو رأى ولده الحسين «ع» وهو وحيد فريد لا ناصر له ولا معين يستغيث فلا يغاث ويطلب شربه من الماء فلا يجاب ، وقد أحاط به ثلاثون ألفاً يرمونه بالسهام ويطعنونه بالرماح ويضربونه بالسيوف ويرشقونه بالحجارة ، حتى اثخن

المجالس السنية ـ الجزء الاول 15

بالجراح وصارت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ حتى ذبحوه كما يذبح الكبش ونساؤه وعياله تنظر اليه أما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي ويجزع ويتفطر قلبه ويتصدع .
يا رسـول الله لو عاينتهم وهـم ما بيـن قتل وسبا
لرأت عيناك منهم منظراً الحشى شجواً والعين قذا

المجلس الخامس

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان الله تعالى جعل ذرية كل نبي من صلبه خاصة ، وجعل ذريتي من صلب علي بن ابي طالب .
وقال الحسين (ع) لاصحاب ابن زياد يوم الطف : ما لكم تناصرون علي أما والله لئن قتلتموني لتقتلن حجة الله عليكم لا والله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي احتج به عليكم غيري .
وأجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن (ع) على فخذه اليمنى والحسين (ع) على فخذه اليسرى ، وأجلس علياً وفاطمة عليهما السلام بين يديه ثم لف عليهما كساءه او ثوبه ثم قرأ «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» ثم قال هؤلاء اهل بيتي حقاً . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم . ونظر صلى الله عليه وآله وسلم الى الحسن والحسين عليهما السلام فقال من أحب هذين واباهما وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم حسين مني وأنا من حسين احب الله من أحب حسيناً . وقال صلى الله عليه وآله وسلم من احب ان ينظر الى احب اهل الأرض الى اهل السماء فلينظر الى الحسين (ع) . وكان صلى الله عليه وآله وسلم يخطب

المجالس السنية ـ الجزء الاول 16

على المنبر اذ خرج الحسين (ع) فوطئ في ثوبه فسقط فبكى فنزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المنبر فضمه اليه ، وقال قاتل الله الشيطان ان الولد لفتنة والذي نفسي بيده ما دريت انني نزلت عن منبري . ومر صلى الله عليه وآله وسلم من بيت فاطمة عليها السلام فسمع الحسين (ع) يبكي ، فقال ألم تعلمي ان بكاءه يؤذيني .
إذا كان بكاء الحسين عليه السلام وهو طفل صغير يؤذي النبي (ص) ، فما كان يجري على النبي (ص) لو نظر الى ولده الحسين (ع) وهو ينادي هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله هل من موحد يخاف الله فينا هل من مغيث يرجو الله في اغاثتنا هل من معين يرجو ما عند الله في اعاتننا ، فلا يجاب الا بضرب السيوف وطعن الرماح ورمي السهام وهو في ذلك يطلب شربة من الماء فلا يجد ، وكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه حتى أجلوه عنه .
منعوه شرب الماء لا شربوا غداً من كف والده البطين الانزع

المجلس السادس

قال المدائني : خرج الحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن جعفر رضي الله عنه حجاجاً ففاتتهم اثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا هل من شراب قالت نعم فاناخوا بها وليس لها الا شويهة في كسر الخيمة فقالت اجلسوا وامتذقوا لبنها ففعلوا ذلك وقالوا لها هل من طعام قالت لا الا هذه الشاة فليذبحها احدكم حتى اهيئ لكم منها ما تأكلون فقام اليها احدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاماً فأكلوا واقاموا حتى ابردوا فلما ارتحلوا قالوا لها نحن من نفر من قريش نريد هذا الوجه فاذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون اليك خيراً ثم ارتحلوا ، واقبل زوجها فاخبرته عن القوم والشاة فغضب وقال ويحك تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم ثم تقولين نفر من قريش

المجالس السنية ـ الجزء الاول 17

ثم بعد مدة ألجأتهما الحاجة الى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر اليها ويبيعانه ويعيشان منه فمرت العجوز في بعض سكك المدينة فاذا الحسن بن علي عليهما السلام على باب داره جالس فعرف العجوز وهي له منكرة فبعث غلامه فردها فقال يا أمة الله أتعرفينني قالت لا ، قال أنا ضيفك يوم كذا وكذا فقالت العجوز بأبي أنت وأمي فأمر الحسن (ع) فاشتري لها من شياة الصدقة الف شاة وأمر لها بألف دينار وبعثها مع غلامه إلى أخيه الحسين (ع) فقال بكم وصلك اخي فقالت بألف دينار والف شاة فأمر لها الحسين (ع) بمثل ذلك ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر فقال بكم وصلك الحسن والحسين فقالت بألفي شاة والفي دينار فأعطاها مثل ذلك (وبنو هاشم) معادن الجود والكرم ومعادن الشجاعة لا يباريهم في ذلك احد ولا عجب من الشيء اذا جاء من معدنه ، وحسبك بكرم الحسنين عليهما السلام وهما سبطا رسول الله (ص) الذي لا يباري كرمه السحاب الهاطل ، وشبلا امير المؤمنين عليه السلام أكرم الناس وأسخاهم بعد رسول الله (ص) وقلما يكون الكريم غير شجاع والشجاع غير كريم وأمير المؤمنين عليه السلام هو الذي قال : «جنونان لا أخلاني الله منهما الشجاعة والكرم» .

وأقتدى به ولده الحسين عليه السلام في كرمه وشجاعته ، فإن هذا الشبل من ذلك الاسد وهذا الثمر من ذلك الشجر ، واعظم كرم صدر منه عليه السلام يوم تلقاه الحر وأصحابه وهم زهاء الف فارس فسقاهم الماء مع خيولهم في تلك الارض القفراء وهم قد جاؤوا لمحاربته ، ولكن بئسما جازاه اعداؤه على ذلك فأنهم وضعوا بأمر عمر بن سعد خمسة آلاف رجل على المشرعة يمنعون الحسين وأصحابه من استقاء الماء .
منعـوه من مـاء الـفـرات وورده وأبوه ساقي الحـوض يوم جزاء
حتى قضى عطشاً كما اشتهت العدى بأكـف لا صيــد ولا اكفـاء


الفهرس التالي التالي