دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 1




دائرة المعارف الحسينية
ديوان
القـرن الثالث


دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 2




دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 3

دائرة المعارف الحسينية

ديوان
القرن الثالث

30/7/816 ـ 7/8/913 م

محمد صادق محمد
( الكرباسي )

المركز الحسيني للدراسات
لندن ـ المملكة المتحدة


دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 4


الطبعة الأولى
1416 هـ ـ 1996 م


دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 5

بسم الله الرحمن الرحيم(1)

الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى(2) آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيم وآلَ عمرانَ على العالمين ، ذريّة بعضها من بعضٍ واللهُ سميعٌ عليم(3) ، إنّه لقول رسول كريم(4) ، إني لكم رسولٌ أمين(5) ، أبلغكُم رسالات ربّي و(6) لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى(7) وآتِ ذا القُربى حقّه(8) ذلك خيرٌ للذين يُريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون(9) .

صدقَ الله(10) العليّ العظيم (11)


(1) سورة النمل ، آية : 30 .
(2) سورة النمل ، آية : 59 .
(3) سورة آل عمران ، آية : 33 ـ 34 .
(4) سورة الحاقة ، آية : 40 .
(5) سورة الشعراء ، آية : 107 .
(6) سورة الأعراف ، آية : 62 .
(7) سورة الشورى ، آية : 23 .
(8) سورة الأسراء ، آية : 26 .
(9) سورة الروم ، آية : 38 .
(10) سورة آل عمران ، آية : 95 .
(11) سورة البقرة ، آية : 255 .
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 6

قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :

« إن الحسين مصباح هدى
وسفينة نجاة
وإمام خير ويمن
وعز وفخر
وبحر علم وذخر »
(1)

وصدق رسوله الكريم

(1) عيون اخبار الرضا : 2/ 62 .
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 7

مقدمة الناشر

ربما تتملك المرء الدهشة والاستغراب عند علمه بتأليف موسوعة كبرى يفوق أعداد أجزائها الثلاثمائة والخمسين جزءاً ، وربما وصل عدد أجزائها إلى الخمسمئة جزء في شخص واحد مُرفِقاً دهشته واستغرابه بتساؤلات عدة ربما أبرزها تساؤله عن أهمية هذه الشخصية التي أُلِّفت أو وُضِعت من أجلها هذه الموسوعة ، وتساؤله عن محتويات هذه الموسوعة الكبرى .
لكنه سرعان ما يطرح استغرابه ودهشته جانباً عندما يعلم بأن هذه الشخصية ، هي شخصية عظيمة كان لها دور عظيم في تاريخ الإنسانية ، إذ أنها تقدمت للاستشهاد في زمن رديء سيطر فيه الظلم والاستبداد ، تقدمت للاستشهاد من أجل سعادة الإنسان وسلامة مبادئه وعقيدته ، وتحريره من نير الظلم والإضطهاد .
هذه الشخصية العظمى هي شخصية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد رسول الله محرر الإنسان من ظلمات الجهل والتخلف ، وباعث نور العلم والتقدم والإزدهار .
هذه الشخصية العظمى التي ملأت الدنيا وشغلت الناس على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم وألوانهم .
لقد أعطى الإمام الحسين عليه السلام من خلال سيرته في حياته ، ومن خلال حركته في كربلاء ، واستشهاده يوم العاشر من المحرم عام 61هـ مع أصحابه وأهل بيته وسبي نسائه وعياله معانٍ كثيرة ، ودروساً أكثر ، وعبراً لا تعد ولا تحصى ، لعلّ أهمها استشهاد القائد والإمام الرئيس من أجل إحياء مبادئ الدين ، والحفاظ على الأمة ، فهل يكفي كتاب أو اثنان أو حتى عشرة لإبراز كل جوانب هذه الشخصية العظمى ، وإعطاء صورة كاملة عنها ؟
إن ما سعى اليه واضع هذه الموسوعة وما هدف إليه هو بالذات إعطاء

دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 8

هذه الشخصية الفريدة في تاريخ البشرية حقها الكامل لأن لها الفضل وسيبقى لها الفضل حتى فناء هذه الدنيا يوماً ما في التأسيس للإنسانية الحقة التي أرادها الله للإنسان من خلال العزة والكرامة والإباء والرفض .
هذه الموسوعة الكبرى التي أجلست واضعها ومُعِدها البيت معتكفاً ومنعزلاً عن العالم منذ سنوات عدة ، هي من أكبر الموسوعات التي وُضِعَت حتى الآن على الإطلاق في كل المجالات سواءً العلمية أو السياسية أو الفكرية والثقافية ، فلم ترقَ موسوعة طبعت حتى الآن إلى هذا العدد من الأجزاء التي وكما أشرنا سابقاً قد تصل إلى الخمسمائة جزء ، ناهيك عن تبويبها الرائع الذي يبدأ بالشعر ولن ينتهي إلا بعد أن يحيط بكل جوانب مدرسة الإمام الحسين الكبرى مع تحقيق استدلالي مستفيض .
بين يديك عزيزي القارئ أو الباحث ديوان القرن الثالث بعد أن صدر ديوان القرن الثاني ، وقبله ديوان القرن الأول بجزأيه الأول والثاني .
وهذا الديوان يُكمل لنا جمع الشعر العربي الفصيح الذي قيل في الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأنصاره ، ولا يخفى على ذي لُب ما للشعر من أهمية في عالم الأدب والثقافة إذ أنه بزّ أقرانه من أنواع الأدب الأخرى كتابةً وإلقاءً وحفظاً ودوراً مؤثراً في كثير من جوانب الحياة منذ أن نَطَق ابن آدم بلسانه وقال الكلِم .
هذا الديوان كنظرائه من دواوين هذه الموسوعة يمتاز بكونه لا ينقل الشعر فحسب بل يعطي شرحاً وافياً لمفردات هذا الشعر بعد أن يذكر قائل هذه الأبيات والإختلاف في بعض مفرداتها في نسخ المراجع . إضافة لهذه الميزة فلهذا الديوان ميزة أخرى وهي أيضاً مشتركة بينه وبين نظرائه بقية دواوين هذه الموسوعة وهي واحد وثلاثون فهرساً شاملة ووافية لكل محتويات الديوان والتي ألحقت في آخره .
نسأل الله العون والدعم والتوفيق لطباعة كل أجزاء هذه الموسوعة إنه نعم المولى ونعم النصير .

10 / جمادي الآخرة / 1417 هـ
22 / تشرين الاول/ 1996 م

دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 9


قسم

الحسين في الشعر العربي القريض


دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 10




دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 11



بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد والثناء على من برأ النسمة
والصلاة على من اصطفاه لنفسه
والسلام على من هم خير خلقه
لندن
محمد صادق
ربيع
1415هـ ـ 1995م

دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 12




دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 13

تمهيد

لقد وقفنا خلال القرنين المنصرمين على ملامح تباينت بعض الشيء في أبعادها نتيجة طبيعة الظروف التي كانت سائدة ، ففي القرن الأول كانت النهضة الحسينية وكان دم الثورة الذي غَلى في وجود الموالين لأهل البيت عليهم السلام خصوصاً وفي وجود كل حر أراد التأسي بالحسين عليه السلام في موقفه الرافض لخط يزيد في تولي أمور المسلمين واستعبادهم ، وإذا آثر كثير من الناس الاستسلام فإن النخبة الواعية ترفض ذلك وكان لشيعة أهل البيت عليهم السلام السهم الأوفى في تلك التحرّكات والنهضات .
وقد كانت قضية الإمام الحسين عليه السلام وهدفه وثأره واضحة جلية لمن وقف على أشعار القرن الأول وعلم منها أن هذا الغليان لم يكن لينتهي إلا باقتلاع من تسبّب في تلك المظلمة العظيمة التي استهانت بمقدرات المسلمين وكرامتهم وهذا ما كان .
أما القرن الثاني فقد رأيناه خليطاً بين دولتين افترقتا في شخصيتيهما وانتماءاتهما وقربهما من الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم واتحدتا في أدوارهما وأهدافهما ، فبينما نرى بني أمية يجاهرون في عدائهم للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أعلن معاوية أن هدفه طمس معالم الدين بقوله : «لا والله إلا دفناً دفنا»(1) ولم يراع

(1) جاء في كتاب كشف الغمة للأربلي : 2/45 عن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري : روى عن رجاله أن مطرف بن شعبة قال : وفدت مع أبي المغيرة على معاوية وكان أبي يأتيه فيتحدّث معه ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتمّاً منذ الليلة فانتظرته ساعة وظننت أنه لشيء قد حدث فينا وفي عملنا فقلت : مالي أراك مغتمّاً منذ الليلة ؟ فقال : يا بني جئت من عند أخبث الناس ، قلت : وماذا ذاك ؟ قال قلت له ـ وقد خلوت به ـ إنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلاً وبسطت =
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 14

حتى شعور الناس في ذلك فإن بني العباس ساروا على ذات الخط مع عدم الجهر بذلك وإنما اتخذوا قرب نسبهم من الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ذريعة في محاولة إثبات أحقيتهم في ولاية أمر المسلمين ، ومع العلم بواقع التوجّه الداخلي للمسلمين واحترامهم لأئمة أهل البيت عليهم السلام فإنهم رفعوا شعار الرضا من آل محمد لأنه أقصر السبل التي تؤدي الى الهيمنة على تلك المشاعر .
ولم يخطؤوا في هذا التصوّر ، فقد تمّ لهم الأمر ، وربما بما لم يكن في حسبانهم غير أنهم قلبوا لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ظهر المجن ، وكان الهدف الذي التقوا فيه مع بني أمية في استئصال جذور التشيّع الذي يعني الخط الأسلم لمنهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا يعني استئصال جذور الإسلام باسم الإسلام ، وكانوا أشد وبالاً على الدين من سابقيهم وبلغ الظلم ذروته حتى تمنى المتمني عودة جور بني مروان فهو في نظره أرحم مما هو فيه . وفي هذا الجو كان الشيعة يعيشون كتم الأنفاس والحذر من معرفة الهوية فهو كاف للموت أو العذاب .
ومع إطلالة القرن الثالث كان هناك شيء من المتنفس لخط آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسواء كان ذلك مراداً واقعاً أم محاولة لتثبيت الأركان ، فإن البداية كانت مريحة لكنها كبركانٍ يوشك على الانفجار غيظاً ، فكأن القلوب قد شحنت بالكراهية تجاه هذ الخط الأصيل ، حتى لم يعد بالإمكان رؤيته يتنفّس الصعداء ، ولم تكد تمضي فترة حتى عاد الأمر إلى ما هو أشد من ماضيه . وأوضح الأدلة على ذلك أننا نرى أئمة أهل البيت بعد الإمام

= خيراً فإنك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه ، فقال : هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم ملك أخو بني عدي فاجتهد وشمر عشر سنين فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل : عمر ، ثم ملك عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه وفعل ما فعل وعمل به ما عمل فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به ، وإن أخا بني هاشم يصاح به في كل يوم خمس مرات أشهد أن محمداً رسول الله فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك ، «لا والله إلا دفناً دفنا» .
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 15

الرضا عليه السلام لم يعمروا أكثر من دور الشباب أو في الكهولة فقد قضى الإمام الجواد عليه السلام وهو ابن خمس وعشرين سنة(1) وقضى ابنه الهادي وهو ابن اثنتين وأربعين سنة(2) ـ وهو أطول الثلاثة الأواخر عمراً ـ وقضى ابنه العسكري وهو ابن ثمان وعشرين سنة(3) وغاب ابنه الحجة المهدي المنتظر (عج) وله من العمر خمس سنوات(4) ويكفي ذلك بمجرده دليلاً على عمق المأساة التي كان يعانيها هذا المبدأ الحق أئمة وشيعة .
والغريب في الأمر أن العباسيين رغم ما ألمّ بهم من مواطن ضعف في هذا القرن ، ومشاغل كانت كافية لأن تلهيهم بعض الوقت عن التفكير في ملاحقة أهل البيت عليهم السلام غير أنهم لم يفتروا هنيئة عن ذلك ، وما هذا إلا

(1) الجواد : هو محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم عليه السلام تاسع أئمة المسلمين عند الإمامية ولد في المدينة 10/ رجب/195هـ وقد دس إليه السم المعتصم العباسي من حكام العباسيين فتوفي في 30/ذي القعدة/220هـ في بغداد .
(2) الهادي : هو علي بن محمد الجواد عليه السلام عاشر أئمة المسلمين عند الإمامية ولد في المدينة 15/ ذي الحجة/212هـ وقد دسّ إليه السم المعتز العباسي الثالث عشر من حكام العباسيين فتوفي في 3/رجب/254هـ في سامراء .
(3) العسكري : هو الحسن بن علي الهادي عليه السلام الحادي عشر من أئمة المسلمين عند الإمامية ولد في المدينة 10/ ربيع الثاني/232هـ وقد دسّ إليه السم المعتمد العباسي الخامس عشر من حكام العباسيين فتوفى في 8/ ربيع الثاني/260هـ .
(4) المهدي : هو محمد بن الحسن العسكري عليه السلام الثاني عشر من أئمة المسلمين عند الإمامية وخاتمتهم ولد في سامراء ـ العراق ـ في 15/ شعبان/255هـ وحصلت له بسبب الظروف الأمنية والمشيئة الإلهية غيبتين سمّيت الأولى بالصغرى لقصر مدّتها وذلك من 8/ ربيع الأول/260هـ وحتى عام 329هـ وذلك بوفاة سفيره الرابع والأخير الشيخ علي بن محمد السمري ، بينما سمّيت الثانية بالكبرى والتي بدأت من حيث انتهت الاولى ولا زالت ، وكان في الأولى على اتصال بالناس ، ولقد أجمع الامامية على ذلك ، وظهوره سيكون في آخر الزمان ليقيم دولة الاسلام الكبرى التي وعد الله بإرساء قواعدها ؛ ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما ملأت ظلماً وجوراً ، ولقد ذهبت المذاهب الأخرى إلى القول بظهور المهدي عليه السلام ولكنهم اختلفوا في كونه ابن الإمام العسكري عليه السلام والثاني عشر من أئمة المسلمين كما ذهب الكثير من غير المسلمين إلى وجود مخلّص للبشرية وظهور منقذها مما يتّفق الكثير من المواصفات التي يحملها الإمام الغائب .
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 16

انعكاس عن واقع دخائلهم وما تنطوي عليه من العداء الأعمى لهم عليهم السلام حتى لم يعد يهدأ لهم بال ولا يقرّ لهم قرار إلا باستئصال شأفتهم ، وهو ما سعوا إليه ، «ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون»(1) .
ولم يزل الإمام الحسين عليه السلام تلك القضية التي تحرك الناس وتربطهم بالله وبرسوله وتعاليم الدين الحق العاري عمّا أُلصق به مما ليس منه من بدع وافتراءات على الله ورسوله ، فكان لابد أن يحارب ، فإن لم يكن شخصه موجوداً فهذا قبره لا يزال يؤثّر في الناس أثر الإمام الحي ، فصبّت النقمة على أحجار ذلك القبر الطاهر جهلاً منهم بأن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن ليحده مكان أو قبر يضم ذلك الجسد الطاهر وإنما هو وجود في كل قلب سليم الإيمان ، وفي كل كيان آمن بالحق فرفض ما سواه ، وحرث المتوكل(2) الناصبي هذا القبر وأجرى عليه الماء فحار الماء ولم يجر على القبر فكان الماء أفهم لأمر السماء من المتوكل كأنه يعظه إن كان له قلب ، ودرس اسم المتوكل إلا حين يذكر ليكون سبة ولعنة وبقي الحسين صرحا شامخاً يمد الأجيال بتلك الروح الكبيرة(3) .
ومن هنا فإننا نرى شعراء هذا القرن قد نحوا منحى جديداً في توجّهاتهم وطبيعة المواضيع التي تناولوها وإن اشترك بعضها مع ما سبقها لوحدة الموضوع الذي نبحث فيه ، وفي هذا القرن كان الشاعر يعرض نفسه للموت حين يذكر الحق المتمثل في أهل البيت عليهم السلام فلم يردعه ذلك من المضي في هذا المسلك .

(1) سورة التوبة ، الآية : 32 .
(2) المتوكل على الله : هو جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد عاشر حكّام العباسيين ولد عام 206هـ في بغداد وتولّى الحكم بعد أبيه المعتصم عام 232هـ وكان شديد التعصّب على العلويين وأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام وأئمتهم ، اغتيل في سامراء مركز عاصمته بمعونة ابنه المنتصر بالله محمد بن جعفر لشدّة ظلمه وتولّى بعده ابنه المنتصر .
(3) من الخليق ذكره أن المتوكل العباسي لم يكتف بهدم مرقد الإمام الحسين عليه السلام بكربلاء لمرة واحدة فقد عمد إلى طمس معالمه أربع مرات خلال فترة حكومته :
الأولى عام 233هـ ، والثانية : عام 236هـ ، والثالثة : عام 237هـ والرابعة : عام 247هـ «راجع باب المراقد فصل مرقد الإمام الحسين عليه السلام من الموسوعة» .
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 17

كما أننا لا نشك أن هناك الكثير الكثير مما قيل في أهل البيت عموماً وفي الإمام الحسين عليه السلام خاصة قد حكم عليه عامل الرعب بالفناء إما لعدم تدوينه خوفاً من أن يكون وثيقة تؤدي إلى الموت أو أنه دُوّن ثم جعل في طوامير سجنته حتى تلف كما أتلفت مطامير السجون شيعة أهل البيت ، ولا أدلّ على ذلك من قلة ما وصل إلينا من الشعر المتعلّق بهذا القرن ، وكنموذج على ذلك نذكر ما أورده اليمني في هذا المضمون :
فقد روى أن إبراهيم بن العباس الصولي ، المتوفى عام 243هـ أنشد الإمام الرضا عليه السلام قصيدة مطلعها :
أزالت عزاء القلب بعد التجلُّدِ مصارع أولاد النبي محمد(1)

فأعطاه الإمام عليه السلام عشرة آلاف درهم مما ضربت باسمه(2) ، وقد ضاعت القصيدة هذه .
وكان إبراهيم صديقاً لإسحاق بن إبراهيم(3) أخي زيدان الكاتب

(1) راجع مقطوعة رقم : 16 من هذا الديوان وعنوانها : (عزاء القلب) .
(2) لما انتقم المأمون العباسي من الرشيد المتوفى عام 193 هـ من أخيه الأمين عام 198هـ وراحت ضحيّتها عشرات الألوف من الجانبين تذمّر الناس من سياسة المأمون ، وكان العلويون وأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام يناهضون العباسيين وينكرون عليهم الحكم وصنيعهم مع العلويين ، ولذا فقد كانت الانتفاضات قائمة في أنحاء البلاد من قبلهم ، وكان قد تجمّع الشيعة بمرور الأيام على أثر اضطهاد الأمويين لهم في خراسان بعيداً عن عاصمة ملكهم وعملوا على إسقاط الدولة الأموية من خراسان والتي استغلّها العباسيون فعمل المأمون على تهدئة الوضع وإرساء دعائم حكومته ، فعمد إلى خطة مدروسة ومحبوكة فأجبر الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام على قبوله ولاية العهد وحتى يصدقه عامة الناس ضرب النقود باسم الإمام أيضاً ليتمكّن من البقاء على سلطته ، وما قيل من توجيهات أخرى تنافي الواقع والحقيقة ، أما ما قيل من أن عمله هذا كان بدافع تشيّعه واعترافه بأولوية آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالحكم فليس بشيء إذ أنه لو صحّ ذلك لكان عليه أن يتنازل عن الحكم لا أن يجعله ولياً للعهد وقد كشفت الأيام ذلك في قضايا كثيرة من أبرزها قصة صلاة العيد وطلب المأمون رجوعه واغتياله عبر السم وذلك في 30/ صفر/203هـ .
(3) أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي المكنّى بابن النديم هو من أصل فارسي ولد ببغداد =
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 18

المعروف فنسخ له شعره في الامام الرضا عليه السلام وقت منصرفه عن خراسان وفيه شيء بخطه فكانت النسخة عنده إلى أن ولي إبراهيم ديوان الضياع للمتوكل ، وكان قد تباعد ما بينه وبين ابراهيم فعزله ابراهيم عن ضياع كانت بيده وطالبه بمال وشدّد عليه فدعا إسحاق بعض من يثق به وقال : امض إلى إبراهيم فأعلمه أن شعره في الرضا كله عندي بخطه وغير خطه ، فإن لم يترك المطالبة عني أوصلته إلى المتوكل ، فصار الرجل إلى إبراهيم بالرسالة فضاقت به الدنيا حتى أسقط عنه المطالبة وأحرق إسحاق كل ما عنده من شعره بعد أن حلف كل منهما لصاحبه .
وقال علي بن يحيى المنجم(1): إني كنت السفير بينهما حتى أخذت السفر وأحرقه إبراهيم بحضرتي .
وكان لإبراهيم ابنان اسمهما الحسن والحسين يكنيان بأبي محمد وأبي عبد الله فلما ولي المتوكل سمى الأكبر إسحاق وكنّاه أبا محمد وسمّى الآخر عباساً وكنّاه أبا الفضل فزعاً .
وروي ـ أيضاً ـ أن إبراهيم الصولي وموسى بن عبد الملك الكاتب(2) لم يشربا النبيذ قط إلا حين ولي المتوكل فشرباه وكانا يتعمّدان أن يجمعا

= عام 155هـ وكان من أشهر ندماء الخلفاء العباسيين الرشيد والمأمون والواثق ، تفرّد بصناعة الغناء وكان عالماً باللغة والموسيقى والتاريخ وعلوم الدين وعلم الكلام راوياً للشعر حافظاً للأخبار شاعراً له تصانيف منها الندماء ، كف بصره عام 233هـ وتوفي ببغداد عام 235هـ فقال المتوكل العباسي عندما نعي إليه : ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته ، ولا يخفى أنه غير ابن النديم محمد بن إسحاق الورّاق مؤلف الفهرست المتوفى عام 385هـ .
(1) أبو الحسن المنجم : ولد عام 201هـ ببغداد نادم المتوكل العباسي المتوفى عام 247هـ واختص به وبمن بعده من حكّام العباسيين إلى أيام المعتمد العباسي المتوفى 279هـ وكانوا يفضون إليه بأسرارهم ويأمنونه على أخبارهم ويجلس بين أسرتهم وكان راوية للأشعار والأخبار ، شاعراً محسناً توفي بسامراء عام 275هـ ورثاه عبد الله بن المعتز وله مؤلّفات منها كتاب الشعراء القدماء الإسلاميين .
(2) موسى بن عبد الملك الأصبهاني أبو عمران من أصحاب ديوان الخراج في الدولة العباسية ، كان من فضلاء الكتاب وأعيانهم ، تنقل في الخدم في أيام جماعة من حكّام العباسيين وولي ديوان السواد وغيره في أيام المتوكل له ديوان رسائل توفي عام 246هـ .
دائرة المعارف الحسينية-ديوان القرن الثالث 19

القيان(1) والمخنثين(2) ويشربا بين أيديهم كل يوم ثلاثاء ليشيع الخبر بشربهما(3) .
وجاء في رسالة أبي بكر الخوارزمي(4) حول هذا العصر بالذات واضطهاد الموالين لأهل البيت عليهم السلام «يموت إمام من أئمة الهدى وسيد من سادات بيت المصطفى فلا تتبع جنازته ولاتجصص مقبرته ويموت ضراب(5) لهم أو لاعب أو مسخرة(6) أو ضارب فتحضر جنازته العدول والقضاة ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة ، ويسلم فيهم من يعرفونه دهرياً(7) أو سوفسطائياً(8) ولا يتعرّضون لمن يدرس كتاباً فلسفياً ومانوياً(9) ويقتلون من عرفوه شيعياً ، ويسفكون دم من سمّى ابنه علياً وأن بعض شعراء الشيعة يتكلّم في ذكر مناقب الوصي ، بل في ذكر معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقطع لسانه ويمزق ديوانه ... كما دمر(10) على دعبل بن علي الخزاعي(11) مع رفقتهم من

(1) القيان : واحدها القينة وهي الأمة والمغنية .
(2) المخنث : من كان على صورة الرجال وأحوال النساء ، يقال خنث الرجل إذا كان فيه لين وتكسر وتثنّ .
(3) نسمة السحر : 1/19 .
(4) الخوارزمي : هو محمد بن عباس الخوارزمي الكاتب واللغوي والأديب والرحالة ولد بخوارزم وتوفي بنيسابور عام 383هـ له مصنفات اشتهر منها كتاب الرسائل وقد ضاع ديوان شعره .
(5) في الأصل : «ضراط» .
(6) مسخرة : أي ذو السخرية .
(7) الدهري : طائفة لا تعتقد بوجود الله والآخرة وترى أن الدهر قديم والحوادث من فعل الدهر .
(8) السوفسطائي : مجموعة ظهرت في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد لا ترى ضرورة البحث عن الحقائق والتزموا الجدل في مناقشاتهم ، والتسمية يونانية بمعنى الحاذق ، وقد فند أرسطو وافلاطون نظرياتهم الفلسفية .
(9) مانوي نسبة إلى ماني حكيم مشهور كان قبل الإسلام اخترع مذهباً جديداً بين اليهودية والمسيحية وكان يعتقد بنبوّة المسيح بينما ينكر نبوّة موسى ويقول بحدوث العالم إلا أنه يرى أنه مركب من النور والظلمة وهما قديمان وليس بحادثان ، ولهم آراء في الخلق والخليقة .
(10) دمر عليه : أهلك .
(11) لقد اغتال المعتصم العباسي دعبلاً بالسم «أعيان الشيعة» 6/400 .

الفهرس التالي التالي