دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 1




دائرة المعارف الحسينية
ديوان
القـرن الخامس


دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 2




دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 3


دائرة المعارف الحسينية

ديوان
القرن الخامس

15/8/1010 ـ21/8/1107 م

محمد صادق محمد
( الكرباسي )

المركز الحسيني للدراسات
لندن ـ المملكة المتحدة


دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 4


الطبعة الأولى
1418 هـ ـ 1997 م


دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 5


بسم الله الرحمن الرحيم(1)

الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى(2) آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيم وآلَ عمرانَ على العالمين ، ذريّة بعضها من بعضٍ واللهُ سميعٌ عليم(3) ، إنّه لقول رسول كريم(4) ، إني لكم رسولٌ أمين(5) ، أبلغكُم رسالات ربّي و(6) لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى(7) وآتِ ذا القُربى حقّه(8) ذلك خيرٌ للذين يُريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون(9) .

صدقَ الله(10) العليّ العظيم (11)



(1) سورة النمل ، آية : 30 .
(2) سورة النمل ، آية : 59 .
(3) سورة آل عمران ، آية : 33 ـ 34 .
(4) سورة الحاقة ، آية : 40 .
(5) سورة الشعراء ، آية : 107 .
(6) سورة الأعراف ، آية : 62 .
(7) سورة الشورى ، آية : 23 .
(8) سورة الأسراء ، آية : 26 .
(9) سورة الروم ، آية : 38 .
(10) سورة آل عمران ، آية : 95 .
(11) سورة البقرة ، آية : 255 .
دائرة المعارف الحسينية - ديوان القرن الخامس 6


قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :

« إن الحسين مصباح هدى
وسفينة نجاة
وإمام خير ويمن
وعز وفخر
وبحر علم وذخر »
(1)

وصدق رسوله الكريم

(1) عيون أخبار الرضا : 1/62 ، وقريب منه في فرائد السمطين : 42 .
المنظورات الحسينية - 2 7


مقدمة الناشر

تتماثل خواتيم حياتات الائمة الأطهار سلام الله عليهم من حيث أنهم جميعاً قضوا قتلاً واغتيالاً إما بالسيف أو بالسم ، باستثناء خاتمة حياة الإمام الحسين عليهم السلام فقد تميزت عن سائر الأئمة عليهم السلام بأمور ثلاث :
الأول : أنه عليه السلام لم يقتل فحسب ، بل أنه بعد القتل تعرّض جسده الشريف للتشويه والتمثيل حيث فصل رأسه الشريف عن جسده وقطع اصبعه وديس صدره وكسرت أضلاعه بحوافر الخيل حتى أن رداءه لم يسلم من السلب .
الثاني : أنه عليه السلام لم يستشهد في كربلاء بمفرده ، إنما استشهد معه أبناؤه واخوته واصحابه جميعاً ، ولم يبق في ذلك اليوم من بنيه سوى الإمام زين العابدين عليه السلام .
الثالث: لم تنته واقعة الطف بقتل الحسين عليه السلام وصحبه وبنيه بالطريقة التي باتت معروفة للجميع عند هذا الحد ، إنما استكملت تلك المأساة بسبي نساء الحسين وبناته وأطفاله من كربلاء إلى الكوفة ، ثم الشام .
وإذا كان من المسلّم به أن ماجرى في كربلاء كان بإرادة الله ومشيئته ، وانه عليه السلام كان يعلم بكل ما سيجري له في ذلك اليوم ، فإنه من المسلَم به أيضاً ان الله عز وجل كان قادراً على قصم ظهر الباغين على الدين وكسر شوكتهم والقضاء عليهم . وإعلاء شأن الإسلام من دون أن يمس الحسين عليه السلام بأي أذى ، لكنه جلّت قدرته اراد من خلال ذلك التأكيد على عظمة أمرين :
أولاً :التأكيد على عظمة الإسلام من خلال قيام شخصية بعظمة ومنزلة الحسين عليه السلامبالتضحية من أجله ، وبالتالي فإنه حري بمن هم دون الحسين عليه السلام أن يبذلوا في سبيل الدين الغالي والنفيس وحتى المهج

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 8


والأرواح من أجل أن يستمر عزيزاً على مر الأزمنة والدهور .
ثانياً : التأكيد على عظمة الإمام الحسين عليه السلام الذي أبى الا أن يقدم نفسه وأهله وصحبه وإخوانه قرباناً لحفظ خط الإسلام ومبادئه وحمايته من التشويه والتحريف بالرغم مما كان عليه من المنزلة العظيمة والنسب الرفيع لرسول الله وهو الإمام المفترض الطاعة في ذلك الزمان .
نعم إن دينا يفديه ويضحي من أجله إبن رسول الله لهو دين عظيم حقاً وإن إماماً يضحّي من أجل دين الله ودين جده رسول الله لهو إمام عظيم حقاً .
وهذا الكتاب (ديوان القرن الخامس) في سلسلة أجزاء دائرة المعارف الحسينية الشعرية التي يستكمل فيها المؤلف نقل الشعر الذي قيل في الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه وقد بُذِل عليه جهد كبير كما على سابقيه من الأجزاء من حيث التوثيق والترتيب والشرح ووضع الفهارس العديدة التي بلغت إثنين وثلاثين فهرساً . ولمن أراد المزيد من الإطلاع على هذه السلسلة من دواوين الشعر القريض مراجعة المدخل إلى الشعر العربي القريض في الجزل الأول من ديوان القرن الأول من هذه الموسوعة التي ستصدر أجزاؤها تباعاً بعون الله تعالى ، راجين أن تكون عامل إثراء للمكتبة الإسلامية . والحمد لله رب العالمين .

21 /صفر /1418
27 /حزيران /1997

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 9


قسم

الحسين في الشعر العربي القريض


دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 10




دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 11


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد كله للخالق ذي المجد والكبرياء
والصلاة على خاتم الرسل والأنبياء
والسلام على أهل بيته الأصفياء .

لندن
محمـد صـادق
ربيع
1416هـ ـ 1995م



دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 12




دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 13


تمهيد

طوينا القرون الأربع في سنوات أربع ـ «كطي السجل للكتب»(1) ـ لنطل ثانية على قرن جديد ونجدد العهد بالشعر الحسيني التليد ، ونقف على ما أبدعه شعراء هذا القرن بالاعتبار الصناعي الذي اعتمدناه في ثبت المواد حسب قرن رحيل الشاعر ، وقد أشرنا سابقاً إلى أنه أمر اعتيادي ذو طابع فني من شأنه تسهيل عملية التنظيم والترتيب ولو أذن لتلك القرون بالكلام لرددت مقالة المرادي(2) :
وما أن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا(3)

وفي الحديث : إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره وإن أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه(4) .
وإذا لم تعد بالفائدة من التزامنا هذا على القراء والباحثين فلا شك أن المستفيد فيما نحن فيه هو القرن الخامس إذ لولا هذا الالتزام لكان فقيراً كما سنشير إلى ذلك ، وقديماً قالوا : مصائب قوم عند قوم فوائد(5) .
وهنا لا بد من إثارة هذه النقطة وهي تراجع القرن الخامس أمام القرن الرابع حيث كوّن الشعر الحسيني في القرن السالف جزأين بينما كوّن الشعر

(1) سورة الأنبياء ، الآية : 104 .
(2) المرادي : هو فروة بن مسيك بن حارث بن سلمة الغطيفي المتوفى عام 30هـ صحابي من اليمن قدم المدينة عام 9هـ وأسلم على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبعدما تعلم الفرائض والقرآن استعمله على مراد ومذحج وزبيد وسكن في أواخر عمره الكوفة وله شعر اشتهر بهذا البيت وقد أنشده الإمام الحسين عليه السلام .
(3) لسان العرب : 1/554 .
(4) نهج البلاغة ، قصار الكلم : 9 .
(5) المنجد ، فرائد الأدب : 997 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 14


الحسيني في هذا القرن جزءاً واحداً ، وإلى جانب هذه النقطة فإن هناك نقاط أخرى لا بد من الإشارة إليها ولو بإيجاز .
1 ـ إن هذا القرن بحد ذاته قرن شحيح بالنسبة إلى الشعر الحسيني فلو استثنينا قصائد(1) الشريف المرتضى(2) ثم الشريف الرضي(3) والديلمي(4) لما قامت لهذا الديوان قائمة ومن الواضح أن معظم نتاج هؤلاء الثلاثة كان في القرن الماضي ، إذ أن التقسيم الصناعي العملي في تصنيف الشعراء والأدباء الذي يعتمد على تاريخ الوفاة هو الذي جعلنا نصنف عملهم الأدبي في القرن الخامس ، فالشريف الرضي لم يدرك من هذا القرن سوى بضع سنوات ، ومعظم نتاج أخيه الشريف المرتضى وكذلك معظم نتاج مهيار الديلمي المستبصر على يدي الرضي كان في القرن الغابر ، وهذه الظاهرة لا اختصاص لها بالشعر الحسيني بل تعم الشعر كله حيث لم يبرز خلال هذا القرن شخصيات أدبية رفيعة المستوى إلا ما ندر ، كما لم يبلغ الشعر حد النصاب المطلوب ، والسبب في ذلك يعود إلى أن الدولة العباسية كانت في منتهى الضعف وقد تمزقت دولتهم إلى عدد من الدويلات ، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أصبح الحاكم العباسي(5) ألعوبة بيد البويهيين الفرس(6) ثم السلاجقة

(1) جاء ترتيب الأسماء باعتبار كم القصائد في الإمام الحسين عليه السلام من الأكثر إلى الأقل .
(2) الشريف المرتضى : هو علي بن الحسين بن موسى المتوفى عام 436هـ تولى نقابة الطالبيين في بغداد بعد أخيه ، وكان فقيهاً إمامياً وشاعراً جزل الشعر غني اللغة متين التركيب له مؤلفات وله ديوان شعر .
(3) الشريف الرضي : هو محمد بن الحسين بن موسى المتوفى عام 406هـ تولى نقابة الطالبيين بعد أبيه ، وكان بارعاً في الشعر له ديوان في الشعر إلى جانب مؤلفات أخرى .
(4) الديلمي : هو مهيار بن مرزويه المتوفى عام 428هـ كان مجوسياً فأسلم عام 394هـ على يد الشريف الرضي سكن بغداد وتخرج على الشريف الرضي في الشعر وهو شاعر مكثر جزل القول وله ديوان في ثلاثة أجزاء .
(5) في بداية القرن الخامس كان على سدة الحكم القادر بالله أحمد بن إسحاق العباسي الذي تولى الحكم ما بين 381 ـ 422هـ وهو الخامس والعشرون من حكام العباسيين وخلفه القائم بأمر الله إلى عام 467هـ ثم المقتدي بأمر الله حتى عام 487هـ ثم المستظهر بالله حتى عام 512هـ .
(6) البويهيون : أسرة فارسية حكمت في أصفهان وشيراز وكرمان وبغداد ما بين 320 ـ
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 15


الأتراك(1) حيث استعان الحاكم العباسي بهم على البويهيين فلم يقم للشعر العربي قائمة بين الفرس والترك ، ولولا التزام بعض سلاطين البويهيين من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بنشر تراث أهل البيت عليهم السلام والترويج له عبر النثر والشعر العربيين وبروز شعراء من بلدانهم كالصاحب(2) ومهيار وأمثالهما لبان الانكسار على جبين الشعر في خضم الصراعات السياسية من جهة والطائفية من جهة أخرى في مختلف أرجاء الدولة العباسية وفي هذا الصدد يقول فروخ : «لم يكن التنازع دائراً بين المذاهب الفاطمية(3) وحدها ولا بين الشيعة وأهل السنة فحسب ولكن أتباع المذاهب السنية أيضاً كانوا في نزاع شديد جداً إلى حد الاقتتال في الشوارع ، كان الحنابلة(4) متشددين جداً في مسائل العبادة ولا يكتفون بظاهر أمر الناس بل يحاولون النفوذ إلى حقيقة أمرهم فإذا رأوا رجلاً يسير مع امرأة أو مع صبي تصدوا له وسألوه عن صلته بتلك المرأة أو بذلك الصبي ، ولكن الأحناف كانوا يرون أن الإسلام لا يجيز للمسلم أن يعترض المسلم في الأمور التي هي بينه وبين نفسه أو بينه وبين الله من أجل ذلك كان الحنابلة والحنفية(5) يتنازعون علناً

= 447هـ أسسها أبو شجاع بويه وأولاده الثلاثة عماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة الذي دخل بغداد عم 333هـ ، ويسمون البويهيين الديالمة وكانت لهم حكومات ثلاث في فارس وبغداد والري .
(1) السلاجقة : سلالة تركمانية جدهم الأعلى سلجوق تفرعت منها عدة فروع حكمت في إيران وآسيا الصغرى والعراق وسورية ما بين القرن الخامس وحتى القرن السابع ويسمون سلاجقة الفرس وسلاجقة الروم وسلاجقة سورية وسلاجقة العراق وأول الحاكمين منهم في العراق هو محمود بن محمد قضوا على البويهيين وقضى عليهم جنكيزخان وخلفاؤه .
(2) الصاحب : هو إسماعيل بن عباد الطالقاني الديلمي المتوفى عام 385هـ تولى الوزارة في عهد مؤيد الدولة البويهي ثم أخيه فخر الدولة (372 ـ 388هـ) وكان أديباً مترسلاً وشاعراً عالماً له ديوان إلى جانب مؤلفات أخرى .
(3) أراد المذاهب الإسماعيلية والدروز وغيرهما التي حكمت باسم الدولة الفاطمية في مصر .
(4) الحنابلة : أتباع مدرسة أحمد بن حنبل 164 ـ 241هـ أحد الأئمة الأربعة اتصف بشدة تمسكه بالنزعة السلفية من أشهر مؤلفاته المسند .
(5) الحنفية : أحد المذاهب الأربعة التابعة لمدرسة أبي حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى عام 150هـ من أهم مؤلفاته الفقه الاكبر والمسند ، وكانت ولادته في الكوفة .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 16


ويقتتلون(1) .
ومن شأن هذه الخلافات الانصراف عن الأدب والشعر وتقليص دور الأدباء والشعراء ومع انحسار الضوء الأخضر من قبل السلطات وانعدام الأرضية الخصبة في بلاطهم تراجعت نسبة الإنشاء والإنشاد .
ولذا يضيف فروخ قائلاً : بلغ الشعر خاصة منتهى قوته قبل أن يطل القرن الخامس للهجرة وإذا نحن استثنينا الشريف الرضي وأبا العلاء المعري(2) وهما من نتاج القرن الهجري الرابع لم نجد في القرون التالية للقرن الرابع من يبلغ في ابتكار الأغراض والمعاني وفي صحة اللغة ومتانة الأسلوب ولا في استشراق الآفاق الإنسانية والعقلية من نقرنه بالمتنبي(3) والبحتري(4) وابن الرومي(5) وأبي نؤاس(6) (7) .
ففي بدايات هذا القرن بدأ العد التنازلي للأدب بشكل عام نثراً شعراً ، وتعد حياة الأدب فيه صدقة جارية من صدقات القرن السابق ، ومن المعروف أنه

(1) تاريخ الأدب العربي : 3/38 ، نقلنا عنه باختزال .
(2) أبو العلاء المعري : هو أحمد بن عبدالله بن سليمان المتوفى عام 449هـ كان أديباً نابغاً واسع الإطلاع وكان شاعراً له ديوان اللزوميات وله كتاب سقط الزند وديوان شعر في المدائح والمراثي .
(3) المتنبي : أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي المولود في الكوفة 303هـ والمتوفى عام 354هـ اتصل بسيف الدولة الحمداني ومدحه كثيراً ، له ديوان شعر جله من عيون الشعر العربي .
(4) البحتري : هو الوليد بن عبيد البحتري المولود عام 206هـ والمتوفى عام 286هـ وهو شاعر مكثر يحسن المديح ويجيد العتاب بل أحسن المحدثين عتاباً واعتذاراً ، له ديوان شعر .
(5) ابن الرومي : هو الحسن بن علي بن العباس بن جريح رومي الأصل وأمه فارسية ولد في بغداد عام 221هـ وتوفي بها عام 283هـ وكان شاعراً مطبوعاً يجري شعره على السليقة ، له ديوان شعر .
(6) أبو نؤاس : هو الحسن بن هاني ولد عام 140هـ في خوزستان من أب عربي وأم فارسية ثم انتقل إلى البصرة ثم إلى الكوفة فبغداد ونادم هارون الرشيد 170 ـ 193هـ وعرف بشاعر الخمرة ، وتوفي ببغداد عام 198هـ .
(7) تاريخ الأدب العربي : 3/41 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 17


في القرن الرابع ازدادت رسائل الكتاب وتطور أسلوبهم فعاش القرن الخامس على ما ورثوه من أسلافهم ، ورغم أن الأدباء في القرن الخامس تلاعبوا بالكلمات والألفاظ والتراكيب والجمل الموروثة ليسدلوا عليها صفة التجدد إلا أنهم لم يفلحوا بل ظلوا مُقَلّدة حيث لم يمتلكوا القدرة على الاجتهاد .
ومن الجدير بالذكر أن الانتاج الأدبي لأمثال أبي بكر الباقلاني(1) وأبي حيان التوحيدي(2) والثعالبي(3) لا يعد من نتاج هذا القرن لأنهم من أعلام القرن الرابع رغم أن وفياتهم وقعت في القرن الخامس حيث أن قمة نتاجهم الأدبي كان في ذلك القرن ، ولم يدركوا من القرن الخامس إلا قليلاً .
وهذه الشحة الأدبية ألقت بظلالها على القرن السادس حيث أن التراث الأدبي والتركة الشعرية انتهت في القرن الخامس ، وبدأت آثار العقم تظهر بعد منتصف القرن الخامس .
2 ـ لقد ذكرنا في القرن المتقدم بأن عدداً من الدول من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام قد اُنشِئت على أطراف الخارطة الإسلامية ، ومن تلك الدولة الفاطميـة (4) في القاهرة والدولة العمارية(5) في طرابلس الشام والدولة

(1) أبو بكر الباقلاني : هو محمد بن الطيب البصري البغدادي المتوفى عام 403هـ ببغداد ، ناصر طريقة أبي الحسن الأشعري ، وكان مشهوراً بالمناظرة وسرعة الجواب وكان أديباً ناقداً .
(2) أبو حيان التوحيدي : هو علي بن محمد بن العباس المتوفى عام 414هـ قضى معظم حياته في بغداد ومات بشيراز ، أديب صاحب مدرسة فكرية رمي بالزندقة وله مؤلفات كثيرة منها المقابسات .
(3) الثعالبي : هو عبدالملك بن محمد بن إسماعيل ولد بنيسابور عام 350هـ وتوفي فيها عام 429هـ ، أديب ذواقة للشعر خاصة ومنشئ متأنق وقد ينظم الشعر ، له مؤلفات أشهرها يتيمة الدهر .
(4) الدولة الفاطمية : أسسها المهدي عبيدالله بن محمد الفاطمي عام 297هـ وانقرضت في عهد الرابع عشر من حكامها العاضد لدين الله عام 567هـ فكانت عاصمتها أولاً تونس ثم انتقل المعز لدين الله رابع حكامها إلى مصر وبنى مدينة القاهرة فأصبحت عاصمتهم وذلك في 22/ شوال/ 361هـ .
(5) الدولة العمارية : بنو عمار أسرة شيعية عريقة استقلوا بالحكم عام 462هـ وأول حكامها الحسن بن عمار ثم جلال الملك علي بن عمار عام 464هـ ثم فخر الملك
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 18


ألموتية(1) في ألموت(2) والدولة المرداسية(3) في حلب ، والدولة المزيدية(4) في الحلة ، والدولة الدنابلية(5) في پاي(6) ، ومن شأن تواجد تلك الدول دعم مسيرة أدب أهل البيت عليهم السلام وبالتالي رواج الشعر الحسيني ، وبالفعل فقد شجع السلاطين والأمراء العلم والأدب واستقبلوا العلماء والشعراء ، ورغم هذا فلا نجد فارقاً بين هذه العصور وتلك السابقة عليها بل يبدو أن الغد جاء

= عمار بن عمار عام 492هـ ثم فخر الملك محمد بن عمار عام 501هـ اتخذوا من طرابلس الشام عاصمة لهم وامتدت حكومتهم حتى تخوم بيروت جنوباً وارباض أنطاكية شمالاً وفي عهدهم ازدهر الأدب والشعر . ويذكر أن في عهد الحسن بن عمار أصبحت طرابلس مركزاً للشعر والفكر ، وأنشؤوا دار العلم التي كانت مكتبتها تحتوي على ثلاثة ملايين كتاب . حاربوا الافرنج خمس سنوات حتى سقطت دولتهم عام 502هـ «دائرة المعارف الاسلامية الشيعية : 12/131» .
(1) الدولة الموتية : أسسها الحسن بن الصباح عام 483هـ وقضى عليها هولاكو عام 654هـ ، حاربوا السلاجقة ، وهم فرقة من الإسماعيلية ويعرفون بالنزارية ، حكم منهم ثمانية حكام آخرهم : ركن الدين بن محمد . راجع «سلاطين الشيعة : 84 ، والمنجد في الأعلام : 65» .
(2) ألموت : حصن في جبال البرز بإيران عاصمة دولة حسن بن الصباح .
(3) الدولة المرداسية : دولة عربية شيعية قامت على أنقاض الدولة الحمدانية ما بين 414 ـ 472هـ أسسها صالح بن مرداس شملت حلب ومنبج وبالس والرقة والرحبة ثم حمص وصيدا وبعلبك وطرابلس قضى عليها بنو عقيل ، وللتفصيل راجع «دوائر المعارف : 65» .
(4) الدولة المزيدية : آل مزيد ينتمون إلى مزيد بن مرثد المتوفى عام 370هـ أسس ابنه علي حكومته التي دامت ما بين 403 ـ 545هـ ، اشتهر من أمرائهم صدقة بن منصور الذي بنى الحلة ، وابنه دبيس الفارس في الحروب الصليبية قضى عليهم السلاجقة وكان علي ابن دبيس بن صدقة آخر حكامها ، للتفصيل . راجع «سلاطين الشيعة : 297» .
(5) الدولة الدنابلية : «الدنابلة قبيلة كردية إمامية ينتهي نسبهم إلى البرامكة ، أسسها الأمير أحمد بن موسى بن عيسى الدنبلي الذي توفي عام 387هـ واتخذ من پاي مقراً لحكمه ، بسطوا دولتهم على كردستان وتبريز وانتهت دولتهم مع ظهور الدولة الصفوية عام 908هـ حيث تحالفوا معهم وذلك على عهد آخر حكامهم وسابع عشرهم بهلول بن فريدون الدنبلي ولهم خدمات لمرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء . راجع «سلاطين الشيعة : 440» .
تاريخ الأدب العربي : 3/44 .
(6) پاي : قلعة في كردستان على مقربة من الموصل .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 19


عكسياً وهو في غاية الغرابة ، ولكن إذا ما اطلعنا على تطور الأدب العربي وتاريخه علمنا أن القسم الأكبر من شعر تلك العصور المرتبطة بهذه الدول قد سلم إلى يد الضياع بقصد أو بدونه ، فالغرابة تذوب أمام ما ذهب إليه المؤرخون في قولهم :
«ومع أن شيئاً كثيراً من الشعر الفاطمي خاصةً قد ضاع فإن الذي بقي لنا منه يدل على وفرته في ذلك الحين ويبدو أن قول الشعر كاد في ذلك العصر أن يكون عاماً فقد قاله الخلفاء وأهل بيتهم وقاله الوزراء والكتاب وكثير من الأدباء(1) .
وتبدو الغرابة ثانية حينما نتطلع إلى الشعر الفاطمي المتداول فلا نجد فيه إلا القليل النادر في الإمام الحسين عليه السلام مما لا يتناسب مع إحيائهم لذكرى عاشوراء واحتفالاتهم بهذه المناسبة وغيرها من المناسبات ذات العلاقة المباشرة بالإمام الحسين عليه السلام كالاحتفال بيوم ميلاده الشريف ومولد شقيقته السيدة زينب عليها السلام ويوم ورود الرأس المبارك إلى القاهرة ، ومرقد مجموعة من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هناك ، وعمل حكامهم على ترسيخ حب أهل البيت عليهم السلام في نفوس الناس واستقبال الشعراء والأدباء وتكريمهم ، ولكن الغرابة تنجلي بما قدمناه هنا وفي القرون السابقة من كثرة الاغتيالات الأدبية وبالأخص في العهد الذي تلا العهد الفاطمي في تلك الديار .
ويضيف الأستاذ فروخ على ما سبق قائلاً :
«وظهر أثر التشيع في الأدب في عصر البويهيين ظهوراً كبيراً غير أن معظم هذا الأثر كان بعيداً عن آلام الشيعة منذ مأساة الحسين كما ترى عند الشريف الرضي مثلاً وابن أبي حصينة(2) المعري»(3) .

(1) تاريخ الأدب العربي : 3/44 .
(2) ابن أبي حصينة المعري : هو الحسن بن عبدالله بن أحمد بن أبي حصينة السُّلَمي ولد في المعرة قبيل عام 390هـ وتوفي في سروج من شمال العراق عام 457هـ وهو شاعر مكثر جيد الشعر ألفاظه عذبة قليل الحشو مدح المرداسيين والفاطميين .
(3) تاريخ الأدب العربي : 3/43 .

الفهرس التالي التالي