دائرة المعارف الحسينية - ديوان القرن التاسع 1




دائرة المعـارف الحسينية
ديـوان
القـرن التـاسع
13/9/1398-20/9/1495 م


دائرة المعارف الحسينية - ديوان القرن التاسع 2




دائرة المعارف الحسينية - ديوان القرن التاسع 3


دائرة المعارف الحسينية

ديـوان
القـرن التـاسع

13/9/1398-20/9/1495 م

محمد صادق محمد
( الكرباسي )

المركز الحسيني للدراسات
لندن ـ المملكة المتحدة


دائرة المعارف الحسينية - ديوان القرن التاسع 4


الطبعة الأولى
1422 هـ ـ 2001 م


دائرة المعارف الحسينية - ديوان القرن التاسع 5


بسم الله الرحمن الرحيم(1)

الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى(2) آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيم وآلَ عمرانَ على العالمين ، ذريّة بعضها من بعضٍ واللهُ سميعٌ عليم(3) ، إنّه لقول رسول كريم(4) ، إني لكم رسولٌ أمين(5) ، أبلغكُم رسالات ربّي و(6) لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى(7) وآتِ ذا القُربى حقّه(8) ذلك خيرٌ للذين يُريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون(9) .

صدقَ الله(10) العليّ العظيم (11)


(1) سورة النمل ، آية : 30 .
(2) سورة النمل ، آية : 59 .
(3) سورة آل عمران ، آية : 33 ـ 34 .
(4) سورة الحاقة ، آية : 40 .
(5) سورة الشعراء ، آية : 107 .
(6) سورة الأعراف ، آية : 62 .
(7) سورة الشورى ، آية : 23 .
(8) سورة الأسراء ، آية : 26 .
(9) سورة الروم ، آية : 38 .
(10) سورة آل عمران ، آية : 95 .
(11) سورة البقرة ، آية : 255 .
دائرة المعارف الحسينية - ديوان القرن التاسع 6


قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :

« إن الحسين مصباح هدى
وسفينة نجاة
وإمام خير ويمن
وعز وفخر
وبحر علم وذخر » (1)

وصدق رسوله الكريم

(1) عيون اخبار الرضا : 2/ 62 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 7


مقدمة الناشر

بين واقعة الطف ويومنا الحاضر مئات من السنين تعاقبت فيها على وجه هذه البسيطة أجيال واجيال شهدت فيما بينها حروباً لاحصر لها ولا عد ، وهذه الحروب اختلفت عن بعضها في أسباب اندلاعها ، والأهداف التي كان يرتجى تحقيقها ، فبعضها كانت أسبابها اقتصادية طمعاً في الوصول إلى مصادر الثروة ، أو ايجاد أسواق لتصريف البضائع والمنتجات ، وبعضها كانت أسبابها وأهدافها حبالسيطرة والتوسع وإقامة الامبراطوريات المترامية الأطراف ، واستغلال العنصر البشري ، وأخرى صنفت في خانة الفتن الداخلية والحروب الطائفية والعرقية ... وهكذا :
لكن إذا عدنا إلى الوراء ، إلى يوم عاشوراء بالتحديد حيث تلك المأساة الكبرى ، التي انتهت بقتل امام العصر آنذاك وذبح بنيه وأنصاره وسبي نسائه لنسأل سؤالاً مشروعاً تماماً ، ما هي أسباب تلك الواقعة ، وما هي أهدافها ، حيث لا تنافس اقتصادياً ، ولا تباين مذهبياً أو عرقياً ...
نعم ماهي أسباب تلك الواقعة الأليمة في وقت كانت فيه كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعاليمه ومبادئه طرية العود ، ندية الوريقات ، وصورته وهو يبلغ رسالة السماء لما تزل حاضرة في أذهان الجميع.
بمقارنة بسيطة بين أقوال الإمام الحسين عليه السلام وأقوال يزيد بن معاوية لاتضحت أمام أعيننا أهداف كل منهما بالتحديد ...
فالإمام الحسين عليه السلام حدد أهداف نهضته وأسبابها بقوله :
« إني لم أخرج أشراً ، ولا بطراً ، ولا ظالماً ، ولا مفسداً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر » .

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 8


ويزيد بن معاوية حدد أهداف وأسباب قتله للحسين عليه السلام وأنصاره وبنيه وسبي عياله ونسائه عندما جلس يتغنى منتشياً والخمرة تلعب بعقله، متمثلاً بأبيات ابن الزبعرى قائلاً :
لــيت أشياخي ببـدر شهـدوا جـزع الخـزرج مـن وقع الأسل
لأهـلوا واسـتهـلـوا فـرحاً ثـم قـالـوا يا يـزيـد لاتـشـل
قـد قتلنا القـرم من ساداتهـم وعـدلنــاه بـبـدر فـاعــتدل
لـعـبت هـاشـم بالمـلك فلا خـبـر جـــاء ولا وحي نـزل

إذاً كانت أهداف الإمام الحسين عليه السلام تصحيح الانحراف ، وتقويم الإعوجاج ، وتطبيق الدين ، وبناء النفوس وإصلاحها . بينما كان يزيد بن معاوية يسعى لمحو الدين والقضاء على مبادئه وقيمه ، والدعوة إلى الكفر والارتداد إلى الجاهلية .
ولكن الله سبحانه وتعالى نصر الحسين وصحبه باستشهادهم ، وهزم يزيد وصحبه ، بقتلهم ابن بنت رسولهم .
وهكذا ... وبعد مئات من السنين على تلك الواقعة المأساوية أين الحسين عليه السلام ، وأين يزيد بن معاوية ؟
بعد أن منّ الله علينا بنعمة انجاز العديد من أجزاء هذه الموسوعة المباركة ، يزيدنا من مننه ونعمه وتوفيقه لإنجاز هذا الجزء وهو ديوان القرن التاسع ، الذي يستكمل فيه المؤلف عرض الشعر الذي قيل في امام الشهداء العظيم الحسين بن علي عليه السلام ، مع تقديم واف لواقع هذا الشعر ومميزاته في هذا القرن ، وقد أتممناه كغيره من أجزاء هذه الموسوعة بفهارس شاملة كاملة لأجل المنفعة والفائدة . والحمد لله رب العالمين .

13 / رجــب /1419 هـ
4/ تشرين الثاني / 1998 م



دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 9


قسـم
الحسين في الشعر العربي القريض


دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 10




دائرة المعرف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 11


بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم لك الحمد عدد ما أحاط به علمك
اللهم صل وبارك على محمد سيد رسلك
اللهم سلم وتحنن على أهل بيت نبيك

لنـدن
محمد صــادق
صيـف
1418 هـ ـ 1998 م .



دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 12




دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 13


تمهيد

استقبل المسلمون العرب القرن التاسع الهجري بمزيد من التشتت والتشرذم حيث أشرقت شمس هذا القرن والحروب قائمة بين الأمراء والسلاطين في بعض النقاط وبين المسلمين والصليبيين في نقاط أخرى وربما اجتمعت معا ، وأطل فجر يوم الجمعة أول أيام عام 801 هـ (1) ويحكم البلاد الإسلامية العربية (2) التي يهمنا دراسة أدبها وممارساتها الشعرية ملك من بني نصر في غرناطة الأندلس (3)، وآخر من بني مرين في فاس المغرب (4)، وسلطان من بني حفص في تونس (5)، وآخر من بني زيان في تلمسان الجزائر(6)، وأمير من بني مزني في بسكرة الجزائر أيضاً (7)، وآخر من بني

(1) إن أول محرم من عام 801 هـ يوافق 13 / 9/ 1398م .
(2) راجع شذرات الذهب : 7 / 2 حيث يسرد مؤلفه الدول التي كانت قائمة في صدر القرن التاسع .
(3) كان يحكم البلاد الاندلسية من غرناطة محمد السابع المستعين بالله النصيري حيث حكم ما بين 797 ـ 810 هـ ، وهو ثالث عشر من ملوك بني الأحمر هناك .
(4) كان يحكم المغرب آنذاك عبد الله المربني حيث حكمها ما بين 800 ـ 810 هـ وهو السادس والعشرون من ملوك بني مرين .
(5) حكم تلك البلاد عبد العزيز أبو فارس المتوكل على الله ما بين 796 ـ 834 هـ وهو الثاني والعشرون من ملوك بني حفص .
(6) بنو زيان : ويقال لهم بنو عبد الواد سلالة بربرية من زناتة حكمت المغرب الأوسط ( الجزائر ) ما بين عام 637 ـ 962 هـ حالفوا الموحدين وقضى عليهم ا لأسبان ثم الأتراك ، أسسها أبو يحيى يغمر سن ابن زيان واتخذ من تلمسان عاصمة له وخلفه أربعة ملوك من صلبه ، وفي عام 796 هـ تولى الحكم زيان بن أبي حمو الثاني.وهو تاسع سلاطينهم وابوه عرف بأبي تاشفين الثاني .
(7) بنو مزني : حكموا الجزائر عام 740 هـ ( 1340 م ) واتخذوا من بسكرة ـ القريبة من الحدود التونسية ـ عاصمة لهم ، ولا يخفى أن تلمسان تقع على جهة الغرب قريبة جداً من الحدود المغربية .
دائرة المعارف الحسينبة ـ ديوان القرن التاسع 14


حومي في كانم تشاد (1) ، وحاكم من مماليك البرجية في قاهرة مصر (2) ، وآخر من الجلانرية في بغداد العراق (3) ، وأمير من بني رسول في تعز اليمنية (4).
وتوسعت حكومات أخرى لتحكم من إيران (5) وتركيا (6) البلدان العربية وكانت القوى الصليبية على أبواب الدولة الإسلامية الكبرى ذات المداخل العربية وكان الوضع الداخلي لهذه الدويلات العربية تسوده الإضطرابات والفتن حالها حال سائر الدويلات الإسلامية (7) .

(1) حومي: اسم محرف من محمد بل هي لغة تلك المناطق آنذاك وأن أول الملوك المسلمين في هذه الدولة هو حومي أو أومي ( 478 ـ 492 هـ ) وكان قد دخلها الإسلام منذ القرن الرابع الهجري ، ثم حكم بعده دونما بن حومي ثم يأتي عام 794 هـ ليتولى الحكم فيها عثمان بن إدريس ، وقد استقل بالحكم في برنو آخرون اشتهر منهم علي بن دونما ( 881 ـ 909 هـ ) .
(2) حكم مصر والحجاز وغيرها في تلك الفترة الزمنية الظاهر سيف الدين برقوق في الفترة الثانية ما بين عام 792 ـ 801 هـ حيث حكم كأول حاكم من المماليك البرجية مابين 784 ـ 791 هـ ثم حكم بعده الحاج الثاني ما بين 791 ـ 792 هـ ، ثم حكم بعده كحاكم ثالث .
(3) حكم العراق من بغداد أحمد بن أويس الجلائري الأيلخاني ما بين عام 784 ـ 813 هـ وهو رابع سلاطين الجلائريين وآخرهم .
(4) حكم في هذه الفترة اليمن الملك الأشرف ممهد الدين إسماعيل الأول من بني الرسول وذلك من عام 778 ـ 803 هـ وهو سابع ملوكهم .
(5) وفي هذا القرن حكم لمدة قصيرة كل من ايرانشاه وشاهرخ ابنا تيمور أول سلاطين التيمورية ( 771 ـ 807 هـ ) كما بسط السلطان جهان ( 841 ـ 872 هـ ) سادس سلاطين دولة الخروف الأسود حكمه على العراق وشمل حكمه حتى عمان ، كما تمكن السلطان أوزن حسن ( 857 ـ 882 هـ ) خامس سلاطين دولة الخروف الأبيض أن يستولي على العراق بعد مقتل السلطان جهان عام 872 هـ .
(6) كان السلطان بايزيد الأول ( يلدبرم ) رابع سلاطين العثمانيين يحكم بلاد آسيا الصغرى حتى عام 804 هـ ولكن استولت الدولة العثمانية على أجزاء أخرى من آسيا وأوروبا ففي عام 857 هـ أخذت الدولة العثمانية بالاتساع غرباً ففتح القسطنطينية ، وفي عهد سليمان القانوني هيمنت على العراق وفي عهد سليم الأول استولت على شمال أفريقيا .
(7) ففي أوائل هذا القرن كان بنو أيوب يحكمون في ديار بكر التركية ، وبنو الصفار في سيستان إيران وبنو الأرفق في ماردين التركية ، وبنوأوردا في سيبرية الروسية ، =
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 15


هذا وقد سقطت حكومات في الجيل (1) الأول من هذا القرن على يد حكومات أخرى جاءت لتكون بديلاً عنها (2) ونشبت حروب في الجيل الثاني (3)، ثم انشأت دويلات على أعقاب أخرى (4) في الجيل الثالث (5) و «كلما دخلت أمة لعنت أختها» (6) وأبادت معالمها وتراثها ، فلم يجد العلماء والأدباء إلا فرصاً ضئيلة لتنمية قدراتهم الثقافية والعلمية في فترة زمنية محدودة كانت تسودها الطمأنينة والهدوء النسبيين .
وفي ظل هذه الظروف لم يجد الشعراء والأدباء المناخ الملائم لإنشاء الشعر وإنشاده فبلاط السلاطين والملوك وأروقة الوزراء والأمراء كانت منشغلة بالمؤامرات أو القضاء عليها بدلاً من ممارسة الأدب والعلم ولذلك نجد أن رواج السوق الشعري قد تراجع بشكل ملحوظ حيث لم يعد للشاعر مجالاً لاستعراض نتاجه الشعري كما لم يجد أرضاًً خصبة لذلك ولم يجد من يقدم له الجوائز والمنح والتشجيع والاستقبال لما ينشده كما درج عليه الحال في القرون الماضية ، فهجر على أثره الأدب وترك معه الشعر ، وبذلك انخفض عدد شعراء هذا القرن .
وإذا اعتمدنا على ما أورده فروخ حسب تقسيمه للشعراء بين شعراء

= والتيموريون في سمرقند وبلاد ما وراء النهر ، وبنو التغلقي في دهلي الهندية ، وآخرون في غرب البنغال ودولة في كشمير وأخرى في نجران الهند ، وحكومة في جونيور الهند ، وبنو البهمن في دكن هند ، ودولة في السودان إلى غيرها .
(1) الجيل : ثلث القرن .
(2) وعلى سبيل المثال لاالحصر سقطت الدولة الجلائرية عام 813 هـ وحكمت دولة الخروف الأسود على بغداد .
(3) في عام 840 هـ أنشأت دولة المشعشعيين في جنوب العراق ، ثم حدثت اضطرابات وحروب بين الدول التي حكمت المنطقة وبين الدول المجاورة وعلى أثرها سقطت حكومات ودول .
(4) في عام 874 هـ تأسست دولة الخروف الأبيض على أعقاب دولة الخروف الأسود وحكمت بغداد وفي عام 896 هـ تأسست دولة النظامشاهية في الهند ، وفي عام 895 هـ تأسست دولة العادلشاهية في بيجابور الهندية .
(5) راجع كتاب سلسلهاي إسلامي بالفارسية .
(6) سورة الأعراف ، الآية : 38 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 16


المغرب العربي وشعراء الشرق العربي نجد أنه أحصى شعراء الفئة الأولى في أربعة عشر شاعراً كما عد شعراء الفئة الثانية ثلاثة عشر شاعراً ، ومجموع العددين لا يعد شيئاً في عالم الأدب والشعر ، وإذا ما أمعنا النظر في تراجمهم نصل إلى القناعة التالية : إن العدد الأكبر منهم لا يرتقي أكثر من كونه ناظماً بالاعتبارين الكمي والكيفي فإن فيهم مجموعة يعدون من المقلين كما صرح بذلك فروخ لدى ترجمتهم وتكلف في بيان نتاجه الشعري ببيتين أو ثلاث ، وفيهم من لم يتجاوز شعره بعض الأغراض كالتورية ، أو اكتفى بنظم الأراجيز التي لازال البعض يشكك في عدها من الشعر ، وأشار في ترجمة بعضهم الآخر إلى أن شعره من نظم العلماء والفقهاء الذي لا يحتوي على القوة الأدبية بشكل عام ، وقال في أخرى أن له شعراً يغلب عليه التكلف ، وذكر أيضاً في ترجمة أحدهم أن شعره من المقطعات ، وقلما ذكر أحدهم دون تعليق مفاده أن الشاعر ليس من الطبقة المتقدمة في الشعر ، وعلى أية حال فمن النادر أن نجد في من ذكرهم من الشعراء من نظم في جميع الأغراض بل اقتصر أكثرهم على الإنشاء في غرض أو غرضين بما لا يشفي الغليل ولا ينشي نشوة العليل (1) .
وبطبيعة الحال فإن لهذه الأجواء الأثر المباشر على مناخ الأدب الحسيني باعتباره جزءاً لا يتجزأمن الأدب العربي فبانحساره انحسر الأدب الحسيني أيضاً ، وبما أن الأخير يصنف خطأ من الأدب الشيعي ـ وإلا فإن قضية الحسين عليه السلام تناولها المسلمون عموماً ـ فإن المحاولات التي بدأت منذ أمد بعيد لاقصاء أتباع مدرسة أهل البيت عن الحكم والتي تمكنت بالفعل من إسقاط عدد من الدول الشيعية في سلسلة شملت شمال أفريقيا والحجاز واليمن والإحساء والبحرين والعراق ولبنان وسوريا كما تمكنت في هذا القرن من القضاء على دولته الجلائرية ، ومن المعلوم أن لسقوط أية دولة شيعية الأثر البالغ في انحسار نشر فكر أهل البيت وإحياء تراثهم حيث أن الأقلام غير الملتزمة كانت تبث روح العداء بين الطوائف الإسلامية وتتهم أتباع مدرسة أهل البيت بما هم براء منه ، وتقلب الحقائق في سبيل أهوائها ،

(1) راجع تاريخ الأدب العربي لفروخ : 3 / 820 ـ 880 ، 6 / 579 ـ 688 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 17


وتنال من شخصياتهم ومفكريهم ، ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة في معظم كتب التاريخ والتراجم ، وهذا الداء ومع الأسف لا زال ساري المفعول حتى يومنا هذا .
إن التفرقة في أية أمة دبت لم تخلف إلا الخسارة ، وإن النزاع في أي جانب حدث لا يؤدي إلا إلى مزيد الانحطاط ، وإن انشغال المسلمين بالحروب الداخلية وتقسيم الدولة الإسلامية إلى دويلات كان السبب الرئيس لتحجيم الخارطة الإسلامية وتغييرها ، وكان سقوط الأندلس بشكل كامل في هذا القرن من نتائج هذه التفرقة والنزاعات الداخلية ، كما أدى اتحاد الطرف الآخر إلى تمكنه من الاستيلاء على بلاد الأندلس ، فبنو الأحمر في غرناطة وبنو مرين في فاس لم يضعوا نصب أعينهم قوله تعالى : « ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» (1) كما لم يلتزم بنو الأحمر بقوله جل وعلا :« ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار» (2) وقوله عزمن قائل : « يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء » (3) وفي آية أخرى : «ألذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة» (4) فتنازع بنو الأحمر وبنو مرين على الحكم والتجأ بنو الأحمر إلى الاسبان ليكونوا لهم عوناً على بني مرين فكان حليفهم الفشل والذل ومستهم نارالخزي في الحياة الدنيا قبل الآخرة ، وفي قبال ذلك لم يتمكن الاسبان من الاستيلاء على ما بقي من بلاد الأندلس في يد المسلمين إلا عندما انقسم المسلمون على أنفسهم واتحدوا هم حيث كانوا في فترة زمنية مختلفين فيما بينهم وذلك عندما كانت أسرة ملوك أراغون (5) تحارب أسرة ملوك قشتالة (6)

(1) سورة الأنفال ، الآية : 46 .
(2) سورة هود ، الآية : 113 .
(3) سورة المائدة ، الآية : 51 .
(4) سورة النساء ، الآية : 139 .
(5) أراغون : ( Aragon) منطقة في شمال شرقي أسبانيا ( الأندلس ) عاصمتها سرقسطة بقيت مملكة مستقلة إلى عام 884 هـ ( 1479م ) حين تزوج ملكها فرديناند بايزابيلا وارثة قشتالة فاتحدت الدولتان وعندها نشأت مملكة الاسبان .
(6) قشتالة : أو كاستيا ( CastiIIa ) منطقة تاريخية في وسط اسبانيا تقسمها الجبال إلى =
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 18


إلا أن فرديناند الخامس (1) ملك أراغون تزوج من إيسابل (2) أخت هنري الرابع (3) ملك قشتالة وذلك عام 873 هـ ( 1469م ) ولما توفي هنري الرابع عام 878 هـ ( 1474م ) وخلف ابنة قاصرة نصبت إيسابل على العرش فاتحد بذلك ملكهم وزال الخلاف فيما بينهم واتحدوا على المسلمين فسارت إيسابل على رأس جيش وحاصرت غرناطة والمسلمون لا يزالون متخاصمين ولما دام الخصام والحصار استسلم المسلمون عام 897 هـ ( 1491 م) وأبرمت معاهدة بينهم وبين الأسبان احتوت على سبعة وستين شرطاُ لم يف الأسبان للمسلمين بشرط منها وبذلك انتهى حكم المسلمين على آخر شبر من أراضي ألأندلس الحبيبة،ولم ينته أمر المسلمين بذلك بل أصبحت الأندلس البوابة الغربية الشمالية لاستعمار جميع أفريقيا كما لم تنته المأساة إلى يومنا هذا رغم تكبد المسلمين خسائر جسيمة معنوية ومادية في سبيل إنقاذ بلادهم من النفوذ الأجنبي .
هذا وكان آخر عهدنا بالأندلس في مجال الأدب الحسيني هو قصيدتان

= قشتالة القديمة في الشمال ومن مدنها برغس ، آبلا ، وإلى قشتالة الجديدة في الجنوب من مدنها مدريد وطليطلة ، نشأت في قشتالة منذ القرن التاسع الميلادي إمارة عاصمتها برغس ثم انضمت إلى مملكة ليون عام 628 هـ ( 1230م ) وأخذت تتوسع على حساب الإمارات الإسلامية واتحدت أخيراً مع الأراغون بعد زواج ولية العهد إيزابيلا بفرديناند الثاني الأرغواني عام 873 هـ ( 1469 م ) .
(1) فرديناند الخامس : الكاثوليكي ملك قشتالة وليون ما بين عام 879 ـ 910هـ ( 1474ـ 1504م) وملك أراغون باسم فرديناند الثاني عام 884 ـ 922 هـ ( 1479 ـ 1516 م ) وملك صقلية عام 872 ـ 922 ( 1468 ـ 1516م) وملك نابلي عام 910 ـ 922 هـ ( 1504 ـ 1516 م) .
(2) ايسابل : أو ايزابيلا الأولى ( IsabeIIa) الملقبة بالكاثوليكية ملكة قشتالة ولدت عام 855 هـ ( 1451 م) ملكت ليون وقشتالة بعد أخيها هنري الرابع عام 879 هـ ( 1474م ) تزوجت من فرديناند الخامس ملك أراغون عام 873 هـ ( 1469م) وبهذا الزواج توحدت مملكة اسبانيا وأدى إلى سقوط غرناطة عام 897 هـ ( 1492 م ) توفت عام 910هـ ( 1504 م) ، وقاما بالضغط على المسلمين لاعتناق الكاثوليكية وطرد من لم يقبل ذلك ، وأقاما محاكم التفتيش لتقوية الوحدة الدينية .
(3) هنري الرابع : حكم ليون وقشتالة أربعة ملوك باسم هنري وكان رابعهم حكمها ما بين عام 829 ـ 879 هـ ( 1425 ـ 1474 م) .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 19


لملك غرناطة يوسف الثالث (1)المتوفى عام 819 هـ الذي يقول في مطلع أولاهما :
ضحكت لما رأتني ناحلاً قد حال لوني (2)

ومطلع ثانيتهما :
تطاول ليلي بالأبرقين ونام الخلي عن العاذلين (3)

وظاهرة الانحسار لم تختص بالأدب الحسيني بل شملت الأدب الإمامي بشكل عام كما سبقت الإشارة إليه ، فهذا الأميني رغم تجوله في عواصم العلم والحضارة الإسلامية وإتاحة الفرصة له للإطلاع على ما احتوته المكتبات العريقة في كل من اليمن والهند وشمال أفريقيا وإيران وتركيا والشام وغيرها لم يتمكن من استعراض شعر أكثر من أربعة شعراء في هذا القرن تطرقوا إلى مؤتمر الغدير ـ رغم أهميته التاريخية والعقائدية عند الإمامية ـ وهم : البرسي (4) المتوفى نحو عام 813 هـ ، ضياء الدين الهادي (5) المتوفى عام 822 هـ ، وابن داغر (6) المتوفى نحو عام 850 هـ ، وابن العرندس (7) المتوفى نحو 900 هـ ،

(1) ملك غرناطة : هو يوسف الثالث بن يوسف الثاني النصري السلطان الرابع عشر من سلاطين بني الأحمر ( بنو نصير ) حكم بعد محمد السابع المستعين عام 797 هـ وتولى بعده محمد الثامن المستمسك .
(2) راجع المقطوعة : ( 39) بعنوان : « كيف انسى » .
(3) راجع المقطوعة : (44) بعنوان : « تخذت محبتهم عدة » .
(4) البرسي : هو رجب بن محمد بن رجب الحلي ، اشتهر بالحافظ البرسي لكثرة حفظه فقد كان فقيهاَ بارعاً ومحدثاً حافظاً وأديباً شاعراً له من المصنفات عدة منها : مشارق الأمان ، أسرار الأئمة ، إنشاء التوحيد .
(5) الهادي : ويقال له أيضاً عبد الهادي وهو ابن إبراهيم بن علي الصنعاني الحسني ، ولد عام 758 هـ وهو أحد رجالات اليمن واعلامها المتضلعين في فنون العلم والأدب ، ومن مؤلفاته : كفاية القانع ، نظم الخلاصة وشرحها ، الرد على ابن العربي .
(6) ابن داغر : هو مغامس بن داغر الحلي ، كان ينتمي إلى إحدى العشائر العربية التي تسكن ضواحي الحلة فسكن الحلة وتخرج من جامعتها خطيباً أديباً وكان والده أيضاً من الخطباء والأدباء .
(7) ابن العرندس : هو صالح بن عبد الوهاب الحلي وقيل أنه توفي عام 840 هـ ودفن بها ومرقده معروف يزار عليه قبة ببناء عالية ، كان عالماً زاهداً وفقيهاً أصولياً ، وأديباً شاعراً ، من مؤلفاته : كشف اللآلي .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن التاسع 20


ومن الجدير ذكره اننا نجد أن هذا العدد قد تضاءل أيضاً في القرن العاشر ليصل إلى شاعرين فقط احدهما : الكفعمي (1) المتوفى عام 905 هـ والعاملي (2)المتوفى عام 984 هـ ، ومن هنا يمكن اعتبار القرنين التاسع والعاشر عصر انتكاسة الأدب بشكل عام والأدب الإمامي بشكل خاص .
وسيأتي الحديث عن الانحسار الجغرافي للشعر الحسيني في هذا القرن لدى الحديث عن القواسم المشتركة بين القرنين الثامن والتاسع حيث انحصر الشعر الحسيني في هذا القرن تقريباً بمدرسة الحلة في العراق وهذه ظاهرة أخرى من ظواهر الانتكاسة .
ولهذا القرن مشاركات عديدة مع القرن الذي سبقه وكذلك مع القرن الذي سيليه ، ولعل القاسم المشترك بينه وبين القرن السابق هو فيما يلي:
1ـ انحسار المد الجغرافي :
ظل هذا القرن كسابقه منحصراً في إطار جغرافي محدود بل تأطر أكثر من ذي قبل حيث نجد بأن معظم شعرائه كانوا ينتمون إلى المدرسة الحلية التي كانت تعيش عصرها الذهبي باستثناء بعض العينات من هنا وهناك كشاعر من الحجاز وهو محمد بن الحسن العليف (3) المتوفى عام 815 هـ ، وشاعر من اليمن كالمطهر بن محمد الحمزي (4)المتوفى عام 879 هـ وشاعر من

(1) الكفعمي : هو إبراهيم بن علي بن حسن بن محمد الهمداني العاملي الحائري ، ولد في كفرعيما أللبنانية وسكن الحائر ، قال عنه المجلسي أنه من مشاهير الفضلاء والمحدثين الصلحاء المتورعين وكانت له مكتبة كبيرة ضمت كثيراً من الكتب الغربية المعتبرة ، وكان من أعلام الإمامية وله مؤلفات عدة منها : وفيات العلماء ، مشكاة الأنوار ، اللفظ الوجيز .
(2) العاملي : هو حسين بن عبد الصمد بن محمد بن علي البهائي العاملي الهمداني ، كان من مشاهير العلماء ، وأديباً شاعراً ولد عام 918 هـ وتوفي في البحرين وله من المؤلفات : وصول الأخيار ، الرسالة الرضاعية وديوان شعره .
(3) العليف : هو محمد بن الحسن الملقب ببليغ الخطباء ولد عام 742 هـ بحلي مدينة باليمن ، هاجر إلى مكة وسمع من علمائها ومحدثيها ، نظم الشعر وأجاده ، توفي في مكة .
(4) الحمزي : هو المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان بن يحيى بن حمزة من أئمة الزيدية باليمن ، دعا إلى نفسه عام 840 هـ وقاومه الناصر أحمد بن محمد =

الفهرس التالي التالي