 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
370 |
|
 |
أنك صاحب قياس ، وأول من قاس إبليس ، ولم يُبنَ دين الإسلام على القياس ، وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صواباً ومن دونه خطأً لأن الله تعالى قال : «فاحكم بينهم بما أراك الله»(1) ولم يقل ذلك لغيره ، وتزعم أنك صاحب حدود ، ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك ، وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء ، ولخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك ، ولولا أن يقال : دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء فقس إن كنت مقيساً .
قال أبو حنيفة : لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس .
قال الصادق : كلا إن حب الرياسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك(2) .
ولعل هذه المناظرة قادته إلى البقاء في المدينة مدة سنتين ليتتلمذ على الإمام الصادق عليه لسلام والتي أدت إلى التخفيف ولو نوعاً ما عن الأخذ بالرأي والتوجه ولو قليلاً إلى السنة بعد تلك المقاطعة المعروفة عنه ، وعن هذه السنتين يصرح بنفسه قائلاً : لولا السنتان لهلك النعمان .
* ولننقل وثيقة أخرى حملت إلينا مناظرة في هذا الاتجاه وقعت بين أتباع المدرستين وهي ما يحدثنا القاضي النعمان عن بعض رجال الإمام الصادق عليه السلام أنه وقف على حلقة أبي حنيفة وهو يفتي فقال : يا أبا حنيفة ، ما تقول في رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد على غير طهر أو وهي حائض ؟
قال : قد بانت منه .
فقال : ألم يأمر الله عز وجل بالطلاق للعدة ونهى أن تتعدى حدوده فيه ، وسن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكده وبالغ فيه ؟
|
(1) إشارة إلى قوله تعالى : « إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله » [النساء : 105] .
(2) الاحتجاج : 2/266 ، وروى القاضي أبو حنيفة النعمان المناظرة بشكل آخر ولكنه احتوى المضمون نفسه ـ راجع دعائم الإسلام : 1/91 .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
371 |
|
 |
قال : نعم ، ولكنّا نقول : إن هذا عصى ربه ، وخالف نبيه ، وبانت منه امرأته فقال : فلو أن رجلاً وكّل وكيلاً على طلاق امرأتين له ، فأمره أن يطلق إحداهما للعدة والأخرى للبدعة ، فخالفه ، فطلق التي أمره أن يطلقها للبدعة للعدة ، والتي أمره أن يطلقها للعدة للبدعة .
قال : لا يجوز طلاقه .
فقال : ولِمَ ؟
قال : لأنه خالف ما وكّله عليه .
فقال : فيخالف من وكّله فلا يجوز طلاقه ، ويخالف الله ورسوله فيجوز طلاقه؟
فأقبل أبو حنيفة على أصحابه وقال : مسألة رافضي ، ولم يحر جواباً(1) .
إلى غيرها من الوثائق التي أوردها المؤرخون والمحدثون في هذا المجال ، وعن طبيعة هذه المناظرات يحدثنا القاضي النعمان فيقول :
«وإنما كان أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام وأصحابه ينكرون على أبي حنيفة وأصحابه من أهل العراق لقربهم من التشيع لأنهم أخذوا عن أصحاب علي عليه السلام لما كانوا بالعراق ، فكانوا يرجون رجوعهم إلى الحق»(2) .
وقد بلغ من أبي حنيفة الأخذ بالرأي إلى حد كان كثير الرجوع عن فتواه حتى ذكر أن رجلاً من أهل خراسان حجّ فلقي أبا حنيفة فكتب عنه مسائل ثم عاد من العام المقبل(3) فلقيه فعرضها ثانية عليه فرجع عنها كلها...
فاعترض عليه الخراساني فقال أبو حنيفة : إنما كان ذلك رأياً رأيته ورأيت الآن خلافه .
|
(1) دعائم الإسلام : 1/95 .
(2) دعائم الإسلام : 1/96.
(3) أراد عاماً آخر لا العام الذي يليه .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
372 |
|
 |
قال الخراساني له : ويحك ولعلي لو أخذتُ عنك العام ما رجعتَ إليه ، لرجعت له عنه من قابل .
قال أبو حنيفة : لا أدري(1) .
وهناك مناظرة مع رجل من أهل الشام من أصحاب الرأي ، اشترك فيها الإمام الصادق عليه السلام بنفسه مع عدد من تلامذته منهم هشام بن الحكم(2) وهشام بن سالم(3) وحمران بن أعين(4) وقيس الماصر(5) ؛ ومما قاله هشام بن الحكم في مناظرته : فلم اختلفنا نحن وأنت وجئتنا من الشام تخالفنا وتزعم أن الرأي طريق الدين وأنت مقر بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين ؟ فسكت الشامي كالمفكر .
قال أبو عبد الله عليه السلام : ما لك لا تتكلم ؟
فقال : إن قلتُ إنّا ما اختلفنا كابرت ، وإن قلت إن الكتاب والسنة يرفعان عنّا الاختلاف أبطلت(6) ـ الحديث ـ .
وروى أبو يوسف القاضي والحسن بن زياد(7) عن أبي حنيفة أنه
|
(1) دعائم الإسلام : 89 .
(2) هشام بن الحكم : ابن منصور الشيباني الكوفي المتوفى قبل 193هـ ، وهو من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام وهو من متكلمي الإمامية وفقهائها ، من مصنفاته : الإمامة ، القدر ، والرد على من قال بإمامة المفضول .
(3) هشام بن سالم : الجواليقي الجعفيّ وهو من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام المستشهد عام 183هـ ، لَهُ كتب عديدة منها : كتاب المعراج ، كتاب الحج ، كتاب التفسير .
(4) حمران بن أعين : الشيباني ، من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام ومات في حياة الصادق المستشهد عام 148هـ ، قال فيه الصادق عليه السلام : إنه رجل من أهل الجنّة .
(5) قيس الماصر : هو قيس بن الماصر ، وهو من أصحاب الصادق عليه السلام ، أخذ علم الكلام عن الإمام علي السجاد عليه السلام ، قال فيه الصادق : أنت والأحول (محمد بن علي البجلي) قفّازان حاذقان .
(6) الإرشاد للمفيد : 279 ، والمناظرة طويلة أردنا الإشارة إليها فقط .
(7) الحسن بن زياد : ابن حبيب اللؤلؤي (116 ـ 204هـ) من أهل الكوفة ، أخذ عن أبي حنيفة ، ولي القضاء ، من تصانيفه : أدب القاضي ، معاني الايمان ، النفقات .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
373 |
|
 |
قال : عِلْمُنا هذا رأْيٌ وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه عنه(1) .
وروى أشهب بن عبد العزيز(2) قال : كنت عند مالك يوماً فسئل عن البتَّةِ(3) فقال : هي ثلاث ، فأخذت ألواحي لأكتب عنه ، فقال : ما تصنع ، قلت : اكتب ما قلت ، قال : لا تفعل فعسى أنّي أقول بالعشي أنها واحدة(4) .
هذا وقد سأل يونس(5) الإمام الكاظم عليه السلام قائلاً : بما أوحد الله ؟ فقال عليه السلام : يا يونس لا تكونن مبتدعاً ، من نظر برأيه هلك ومن ترك أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ضل ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر...»(6) في إشارة إلى حديث الثقلين .
وأخيراً لا بأس بالإشارة إلى عدد من ابرز أعلام مدرسة الرأي في القرنين الأول والثاني :
1 ـ إبراهيم بن يزيد النخعي (46 ـ 96 هـ) فقيه العراق وصاحب مذهب(7) .
|
(1) دعائم الإسلام : 87 .
(2) أشهب بن عبد العزيز : ابن داوود القيسي الجعدي (145 ـ 204هـ) وقيل اسمه مسكين وأشهب لقب لَهُ ، فقيه الديار المصرية وصاحب مالك بن أنس .
(3) البتة : الطلاق البتة ، أي الطلاق البائن ، وفي الحديث : «طلقها ثلاثاً بتةً» أي قاطعة لا رجعة فيها ، وفي حديث آخر : «لا تبيت المبتوتة إلا في بيتها» هي المطلقة طلاقاً بائناً .
(4) دعائم الإسلام : 87 .
(5) يونس : هو ابن عبد الرحمن الأسدي ، المولود في عهد هشام بن عبد الملك (71 ـ 125هـ) والمتوفى عام 208هـ ، من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام ، له أكثر من ثلاثين كتاباً منها : جوامع الآثار ، الشرائع ، وتفسير القرآن .
(6) الكافي : 1/56 ، وعنه كشكول البحراني : 3/154 .
(7) يذكر بأنه كان من الأوائل الذي أخذوا بالرأي في الفقه والافتاء ، وكان من أهل الكوفة ، وهو من مذحج ، عدوه من أكابر التابعين ، مات متخفياً من الحجاج ، ولكن التحقيق يرشدنا إلى أنه لم يكن من رواد مدرسة الرأي وإذا كان فقد تحول .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
374 |
|
 |
2 ـ الأسود بن يزيد بن قيس النخعي (... ـ 75 هـ) ، فقيه الكوفة .
3 ـ حماد بن أبي سليمان النخعي (... ـ 119 هـ) ، من شيوخ أبي حنيفة .
4 ـ شريح بن الحارث بن القيس الكندي (... ـ 78 هـ) . قاضي القضاة بالكوفة منذ عهد عمر حتى عهد معاوية .
5 ـ عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي (نحو 28 ق.هـ ـ 32هـ) ولي بيت المال في الكوفة على عهد عمر بن الخطاب .
6 ـ عبيدة بن عمرو (قيس) السلماني المرادي (... ـ 72هـ) ، راوي تولى القضاء .
7 ـ علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي (18 ق.هـ ـ 62 هـ) وهو من الرواة في الكوفة .
8 ـ عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي (40 ق.هـ ـ 23 هـ) ثاني الراشدين في المدينة .
9 ـ محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (131 ـ 189 هـ) تولى القضاء في العهد العباسي وكان إمام أهل الرأي .
10 ـ مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني (... ـ 63 هـ) تولى الإفتاء في الكوفة .
11 ـ النعمان بن ثابت الكابلي التيمي (80 ـ 150 هـ) مفتي العراق في العهد العباسي .
12 ـ يعقوب بن إبراهيم الكوفي (113 ـ 182 هـ) قاضي قضاة بني العباس في بغداد .
قال الكراجكي(1) : روى هشام بن عروة(2) عن أبيه : إن أمر بني
|
(1) الكراجكي : محمد بن علي بن عثمان الخيمي (... ـ 449هـ) ، من فقهاء الإمامية ، ولد في واسط ومات في صور ، كان نحوياً لغوياً ومتكلماً وطبيباً ، من مصنفاته : كنز الفوائد ، معونة الفارض ، ومعدن الجواهر .
(2) هشام بن عروة : ابن الزبير بن العوام الأسدي القرشي (61 ـ 146هـ) ، من أئمة الحديث وعلماء المدينة وروى الحديث في الكوفة ، عُدَّ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، مات ببغداد .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
375 |
|
 |
إسرائيل لم يزل معتلاً حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فأضلوهم ، قال ابن عيينة(1) فما زال أمر الناس مستقيماً حتى نشأ فيهم ربيعة الرأي بالمدينة ، وأبو حنيفة بالكوفة وعثمان البري(2) بالبصرة ، وأفتوا الناس وفتنوهم فنظرناهم فإذا هم أولاد سبايا الأمم(3) .
وهذه المقولة تدلنا على مدى الصراع الذي حدا بالأمة من ناحية ، وأن نظرية الرأي جاءت مخترقة أجواء مدرسة الحديث .
وقد يستدل لصالح مدرسة الرأي من قبل أنصارها بالاضطرار إلى الرجوع إليها لقلت الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي الحقيقة ان الحديث عن هذا يقع في اتجاهين :
الاول : أن فكرة الرأي جاءت أساساً لإلغاء العمل بالحديث ، ولذلك صدر القرار بمنع تدوينه وروايته والنهى عن الأخذ بحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحرق أحاديثه بالإضافة إلى الممارسات الرسمية وشبه الرسمية كما عرفت .
الثاني : ان أرباب مدرسة الرأي يقرّون بما رواه أمثال أبي هريرة(4) الذي وحده روى عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم 5374 حديثاً(5) مما يوجب التناقض بين المقولتين(6) .
|
(1) ابن عيينة : هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي (107 ـ 198) ، محدّث أهل مكة ، ولد في الكوفة ومات في مكة ، لَهُ كتاب الجامع في الحديث وكتاب التفسير ، وهو ممن أخذ العلم والحديث من الإمام جعفر الصادق عليه السلام .
(2) عثمان البُرّي : هو ابن مقسم أبو سلمة الكندي بالولاء ، توفي نحو سنة 163هـ كان أحد أئمة الحديث وصاحب بدعة ، قدرياً ينكر الميزان يوم القيامة ـ لسان الميزان : 4/155 .
(3) القياس والشريعة الإسلامية : 69 عن كنز الكراجكي ، وقد سبق النقل عنه مع بعض التفاصيل .
(4) أبو هريرة : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي (21 ق.هـ ـ 59هـ) ، أسلم سنة 7هـ ، ولاّه عمر البحرين وعزله ، وولاه معاوية المدينة وفيها مات .
(5) الأعلام للزركلي : 3/308 .
(6) وللعلم فإن عبد الله بن عمر روى (2630) حديثاً ، أنس بن مالك (2286) حديثاً ، عائشة (2208) حديثاً ، عبد الله بن عباس (1660) حديثاً ، جابر الأنصاري
=
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
376 |
|
 |
ويرى أتباع هذه المدرسة ـ أي مدرسة الرأي ـ بأن الكتاب والسنة قد يكونان قاصرين في بيان الأحكام الشرعية والتي هي في تطور مع الزمان أو بأن الكتاب والسنة إنما تحدثا عما وقع في تلك الفترة الزمنية ، وهناك أمور لم يرد ذكر لها فيها فعلى الفقيه أن يشغل رأيه في المسألة ويحدد الأحكام التي لم يرد لها ذكر في الكتاب أو السنة .
ولكن حديثنا السابق عن الكتاب والسنة واعتراض علي عليه السلام وتصريح بعض الآيات كآية الرطب واليابس(1) وآية إكمال النعمة(2) كلها تدل على أن العمومات موجودة في الكتاب والسنة وما على الفقيه إلا إرجاع الخاص إلى العام ، والجزء إلى الكل ، والفرع إلى الأصل وتشخيص مواردها .
هذا وقد ورد في حديث الباقر عليه السلام عن خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع أنه قال : «أيها الناس والله ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه»(3) .
وقال الصادق عليه السلام : «ما من شيء إلا وفيه كتابٌ أو سنة»(4) .
وقال الصادق عليه السلام أيضاً : «إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول : لو كان هذا أنزل في القرآن ؟ إلا وقد أنزله الله فيه»(5) .
|
= (1540) حديثاً ، وأبو سعيد الخدري (1170) حديثاً . وللمزيد راجع «تحول علم الحديث» لأوليائي .
(1) المراد بذلك هي الآية التالية : « وعنده مفاتِحُ الغيبِ لا يعلمها إلاّ هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلاّ يعلمها ولا حبّة في ظُلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين » [الأنعام : 59] .
(2) المراد بذلك قوله تعالى : « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً » [المائدة : 3] .
(3) راجع الكافي : 3/74 «باب الطاعة والتقوى» .
(4) راجع الكافي : 1/59 «باب الرد إلى الكتاب والسنة» .
(5) راجع الكافي : 1/59 .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
377 |
|
 |
هما مفهومان قد يختلط مصاديق كل منهما مع الآخر فالاجتهاد بمفهومه العام هو الذي سبق وعرّفناه بعملية الاستنباط ، وهو القريب من المعنى اللغوي أيضاً والذي أشرنا إليه سابقاً .
وأما الاجتهاد بمفهومه الخاص فهو الذي يعادل الرأي والقياس والاستحسان وقد سئل الشافعي عن القياس أهو الاجتهاد أم هما مفترقان ، فقال : هما اسمان بمعنى واحد(1) .
هذا وقد التزم أتباع مدرسة الحديث (الإمامية) المفهوم العام للاجتهاد بينما التزم أتباع مدرسة الرأي (العامة) المفهوم الخاص وكان لكل من أتباع المدرستين تصريحات بهذا الشأن وقد برز هذا الخلاف في النصف الأول من القرن الثاني الهجري وأقيم لأجل ذلك بعض المناظرات بين رأس المدرستين الإمام جعفر الصادق عليه السلام وأبي حنيفة والتي سبق ذكر بعضها .
وقد وردت روايات كثيرة من قبل أئمة أهل البيت عليهم السلام تنفي الاجتهاد بمفهومه الخاص الذي داولته أتباع مدرسة الرأي ، ولعل هذه الروايات أيضاً كانت السبب من وراء تمسك الاخباريين برأيهم وطعنوا بواسطتها الأصوليين في إعمالهم الاجتهاد كوسيلة إلى استنباط الأحكام الشرعية .
وعلى أية حال فقد ظلت المدرستان تتنافسان في المجال العلمي بل وصل الأمر إلى حد الصراع إلى أن تسيست المسألة .
|
|
(1) الرسالة للشافعي : 477 .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
378 |
|
 |
من الواضح أن الصراع على السلطة منذ أن لعب معاوية لعبته السياسية للحصول على السلطان كان العامل الأساس للتمسك بهذه النظرية وذلك لأن الاعتماد على مدرسة الحديث كان عقبة أمام استمرارية الحكم على الشكل الذي انتهجه معاوية ، ولذلك نجد أن السلطات الحاكمة دعمت هذا الاتجاه لتصرف الأمة عن دعاة مدرسة الحديث الذين لا يؤيدون موقف السلطات . وقد حاولت السلطات أيّاً كانت وجهتها تأييد مثل هذه المدرسة ونشرها في قبال مدرسة الحديث التي تتعارض ومصلحة هذا النحو من السلطات والحكام .
ويذكر أن العباسيين ساعدوا على انتشار مذهب أبي حنيفة وغيره وجندوا تلامذته في إرسالهم إلى الأقطار الإسلامية(1) ، وبخصوص المنصور العباسي(2) الذي كان من أنصار هذه المدرسة حيث دعمها بكل ما لديه من قوة وقرب أهل العراق ليكونوا له عوناً في ذلك ، بينما أبعد أهل الحديث والفتوى من أهل المدينة ، ورغم كثرة المحدثين في العراق إلا أن الظاهرة انقلبت لصالح أهل الرأي والقياس ، واختلق النظام المعارك بين العلماء بغية تخفيف الهجمات الشعبية عليه ، فكانت المعركة بين أهل الحديث وبين أهل الرأي . ولم تتوقف السلطة عند هذا الحد حتى خلقت بين أهالي كبريات المدن الإسلامية التنابذ والحقد فَعُيِّر أهل المدينة بالغناء والطرب بينما عُيِّر أهل مكة بالمتعة ، وقد عرفت المدينة بمدرسة الحديث ومكة
|
(1) ادوار فقه : 3/656 .
(2) المنصور العباسي : هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، ثاني حكام العباسيين ولد عام 95هـ ، تولى الأمر عام 136هـ بعد السفاح وحتى وفاته عام 158هـ ، فتولاه بعده ابنه المهدي محمد بن عبد الله .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
379 |
|
 |
بمدرسة التفسير ، والعراق بمدرسة الرأي(1) .
ومن ممارسات مدرسة الرأي أنهم منعوا الرأي الآخر أيضاً ، بل منعوا الإفتاء فقد ورد بأن الصحابة اختلفوا في مسألة تحقق الجماع الموجب للغسل فأرسلوا أبا سعيد الخدري إلى عائشة فسألها فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا ، ورجعوا إلى قولها ، وقال عمر : إن خالف أحد بعد هذا جعلته نكالاً ، وقال لزيد بن ثابت(2) : لو أفتيت بعد هذا بخلافه لأوجعتك(3) .
هذا وقد نهى عثمان أبا ذر من الفتيا في حديث طويل أورده أبو نعيم الأصبهاني(4) في ترجمة أبي ذر(5) .
وفي نهاية المطاف نختم الحديث بكلام أبي ثور(6) قال : كنت أنا وإسحاق بن راهويه(7) وحسين الكرابيسي(8) ـ وذكر جماعة من العراقيين ـ
|
(1) راجع المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/160 .
(2) زيد بن ثابت : ابن الضحاك الخزرجي (11 ق.هـ ـ 45هـ) ، أحد كتبة الوحي ، تولى في المدينة القضاء والفتيا ، وهو ممن جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
(3) راجع ادوار فقه : 1/548 عن مسائل الناصريات للسيد المرتضى .
(4) أبو نعيم الأصبهاني : هو أحمد بن عبد الله بن أحمد (336 ـ 430هـ) ، ولد ومات في أصبهان ، وهو من روى الحديث ، من مصنفاته : معرفة الصحابة ، دلائل النبوة ، والشعراء .
(5) حلية الأولياء : 1/160 .
(6) أبو ثور : هو إبراهيم بن خالد الكلبي (170 ـ 240هـ) كان من الفقهاء وصاحب مذهب ، مات ببغداد تتلمذ على الشافعي وعلى ابن عيينة ، وروى عنه عدد من الفقهاء ، كان نزل مكة .
(7) إسحاق بن راهويه : هو إسحاق بن إبراهيم التميمي (161 ـ 238هـ) ولد في مرو وتوفي في نيسابور صاحب مذهب ، تتلمذ على أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي والبخاري ومسلم ، من مؤلفاته المسند .
(8) حسين الكرابيسي : هو ابن علي البغدادي (... ـ 248هـ) كان من الفقهاء الرواة ، صاحب الشافعي ، وكان أشهر من حضر مجلس درسه ، وأحفظهم لمذهبه ، ومن مصنفاته : الجرح والتعديل ، وأصول الفقه وفروعه .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
380 |
|
 |
ما تركنا بدعتنا ـ الأخذ بالرأي ـ حتى رأينا الشافعي وقال : لما ورد الشافعي العراق جاءني حسين الكرابيسي ـ وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي ـ فقال : قد ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه فقم بنا نسخر به ، فقمت وذهبنا حتى دخلنا عليه فسأله الحسين عن مسألة ، فلم يزل الشافعي يقول ، قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «حتى أظلم علينا البيت فتركنا بدعتنا واتبعناه» .
وفي مقولة أخرى له : قال كنت من أصحاب محمد بن الحسن ، فلما قدم الشافعي علينا جئت إلى مجلسه شبه المستهزئ فسألته عن مسألة من الدَور فلم يجبني ، وقال كيف ترفع يديك في الصلاة ؟ فقلت : هكذا ، فقال : أخطأت ، فقلت : هكذا ، فقال اخطأت ، قلت : فكيف أصنع ؟ قال : حدثني سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع يديه بحذو منكبيه ، وإذا ركع وإذا رفع ، قال أبو ثور : فوقع في قلبي من ذلك ، فجعلت أزيد في المجيء واقصر من الاختلاف إلى محمد بن الحسن ، فقال لي محمد يوماً يا أبا ثور أحسب هذا الحجازي قد غلب عليك ، قال : قلت : أجل الحق معه ، قال : وكيف ذلك ؟ قال : قلت : كيف ترفع يديك في الصلاة ، فأجابني على نحو ما أخبرت الشافعي ، فقلت : أخطأت ، فقال : كيف أصنع ؟ قلت : حدثني الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه ، وإذا ركع وإذا رفع(1) .
|
|
(1) تاريخ بغداد : 6/67 ـ 68 .
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
381 |
|
 |
|
|
المدارس الفقهية (بشكل عام)
|
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
382 |
|
 |
انطلاقاً من مبدأ أنّ الكمال لله وحده جلّ وعلا نرحّب بكل نقد بنّاء يردنا ، وسيؤخذ بعين الاعتبار في سير عملنا إنشاء الله تعالى ، كما وسيثبت نصه في الجزء الأخير من الموسوعة المسمى بالخاتمة والمخصص للتقريظ والنقد ونحوهما .
 |
| دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 |
|
383 |
|
 |
نهيب بذي القلوب النابضة بالعلم والثقافة ، ونستمد العون من أرباب الفضل والمعرفة لتزويدنا بما لديهم من معلومات حسينية لاسعاف هذه الموسوعة «دائرة المعارف الحسينية» التي تولت دراسة كل ما له علاقة بالإمام الحسين عليه السلام ونهضته المباركة وأنصاره الكرام ، والتفضيل بإرسالها على العنوان التالي :
Hussaini Encyclopedia
P.O Box 925
London Nw2 4pz
أو على رقم الفاكس (لندن)
Fax : 0181 - 208 1140 .
|