دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 356

حيث ذكّر الأمة بالمصدرين الأساسين للتشريع وهما الكتاب والسنة بعدما انتشرت مدرسة الرأي .
وقال في خطبة أخرى يستنكر العمل بالرأي حيث يقول : «ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثم ترد تلك القضية على غيره فيحكم فيها بخلافه ، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً ، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد ، أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه ، أم نهاهم عنه فعصوه ، أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه ، أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ، أم أنزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن تبليغه وآدائه ، والله سبحانه يقول « ما فرطنا في الكتاب من شيء »(1) فيه تبيان كل شيء...»(2) .
ويقول علي عليه السلام فيما قاله في عهده للأشتر(3) : «وكل قد سمّى الله له سهمه ، ووضع على حدّه فريضته في كتابه أو سنة نبيه»(4) حيث يحوله إلى كتاب الله وسنة رسوله دون اللجوء إلى الرأي كما فعل أسلافه .
وقال علي عليه السلام : «تعلموا العلم قبل أن يرفع ، أما إني لا أقول هكذا ، ورفع يده ، ولكن يكون العالِم في القبيلة فيموت فيذهب بعلمه ، ويكون الآخر في القبيلة فيموت فيذهب بعلمه ، فإذا كان ذلك اتخذ الناس رؤساء جهالاً يفتون بالرأي ويتركون الآثار ، فيضلون ويُضلون ، فعند ذلك هلكة الأمة»(5) .

(1) سورة الأنعام ، الآية : 38 .
(2) نهج البلاغة : 108 .
(3) الأشتر : هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي (نحو 25 ق.هـ ـ 37هـ) من خيار التابعين سكن الكوفة ، ولاّه الإمام علي عليه السلام مصر فاغتاله معاوية بالسم ، قال الإمام علي عليه السلام في رثائه : رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله .
(4) عهد الأشتر : 53 .
(5) دعائم الإسلام : 1/96 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 357

وكان ابن عباس وسلمان والمقداد(1) وأبو ذر(2) ومالك الأشتر وجابر الأنصاري ومجموعة كبيرة من الصحابة والتابعين ، من أنصار هذه المدرسة ولذلك نراهم كل في موقعه استشهد بالكتاب والسنة في قبال من أخذ بالرأي ، فهذا الإمام الحسن عليه السلام وأخوه الإمام الحسين عليه السلام يشيران في خطبهم إلى هذا المعنى .
هذا وقد أخذت نظرية الرأي مجالين : الأول في التشريع وقد تمثلت في نشوء بعض المذاهب الإسلامية ، والثاني في الحكم وقد تمثلت في اجتماع يوم السقيفة .
ويذكر بأنه على أثر مسألة الرأي والحديث برزت مدرستا الكوفة والمدينة ، ففي مدرسة الكوفة كان مقدار العمل بالرأي أكثر منه في مدرسة المدينة ، وإن كانت المدرسة الأولى تأخذ بالحديث أيضاً وكان أكثر الاجتهاد بالرأي في المدرسة العراقية (الكوفة) يسير على منهاج القياس ، بينما يسير في مدرسة المدينة على منهاج المصلحة ، وهذا الاختلاف جعل فقهاء المدينة يرمون فقهاء العراق بالابتعاد عن السنة وفي الإفتاء بالدين بآرائهم ، والعراقيون ينكرون ذلك .
وكان في العراق من الفقهاء والمحدثين الشعبي(3) وغيره ، ومن فقهاء

(1) المقداد : هو ابن عمرو بن ثعلبة الكندي الحضرمي (37 ق.هـ ـ 33هـ) وهو من أجلة صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والموالين لعلي عليه السلام ، قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إنّ الله عز وجل أمرني بحب أربعة وأخبرني الله بحبهم : علي والمقداد وأبو ذر وسلمان) .
(2) أبو ذر : هو جندب بن جنادة بن سفيان الغفاري (... ـ 32هـ) ، وهو خامس من أسلم ، قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (ما أ ظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، نفاه عثمان بن عفان إلى الربذة وفيها مات ولم يكن يملك ثمن كفن) .
(3) الشعبي : هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الحميري (19 ـ 103هـ) ، ولد ومات في الكوفة ، ولي قضاء الكوفة في عهد عمر بن عبد العزيز ، وكان شاعراً وفقيهاً وحافظاً للحديث .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 358

الرأي علقمة(1) والنخعي(2) وحماد(3) ، أما في مكة فكانت هناك مدرسة تقارب مدرسة العراق ، ومن ثم صار الكل عالم من التابعين مذهب خاص به وانتصب في كل بلد إمام ، فكان سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر(4) في المدينة ، وعطاء بن رباح(5) في مكة وإبراهيم النخعي والشعبي في الكوفة ، وكان الحسن البصري(6) في البصرة ، وطاووس بن كيسان(7) في اليمن ، ومكحول(8) في الشام(9) .
ويذكر أن كل قطر من الأقطار كان بعض الفقهاء من كلا الاتجاهين ، ومن عرفوا من زعماء مدرسة الحديث في مكة عبد الملك ابن جريح ، وفي المدينة ابن إسحاق(10) ، ومالك بن أنس ، وفي البصرة

(1) علقمة : هو ابن قيس بن عبد الله النخعي (18 ق.هـ ـ 62هـ) ، شهد صفين مع الإمام علي عليه السلام ، وهو ممن روى الحديث ورووا عنه ، سكن الكوفة وفيها مات .
(2) النخعي : هو إبراهيم بن يزيد بن قيس المذحجي (46 ـ 96هـ) ، من أهل الكوفة ، كان من حفظة الحديث .
(3) حماد : هو ابن أبي سليمان النخعي (... ـ 119هـ) ، وهو أستاذ أبي حنيفة ، وقد عُدّ من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام .
(4) سالم بن عبد الله بن عمر : ابن الخطاب القرشي العدوي (... ـ 106هـ) أحد فقهاء المدينة السبعة ، روى عن أبيه وعن أبي هريرة ، وأبي رافع وأبي أيوب وغيرهم ، وروى عنه كثيرون .
(5) عطاء بن رباح : هو ابن أسلم بن صفوان (27 ـ 114هـ) ولد في اليمن ومات في مكة ، وهو مفتي مكة ومحدثهم .
(6) الحسن البصري : هو ابن يسار (21 ـ 110هـ) ولد في المدينة ، ومات في البصرة ، يعد من فقهاء وفصحاء ونساك وحكماء البصرة ، لَهُ كتاب «فضائل مكة» .
(7) طاووس بن كيسان : الخولاني الهمداني (33 ـ 106هـ) ولد في اليمن ومات في مكة ، وهو من أئمة الحديث ، عُدّ من أصحاب الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام .
(8) مكحول : هو ابن عبد الله (شهراب) بن شاذل الكابلي الشامي (... ـ 113هـ) ولد في كابل ومات في دمشق ، طاف البلدان طلباً للعلم والحديث .
(9) راجع دائرة معارف القرن العشرين : 3/203 والمدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 1/341 .
(10) ابن إسحاق : هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني (... ـ 151هـ) من مؤرخي
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 359

ربيع بن صبيح(1) وسعيد بن أبي عروبة(2) وحماد بن سلمة(3) ، وفي الكوفة سفيان الثوري(4) ، وفي الشام الاوزاعي(5) ، وفي واسط هيثم(6) وفي اليمن معمر(7) ، وفي ري جرير بن عبد الحميد(8) ، وفي حران ابن مبارك(9) إلى غيرهم(10) .

= العرب ومن رواة الحديث ، مات ببغداد ، عُدّ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، من مصنفاته : السيرة النبوية ، كتاب الخلفاء ، وكتاب المبدأ .
(1) ربيع بن صبيح : السعدي البصري المتوفى عام 160هـ والمدفون في إحدى جزر الهند ، وهو ممن روى الحديث ، وهو أوّل من صنّف في البصرة .
(2) سعيد بن أبي عروبة : هو ابن مهران العدوي البصري (نحو 70 ـ 156هـ) ، فقيه البصرة في زمانه ، ومن رواة الحديث .
(3) حماد بن سلمة : ابن دينار البصري الربّعي المتوفى عام 167 هـ ، وهو من رواة الحديث ومفتي البصرة ، وهو من أئمة اللغة العربية وله تصانيف ، وقالوا أنه أول من صنّف التصانيف المرضية .
(4) سفيان الثوري : هو ابن سعيد بن مسروق المضري (97 ـ 161هـ) ولد في الكوفة ومات في البصرة ، من مصنفاته : الجامع الكبير ، الفرائض ، وكتاب الجامع الصغير .
(5) الأوزاعي : هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد (88 ـ 157هـ) ولد في بعلبك ومات في بيروت ، من أئمة الشام في الفقه ، وأخذت الأندلس بفتياه ، لَهُ كتاب «السنن» و«المسائل» .
(6) هيثم : هو ابن عدي بن عبد الرحمن الثعلبي الطائي (114 ـ 207هـ) كوفي الشهرة ، مات قرب واسط ، كان يجالس حكام بني العباس ، من مصنفاته : بيوتات العرب ، طبقات الفقهاء والمحدثين ، و لغات القرأن .
(7) معمر : هو ابن راشد بن أبي عمرو الأزدي البصري (95 ـ 153هـ) ، سكن صنعاء وتولى القضاء ، يُعد من أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، وعُدّ أول من صنّف باليمن ، لُهُ كتاب «الجامع» .
(8) جرير بن عبد الحميد : ابن قرط الرازي الضبي (110 ـ 188هـ) كوفي الأصل ، ولد ومات بالري ، وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام .
(9) ابن مبارك : هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي (118 ـ 181هـ) ، طاف البلدان والأمصار ، يُقال أنه أول من صنف في «الجهاد» ، ولَهُ كتاب الرقائق ، مات بهيت في العراق .
(10) راجع كتاب تحول علم حديث : 14 ، فجر الإٍسلام : 265 ، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 278 ، كشف الظنون : 1/637 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 360

هذا وقد ظهرت التسمية بالرأي في أوائل القرن الثاني على مثل هذه المدرسة عندما برز أبو حنيفة المتوفى عام 150هـ رائدها وكان قبل ذلك يطلق عليها التأويل أو الاجتهاد ، ومن ذلك قول خالد بن الوليد(1) حين اعتذر لأبي بكر في قتله لمالك بن نويرة(2) : يا خليفة رسول الله إني تأولت وأصبت وأخطأت(3) .
ومنها قول أبي بكر في جواب عمر بن الخطاب حيث حثه على رجم خالد بن الوليد لارتكابه الزنا : «ما كنت لأرجمه فإنه تأول فأخطأ»(4) ، وقال : «هيه يا عمر تأول فأخطأ»(5) ، وقال : «يا عمر ان خالداً تأول فاخطأ فارفع لسانك عنه»(6) ووصل الصراع بين المدرستين ذروته في عهد الباقرين عليهما السلام ، وينقل الفضلي(7) بعض الموارد قائلاً : «وقللت مدرسة الحديث من شأن الرأي إلى الحد الذي وصل إلى إلغائه وحرمته في رأي بعض فقهاء هذه المدرسة أمثال : داود بن علي الأصفهاني(8) إمام أهل الظاهر ، وابن حزم صاحب المحلّى»(9) .

(1) خالد بن الوليد : ابن المغيرة المخزوي القرشي (... ـ 21هـ) ، قاد الجيوش في عهد أبي بكر ثم عزله عمر ، يروي لَهُ المحدثون 18 حديثاً .
(2) مالك بن نويرة : ابن جمرة اليربوعي التميمي (... ـ 12هـ) ، كان شاعراً فارساً ، يضرب به المثل بقولهم «فتى ولا كمالك» ، غدر به خالد بن الوليد وقتله ودخل بزوجة مالك في نفس الليلة .
(3) راجع تاريخ الطبري : 3/280 ، كنز العمال : 3/132 ، وفيات الأعيان : 5/66 ، فوات الوفيات : 2/627 .
(4) وفيات الأعيان : 6/15 .
(5) تاريخ الطبري : 2/273 .
(6) فوات الوفيات : 3/234 .
(7) الفضلي : هو عبد الهادي بن محسن بن سلطان العلي (1354هـ ـ ...) المولود في البصرة والمقيم في الإحساء ، لَهُ مصنفات كثيرة : أسماء الأفعال والأصوات ، الدولة الإسلامية ، وفي انتظار الأمام .
(8) داود بن علي الأصفهاني : ابن خلف الظاهري (201 ـ 207هـ) وإليه تنسب طائفة الظاهرية ، ولد في الكوفة ومات ببغداد ، كتب 18 ألف ورقة في علوم مختلفة ، ولَهُ كتابان في مناقب الشافعي .
(9) تاريخ التشريع الإسلامي للفضلي : 144 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 361

ويقول الأشقر(1) : «وكان ابن شهاب الزهري(2) يقول : «دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي» ، وكان عروة بن الزبير(3) يقول : «ما زال أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم ، فأخذوهم بالرأي فأضلوهم» ، ويقول الشعبي : «ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخذوه ، وما كان من رأيهم فاطرحوه بالحش»(4) ، وكان الأوزاعي يقول : «عليك بآراء من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول» ، وقيل لأيوب السختياني(5) : «ما لك لا تنظر في الرأي ؟ فقال : قيل للحمار : ما لك لا تجتر ؟ قال : أكره مضغ الباطل» ، وذكر ابن شهاب الزهري : «ماوقع فيه الناس من الرأي وتركهم السنن» ، ثم قال : «إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقوا الرأي وأخذوه فيه»(6) .
وكان أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم من دعاة مدرسة الحديث كما أسلفنا ولذلك فقد صبّوا جهودهم العلمية في مناقشة هذا الأمر في محافلهم العامة والخاصة دون حرج أو خوف حين سمحت لهم الفرصة وتمكنوا بالفعل من خلق شكل من التوازن بين المدرستين ، وأعادت مدرسة الحديث ثانية إلى الواجهة بعد أن قطعت أوصالها وهجرت مدرستها خلال الحكم الأموي ، فعمد الإمام الباقر عليه السلام ومن بعده الإمام الصادق عليه السلام وكبار أصحابهما إلى مناظرة فقهاء مدرسة الرأي وكبار دعاتها ، وهناك عدد من المناظرات نختار واحدة من أبرزها والتي تحتوي على عدة حلقات متسلسلة وهي :

(1) الأشقر : هو عمر بن سليمان صاحب كتاب تاريخ الفقه الإسلامي .
(2) ابن شهاب الزهري : هو محمد بن مسلم بن عبد الله (58 ـ 124هـ) ، قالوا أنه أوّل مَن دوّن الحديث ، مدني الأصل ، كان يحفظ 1200 حديث نصفها مسند .
(3) عروة بن الزبير : ابن العوام الأسَدي القرشي (22 ـ 93هـ) أحد فقهاء المدينة ، تركها إلى البصرة ثم مصر وعاد إلى المدينة وفيها مات .
(4) الحش : يقرأ الحاء مثلثاً ، الغائط ، أو بيت الخلاء .
(5) أيوب السختياني : هو ابن أبي تيمية كيسان السجستاني البصري (66 ـ 131هـ) ، من فقهاء البصرة ، رأى أنس بن مالك ، وعُدَّ من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام .
(6) تاريخ الفقه الإسلامي : 82 عن أعلام الموقعين : 1/77 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 362

دخل ابن أذينة عمر بن محمد ـ من أصحاب الصادق عليه السلام ـ على قاضي الكوفة ابن أبي ليلى(1) وهو بالكوفة . فقال ابن أذينة : أردت أصلحك الله أن أسألك عن مسائل .
فقال ابن أبي ليلى : سل يا ابن أخي(2) عما شئت .
قال : أخبرني عنكم معاشر القضاء ترد عليكم القضية في المال والفرج والدم ، فتقضي أنت فيها برأيك ، ثم ترد تلك القضية بعينها على

(1) ابن أبي ليلى : هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاري الكوفي اليمني ، وأما ما جاء في الدعائم انه عبد الرحمن بن أبي ليلى فهو أما من السقط في كلامه ـ فالصحيح محمد بن عبد الرحمن ـ وأما من الخطأ في توضيحه الكنية ووقوعه في الخطأ ، والغريب أن الفضلي المعاصر وقع لدى نقله عن الدعائم في هذا الخطأ ، وفي الحقيقة فإن اثنان اشتهرا بابن أبي ليلى : أحدهما عبد الرحمن والآخر ابنه محمد وبمراجعة ترجمتهما في كتب الرجال وسني وفاتهما ندرك بأن المراد منه هنا هو محمد لا أبوه ، عبد الرحمان ، وكان جده أبو ليلى (يسار) من أجلاء الصحابة ومن حواري أمير المؤمنين عليه السلام ، وأما ابنه عبد الرحمان فهو من أكابر التابعين ومن الموالين للبيت العلوي وهو الذي ضربه الحجاج على الولاء حتى اسود كتفاه ثم أقامه للناس على سب علي عليه السلام والجلاوزة معه يقولون له : سب الكذابين فجعل يقول : ألعن الكذابين علي وابن الزبير والمختار ـ قال ابن شهاب يقول أصحاب العربية سمعك تعلم ما يقول لقوله علي أي هو ابتداء الكلام ، ولعله قالها بفتح اللام وسكون الياء في «عَلَيّ» ـ وقد قتل في حرب الحجاج عام 83هـ ، وأما الحفيد محمد بن عبد الرحمن فكان في بادئ الأمر ينتهج الرأي قبل أبي حنيفة إلا أنه اختار منهج أهل البيت عليهم السلام بعد المناظرات التي أوردناها ، وكان قد تولى القضاء بالكوفة مدة ثلاثين سنة للأمويين والعباسيين وقد توفى عام 148هـ بالكوفة ، ولانتمائه أولاً إلى مدرسة الرأي ثم تحوله إلى مدرسة أهل البيت اختلف فيه مترجموه بين من وصفه بالنصب ومن وثقه ولكن نقضه لما حكم به في مسألة الإرث بمجرد علمه بأنه يخالف ما حكم به علي أمير المؤمنين عليه السلام ، وتطبيق رأي أبي جعفر الباقر عليه السلام في مسألة أخرى بعد التعرف على رأيه ورجوعه عما قضى به ـ راجع معجم رجال الحديث : 16/218 ـ بالإضافة إلى المناظرات التي ذكرناها لدليل على رجوعه عن مدرسة الرأي ووثاقته إذاً فالخلط وقع بينه وبين أبيه أولاً وبين حالتيه ثانياً ، ولعل أفضل من أوجز عنه وتوصل إلى الحقيقة هو القمي في سفينة البحار : 7/26 فليراجع .
(2) حيث كان حدثاً بمنزلة ابن أخيه .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 363

قاضي مكة ، فيقضي فيها بخلاف قضيتك ، ثم ترد على قاضي البصرة وقاضي اليمن وقاضي المدينة فيقضون فيها بخلاف ذلك ، ثم تجتمعون عند خليفتكم الذي استقضاكم فتخبرونه باختلاف قضاياكم ، فيصوب رأي كل واحد منكم ، وإلهكم واحد ، ونبيكم واحد ، ودينكم واحد ، أفأمركم الله عز وجل بالاختلاف فأطعتموه ، أم نهاكم عنه فعصيتموه ، أم كنتم شركاء الله في حكمه ، فلكم أن تقولوا ، وعليه أن يرضى ، ام أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بكم في إتمامه ، أم أنزله الله تاماً فقصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أدائه ، أم تقولون ماذا ؟
فقال : من أين أنت يا فتى ؟
قال ابن أذينة : من أهل البصرة .
قال : من أيها ؟
قال : من عبد القيس .
فقال : من أيهم ؟
قال : من بني أذينة .
فقال : ما قرابتك من عبد الرحمان بن أذينة؟(1)
قال : هو جدي .
فرحب به وقربه ، وقال : أيْ فتى ، لقد سألتَ فَغَلَّطْتَ ، وانهمكت فتعوصت(2) وسأخبرك إن شاء الله :
أما قولك في اختلاف القضايا فإنه ما ورد علينا من أمر القضايا مما لَه في كتاب الله أصل أو في سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فليس لنا أن نعدو الكتاب والسنة.
وأما ما ورد علينا مما ليس في كتاب الله ولا في سنة نبيه ، فإنا نأخذ فيه برأينا .

(1) حيث أن السائل هو عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أذينة ، وهو من فقهاء الإمامية في البصرة هرب إلى اليمن في عهد المهدي العباسي (127 ـ 169هـ) وفيها مات ، وهو ممن روى عن الإمامين الصادق (83 ـ 148هـ) والكاظم (128 ـ 183هـ) ، لَهُ كتاب الفرائض .
(2) عوص الخصم : بالغ في لويه .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 364

قال ابن أذينة : ما صنعتَ شيئاً لأن الله عز وجل يقول : « ما فَرَّطْنا في الكتاب من شيء »(1) وقال فيه : « تبياناً لكل شيء »(2) ، أرأيت لو أن رجلاً عمل بما أمر الله به وانتهى عما نهى الله عنه ، أبقي لله شيء يعذّبه عليه ، إن لم يفعله ، أو يثيبه عليه إن فعله ؟
فقال : وكيف يثيبه على ما لم يأمره به ، أو يعاقبه على ما لم ينهه عنه ؟
قال : وكيف يرد عليك من الأحكام ما ليس له في كتاب الله أثر ولا في سنة نبيه خبر ؟
فقال : أُخبرك يابن أخي حديثاً حدثناه بعض أصحابنا يرفع الحديث إلى عمر بن الخطاب ، إنه قضى قضية بين رجلين ، فقال له : أدنى القوم إليه مجلساً : أصبت يا أمير المؤمنين ، فعلاه عمر بالدرة ، وقال : ثكلتك أمك ، والله ما يدري عمر أصابَ أم أخطأ ، إنما هو رأيي اجتهدته فلا تزكونا في وجوهنا .
قال ابن أذينة : أفلا أحدّثك حديثاً ؟
فقال : وما هو ؟
قال : أخبرني أبي(3) عن أبي القاسم العبدي(4) عن أبان(5) عن علي ابن أبي طالب عليه السلام أنه قال : «القضاة ثلاثة : هالكان وناجٍ فأما الهالكان

(1) سورة الأنعام ، الآية : 38 .
(2) سورة النحل ، الآية : 89 .
(3) أباه : أراد به أبا ابن أذينة وهو محمد بن عبد الرحمن بن أذينة واسمه كلثوم ولا يخفى ان ما ورد في معجم الرجال من أنه متكرر باسمين غير صحيح ، حيث انهما شخصيتان : ابٌ وابنٌ ، وكلاهما بل والجد كانوا يعرفون بـ «ابن أذينة» وكان كل من عمر ومحمد ممن روى عن الإمام الصادق عليه السلام ولذلك عدهما الطوسي شخصيتين فلم يكرر ، وما ورد في رجال النجاشي هو الصحيح على الاظهر .
(4) العبدي : هناك عدد كبير من هذه القبيلة ، وأكثرهم من سكنة البصرة ، ولم نحصل على شخصية مكناة أو مسماة بأبي القاسم ، وكل واحد منهم له كنيته واسمه ولذلك لم نتمكن من معرفة شخصيته .
(5) أبان : هو ابن أبي عياش فيروز (هارون) البصري المتوفى سنة 137هـ ، وهو من المعمرين حضر صفين مع الإمام علي عليه السلام عام 37هـ ، وهو من أصحاب الأئمة السجاد والباقر والصادق عليهم السلام ، وهو من روى كتاب سليم بن قيس .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 365

فجائر جار متعمداً ، ومجتهد أخطأ ، والناجي من عمل بما أمر الله به» . فهذا نقض حديثك يا عم .
فقال : أجل والله يابن أخي فتقول أنت : إن كل شيء في كتاب الله عز وجل ؟
قال : الله قال ذلك ، وما من حلال ولا حرام ، ولا أمر ولا نهي إلا وهو في كتاب الله عز وجل ، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله ، ولقد أخبرنا الله فيه بما لا نحتاج إليه فكيف بما نحتاج إليه .
فقال : كيف قلت ؟
قال : قوله : « فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها »(1) .
فقال : فعند من يوجد علم ذلك ؟
قال : عند من عرفت .
فقال : وددت لو أني عرفته فأغسل قدميه(2) وآخذ عنه ، وأتعلم منه .
قال : أناشدك الله هل تعلم رجلاً كان إذا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً أعطاه ، وإذا سكت عنه ابتدأه .
فقال : نعم ، ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام .
قال : فهل علمت أن علياً سأل أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حلال أو حرام ؟
فقال : لا .
قال : هل علمت أنهم كانوا يحتاجون إليه ويأخذون عنه ؟
فقال : نعم .
قال : فذلك عنده .
فقال : فقد مضى ، فأين لنا به ؟

(1) سورة الكهف ، الآية : 42 .
(2) كناية عن التعظيم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 366

قال : تسأل في ولده(1) ، فإن ذلك العلم عندهم .
فقال : وكيف لي بهم .
قال : أرأيت قوماً كانوا بمفازة من الارض ومعهم أدلاء ، فوثبوا عليهم فقتلوا بعضهم ، وأخافوا بعضهم ، فهرب واستتر من بقي لخوفهم ، فلم يجدوا من يدلهم ، فتاهوا في تلك المفازة حتى هلكوا ، ما تقول فيهم ؟
فقال : إلى النار .
واصفر وجهه وكانت في يده سفرجلة فضرب بها الأرض فتهشمت وضرب بين يديه وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون(2) .
وعلى أثره قام ابن أبي ليلى بالاتصال بالإمام الصادق عليه السلام فناظره الإمام عليه السلام مناظرة علمية شفى غليله ، وقد سبق وذكرناها لدى الحديث عن قول الصحابي(3) وعلى أثره انتهج ابن أبي ليلى نهج مدرسة أهل البيت عليهم السلام وجعل يعمل في الاتجاه الجديد وحصلت بينه وبين أبي حنيفة عدة مناقشات أدَّتْ إلى مرافقته إلى زيارة الإمام الصادق عليه السلام بالمدينة وفي هذا الإطار يحدثنا ابن أبي ليلى ويقول : دخلت أنا والنعمان أبو حنيفة على جعفر بن محمد عليه السلام فرحب بنا وقال : يابن أبي ليلى : من هذا الرجل ؟

(1) يقول الشرقاوي في كتاب أئمة الفقه التسعة : 38 في حق الإمام الصادق عليه السلام «كان يحفظ الأحاديث والسنة من أوثق مصادرها عن آل (الصحيح أهل) البيت تواتراً عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه» وأضاف قائلاً : «وأتاح له توفر هذه المصادر جميعاً أن يتقن دراسة الحديث وفهمه وأن يكشف ما وضعه المزيفون تزلفاً للحاكمين ، أو خدمة لهذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع السياسي ، ثم نشر من الأحاديث ما حاول الحكام المستبدون اخفاؤه لأنه يزلزل أركان الاستبداد فقد كان حكام ذلك الزمان يجهدون في اخفاء ما رواه علي بن أبي طالب من السنة ، وانتهى نظر الإمام جعفر إلى أنه لا يوجد حديث شريف يخالف أو يمكن أن يخالف نصوص القرآن الكريم وإن كل ما ورد من أحاديث مخالفاً لكتاب الله فهو موضوع ينبغي ألا يعتد به» .
(2) دعائم الإسلام : 1/92 ـ 95 .
(3) راجع فصل مصادر التشريع ـ قول الصحابي ـ من هذا الجزء ، ورواه القاضي النعمان في دعائم الإسلام : 1/92 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 367

فقلت : جعلك فداك ! من أهل الكوفة ، له رأي وبصيرة ونفاذ .
قال : فلعله يقيس الأشياء برأيه ؟ ثم قال : يا نعمان ! هل تحسن أن تقيس رأسك ؟
قال : لا .
قال : ما أراك تحسن أن تقيس شيئاً ، فهل عرفت الملوحة في العينين والمرارة في الأذنين ، والبرودة في المنخرين ، والعذوبة في الفم ؟
قال : لا .
قال : فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان ؟
قال ابن أبي ليلى : جعلت فداك لا تدعنا في عمياء مما وصفت .
قال : نعم ، حدثني أبي عن آبائه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله تعالى خلق عيني ابن آدم شحمتين فجعل فيهما الملوحة فلولا ذلك لذابتا ولم يقع فيهما شيء من القذى إلا أذابه والملوحة تلفظ ما يقع في العينين من القذى ، وجعل المرارة في الأذنين حجاباً للدماغ ، وليس من دابة تقع في الإذن إلا التمست الخروج ، ولولا ذلك لوصلت إلى الدماغ فأفسدته ، وجعل الله البرودة في المنخرين حجاباً للدماغ ولولا ذلك لسال الدماغ وجعل العذوبة في الفم منّاً من الله تعالى على ابن آدم ليجد لذة الطعام والشراب وأما كلمة أولها كفر وآخرها إيمان فقول لا إله إلا الله .
ثم قال : يا نعمان إياك والقياس فإن أبي حدثني عن آبائه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قاس شيئاً من الدين برأيه قرنه الله تبارك وتعالى مع إبليس ، فإنه أول من قاس حيث قال : خلقتني من نار وخلقته من طين فدعوا الرأي والقياس فإن دين الله لم يوضع على القياس(1) .
ثم قال : أنت مفتي العراق ؟
قال : نعم .
قال : بما تفتيهم ؟

(1) إلى هنا أوردها الطبرسي في روايته الأولى ، وقد جمعنا بين الروايتين .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 368

قال : بكتاب الله .
قال : وإنك لعالم بكتاب الله ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ؟
قال : نعم .
قال : فأخبرني عن قول الله عز وجل : « وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين »(1) أي موضع هو ؟
قال أبو حنيفة : هو ما بين مكة والمدينة .
فالتفت أبو عبد الله ـ الصادق ـ إلى جلسائه وقال : نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل ؛ وعلى أموالكم من السرق ؟
فقالوا : اللهم نعم .
فقال الصادق : ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقاً ، أخبرني عن قول الله عز وجل : « ومن دخله كان آمناً »(2) أي موضع هو ؟
قال : ذلك بيت الله الحرام ، فالتفت أبو عبد الله ـ الصادق ـ إلى جلسائه وقال لهم : نشدتكم بالله هل تعلمون أن عبد الله بن الزبير وسعيد ابن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل ؟
قالوا : اللهم نعم ؟
فقال الصادق : ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقاً .
فقال أبو حنيفة : ليس لي علم بكتاب الله ، إنما أنا صاحب قياس .
قال الصادق : فانظر في قياسك إن كنت مقيساً أيّما أعظم عند الله القتل أو الزنا ؟
قال : بل القتل .
قال : فكيف رضي الله تعالى في القتل بشاهدين ، ولم يرض في الزنا إلا بأربعة ؟

(1) سورة سبأ ، الآية : 18 .
(2) سورة آل عمران ، الآية : 97 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 369

ثم قال له : الصلاة أفضل أم الصيام ؟
قال : بل الصلاة أفضل .
قال الصادق : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام ، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة .
ثم قال له : البول أقذر أم المني ؟
قال : البول أقذر .
قال الصادق : يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول .
فقال أبو حنيفة : إنما أنا صاحب الرأي .
قال الصادق : فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة ، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد فولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتلت المرأتين وبقي الغلامان أيهما في رأيك المالك وأيهما المملوك وأيهما الوارث وأيهما الموروث .
فقال أبو حنيفة : أنا صاحب حدود .
قال الصادق : فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح وأقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحد ؟
فقال أبو حنيفة : إنما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء .
قال الصادق : فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون : « لَعلَّه يتذكر أو يخشى »(1) ولعل منك شك ؟
قال أبو حنيفة : نعم .
قال : وكذلك من الله شك إذ قال : «لعله» ؟
قال أبو حنيفة : لا علم لي .
قال الصادق : تزعم أنك تفتي بكتاب الله ولست ممن ورثه ، وتزعم

(1) سورة طه ، الآية : 44 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي