ملاحظة : في هذا الجدول نشير بـ «لا» إذا كان جميع أهل ذلك المذهب رافضين ذلك أو اشتهر منهم ونشير بـ «نعم» إذا كان جميع أو بعض أهل ذلك المذهب قائلين به وذلك لأن المقصود تسجيل نقاط الاتفاق في هذا الجدول ، كما أن المقصود المعنى الخاص الذي طرح لدى المناقشة ، بينما نشير بعلامة (×) على أن المقصود بها «في الجملة» .
اختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى فريقين أحدهما اختار مدرسة الرأي والآخر اعتمد مدرسة الحديث ، وقد قاد المجموعة الأولى عمر بن الخطاب بينما قاد المجموعة الثانية علي بن أبي طالب وذلك عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرض الموت(1) وأراد أن يوصي بما لا تضل الأمة من بعده ولا تتفرق فقال(2) : «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابً لا تضلوا بعده»(3) إلا أن ابن الخطاب وقف دون تنفيذ
ذلك(1) وقال : «إن النبي [ليهجر](2) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله»(3) فتبنتها قريش في ذلك المجلس وقالوا : «القول ما قاله عمر»(4) وخالفهم في ذلك علي بن أبي طالب وشيعته وبنو هاشم حيث قال قائلهم : «قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً لن تضلوا بعده»(5) .
هذه كانت البداية وتلتها أحداث متسارعة وأقوال متتالية كل سلك مسلكه وتمسك برأيه .
إذاً في قول ابن الخطاب «حسبنا كتاب الله» بغض النظر عما تنطوي عليه الكلمة من معاني وأسس عقائدية وسياسية فإنها تلغي دور السنة إلغاءً تاماً وهو ترسيخ عملي لفكرة الرأي وإعماله ، وجاءت إجراءات السقيفة كعملية تطبيقية لهذه الفكرة حيث عمدت قريش التي اعتمدت الرأي على
تعيين من تريد للحكم بالإكراه(1) ، حيث يقول ابن الخطاب : فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف فقلت : أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته(2) ، وفي عبارة البخاري : «فأخذ عمر بيده ـ بيد أبي بكر ـ فبايعه»(3) في تفصيل سبق بيانه(4) .
ثم مضت الأيام لتبلور مسألة الرأي عند قريش وتجتاز المرحلة السابقة ليصبح من الخطورة أن رئيس الدولة المتمثلة في أبي بكر من الكتلة الحاكمة أن يصدر قراره بمنع تدوين الحديث(5) لتستقر مسألة الرأي حيث يذكر المؤرخون : بأن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقال : «إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافاً ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه»(6) .
وتروي عائشة : «جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ، فغمني كثيراً ، فقلت : أيتقلب لشكوى أو لشيء بلغه ؟ فلما أصبح قال : أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها فأحرقها
وقال : خشيت أن أموت فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقولت ذلك»(1) ففي قوله : «بيننا وبينكم كتاب الله» إلغاء للسنة ، وحرمة للأحاديث تطبيق لهذه الفكرة .
ويأتي عمر بن الخطاب ليمارس مسألة الرأي أيضاً عبر منع التدوين والمعاقبة عليه حيث يقول المؤرخون : «أصبح ـ عمر ـ يوماً وقد عزم الله له فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنة ، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.. وكتب في الأمصار عنها من كان عنده شيء فليمحه»(2) ، وروى مالك بن أنس : أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث ثم قال : «لا كتاب مع كتاب الله»(3) .
ومع هذا فقد استمر الصحابة بتدوين الأحاديث إلى أن علم بخبرها ابن الخطاب فقام خطيباً وقال : «إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب ، فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها ، فلا يبقين أحد عنده كتاباً إلا أتاني به فأرى فيه رأيي ، فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بها فأحرقها بالنار»(4) . ومن الواضح أنه ألغى بذلك دور السنة وأمر بمحو السنة كي لا يأخذ بها كمصدر للشريعة الإسلامية .
وفي قبال السنة نشأت فكرة الرأي حيث يقول أبو بكر في مسألة إرث الكلالة(5) : «أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه»(6) . وأما ابن الخطاب فقال في مسألة إرث الجد :«اقضي في الجد برأيي وأقول فيه برأيي»(7) .
ومن موقف أبي بكر وابن الخطاب وتصريحاتهما يتبين أن مدرسة الرأي أنشأت قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتطورت في عصريهما لتصبح مصدراً للشريعة بشكل رئيسي . هذا وقد منع ابن الخطاب كبار الصحابة من الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال لعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء(1) وأبو مسعود الأنصاري(2) : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله فحبسهم في المدينة(3) بل منع عماله الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فجاء في إحدى وصاياه إلى عماله : «إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جرّدوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله ، وأنا شريككم» فلما قدم بعضهم العراق ، قالوا له : حدثنا ، قال : نهانا عمر(4)، وكل هذه تشير إلى إلغاء دور السنة ، وبإلغائها يأتي دور الرأي إذ لا محيص إلا الإفتاء به .
وفي رواية حفص بن عمر قال : كان عمر بن الخطاب إذا كثر عليه الخصوم صرفهم إلى زيد ، فلقي رجلاً ممن صرفه إلى زيد فقال له : ما صنعت ؟ قال : قُضي عَلَيَّ يا أمير المؤمنين ، قال : لو كنت أنا لقضيت لك ، قال : فما يمنعك وأنت أولى بالأمر ؟ قال : لو كنت أردّك إلى كتاب الله أو سنة نبيّه فعلت ، ولكني إنما أردك إلى رأي ، والرأي مشير»(5) .
هذا ويصرح في مسألة بيع أمهات الأولاد بعمله بالرأي ويقول : كان لي رأي في أمهات الأولاد ثم قد حدث لي رأي غير ذلك»(6) .
ويأتي ابن مسعود ليردد مقولة أبي بكر في مسألة إرث الكلالة «سأقول فيها جهد رأيي فإن كان صواباً فمن الله وحده ، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء»(1) .
وتستمر هذه المدرسة في أيام عثمان بن عفان منذ أن حصر عمر بن الخطاب الخلافة في أولئك النفر ، وألغى مشورة الآخرين بقوله : «واحضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم من أمركم شيء ، واحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس.. وليس لهما من أمركم شيء ، ويحضر ابن عبد الله.. وليس له من الأمر شيء» إلى أن يقول : إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما... فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم»(2) .
ثم أكدها عثمان عندما طرح عبد الرحمان بن عوف(3) عليه البيعة فوافق ، فولي الأمر على أن يسير على رأي الشيخين أبا بكر وعمر ، بينما رفض ذلك علي بن أبي طالب(4) .
وذات يوم خطب ابن عفان وقال فيما قال : «لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يُسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر ، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون من اوعى أصحابه إلا أني سمعته يقول : من قال عليّ ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار»(5) .
ثم إنها أصبحت منهجاً للأمويين في حكمهم لبلاد الإسلام .
وكان من أنصار هذه المدرسة طلحة(1) والزبير(2) وسعيد بن العاص(3) ومجموعة كبيرة .
أما طلحة والزبير فقد استنكرا على علي عليه السلام القسم بالسوية حيث كان سايراً على عهد عمر فاحتج عليهما بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً : «والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها ، فلما أفْضَتْ إليّ نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استسن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاقتديته فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلتُه فاستشيركما وإخواني المسلمين ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما ، وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة(4) فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى منّي ، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد فرغ منه ، فلم أحتج إليكما فيما فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه..»(5) .
وكان لكل منهم موقفاً سجله التاريخ مؤيداً لفكرة الرأي .
ومنهم ربيعة بن أبي عبد الرحمان المعروف بربيعة الرأي لكثرة تمسكه بهذه النظرية وقد اجتمع زرارة مع ربيعة يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فطرح زرارة على ربيعة أسئلة منها قوله : بم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضرب في الخمر ؟ قال : بالجريد والنعل . فقال : لو أن رجلاً أخذ اليوم شارب خمر وقدم إلى
الحاكم ما كان عليه ؟ قال : يضربه بالسوط ، لأن عمر ضرب بالسوط ، فقال عبد الله بن محمد ـ حيث كان جالساً معهم ـ يا سبحان الله يضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجريد ويضرب عمر بالسوط ! نترك ما فعل رسول الله ونأخذ ما فعله عمر(1) وقد تقدم الحديث سابقاً .
وهناك الكثير الكثير أعرضنا عنه خوف الإطالة والخروج عن الإطار المرسوم.
وعلى أثر هذه النظرية برزت في القرن الثاني بعض المذاهب الإسلامية .
وبدأت مدرسة الحديث كما سبق وأشرنا إلى ذلك منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث تولى أبو تراب(2) ومن تبعه من الصحابة ومعهم بنو هاشم هذه المدرسة قبيل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك نجد أن علياً عليه السلام احتج على بيعة أبي بكر بالنص القرآني وبالنص النبوية فقال فيما قال وهي كثيرة : «أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم ما قال إلا قام فشهد بما سمع ولا يقم إلا من رآه بعينه وسمعه بإذنه ، فقام ثلاثون من الصحابة منهم اثنا عشر بدرياً فشهدوا أنه أخذه بيده فقال للناس : أتعلمون اني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : نعم ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...»(3) .
كما أن لفاطمة عليها السلام(4) احتجاجات ومثلها لابن عباس والحسنين عليهما السلام وغيرهم كلها جاءت مستندة إلى كتاب الله والسنة ، وكان علي عليه السلام يستدل في كل مسألة بالنص الإلهي أو النص النبوي ، وقد
ذكّرت فاطمة عليها السلام الأمة في خطابها التاريخي بالتخلي عن سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قائلة : «وإخماد سنن النبي الصفي»(1) .
هذا وقد رفض علي عليه السلام قبول تولي الأمر بعد عمر بن الخطاب على العمل بسنة الشيخين بل أصر على العمل بالكتاب والسنة(2) .
وبلغ عمر بن الخطاب أن امرأة بغيا يدخل عليها الرجال ، فبعث إليها رسولاً فأتاها الرسول فقال لها : «أجيبي أمير المؤمنين» . ففزعت المرأة فزعاً شديداً ، فأجهضها الفزع ، وأسقطت حملها ميتاً ، فحزن عمر وأرسل إلى بعض الصحابة ، فقص عليهم ما كان من أمره وأمر المرأة فقالوا : «ما نرى عليك شيئاً يا أمير المؤمنين ، إنما أنت معلم ومؤدب» . فسأل علياً ، فقال علي : «إن كانوا قاربوك في الهوى فقد أثموا ، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا . وأرى عليك الدية» . فقال عمر : «صدقت يا أبا الحسن»(3) .
واستمرت مدرسة الحديث إلى جانب مدرسة الرأي تشق طريقها عبر أجلة الصحابة والتابعين .
وأما مدرسة الحديث عند العامة فقد بدأت في الحقيقة عندما أتيح لهم بتدوين الحديث وذلك حين أجمع أهل القرن الثاني الهجري في آخر عصر التابعين على إباحته وحينئذ ألف ابن جريح(4) كتابه في الآثار عن مجاهد(5) وعطاء(6) بمكة ، ولذلك قال الغزالي : أنه أول كتاب صنف في الإسلام ـ
وأراد عند المسلمين غير الشيعة ـ ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن ، ثم موطأ مالك بن أنس .
ويقول(1) شرف الدين فالإجماع منعقد على أنه ليس لهم في العصر الأول تأليف أما علي وشيعته فقد تصدروا لذلك في العصر الأول وأول شيء دونه أمير المؤمنين ـ تفسير ـ كتاب الله عز وجل ، فإنه بعد فراغه من تجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم آلى على نفسه أن لا يرتدي إلا للصلاة ، أو يجمع القرآن ، فجمعه مرتباً على حسب النزول ، وأشار إلى عامه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وعزائمه ورخصه ، وسننه وآدابه ، ونبه على أسباب النزول في آيات البينات ، وأوضح ما عساه يشكل من بعض الجهات ، وكان ابن سيرين(2) يقول لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم»(3) .
هذا وتابع علي عليه السلام في ترسيخ دعائم مدرسة الحديث عندما تولى الأمر فقال في جملة ما قال : «ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لقاءه ورضي له ما عنده وأكرمه عن دار الدنيا ورغب به عن مقام البلوى فقبضهُ إليه كريماً وخلَّف فيكم ما خلَّفَتِ الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هملاً بغير طريق واضح ولا علم قائم كتاب ربكم مبيّناً حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وخاصَّهُ وعامّهُ ، وعبره وأمثاله ، ومرسله ومحدوده ، ومحكمه ومتشابهه ، مفسراً جُمله ، ومبيناً غوامضه ، بين مأخوذ ميثاق علمه ، وموسع على العباد في جهله ، وبينَ مُثْبِتٍ في الكتاب فرضه ، ومعلوم في السنة نسخه ، وواجب في السنة أخذه ، ومُرخَّص في الكتاب تركه ، وبين واجب لوقته ، وزائل في مستقبله ، ومباينٌ بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانَهُ ، أو صغيراً أرصد له غفرانه ، وبين مقبول في أدناه ، وموسع في أقصاه...»(4) .
|