دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 327

البيت عليهم السلام : «إن أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم يساوونه في خمسة أشياء :
1 ـ في السلام ، قال : السلام عليك أيها النبي..، وقال تعالى : « سلام على آل ياسين »(1) .
2 ـ وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهد .
3 ـ وفي الطهارة ، قال تعالى : طه ، يا طاهر ، وقال تعالى : « ويطهركم تطهيراً »(2) .
4 ـ وفي تحريم الصدقة .
5 ـ وفي المحبة ، قال : قال تعالى : « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله »(3) ، وقال تعالى(4) : « لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى »(5) .
وقد قال الصادق عليه السلام في احتجاجه مع عذافر الصيرفي(6) وسلمة ابن كهيل(7) .

(1) سورة الصافات ، الآية : 130 .
(2) سورة الأحزاب ، الآية : 33 .
(3) سورة آل عمران ، الآية : 31 .
(4) سورة الشورى ، الآية : 23 .
(5) هكذا نقلت عن ينابيع المودة ، وفي الغدير : 2/303 قال : قال الرازي في تفسيره : 7/391 «ان الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة ، وقوله : «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وارحم محمداً وآل محمد» وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب ، وقال : أهل بيته ساووه في خمسة أشياء : في الصلاة عليه وعليهم في التشهد ، وفي السلام ، والطهارة ، وفي تحريم الصدقة ، وفي المحبة» راجع أيضاً التفسير الكبير : 27/166 ، ويبدو أن القندوزي نقل في الينابيع نصوص الأدلة في هذه الواردة ولمزيد الاطلاع على هذه النصوص من الآيات والروايات راجع ينابيع المودة : 1/5 .
(6) عذافر الصيرفي : هو ابن عيسى الخزاعي الكوفي ، وهو ممن روى عن الباقر والصادق المتوفى سنة 148هـ .
(7) سلمة بن كهيل : ابن الحسين الحضرمي الكوفي وهو من أصحاب الإمام جعفر بن محمد الصادق المتوفى سنة 148هـ .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 328

والحكم بن عتيبة(1) : «إذهب أنت(2) وسلمة(3) وأبو المقدام(4) حيث شئتم يميناً وشمالاً فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل عليه السلام»(5) .

(1) الحكم بن عتيبة : أو (عيينة) الكندي الكوفي المتوفى سنة 114هـ ، ممن روى عن الإمامين علي بن الحسين السجاد عليه السلام ومحمد بن علي الباقر عليه السلام ، وهو من فقهاء عصره ، قيل هو من العامة ، وقيل من الزيدية البترية .
(2) أنت : إشارة إلى عذافر الصيرفي .
(3) سلمة : إشارة إلى سلمة الكوفي .
(4) أبو المقدام : هو ثابت بن هرمز الحداد ، ممن روى عن الإمام الصادق عليه السلام المتوفى سنة 148هـ ، وعُد ثابت من فرقة البترية .
(5) رجال النجاشي : 255 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 329

الحيل الشرعية

والحيلة في اللغة : هي ما يتوصل به إلى حالة بما فيه خفية(1) ، والحيلة : الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف(2) .
والياء فيها مقلوبة من الواو وذلك لكسر ما قبلها ، ويذكر أن الحيل لغة في الحول ، ولذلك قيل : «لا حيل ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» بدلاً من لا حول .
هذا وقد غلب استعمالها في الطرق الملتوية غير الصحيحة ولعله لأجل ذلك عبر عنها بعض الفقهاء بـ «المخارج من المضايق» .
وحقيقها التخلص من مأزق بسلوك آخر خفي على غير الفقيه يؤدي ذلك المؤدى دون الوقوع في حرمة أو عسر ، وهذا لا يعني تخطي الحكم الشرعي بحد ذاته بل سلوك طريق شرعي آخر .
ودور الفقيه كدور المحامي في هذه الأيام حيث يسلك طريقاً قانونياً ليخلص موكله من المأزق الذي وقع فيه ، ويسمى بالتحايل على القانون .
وهذا كقانون لا يعيبه أصحابه ، ولكن إذ حق الحق أو لم يحق الباطل أو لم يبطل الحق فلا إشكال فيه شرعاً وأخلاقاً .
والحيلة الشرعية إن كانت من هذا النوع بمعنى سلوك طريق شرعي آخر دون أن يصدم بحكم شرعي آخر أو يضيع حقاً أو ما شابه ذلك فلا إشكال فيه ، كما لو رهن شخص بيته لآخر في قبال مبلغ من المال وأذن له التصرف في منفعته دون شرط أو قيد فقام المرتهن (صاحب المال) بإيجاره على الراهن (المالك) فالرهن صحيح كما أن الإجارة صحيحة ، ففي الواقع

(1) مجمع البحرين : 5/359 .
(2) القاموس المحيط : 3/532 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 330

ان المرتهن انتفع بشيء من المال المحدد في مقابل ماله وهو نفس مؤدى الربا .
نعم قد تلحق الحزازة بالحيل في بعض الموارد بل أكثر من الحزازة لتصل إلى الحرمة أحياناً ، كما لو تعمّد السفر لأجل إبطال صومه من دون علة ، فقيل بالكراهية وقيل بالحرمة على خلاف في المسألة .
ذهب جمهور فقهاء المالكية والحنابلة إلى عدم جواز استخدام الحيل في الشرع بأية صورة من صورها ، بينما الأحناف توسعوا فيه حتى جعلوه أصلاً من أصولهم ، وذهب آخرون إلى جوازها فيما إذا لم تخرج من دائرة الشرع .
وقد يستدل لجوازها بآية « وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث »(1) بتقريب أن النبي أيوب عليه السلام حلف ليضربن امرأته مائة ضربة حين شاهدها وقد باعت ذؤابتها لكي تطعم وتعالج زوجها فغضب من ذلك وحلف(2).. وللجمع بين العطف على تلك الصالحة وعدم حنث أيوب ، علمه الله أن يضرب زوجته مرة واحدة بعذق فيه مائة شمراخ(3) .
واستدلوا أيضاً برواية أبي سعيد الخدري(4) حيث روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب(5) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكُلُّ تمر خيبر هكذا ؟ فقال : لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تفعل ، بع الجمع(6) بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً(7) .

(1) سورة ص ، الآية : 44 .
(2) تفسير الميزان ، 17/214 .
(3) شمراخ : غصن دقيق ينبت في أعلى الغصن الغليظ ، ومن الشمروخ عذق عليه بسر أو عنب .
(4) أبو سعيد الخدري : هو سعيد بن مالك بن سنان الخزرجي (10 ق.هـ ـ 74هـ) ، ممن روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولازم الإمام علي عليه السلام ، ولَهُ في كتب السنة 1170 حديثاً نبوياً .
(5) الجنيب : نوع من التمر الجيد .
(6) الجمع : نوع من التمر الرديء .
(7) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 335 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 331

ومن الواضح أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جنبه من العمل الربوي وعلمه طريقة شرعية متعارفة ، ولكن النفاة أجابوا عليهما بما لا يقوى .
هذا وقد أفرد بعض الفقهاء فصلاً خاصاً بذلك وبينوا فيه الطرق الشرعية للهروب من المآزق ، منهم ابن القيم في أعلام الموقعين ، بينما ينسب كتاب الحيل إلى أبي حنيفة(1) .
ولا يخفى أن معظم علماء الإمامية أجازوا ذلك بحدودها الشرعية التي لا مجال لذكر التفاصيل هنا .
وبما أنها ليست أصلا بل مسألة فرعية من مسائل الفقه فلا وجه للإطالة أكثر مما مضى ، وإنما تعرضنا إليها هنا لأن بعضهم ذكرها كأصل من الأصول الشرعية عند أبي حنيفة .

(1) تاريخ بغداد : 13/426 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 332

الشهرة

وهي في اللغة تعني الذيوع كما تعني الوضوح أيضاً .
وعند أهل الفن تستخدم في مجالين : الأول الحديث والثاني الفتوى .
فالمحدثون يريدون بالشهرة كثرة رواة الحديث بنحو ينال درجة لا تصل إلى حد التواتر ويسمى بالمستفيض(1) أيضاً .
وأما الفقهاء فيريدون منها ذيوع الفتوى بنحو ينال درجة لا تصل إلى حد الإجماع .
إذاً فالمعنيان واحد إلا أن قاعدتهما تارة الحديث وأخرى الفتوى .
والأولى تسمى بالشهرة الروائية ، والثانية تسمى بالشهرة الفتوائية ، وما بين الشهرتين مصطلح آخر يعرف بالشهرة العملية وهي وليدة من الشهرتين ، بمعنى أنه أشاع العمل برواية معينة ، وهذا لا يعني أن رواتها متعددون بل إن الفقهاء العاملين بالرواية متعددون إلى حد الشهرة ، وهي في الحقيقة من أقسام الشهرة الفتوائية .
والشهرة الروائية لا يمكن إثباتها عن طريق دليل العقل لأنها لا تصل بأكثر من الظن ، ودليل العقل لا يحكم بالعمل فالطريق إلى حجيتها يكون عبر السنة ، فاذا ورد مايثبت حجيتها قلنا به تعبداً ، وعندها تكون الشهرة من عوامل الترجيح بين الأخبار لدى التعارض .
هذا وقد سأل زرارة الباقر عليه السلام قائلاً : جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟

(1) استفاض الخبر : انتشر ، يقول البهائي في الوجيزة في الدراية : 18 «ان نقل سلسلة رواة الحديث في كل مرتبة أزيد من ثلاثة فمستفيض» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 333

فقال عليه السلام : خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر .
فقلت : يا سيدي إنهما معاً مشهوران مرويان عنكم .
فقال : خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك ـ الحديث ـ(1) .
وربما استدلوا على حجية الشهرة بآية النبأ(2) .
وعليه فهذه الشهرة ليست من موارد بحثنا هذا ولا تعد أصلاً من أصول الشريعة بل هي من السنة .
وأما الشهرة العملية فمستندها خبر خاص وهو أيضاً لا يثبت بدليل العقل كما في عدله حيث لا يفيد القطع فلذلك لا بد من التماس دليل آخر ، فإذا ثبتت حجيتها فثمرته جبران الضعاف من الأخبار فيما حصل تعارض بينها ، وهذا أيضاً ليس من أبحاث هذا الباب وإنما تبحث في باب التعادل والتراجيح من جهة أنها تابعة لمبحث السنة .
وأما الشهرة الفتوائية فبما أنها دون الإجماع فما لم يتحقق بالإجماع من القطع لم يتحقق فيما هو دونه ، فلا بد من إثبات حجيتها عن طريق آخر ، هذا إذا قلنا بأن الإجماع اتفاق جميع الفقهاء ، وأما إذا قلنا بالإجماع الدخولي فلا بد عندها ، إحراز وجود المعصوم فيهم وعندها لا اعتبار بالكثرة والقلة ، كما أنه من مسائل الإجماع وأبحاثه فلا علاقة لها بهذا البحث وقد تقدم الحديث عن الإجماع .
إذاً فالشهرة ليست أصلاً بل من المسائل المرتبطة إما بالسنة وعلومها أو بالإجماع وفروعه ، فالأفضل الاكتفاء بما قدمناه لأنه خارج عن موضوعنا .

(1) بحار الأنوار : 2/245 عن غوالي اللئالي .
(2) آية النبأ هي : « إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على فعلتم نادمين » [الحجرات : 9] وجه الاستدلال بها أن الذم جاء بإصابة قوم بجهالة وبمقتضى دوران هذا الحكم مدارها وجوداً وعدماً ، فإن الاستناد إلى الشهرة لا يعد من الجهالة فعليها لا يجب التبين معه ، وعليه فهي حجة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 334

السيرة

وهي في اللغة : السلوكية ، يقال فلان حسن السيرة أي حسن السلوك بين الناس ، وفي المثل : من طابت سريرته حمدت سيرته .
وليس للفقهاء مصطلح خاص بهم بل استخدموا المعنى اللغوي في أغراضهم الأصولية وغيرها ، وربما أراد بعضهم أن يفسرها بالعادة والتباني العملي على فعل شيء أو ترك شيء .
هذا ومتعلق السيرة قد يكون عاماً وقد يكون خاصاً على تفصيل مرّ عند الحديث عن العرف فلا حاجة إلى التكرار .
وهي في المفهوم الأصولي على قسمين : قسم يرتبط بسلوكية الناس جميعاً والمراد به سيرة جميع العقلاء في الملل والنحل كافة فتسمى أيضاً ببناء العقلاء ، وقسم يختص بالمتشرعة فتسمى بسيرة المتشرعة ، وقد تطلق دون إضافة فهو المراد ، وقد يعبر عنها بالسيرة الشرعية والكل يؤدي إلى معنى واحد وهو تباني أهل الشريعة الواحدة على أمر . وربما خصصها الإمامية بهم في قبال قولهم السيرة الإسلامية أو سيرة المسلمين ، وأما العامة فتقصد بالسيرة سيرتهم .
فالبحث عن القسم الأول وهو «تباني العقلاء» يدخل في الدليل العقلي وقد تقدم الحديث عنه .
وأما الثاني أي «سيرة المتشرعة» فهي في الحقيقة مآلها إلى الإجماع بل لعلها أرقى أنواع الإجماع حيث يتفق العالم مع العامل في هذه السلوكية ، إذ هي سلوكية جميع الناس دون الفقهاء وحدهم ، إذاً فهو نوع من إجماع الأمة .
والسيرة قد تنقسم باعتبار امتدادها الزمني وخلفيتها إلى قسمين : الأول ما يمتد إلى عصور المعصومين عليهم السلام مما يعني أن المعصوم قد

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 335

شاركهم في هذه السلوكية فلا شك عندئذ في حجيتها من دون نقاش عند الإمامية لأنها نوع من التقرير أو العمل منه وهما حجتان عندهم .
والثاني أن تكون السيرة من المستحدثات بعد عصر المعصومين عليهم السلام وهو بحد ذاته ليس حجة إلا إذا دل الدليل على ذلك .
نعم إذا كانت السيرة متوغلة في الزمان وفي النفوس ولم يدل دليل شرعي على مخالفتها فالإعراض عنها نوع من الجرأة التي قد لا يمكن العمل على مقتضاها ، وقيمة هذه السيرة على أقل التقادير مشروعية الفعل أو الترك لتدخل في دائرة الإباحة دون الأحكام الأربعة الأخرى .
وبما أنها ليست أصلاً من الأصول التشريعية فلنكتفي بهذا القدر من الكلام حولها لأنها خارجة عن موضوع بحثنا ، والموضوع برمته من المشتركات بين العرف والشهرة والإجماع والعقل .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 336

القرعة

في اللغة : السهم والنصيب ، وإلقاء القرعة حيلة يتعين بها سهم الإنسان ونصيبه . وفي الاصطلاح : هي إجالة الشيء بين أطراف مشتبهة لاستخراج الحق من بينها ، ولولا التعبد فيما لو ثبت فإنها لمجرد رفع الحيرة والنزاع ، لا الوصول إلى الحق .
هذا ونرى أن الفقهاء من كافة المذاهب الإسلامية يستخدمونها في بعض المجالات لنرفع النزاع والخصومة ، وذهب مشهور فقهاء المسلمين إلى جوازها في الجملة كما يظهر من كلماتهم ، وقد نقل المكي(1) رأي أئمة العامة فيها قائلاً : «فقد رأيت الشعراني(2) في كتابه ـ الميزان ـ يتعرض إلى القرعة في باب القسمة وكتاب الدعاوي والبينات ونقل عن الأئمة ـ إلا أبا حنيفة ـ جواز الرجوع إلى القرعة في الرقيق إذا تساوت الأعيان والصفات ، وإذا تعارضت البينات نسب إلى الشافعي القول بالرجوع إلى القرعة فراجع ، ونقل ذلك عن الشافعي وغيره الشيخ محمد بن عبد الرحمان الدمشقي(3) في كتابه ـ رحمة الامة في اختلاف الأئمة ـ ، وكذلك

(1) المكي : هو حسين بن محمود بن إبراهيم بن يوسف الحسيني العاملي (1326 ـ 1397هـ) ، ولد في حبوش ـ جنوب لبنان ـ درس في النجف وهو من علماء دمشق الإمامية ، له من المؤلفات : مصباح الداعي ، تاريخ مشهد الإمام الحسين بحلب ، إسعاف المحاضر .
(2) الشعراني : هو عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي (898 ـ 973هـ) ، ولد ومات في مصر لَهُ مصنفات كثيرة منها : البدر المنير ، الجواهر والدرر الكبرى ، ولطائف المنن .
(3) الدمشقي : هو محمد بن عبد الرحمان العثماني الشافعي ، جاء عنه في معجم المطبوعات العربية والمستعربة : نبغ في حدود سنة 780هـ كان قاضي القضاة للملكة الصفدية ، فرغ من كتابه رحمة الأمة في 11/11/780هـ وهو في فقه الشافعية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 337

الشوكاني ذكر في كتابه ـ نيل الأوطار ـ رجوع الفقهاء إلى القرعة حيث لا يوجد طريق شرعي يفصل به بين الخصمين»(1) .
هذا وقد عقد البخاري في كتاب الشهادات من صحيحه(2) باباً تحت عنوان «القرعة في المشكلات» وأورد فيه عدداً من الروايات في جوازه ، بينما عقد الحر العاملي في كتاب القضاء من وسائله(3) بعنوان «الحكم بالقرعة في القضايا المشكلة» وأورد فيه مجموعة من الروايات في مشروعيتها .
وذكر الحكيم : أن الكتب الفقهية الشيعية لا تأبى الأخذ بها في موارد خاصة شخصتها روايات أهل البيت عليهم السلام(4) .
وقد عرف عن الفقهاء قولهم : «إن القرعة لكل أمر مشكل ، والقرعة سنة(5) ، وكل مجهول ففيه القرعة»(6) وكلها نصوص مأخوذة من الروايات .
وعلى أي حال فإن مستند الجميع في حجيتها الكتاب والسنة ، وبما انها من المسائل الجزئية وتدخل في نطاق القواعد الفقهية الخاصة ببعض الأبواب والتي لا يمكن أن تكون في مصاف الأصول في التشريع أعرضنا عن مناقشتها وأدلتها .
وهناك من أضاف إلى هذه المصادر الاستقراء(7) والأخذ بأقل ما يمكن وعدم الدليل على الحكم إلا أنه إما أن يعود على ما ذكرناه أو أنه ليس بتلك الأهمية فتركنا الحديث عنه خوف الإطالة .

(1) عقيدة الشيعة في الإمام الصادق : 369 .
(2) صحيح البخاري : 3/237 .
(3) وسائل الشيعة : 27/257 .
(4) الأصول العامة : 551 .
(5) وسائل الشيعة : 27/257 .
(6) مجمع البحرين : 4/377 .
(7) راجع غاية المسؤول في علم الأصول للشهرستاني : 49 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 338

الأصول العملية

الأصل في اللغة : أساس الشيء ، القاعدة ، ولا يختلف معناه اللغوي عما اصطلح عليه الفقهاء ، والأصل عند الأصوليين هي القواعد التي يستندون إليها في استنباط الأحكام(1) على تفصيل في مفهومه ومصداقه الذي يبحث بشأنه في كتب الأصول .
والأصل عندهم ينقسم إلى أصول لفظية وأصول عملية ، ومنشأ هذه الأصول في الأساس ترجع إلى مسألة العدم والوجود ، وبما أن حقيقة الوجود متأخر عن العدم فإن الأصل هو العدم ، سواء في ذلك الأصول اللفظية أو العملية .
ومن جهة أخرى فإن كل أصل وجودي قابل لأن يكون أصلاً عدمياً وقد يصح العكس أيضاً ففي الأصول اللفظية مثلاً أصالة الإطلاق يمكن إرجاعها إلى أصالة عدم التقييد ، وبالنسبة إلى الأصول العملية فإن أصالة البراءة يمكن أن تعود إلى أصالة عدم التكليف أو أن أصالة الاحتياط ترجع إلى أصالة عدم رفع التكليف .
ولعل هذا الحديث هو أقرب إلى التلاعب بالألفاظ ، فإن البراءة مثلاً لفظ وجودي إلا أن معناه عدمي ، وقولنا عدم رفع التكليف ، فالتكليف وجودي والرفع والعدم عدميان ، وسلب السلب إيجاب وهكذا .
وعلى كل فإن الأصل إما لفظي وإما عملي فالأصول اللفظية التي

(1) جاء في مبادئ القانون الدستوري : 100 «يقصد بالأصل الدلالة المستمرة» وذكر بأن الأصول ثلاثة أصل الإباحة المطلقة بدليل : « خلق لكم ما في الأرض جميعاً » [البقرة : 29] ، وأصل الحرمة بدليل (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) [الجامع الصغير للسيوطي : 1/569] وأصل الإباحة في المنافع وأصل الحرمة في المضار بدليل .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 339

ترتبط بمسائل اللفظ المتعلق بالنصوص التي استخدمت كوسيلة لبيان الحكم الشرعي من قبل الله جل وعلا ، أو من قبل المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام ، وكلها أصول عقلية وهي :
1 ـ أصالة الإطلاق : ويقابله القيد ، ويستخدم فيها لو احتمل اللفظ تقيداً كما في كلمة البيع من قوله تعالى : « وأحل الله البيع وحرم الربا »(1) فيحمل البيع على إطلاقه إلا ما استثني .
2 ـ أصالة العموم : ويقابله الخصوص ، ويستخدم فيما لو احتمل اللفظ التخصيص ، ومن فروع هذه الأصالة ، أصالة عدم استخدام الضمير للتخصيص كما في ضمير بعولتهن من قوله « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء... وبعولتهن أحق بردهن »(2) فالمطلقات عام يشمل الرجعيات والبائنات ، وجملة بعولتهن... خاص بالرجعيات فالضمير فيها الراجع إلى المطلقات لا يخصها بأصل عدم استخدام الضمير .
3 ـ أصالة الظهور : ويقابله الإجمال فإذا كان النص يحتمل أكثر من معنى فظهوره في معنى هو المتعين بالأصل .
4 ـ أصالة عدم التقدير : فلو احتملنا أن النص قد ينطوي على بعض التقديرات فالأصل عدمه . ويمكن أن يضم هذا الأصل إلى أصالة الظهور أيضاً .
5 ـ أصالة عدم الحقيقة : ويقابلها المجاز فلو احتمل أن المراد من اللفظ المعنى المجازي فبالأصل يمكن نفيه .
6 ـ أصالة عدم الاشتراك : إن الشك في أن اللفظ استخدم في أكثر من معنى أو معاني فالأصل فيه عدم الاشتراك كما في لفظ «العين» إذا علمنا بأن المتكلم استخدمه في الجارية والباكية وشككنا في استخدامه للجاسوس فالأصل عدمه .
7 ـ أصالة عدم الإضمار : وهو قريب من أصالة عدم التقدير وعليه

(1) سورة البقرة ، الآية : 275 .
(2) سورة البقرة ، الآية : 228 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 340

فيمكن أن يكون فرعاً من فروع أصالة الظهور ، لأن ضمور بعض الأمور خلاف الظاهر والأصل عدمه .
8 ـ أصالة عدم القرينة : لو احتملنا أن قرينة كانت في النص فالأصل يحكم علينا بعدمه وهذه أيضاً يمكن أن تضم إلى فروع أصالة الظهور .
9 ـ أصالة عدم النقل : لو علمنا بأن اللفظ وضع لمعنىً وترددنا في أنه نقل إلى معنى غيره فبأصالة عدم النقل نحكم بأنه أراد المعنى الأول دون الثاني .
ومن الجدير ذكره أن الأصول لا تنحصر فيما ذكرناه بل هذه أبرزها ولعل بعضها تدخل في بعضها الآخر وهذا ما فعله الشيخ الأنصاري(1) : حيث عد أصالة الحقيقة وأصالة العموم وأصالة الإطلاق وغيرها من أقسام أصالة الظهور بينما عدّ الشيخ الخراساني أصالة عدم القرينة من أقسام أصالة الظهور وهكذا ، ولعل للخمسة الأولى البروز الأكبر أو الأهمية الكبرى .
وأما الأصول العملية فهي التي ترتبط بجوهر الحكم الشرعي ، وهي في الحقيقة الوسيلة المباشرة للحصول على الحكم الظاهري في قبال الحكم الواقعي ، وذلك لأن الأحكام على قسمين : واقعي وهو الذي لا يناط في صدوره علم المكلف بها وعدمه ، والطريق إلى الوصول إليه : الكتاب والسنة والعقل والأجماع على خلاف بخصوص الأخير ، وأما الظاهري فقاعدته الشك وعدم المكلف بالحكم الواقعي والطريق إليه لأصول العملية : البراءة ، الاحتياط (الاشتغال) ، التخيير ، والاستصحاب . وإنما حصرت بأربعة لأن المشكوك قد تكون له حالة سابقة لاحظها الشارع فهذا مقام الاستصحاب ، وأما أن لا تكون للمشكوك حالة سابقة أو كانت ولكن الشارع لم يلحظها فعندها إما أن يكون جنس التكليف مجهولاً فهذا مقام

(1) الأنصاري : هو مرتضى بن محمد أمين بن شمس الدين (1214 ـ 1281هـ) ، من فقهاء الإمامية وأعلامها ، من مصنفاته : المكاسب ، فرائد الأصول ، وإثبات التسامح في أدلة السنن .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 341

البراءة ، وإما أن يكون التكليف معلوماً ولو في الجملة ويمكن الاحتياط فهذا مقامه ، أو لا يمكن فمقامه التخيير .
وهذه الأصول من القواعد العامة التي تجري في غالب أبواب الفقه ، وقد ألحقوا بها بعض الأصول الفرعية الأخرى مثل أصل الطهارة التي تختص بباب الطهارة فقط ، وأصالة الصحة والتي تعادلها قاعدة الفراغ (التجاوز) حيث أن الأول ـ الفراغ ـ مرتبط بالآخرين والثاني ـ التجاوز ـ مرتبط بعمل الشخص نفسه ، مثال ذلك إذا شككت بعد إقامة الصلاة في إتيان الركوع من الركعة الرابعة فتجري على عملك هذا قاعدة الفراغ وتعتمد على أنك تجاوزتها بسلام ، وأما إذا ارتبط العمل بالغير مثل أنك علمت بأن زيداً غسل جثمان عمرو فشككت في صحة عمله فتجري على عمل زيد بالصحة ولا تستأنف في الأول الصلاة كما لا تستأنف في الثاني الغسل .
هذا وتنقسم الأصول العملية وملحقاتها إلى شرعية وعقلية ، فالأول : مردها إلى أحكام ظاهرية شرعية نشأت من ملاحظة أهمية المحتل ، والثانية : مردها إلى حق الطاعة إثباتاً ونفيا ، فهي من حيث أنها توصلك إلى حكم شرعي ظاهري فهي أصول شرعية مثل الاستصحاب الشرعي والبراءة الشرعية وأصالة الطهارة (كل شيء لك طاهر)(1) ـ وأصالة الصحة (ضع أمر اخيك على أحسنه)(2) ، ومن حيث أنها توصلك إلى وجوب التمسك بالحكم الظاهري إن سلباً أو إيجاباً فهي أصول عقلية كالاستصحاب العقلي والبراءة العقلية .
ومن جهة أخرى فإن الأصول العملية تارة تنقسم إلى أصول تنزيلية (محرزة) بأن تُنزّل لك الحكم الظاهري الذي توصلك إليه عبر تلك الأصول بمنزلة الحكم الواقعي كما في أصالة الطهارة (كل شيء لك طاهر) وأصالة

(1) راجع بحار الأنوار : 63/505 ، واصطلاحات الأصول : 198 ، فرهنگ تشريحي اصطلاحات أصول : 89 .
(2) قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له : ضع أمرَ أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت لها في خير محملاً . (الكافي : 2/362) .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 342

الحلية ـ الإباحة ـ (كل شيء هو لك حلال)(1) والاستصحاب (لا ينقض اليقين بالشك)(2) ، فإن مثل هذا الأصل يتكفل بتنزيل مشكوك الطهارة أو الحلية أو المشكوك من كل شيء منزلة الطهارة الواقعية أو الحلية الواقعية أو اليقين الواقعي .
وتارة لا تكون كذلك فتسمى بأصل غير تنزيلي (غير محرز) كما في أصالة البراءة وأصالة التخيير حيث لا ينزل الحكم الظاهري منزلة الحكم الواقعي .
والاستصحاب بحد ذاته قد يكون استصحاباً وجودياً وقد يكون عدمياً وقد يكون أصلاً مثبتاً وقد لا يكون كذلك .
وحقيقة الاستصحاب هو جري الحكم السابق على مورد الشك اللاحق فإن كان الحكم السابق وجودياً استصحب الوجود ، وإن كان عدمياً استصحب العدم فمثال الأول لو كنت متطهراً وشككت في نقضها بعد ذلك فإنك تحكم باستمرارية الطهارة ومثال الثاني عكس المثال الأول .
وأما كيف يكون الاستصحاب مثبتاً لأثر شرعي آخر فبطريق الملازمة العقلية أو العادية : مثلاً لو أن غائباً لم يعد له أثر وشككنا في حياته فتزوجت زوجته من آخر فإذا استصحبنا حياته فهل يثبت بالاستصحاب ـ للتلازم العقلي أو العادي ـ حكم الشرع على إجراء الحد على زوجته باعتبار أن زوجها الأول حي وهي في حبالته فاقترنت بالثاني (ام أن حكم

(1) قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : كل شيء هو لك حَلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشترتيته وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة . (تهذيب الأحكام : 7/226) .
(2) روى زرارة عن أحدهما (الباقر أو الصادق عليهما السلام) : ... ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط احدهما بالآخر ولكن ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات ـ الاستبصار : 1/373 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي