دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 312

المناطق بدلاً من الينسون(1) في أخرى ، أو كاستعمال لفظ الصلاة في الأركان الخاصة عند المتشرعة بدلاً من معناه اللغوي الدعاء .
وأما باعتبار مظهره فينقسم إلى قولي وفعلي ، والمراد بالقولي أن يكون لبعض الألفاظ مداليل خاصة تختلف عن مدلولها اللغوي كما في إطلاق كلمة الولد عند العراقيين على الذكور دون الإناث بينما تطلق الكلمة في اللغة على كليهما(2) .
والمراد بالعقلي أو العملي هو ما جرى عليه الناس من المناهج الخاصة في بلد أو قوم كجري بيع المعاطاة في قطر دون آخر أو التزاوج بالعقد المؤقت دون الدائم(3).
وأما باعتبار مشروعيته فينقسم إلى صحيح وفاسد ، فالصحيح هو ما لا يخالف الشريعة الإسلامية كما في تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل .
والمراد بالفاسد ما عارض نصاً من نصوص الشريعة كما اعتاد بعض الأقوام بحرمان البنت المتزوجة من الإرث(4) .
وعلى ما قدمناه فالأقسام ثمانية وهي نتيجة تكعيب الاثنين فيكون أولها العرف العام القولي الصحيح وآخره العرف الخاص الفعلي الفاسد .
هذا هو العرف ، فما هو الفرق بينه وبين الإجماع والسيرة والشهرة .
وأما بالنسبة إلى الإجماع فالفارق الأساسي هو أن الإجماع يعتمد على

(1) الينسون : ويقال لَهُ الأنيسون وهو الكمون الحلو وهو عبارة عن نبات سنوي من فصيلة الخيميات ، متعدد الألوان ، ومن خواصه أنه يطرد البرد ويحل الأورام ويدفع السموم وسوء الهضم والتخم وعسر النفس والمغص الشديد . راجع تذكرة أولي الألباب : 1/275 .
(2) مثل قوله تعالى : « يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين » [النساء : 11] ، وقوله تعالى : « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » [البقرة : 233] .
(3) لقد اطلعت في زيارتي ـ حدود عام 1401هـ ـ لمدينة اسكردو قاعدة بلتسان الپاكستانية ان الغالب على أهاليها اجراء العقد الموقت لمدة طويلة جداً (99 عاماً ) بدل العقد الدائم .
(4) راجع الأصول العامة : 420 ، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/258 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 313

الاتفاق والعرف على سلوكية عامة ، هذا إذا فسر الإجماع باتفاق الأمة إما حسب المختار هو اتفاق الفقهاء فعندها يكون الفارق بينهما كبيراً .
وأما بالنسبة إلى السيرة ، فالمراد بالسيرة كما سيأتي هو سيرة المتشرعة ، وأما العرف فهو أعم منها وقد يكون العرف مرادفاً للسيرة الخاصة في بعض مواردها فتأمل ذلك .
وأما بالنسبة إلى الشهرة ، فقاعدتها تارة الحديث وتارة أخرى الفتاوى ، ويراد بالأولى تعدد رواة الحديث بدرجة دون التواتر وبالثاني شيوع الفتوى بين الفقهاء بدرجة دون الإجماع(1) ، وأما العرف فقاعدته عامة الناس ، وأما الشهرة العملية فهي من موارد الشهرة الروائية ، وعلى كل فالمطلوب في العرف أن يشترك فيه غالبية الناس على اختلاف طبقاتهم وأزمانهم وبيئاتهم ومستوياتهم .
وأما موارد استخدامه : فقد نلاحظ أن الفقيه يستند في استدلالاته بعلم العرف كمؤيد لما توصل إليه من الحكم الشرعي ، فما المراد من العرف ومتى يمكنه أن يستخدمه وما هو مدى حجيته ؟ أما المراد به فيتلخص في اتجاهين :
الأول العرف العام : وهو ذو حدين ، فمن جهة يكتشف من خلاله مبنى العقلاء بشكل عام ، ومن جهة أخرى بما أنه يتخطى طابع الزمان والمكان ليبلغ بهما عصر المعصومين عليهم السلام فيكشف من خلاله إقرارهم عليه ، ولا يختلف فيه الفعلي أو القولي إلا أنه لا بد وأن يكون صحيحاً .
الثاني العرف الخاص : وهو أيضاً ذو حدين فقد يتحدد بعرف المتشرعة وقد يتحدد بفهم مراد الشارع في حدود العرف الذي كان قائماً .
وأما متى يمكن للفقيه استخدامه ، فلا بد أن تتحقق المقدمات التالية :
1 ـ أن يكون صحيحاً .
2 ـ أن يكون للنص أكثر من مدلول .
3 ـ أن يوكل الشرع الأمر إلى العرف .

(1) راجع دروس في علم الأصول : 2/133 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 314

4 ـ أن لا يرد نص خاص به أو لا تشمله العموميات ، فعندها يلتمس العرف العام ليشمل سيرة المتشرعة المتصلة بزمن المعصوم ، أو بناء العقلاء بشكل عام .
وأما حجيته : فمستمدة من الدليل العقلي الذي هو جزء منه ، وهو من صغرياته حيث لا يمكن الاعتماد على ما أوردوه في هذا الباب من الأدلة الأخرى كقول ابن مسعود السابق الذكر «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» للأسباب التي قدمناها سابقاً ، كما لا يمكن الركون إلى القول بأن الإسلام أقر ببعض الأعراف لأنه أيضاً أنكر بعضها الآخر ، إلى غيرها من الأدلة التي لا يمكن الاعتماد عليها حيث أنها لا تنهض بالمدعى .
ومما قدمناه يبتين أن العرف ليس أصلاً برأسه ليضاهي الكتاب والسنة بل مآله إما إلى العقل أو إلى السنة .
هذا وذكر أسود(1) : بأن الموالك يأخذون بالعرف ويعتبرونه أصلاً من الأصول الفقهية فيما لا يكون فيه نص قطعي ويتركون القياس إذا خالفه العرف وهو عندهم يخصص العام ويقيد المطلق ، والعرف والعادة عندهم تشتغل حيزاً كبيراً(2) وقد عده الأصل الثاني عشر والاخير حيث أورده بعد سد الذرائع .
ويقول عن الأحناف : إنه أصل من أصول الاستنباط عندهم وأنه دليل حيث لا يوجد دليل شرعي فهو دليل حيث لا كتاب ولا سنة ، وقد قيل فيه : «الثابت في العرف كالثابت في النص» واعتبره أبو حنيفة أصلاً فقهياً للاستنباط وأخذ بالمنهج الذي يعتبر العرف العام دليلاً حيث لا نص(3) .
وقد عده الاصل السابع والأخير من أصول الاستنباط حيث جاءت مرتبته بعد الاستحسان .

(1) أسود : هو العميد عبد الرزاق محمد ، وهو لا زال حياً ، من مصنفاته : الموسوعة الفلسطينية وقد ضمت الكتب التالية : اليهودية ـ الصهيونية ـ إسرائيل ـ فلسطين ، والعسكرية الإسرائيلية ـ الحروب العربية ـ الإسرائيلية .
(2) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/152 بتغير طفيف جداً .
(3) المدخل إلى دراسة الاديان والمذاهب : 3/129 بتغير طفيف جداً .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 315

هذا ويضيف أسود في هذا المجال قائلاً : إن هذا المصدر بخلاف المصادر التبعية الأخر كاد الفقهاء أن يتفقوا على العمل بموجبه في تطبيقاتهم الفقهية وإن نفاه بعضهم نظرياً أو أرجعه إلى مصدر آخر أو خالف في مجال العمل به ، وإن إعمال العرف في الاستنباط الفقهي يعد سبباً من أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية(1) .

(1) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/258 وجاء في مبادئ القانون الدستوري : 119 إن لقبول العرف شروط : 1 ـ أن يكون مطرداً أو غالباً ، 2 ـ أن يكون عاماً في جميع بلاد الإسلام ، 3 ـ أن يكون مخالفاً للشرع ، 4 ـ أن يكون حدوثه سابقاً على وقت التصرف ، 5 ـ أن يكون ملزماً ، 6 ـ ألا يوجد حكم دستوري أو عمل سياسي يفيد عكس مضمونه .
الحسين والتشريع الاسلامي (الجزء الأوّل) 316

الشرائع السابقة

واصطلحوا عليه بـ «شرع من قبلنا شرع لنا» والمراد به العمل بالشرائع المنزلة من قبل الله جل وعلا على الأمم التي سبقت أمة الإسلام عبر أولي العزم الأنبياء كموسى وعيسى عليهما السلام وذلك فيما لا نص فيه .
واستقصى الحكيم الأقوال في حجيتها في ثلاث(1) :
1 ـ إن تلك الشرائع شرع للمسلمين مطلقاً إلا ما ثبت نسخه .
2 ـ إن تلك الشرائع ليست بشرع للمسلمين مطلقاً .
3 ـ الاقتصار على ما أورده الله أو رسوله في الكتاب أو في الحديث القدسي أو السنة الشريفة .
وقد التزم الأخير جمهور الحنفية وبعض المالكية والشافعية(2) .
واستدلت كل طائفة بالكتاب والسنة والعقل إلا أن أقوى الأدلة جاءت من قبل المفصلين حيث ان أدلة القائلين بالحجية مطلقاً لا يفهم منها أكثر من التصديق برسالة السابقين وأنها منزلة من قبل الله(3) ، وأما أننا ملزمون بالعمل على مضامينها فهذا ما لم يدل عليه الدليل ، بل احتمال النسخ في كثير منها بشريعة الإسلام مضافاً إلى ثبوت التحريف فيما وصلنا عبر المتدينين بها لا يدع المجال إلى القول بعدم حجيتها للعلم الإجمالي الحاصل من ذلك .

(1) الأصول العامة : 429 .
(2) علم الأصول لخلاّف : 105 .
(3) ومن تلك قوله تعالى من سورة الشورى الآية 13 : « شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه » .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 317

هذا وقد ذهبوا إلى أن كل شريعة من الشرائع العامة نسخت بالتي هي بعدها ، فقد نسخت اليهودية بالمسيحية وهي بالإسلام ، إذاً فالشريعة الإسلامية جاءت لتحل محل الشرائع السابقة وإلا فلا معنى لعموميتها .
نعم بالمعنى العام يصح القول بأنها ناسخة لتلك ، إلا أنه يلاحظ الجزئيات ، فإنها لم تنسخ كل ما ورد في تلك بل جاءت مؤيدة لبعضها مكملة لها نسخت ما نسخت وأثبتت منها ما أثبتت كما دلت عليها الآيات والروايات ولكن بتشريع جديد .
وأما تمسك النفاة ببعض المرويات التي تتضح معالمها كقول معاذ السابق والذي لم يثبت أنه من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا يمكنه أن ينهض بالمراد من جهة الدلالة والسند .
وأما عدم وجود دليل على جواز التمسك بها فوارد إلا أنه ثبت من الكتاب والسنة أننا ملزمون ببعض شرائعهم ولكن الإلزام إنما جاء بتشريع ثان من شرعنا كما في قوله تعالى : « كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم »(1) وقوله جل وعلا : « ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم »(2) .
هذا ولا يكفي مجرد ورود بعض من شرائعهم في الكتاب والسنة إذا ما كان المقام مقام التشريع لأن مجرد الحكاية غير كافية في إثبات المدعى حيث يقول الله عز شأنه بعد تعدد الديانات والشرائع التي أنزلها على الناس : « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً »(3) وقد سبقه قوله : « إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور... »(4) ثم أردفها بقوله « وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم... وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور »(5) ثم قال مخاطباً نبيه

(1) سورة البقرة ، الآية : 183 .
(2) سورة المائدة ، الآية : 5 .
(3) سورة المائدة ، الآية : 48 .
(4) سورة المائدة ، الآية : 44 .
(5) سورة المائدة ، الآية : 46 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 318

محمد صلى الله عليه وآله وسلم : « وأنزلنا إليك الكتاب بالحق »(1) ، فالتصديق بالكتب السماوية والرسل لا دخل له بالعمل بها .
ومما قدمناه يظهر أن الشرائع السابقة ليست بأصل قائم لوحده بل مرجعه إلى الكتاب والسنة .

(1) سورة المائدة ، الآية : 48 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 319

مذهب الصحابي

وربما عبروا عنه بقول الصحابي أو فتوى الصحابي أو رأي الصحابي واجتهاده ، والمراد بها جميعاً كلما يعبر عن رأيه في الحكم الشرعي سواء كان قولاً أو سلوكاً .

أولاً : من هو الصحابي

1 ـ قال أحمد بن حنبل : هو كل من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة وله من الصحبة على قدر ما صحبه وسمع منه ونظر إليه(1) ولو نظرة ، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن(2) الذي لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال(3) . وقريب منه قول البخاري(4) : «من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه من المسلمين فهو أصحابه»(5) وقول الواقدي(6) حيث يقول : «رأينا أهل العلم يقولون كل من رأى رسول الله وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب رسول الله ولو ساعة من نهار»(7) .

(1) وعليه فعلي عليه السلام أفضل الصحابة حيث أنه فتح عينيه في حضنه صلى الله عليه وآله وسلم ، وغمض صلى الله عليه وآله وسلم عينه وهو في حضنه عليه السلام وكان أكثر من لقي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحدثه ونظر إليه بإجماع المسلمين .
(2) القرن : أهل زمان واحد ، ومن القوم سيدهم .
(3) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/184 .
(4) البخاري : محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (194 ـ 256هـ) ، وهو أول من أقام صحيحه على هذا النحو ، من مصنفاته : التاريخ ، الضعفاء ، والأدب المفرد .
(5) صحيح البخاري : 5/2 .
(6) الواقدي : هو محمد بن عمر بن واقد المدني (130 ـ 207هـ) ، من قدماء المؤرخين وحفاظ الحديث ، ولي القضاء ببغداد ، من مصنفاته : المغازي النبوية ، تفسير القرآن ، وتاريخ الفقهاء .
(7) الملل والنحل للسبحاني : 1/201 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 320

2 ـ قال ابن المسيب(1) : «الصحابي ، ولا نعده إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين»(2) ، وقريب منه قول ابن الطيب(3) : «فقد تقرر للأمة عرف فإنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا في من كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى ، أو سمع منه حديثاً»(4) وقول صاحب الغوالي(5) : «لا يطلق اسم الصحبة إلا على من صحبه ثم يكفي في الاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته»(6) .

ثانياً : حجيته

لقد سبق وتحدثنا عنه في الإجماع بما فيه الكفاية ونقتصر هنا بنقل ما نص عليه الغزالي لما فيه بعض الفوائد : «إن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله فكيف تحتج بقولهم مع جواز الخطأ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ وكيف يختلف المعصومان ؟ كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ؟ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه... فانتفاء الدليل على العصمة ، ووقع الاختلاف بينهم(7) ،

(1) ابن المسيب : هو سعيد بن المسيب بن حَزْن المخزومي القرشي (13 ـ 94هـ) ، من فقهاء المدينة روى عن عمر كثيراً ، كان يتاجر بالزيت ، مات بالمدينة .
(2) الملل والنحل للسبحاني : 1/201 .
(3) ابن الطيب : هو محمد بن الطيب بن محمد القاضي الباقلاني (338 ـ 403هـ) ولد في البصرة ومات في بغداد ، من مصنفاته : إعجاز القرآن ، الأنصاف ، ودقائق الكلام .
(4) الملل والنحل للسبحاني : 1/201 .
(5) صاحب الغوالي : ويقال العوالي أيضاً وهو محمد بن علي بن إبراهيم الإحسائي المتوفى بعد عام (901هـ) ، من مصنفاته : جمع الجمع ، التحفة الحسينية في شرح الألفية ، وزاد المسافرين في أصول الدين .
(6) الملل والنحل للسبحاني : 1/201 .
(7) راجع كتاب السبعة من السلف : 106 باب في تجسر عمر على أبي بكر .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 321

وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة»(1) على عدم حجية قول الصحابي . كيف يقول بعصمة الصحابة من يرى أن السهو والخطأ وما إلى ذلك جائز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم(2) .
وأما ما أورده المثبتون من الأدلة وبالأخص السنة فسندها مخدوش حتى عند من استدل بها .

ثالثاً : ماهيته

هذا وقد قالوا إنما قول الصحابي حجة لأنه أقرب إلى عصر الوحي والسنة وقد التمس سنة غابت عنا . فهو إذاً ليس بأصل من الأصول حتى يستحق الحديث عنه هنا بل هو جزء من السنة ، أو يكون في الإجماع كما سبق الإشارة إليه ، قال أبو زهرة : «الصحابة شاهدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلقوا عنه الرسالة المحمدية ، وهم الذي سمعوا منه بيان الشريعة ولذلك قرر جمهور الفقهاء أن اقوالهم حجة بعد النصوص»(3) .
وفي نهاية المطاف هناك كلمة لا بد من الإمعان فيها وهي أن ما كان يعانيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من المنافقين أمر لا ينكر ، وقد نزلت بذلك الآيات وصرح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه للصحابة وأورده المؤرخون ، فالسؤال هنا هل كانوا من ملة الإسلام أم من خارجه ؟ هل صاحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم كانوا على بعد منه لم يسمعوا عنه ولم يجلسوا إليه ولم ينظروا إليه ؟ ، أين نسبة هؤلاء من الصحابة ؟ وأين هم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أماتوا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أم تابوا بموته ؟ أم ماذا ؟ والحال أن الله سبحانه وتعالى قال : « وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الشاكرين »(4) إذاً فلا يمكن الاعتماد على مذهب الصحابي كأصل في التشريع بل لا يمكن الركون إليه في قبول روايته أيضاً بمجرد كونه صحابياً إلا بعد التثبت من عدالته .

(1) المستصفى : 1/135 .
(2) راجع معالم المدرستين : 1/83 ـ 106 .
(3) المدخل إلى أصول الفقه الجعفري : 112 ، أصول الفقه لأبي زهرة : 203 .
(4) سورة آل عمران ، الآية : 144 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 322

قال أبو حنيفة في الصحابة : «هم أصدق الناس نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما ما يكون أساسه الرأي فهو اجتهاد واحتمال الخطأ في اجتهادهم ثابت إذ ليسوا بمعصومين عن الخطأ وكان يخالف بعضهم بعضاً وهم لإخلاصهم كانوا لا يدعون الناس إلى تقليدهم في أقوالهم»(1) .
هذا وقد ذهب جمع كبير من علماء المسلمين من أتباع المذاهب الأربعة إلى أن أقوالهم ليس بحجة ، قال الشوكاني : «والحق أنه ليس بحجة ، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك»(2) .
وليس هنا المجال المناسب للخوض في مثل هذه المسألة بالذات لأنها من مسائل علم الرجال الحديث ، هذا وقد بسط الحديث عنه الشيخ السبحاني(3) في كتابه بحوث في الملل والنحل بما فيه الكفاية(4) .
ومما تقدم لا بد من الفصل بين نقل الصحابي ورأيه (فتواه) فالأول من نقل الخبر ومكان مناقشته في خبر الواحد ، والثاني في مبحث السنة باعتباره كاشفاً لها ، ولذلك فرق بعضهم بين الأمرين ، وإلى هذا يشير السيد المرتضى بقوله في مسألة النسخ قائلاً : «ومنهم من فرق بين قول الصحابي : «إن كذا نسخ كذا» وبين نقله التاريخ فقبل قوله في التصريح بالتاريخ ولم يقبل في قوله نسخ ذلك(5) .
وللإمام أمير المؤمنين عليه السلام تقسيم جميل لرواة الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمكن الوصول إلى النتيجة التالية : لا بد من تمحيص الرجل (الصحابي) الذي يروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا يمكن الأخذ بكلامه بمجرد أنه صحابي روى عنه صلى الله عليه وآله وسلم وقد عنون كلامه هذا عندما سئل عن أحاديث البدع

(1) المدخل إلى أصول الفقه الجعفري : 114 عن أصول الفقه : 206 .
(2) المدخل إلى أصول الفقه الجعفري : 114 عن أصول الفقه : 206 .
(3) السبحاني : هو جعفر بن محمد حسين التبريزي ، ولد عام 1348هـ في تبريز وانتقل إلى قم عام 1365هـ للدراسة ، من علماء الإمامية ، من مؤلفاته : أصول فلسفة ، تهذيب الأصول ، مفاهيم القرآن .
(4) راجع كتاب بحوث في الملل والنحل : 1/201 ـ 233 .
(5) الذريعة إلى أصول الشريعة : 474 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 323

وبدأ كلامه بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(1) .
وما دام وصل بنا الكلام إلى هنا فلنورد هنا وثيقة علمية ناقش فيه الإمام الصادق عليه السلام قاضي الكوفة عبد الرحمن بن أبي ليلى(2) في مسألة الأخذ بقول الصحابي فغير سلوكه في الفتيا وهي كالتالي على ما نقله القاضي النعمان(3) :
قال الصادق عليه السلام يوماً لابن أبي ليلى : أتقضي بين الناس يا عبد الرحمن ؟
قال : نعم ، يابن رسول الله .
قال عليه السلام : تنزع مالاً من يَديْ هذا فتعطيه هذا ، وتنزع امرأة من يَديْ هذا فتعطيها هذا ، وتحد هذا وتحبس هذا ؟
قال : نعم .
قال عليه السلام : بماذا تفعل ذلك كله ؟
قال : بكتاب الله .
قال عليه السلام : كل شيء تفعله تجده في كتاب الله ؟
قال : لا .
قال عليه السلام : فما لم تجده في كتاب الله ، فمن أين تأخذه ؟
قال : فآخذه عن رسول الله .
قال عليه السلام : وكل شيء تجده في كتاب الله وعن رسول الله ؟

(1) نهج البلاغة : 466 وسننقل الخطبة في فصل تاريخ التشريع وتطوره من هذا الباب .
(2) عبد الرحمن بن أبي ليلى : هو ابن داوود بن بلال الأنصاري (17 ـ 81هـ) روى عن الإمام علي والإمام الحسين عليهما السلام .
(3) القاضي النعمان : هو ابن محمد بن منصور التميمي (... ـ 363هـ) ، كان مالكياً ثم صار إمامياً ، مات في القاهرة ، من مصنفاته : المناقب والمثالب ، تأويل دعائم الإسلام ، واختلاف أصول المذاهب .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 324

قال : ما لم أجده في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذته عن أصحاب رسول الله .
قال عليه السلام : عن أيهم تأخذ ؟
قال : عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ـ وعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ .
قال عليه السلام : فكل شيء تأخذه عنهم ، تجدهم قد اجتمعوا عليه ؟
قال : لا .
قال عليه السلام : فإذا اختلفوا فبقول من تأخذ منهم ؟
قال : بقول من رأيتُ أن آخذ منهم أخذتُ .
قال عليه السلام : ولا تبالي أن تخالف الباقين .
قال : لا .
قال عليه السلام : فهل تخالف علياً فيما بلغك به أنه أقضى به ؟
قال : ربما خالفته إلى غيره منهم .
فسكت أبو عبد الله عليه السلام ساعة ينكت في الأرض ، ثم رفع رأسه إليه فقال : يا عبد الرحمان ، فما تقول يوم القيامة إن أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدك وأوقفك بين يدي الله ؛ فقال : أي رب ، إن هذا بلغه عني قول فخالفه .
قال : وأين خالفتُ قوله يابن رسول الله ؟
قال عليه السلام : ألم يبلغك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : «أقضاكم عَليٌّ» ؟
قال : نعم .
قال عليه السلام : فإذا خالفت قوله ، ألم تخالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فاصفر وجه ابن أبي ليلى حتى عاد كالأترجة(1) ، ولم يحر جواباً(2) .

(1) الأترجة : واحدة التُرُنج ، وهو ثمر من جنس الليمون ، أصفر اللون ، وهنا إشارة إلى اصفرار وجه ابن أبي ليلى .
(2) دعائم الإسلام : 1/92 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 325

هذا وقد وصل الأمر عند بعض الفقهاء من أصحاب الرأي أنهم أخذوا بمذهب الصحابي وتركوا عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو قوله ، ومن هؤلاء ربيعة الرأي(1) يقول زرارة جئت إلى حلقة بالمدينة فيها عبد الله بن محمد(2) وربيعة الرأي .
فقال عبد الله : يا زرارة سل ربيعة عن شيء مما اختلفتهم فيه .
فقلت : إن الكلام يورث الضغائن .
فقال ربيعة الرأي : سل يا زرارة .
قلت : بم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضرب في الخمر ؟
قال : بالجريد والنعل .
قلت : لو أن رجلاً أخذ اليوم شارب الخمر ، وقدم إلى الحاكم ما كان عليه ؟
قال : يضربه بالسوط ، لأن عمر ضرب بالسوط .
فقال عبد الله بن محمد : يا سبحان الله يضرب رسول الله بالجريد ويضرب عمر بالسوط ، فيترك ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويأخذ ما فعل عمر ؟(3) .
إن اختلاف أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينهم كثير ننقل صورة منه ، فقد خالف ابن الخطاب ما أمضاه ابن أبي قحافة حين روى عبيدة السلماني(4)

(1) ربيعة الرأي : هو ربيعة بن فروخ التيمي المدني (... ـ 136هـ) أول من فتح باب الرأي والقياس في أحكام الشريعة ، وكان يفتي في المدينة المنوّرة .
(2) عبد الله بن محمد : لعله هو عبد الله بن محمد الكوفي الذي كان من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام (83 ـ 148هـ) .
(3) رجال الكشي : 153 ، تاريخ التشريع الإسلامي للفضلي : 158 .
(4) عبيدة السلماني : هو ابن عمرو المرادي ، من أصحاب الإمام علي مات قبل عام 70هـ .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 326

قال : جاء عيينة بن حصين(1) والأقرع بن حابس(2) إلى أبي بكر ، فقالا : يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلاء ولا منفعة فإن رأيت أن تعطيناها لعلّنا نحرثها ونزرعها ، ولعل الله أن ينفعنا بها ، فاقطعهما إياها وكتب لهما بذلك كتاباً ، واشهد لهما ، فانطلقا إلى عمر ليشهداه على ما فيه ، فلما قرء على عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما فتفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا له : «مقالة سيئة»(3) .
وفي نهاية المطاف نود القول بأن هناك من يبالغ في عد مذهب الصحابي ورأيه من مصادر التشريع ويصل به الأمر ليجعلهم معصومين ويستدل بحديث منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»(4) فلا بد من وقفه مع الضمير والنفس كيف نقول بذلك ونترك قول العترة ، نتمسك بالقشرة ونترك اللب ، هذا شيء عجاب ، هنا نتمسك برواية لا تصلح لأن تنهض بالمدعى ، ونهجر تلك الروايات الصحاح في حق أهل البيت عليهم السلام مع أنه لم يخلق أحد لحد الآن من يعيب عليهم لا أقل في صدقهم وعلمهم وقرباهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينما عِيبَ غيرهم بأمور أبسطها تنافي الأخذ بقولهم بشكل عام دون تمييز .
وأخيراً ننهي كلامنا عن هذا الموضوع بمقولة الرازي في أهل

(1) عيينة بن حصين : ابن حذيفة بن بدر الغطفاني ، كان سيد قومه وقد قاد قبل اسلامه قومه إلى حرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : أحمق مطاع .
(2) الأقرع بن حابس : التميمي ، المكنى بأبي بحر ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تميم ورفع صوته فنزل فيه : « يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم... » [الحجرات : 3] حيث نادى الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم من وراء الحجرات : يا محمد ان مدحي زين وذمي شين ، واسم الأقرع هو «فراس» وإنما قيل له الأقرع لقرع في رأسه ، وقد اعتبره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من المؤلفة قلوبهم في توزيعه لغنائم حنين ، وهو الذي قال عندما شاهد أن الرسول يقبل الحسين عليه السلام : ان لي من الولد عشرة ما قبلت واحداً منهم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : من لا يرحم لا يُرحم .
(3) كنز العمال : 2/89 .
(3) راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي : 1/53 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي