دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 298

القياس حيث يقول الورجلاني(1) : «القياس ضربان عقلي وشرعي ، والشرعي ضربان : جلي وخفي ، والجلي : ضربان ، قياس علة منصوص عليها وقياس علة مستنبطة ، والخفي : ضربان : قياس الشبهة وقياس الاستحسان...»(2) .
ورغم أنه ليس بدليل قائم بنفسه استدلوا لحجيته بما لا ينهض ، ولكننا نستعرض بعض أقوى الأدلة على وجه السرعة لمزيد التوضيح ، وهي كما أورده الحكيم في هذا المقام كالتالي :

1 ـ الكتاب

في قوله تعالى : « واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم »(3) وقوله جل وعلا : « الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه »(4) وجه الاستدلال بهما أن الله حث في أحدهما ومدح في أخرى اتباع أحسن الأقوال .

2 ـ السنَّة

وقدموا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال : «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»(5) وذلك بالتقريب المتقدم .

3 ـ الإجماع

وذلك بدعوى إجماع الامة باستحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي السقائيين من غير تقدير زمان المكث وتقدير الماء والأجرة(6) .
وفي الحقيقة أن الاستدلال بهذه الأدلة واهي جداً إلى درجة لا يستحق الرد ، وإنما أردنا إيرادها لمزيد الاطلاع ، وذلك لأن ما ادعوه من

(1) الورجلاني : هو يوسف بن إبراهيم بن مياد السدراتي المتوفى عام 570هـ ، أصولي أباضي من ورجلان في المغرب ، من تصانيفه : الدليل والبرهان ، مرج البحرين ، والجامع الصحيح .
(2) العدل والانصاف : 2/66 .
(3) سورة الزمر ، الآية : 55 .
(4) سورة الزمر ، الآية : 18 .
(5) ابطال القياس والرأي : 5 .
(6) الأصول العامة : 373 ـ 376 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 299

الإجماع فهو ليس من الإجماع بشيء بل هو من السيرة ، وأما الرواية فهي ليست من السنة بل من قول الصحابي حيث أنه رأي ابن مسعود ، وليس برواية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما الآيتان فهما أجنبيتان عما نحن فيه ، والحاصل أن الاستحسان من الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً .
وفي الختام لا بأس بنقل ما أورده الشافعي في نفي الاستحسان ورفضه لدى الحديث عمن يتولى القضاء أو الإفتاء في كلام طويل يقول : «هذا ولا يجوز له أن يفتي بالاستحسان إذ لم يكن الاستحسان واجباً ، ولا في واحد من هذه المعاني قال تعالى : « أيحسب الإنسان أن يترك سدى »(1) ولم يختلف أهل العلم بالقران فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى ، ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به فقد أجاز لنفسه أن يكون في معنى السدى ، إلى أن يقول : أفرأيت إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة ليس فيها نص خبر ولا قياس وقال : أستَحْسنُ فلا بد أن يزعم أنه جائزاً لغيره أن يستحسن خلافه ، فيقول كل حاكم في بلد وَمَضْتُ بما يستحسن فينال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا ، فإن كان هذا جائزاً عنهم ، فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاؤوا ، وإن كان ضيقاً ، فلا يجوز أن يدخلوا فيه»(2) .
وكلامه وإن كان فيه من الغرابة ما هو واضح إلا أنه أراد وقوع الهرج والمرج ، وأما ما ينقل عن مالك من المبالغة في الاستحسان فهو أغرب من قول الشافعي في الرفض حيث يقول : «الاستحسان تسعة أعشار العلم» إلا إذا أراد بكلامه حسن السليقة كما هو معروف عند الفقهاء .
وخلاصة القول : فإن كان المراد بالاستحسان أنه أضعف أنواع القياس كما يظهر من تصريحاتهم فقد تبين حاله من القياس الأقوى منه ، وإن كان المراد به الأخذ بأقوى الأدلة أو الدليلين فهو من باب التراجيح الذي لا ينكره أحد بالشروط التي سنذكرها في محله .
وعلى كل حال فلا يمكن عده دليلاً في قبال الكتاب والسنة والعقل والإجماع .

(1) سورة القيامة ، الآية : 36 .
(2) تاريخ التشريع الإسلامي للخضري : 129 ، فلسفة التشريع الإسلامي : 174 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 300

المصالح المرسلة

مصطلح مركب من كلمتين الأولى «المصالح» : وهي جمع المصلحة وتعني كلما في فعله أو تركه منفعة ، والثانية «المرسلة» : وهي مؤنث المرسل وهو الذي لم يحدد ولم يقيد .
فالمعنى اللغوي لهذا المركب : الأفعال والتروك التي لم تجلب المنفعة والمتروكة أمرها دون تحديد .
وفي اصطلاح الأصوليين باختلاف مشاربهم ومذاهبهم وتنوع آرائهم في تعريفها : هي الموارد التي لم يحدد الشارع فيها حكمه بل اعتمد في ذلك على جلب المنفعة أو دفع المضرة .
وقد اختلفوا في تحديد المصلحة كما وتحديد الإرسال ، فقال الغزالي(1) : إن المصلحة هي المحافظة على مقصود الشرع وهي تتحدد في خمسة أمور : الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال .
وفي الحقيقة أنها من مصاديق المصلحة ولا يصح تحديدها بها ، ولذلك عرّف الطوفي المصلحة بما يؤدي إلى مقصود الشرع وهي إما عبارة أو عادة فأراد بالأول حق المعبود وبالثاني حق العباد .
وأما الإرسال فقيل إن المراد منه حكومة العقل حيث لا نص بذلك ، وقيل عدم الاعتماد على نص خاص بل على العموميات .
وعليه فإن هناك مدرستان الأولى تعتمد في التشريع على ما فيه جلب منفعة أو دفع ضرر فيما لم يتناقض مع الشرع وجوداً وعدماً ، وبمقتضى

(1) الغزالي : هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي (450 ـ 505هـ) ولد ومات في طوس ، فيلسوف وفقيه شافعي ، ترك مئتي مصنف ، منها : تهافت الفلاسفة ، شفاء العليل ، والتبر المسبوك في نصيحة الملوك .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 301

ذلك جاء تعريف بعضهم للمصالح المرسلة : «أنها الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر ولم يدل شاهد من الشرع على اعتباره أو إلغائه»(1) .
الثانية : رد المسألة إلى الأصول العامة ، وعليه جاء تعريف الدواليبي(2) حيث يقول فيما يقول : «كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها وإنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء»(3) .
ومن هذين الاتجاهين يمكن معرفة أن المصالح المرسلة ليست أصلاً من الأصول بل تعود إما إلى دليل العقل أو إلى مسألة الاجتهاد أو ما إلى ذلك فلا يحسن أن توضع كعدل للكتاب والسنة والعقل .
ومع هذا فقد اختلفوا في حجيتها على ثلاثة أقوال :
1 ـ قالت طائفة بحجيتها مطلقاً وهو المشهور عن مالك .
يقول القطان : «إنها أساس من الأسس التي اعتمد عليها مالك في مذهبه وهي جلب منفعة أو دفع مضرة لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين لأن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدهم في الخلق ، ضرورية كانت أم حاجية أم تحسينية ، والضرورية هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا في الضروريات الخمس الثابتة في الملل جميعاً وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل ، والحاجية هي التي تؤدي إلى رفع الضيق ، والحرج ، والمشقة ، والتحسينية : هي المتعلقة بمكارم الأخلاق وكون هذه المعاني مقصوده ، عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة مما يدل على مقاصد الشرع ، ولذا ذهب مالك إلى أن هذه المصلحة تكون حجة»(4) .

(1) سلم الوصول : 309 .
(2) الدواليبي : هو محمد معروف من أرباب الأدب والفضل المعاصرين في دمشق سوريا ، من مصنفاته : المدخل إلى أصول الفقه .
(3) الأصول العامة : 384 .
(4) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 354 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 302

وبلغ العمل بالمصالح المرسلة من الأهمية عند مالك حتى اعتبره بعضهم أنها من خصوصيات مذهب مالك ، حيث قال الشاطبي(1) : إن مالكاً يذهب إلى اعتبارها ويكثر من بناء الأحكام عليها(2) .
واختارها بعض الشافعية كما أخذ بها علماء الحنابلة(3) كما أن أحمد ابن حنبل ذهب إلى أن الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع(4) .
2 ـ وقالت طائفة بحجيتها بشروط ، وحدودها بثلاثة : وهي أن تكون ضرورية ، وأن تكون قطعية ، وأن تكون كلية ، وقد اختار الغزالي من الشافعية هذا الرأي(5) .
ولعل بعضهم قسمها إلى ثلاث مراتب بلحاظ ما لمصالحها من رتب : (الضروري ، والحاجي ، والتحسيني) وعليه فإذا تزاحمت فيقدم الأول على الثاني وهو على الثالث .
فالضروري : هو ما تضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمسة التي تقدمت الإشارة إليها(6) .
والحاجي : هو ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة(7) .
والتحسيني : هو ما يقع ضمن نطاق الأمور الذوقية(8) .
3 ـ وقالت طائفة أخرى بعدم حجيتها مطلقاً .

(1) الشاطبي : هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي (... ـ 790هـ) ، من أئمة المالكية ، من مصنفاته : الموافقات في أصول الفقه ، أصول النحو ، والاتفاق في علم الاشتقاق .
(2) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 355 عن كتاب الاعتصام للشاطبي .
(3) أسباب اختلاف الفقهاء : 465 .
(4) مصادر التشريع : 73 .
(5) أسباب اختلاف الفقهاء : 465 .
(6) المستصفى : 1/140 ، إرشاد الفحول : 216 .
(7) إرشاد الفحول : 216 .
(8) المستصفى : 1/140 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 303

قال ابن الحاجب : لا دليل على اعتبارها ووجب ردها ، واتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك بها ، وبه أخذ الظاهرية وبعض المتأخرين من علماء الحنابلة وجماعة من المتكلمين ، وقال الشوكاني : إنه مذهب الجمهور(1) .
وقالت الإمامية بعدم حجيتها أيضاً .
أما أدلة من قال بحجيتها بإيجاز فهي كالتالي :
1 ـ الكتاب : واستدلوا لها بالآيات الست التي تنفي الضرر وهي : « ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا »(2) و« لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده »(3) و« لا يضار كاتب ولا شهيد »(4) و« من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله »(5) و« لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله »(6) و« ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن »(7) .
بتقريب أن مقتضى هذه الآيات رعاية المصالح إثباتاً والمفاسد نفياً إذ الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما .
2 ـ السنة : واستدلوا بحديث لا ضرر ولا ضرار(8) فقال الطوفي في تقريبه : «وأما معناه فهو ما أشرنا إليه من نفي الضرر والمفاسد شرعاً وهي

(1) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/256 عن أسباب اختلاف الفقهاء : 464 .
(2) سورة البقرة ، الآية : 231 .
(3) سورة البقرة ، الآية : 233 .
(4) سورة البقرة ، الآية : 282 .
(5) سورة النساء ، الآية : 12 .
(6) سورة النساء ، الآية : 95 .
(7) سورة الطلاق : الآية : 6 .
(8) جاء في بيان الأصول : 5/15 ثلاث نصوص من الروايات : 1 ـ لا ضرر ولا ضرار ، 2 ـ لا ضرر ولا ضرار على مؤمن ، 3 ـ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ، وقد رواها الفريقان ، راجع مسند أحمد : 1/408 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 304

نفي عام إلا ما خصصه الدليل وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة لأنّا لو فرضنا أن بعض أدلة الشرع تضمّن ضرراً فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملاً بالدليلين وإن لم ننفه به كان تعطيلاً لأحدهما وهو هذا الحديث ، ولا شك أن الجمع بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها»(1) .
3 ـ العقل : فقالوا : بما أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد ، والعقل البشري قادر على درك ما فيه مصالحه ومفاسده ، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها وبنى الفقيه على ما توصل به عقله فلا يلام .
وقالوا أيضاً : إن الحوادث مستمرة والشارع لم يبين أحكام جميعها فإذا لم يعمل بالمصالح المرسلة تعطلت الشريعة ولم تعد تواكب العصر في كل مكان فلم يعد الإسلام شريعة كل عصر ومصر .
4 ـ السيرة : والمراد بها سيرة الصحابة وإن شئت سمها بالإجماع السكوتي كما اصطلحوا عليها ، وقالوا في تقريبها : «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما طرأت لهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم حوادث وجدت لهم طوارئ شرعوا لها ما رأوا أن فيه تحقيق المصلحة ، وماوقفوا عن التشريع لأن المصلحة ما قام دليل من الشارع على اعتبارها ، بل اعتبروا أن ما يجلب النفع أو يدفع الضرر حسبما أدركته عقولهم هو المصلحة ، واعتبروه كافياً لأن يبنوا عليه التشريع والأحكام ، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة ، وحارب مانعي الزكاة ، ودرأ القصاص عن خالد بن الوليد ، وعمر أوقع الطلاق بكلمة واحدة ووقّف تنفيذ هذه السرقة في عام المجاعة ، وقتل الجماعة في الواحد ، وعثمان جدد أذاناً ثانياً لصلاة الجمعة...»(2) .
هذا كل ما يمكن الاستدلال به للقائلين بحجية المصالح المرسلة في الوصول إلى حكم شرعي بشكل عام .
واستدل النفاة بما يلي :

(1) رسالة الطوفي : 90 .
(2) مصادر التشريع : 75 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 305


1 ـ الكتاب

ومن تلك قوله تعالى : « أيحسب الإنسان أن يترك سدى »(1) وقوله عز من قائل : « ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين »(2) .
بتقريب أن لو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر ما شرعه ومما أرشد إلى الاهتداء به لبينه ولم يتركه(3) سدى ، وقد بين الكليات في كتابه الكريم فما من حكم إلا ويدخل تحت العموميات الواردة في الكتاب .

2 ـ السنة

واستندوا إلى الأحاديث التي أوردناها في حجية عدم القياس ، بتقريب أن تشخيص ما هو المصلحة والمفسدة في وضع الأحكام هو من اختصاص الشارع والاعتماد على المصالح المرسلة اعتماد على الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً ولا يصاب دين الله بالعقول .

3 ـ العقل

لقد فسر بعض الفقهاء المصلحة والمفسدة بحفظ مقاصد الشرع سلباً وإيجاباً ولا يمكن معرفتها إلا عبر الكتاب والسنة الناطقين باسمه فلو نطقا بالمصلحة فهو المراد وإن نطق بهما غيرهما فهو باطل بالضرورة لأنه أجنبي عنه .

4 ـ بنسف أدلة القائلين بالحجية

فالآيات بشكل عام لا يفهم منها العموم ، بمعنى لا ظهور لها في الذي يشمل غير موردها فالأولى والثانية والسادسة جاءت لمنع الإضرار بالغير كما أن الثالثة جاءت لدفع الوهم من أن وجوب الإشهاد لا يشمل حتى المورد الذي يسبب ضرراً للشاهد ، والرابعة جاءت لبيان النهي عن الإجحاف بحق الورثة فلا يفهم منها العموم كما لا يفهم منها الالزام ، وأما الخامسة فهي في مقام التفضيل ، مضافاً إلى ورود أحاديث مفسرة لها

(1) سورة القيامة ، الآية : 36 .
(2) سورة الأنعام ، الآية : 59 .
(3) راجع مصادر التشريع : 78 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 306

صرفتها عن الوجهة التي أريد الاستدلال بها ، مثل معتبرة السكوني(1) بالنسبة إلى الآية الرابعة حيث روى عن الإمام الصادق عليه السلام بإسناده عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : «ما أبالي أضررت بولدي أو سرقتهم ذلك المال»(2) ومعتبرته الثانية بالإسناد نفسه : «من أوصى ولم يف ولم يضار كان كمن تصدق به في حياته»(3) إلى غيرها .
وعلى فرض التسليم فإنها إما تخصص الأدلة الأولية أو تعارضها ، فعلى الأول لا تصلح للمدعى ، وعلى الثاني فالوجه فيها التساقط فلا يمكن التمسك بها .
وأما الأحاديث الواردة في هذا المضمار وعلى رأسها «لا ضرر ولا ضرار» فأجاب عليه الحكيم بقوله : «إن نسبة هذا الحديث إلى الأدلة الأولية هي نسبة المخصص مع أن من شرائط المخصص أن يكون أخص مطلقاً من العام ليصح تقديمه عليه ، والنسبة هنا بين حديث لا ضرر وأي دليل من الأدلة الأولية هي نسبة العموم من وجه ، فوجوب الوضوء مثلاً بمقتضى إطلاقه شامل لما كان ضرورياً وغير ضروري ، وأدلة لا ضرر شاملة للوضوء الضروري وغير الوضوء ، فالوضوء الضروري مجمع للحكمين معاً ، ومقتضى القاعدة التعارض بينهما والتساقط ، ولا وجه لتقديم أحدهما على الآخر لأن نسبة العامين إلى موضع الالتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة»(4) ، إذاً فلا دليل على حكومة هذا الحديث على الأدلة الأولية فيبقى التعارض أو أنها أجنبية عن المقام ، فالأول مآله إلى التساقط والثاني لا يمكن أن يكون دليلاً للمدعى .
وأما العقل فقد تقدم الجواب عنه في الجواب عن حجية القياس عبر الدليل العقلي فلا حاجة إلى التكرار ، بالإضافة إلى أنه ينافي بعض

(1) السكوني : هو إسماعيل بن أبي زياد (مسلم) الشّعيري (... ـ 247هـ) ممن روى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، لَهُ كتاب : تفسير القرآن .
(2) من لا يحضره الفقيه : 4/135 .
(3) من لا يحضره الفقيه : 4/134 .
(4) الأصول العامة : 391 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 307

التعارف التي اختاروها للمصالح المرسلة ، ونضيف أيضاً إلى أن العمل بالمصالح على ما عرفوها مآله إما إلى الرجوع إلى الأدلة العقلية وإما إلى رد الفروع إلى الأصول ، وليست المصالح المرسلة أصل من الأصول .
وأما السيرة ، فمردودة أولاً بالنقض حيث كان عمل جماعة آخرين من الصحابة على خلاف ما ذكر ، وثانياً باعتراض جماعة من الصحابة على تلك الأعمال مما لا يمكن أن تعقد أرضية للسيرة ، وثالثاً : إن مستند هذه الأعمال كان إما الرأي أو الاجتهاد أو القياس ، كما صرحوا بذلك وهي لا تشكل السيرة التي نبحث عن حجيتها ، رابعاً : إن الإمامية لا ترى العصمة فيهم ليكون عملهم حجة بالنسبة لهم .
ومن هنا يعلم حال من قال بحجية المصالح المرسلة بالشروط السابقة فلا حاجة لمناقشتها .
وفي الختام : فلا شك أن مسألة لا ضرر ولا ضرار تشكل قاعدة أصولية من خلال مجموع الآيات والأحاديث التي يمكن الاستناد عليها في الحجم الشرعي ولكن ليس بعنوان المصالح المرسلة لتضاهي الكتاب والسنة بل هي قاعدة شرعية كما سنبين ذلك عند الحديث عن الأصول العملية إن شاء الله تعالى .
أما المصالح المرسلة فهي في الحقيقة كما عرفوها باختلاف مشاربهم اما مردها إلى الدليل العقلي أو إلى النص الإلهي أو النبوي فلا معنى لعدها دليلاً مستقلاً ووصفها في قبال الكتاب والسنة والعقل ، وإما إن كان خلفيتها الرأي والقياس وما إلى ذلك فهو مرفوض كما أثبتنا ذلك .
ومما تقدم يظهر مرتبته عند المذاهب الإسلامية فلا حاجة إلى التكرار .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 308

الذرائع

وقد يعبر عنها بسد الذرائع ، أو بإضافة كلمة «وفتحها»(1) إلى العنوان ، والذرائع في اللغة جمع الذريعة وهي الوسيلة ، والسد بمعنى الغلق ويقابلها الفتح .
وقد أراد الأصوليون من سد الذرائع وفتحها بالوسيلة إلى الأحكام الشرعية التي تتصف بالحالات الخمس (الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة) بلحاظ الحكم الشرعي ، وبعبارة أخرى ، هل المقدمة تابعة في الحكم لذي المقدمة أم لا ، بمعنى أن ذا المقدمة إذا كانت محكومة بإحدى الأحكام الخمسة فهل يمكن القول بأن المقدمة محكومة بتلك الأحكام بلحاظ ذي المقدمة أم لا ؟ كما في الوضوء والصلاة مثلاً(2) .
فقد اختلف الفقهاء في جوانب متعددة منها :
الأول في الاسم : فمنهم من عنونها بـ «سد الذرائع وفتحها» ومنهم من سماها بـ «المقدمة وذي المقدمة» .
الثاني في التعريف : فقد عرفها الشاطبي بقوله : «التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة»(3) . وقال ابن القيم(4) : «الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً

(1) فرهنگ تشريحي اصطلاحات أصول : 213 .
(2) إذ الصلاة قد تكون واجبة كما في الفرائض اليومية أو محرمة كصلاة الحائض أو مستحبة كالنوافل أو مكروهة كالصلاة بعد طلوع الشمس فَلو توضأ أحد لإحدى هذه الصلوات فهل يحكم على وضوئه بالأحكام التي ذكرناها للصلاة نفسها أم لا ؟ .
(3) الموافقات : 4/199 .
(4) ابن القيم : هو محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي الجوزية (... ـ 751هـ) من محدثي الحنبلية وناشر كتب ابن تيمية ، من مصنفاته : زاد المعاد في هدى خير العباد ، أخبار النساء ، وإغاثة اللهفان في مصائد الشيطان .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 309

إلى الشيء»(1) ، إلى غيرها من التعاريف(2) ، ولعل أفضل ما يقال عنها هو : «حكم الوسيلة المؤدية إلى حكم شرعي» .
الثالث في الحكم : فقد ذهب جمع من الفقهاء إلى عدم تلازم المقدمة مع ذي المقدمة في الحكم وذهب آخرون إلى التلازم بينهما .
الرابع في تطابق المتلازمين في الحكم : بمعنى هل لا بد على فرض التلازم من تلازم المقدمة وذي المقدمة واتحادهما في واحدة من الأحكام الخمسة ، أو يكفي مجرد التلازم في الإثبات والسلب ليدخل الوجوب والاستحباب والإباحة في الأول بينما تدخل الكراهة والحرمة في الثاني ، فلو أن ذا المقدمة كانت واجبة فهل حكم المقدمة الوجوب ، أو يكفي الإباحة مثلاً .
فمن قال بالملازمة عليه أن يقول بتطابق نوعية الحكم إلا إذا أراد بعدم التطابق فيما إذا كان لذي المقدمة أكثر من طريق ووسيلة ، ولكن المفروض أن تكون المقدمة في الوقت الذي يقع في طريق تحقق ذي المقدمة أو تكون منحصرة فيها وإلا فلا معنى للملازمة بين هذه المقدمة بعينها وذيها .
الخامس في أصالتها : فقد قال بعضهم بأنها أصل مقابل الكتاب والسنة والعقل والإجماع ، وآخرون إلى أنها من المسائل الأصولية الجزئية .
قال جمهور الأحناف والشافعية ومن وافقهم بأنها غير حجة ، وقال مالك ومن وافقه من أصحابه ، وأحمد بن حنبل ومن وافقه من أصحابه ، أنها حجة وأصل من أصول التشريع الإسلامي .
وانقسمت الإمامية في حجيتها إلى رأيين إلا أنهم اتفقوا على أنها ليست أصلاً من أصول التشريع الإسلامي .
والحق أنها ليست أصلاً برأسها ، وأما حجيتها فتتوقف على إقامة

(1) أعلام الموقعين : 3/147 .
(2) جاء في أهداف التشريع الإسلامي لأبي يحيى : 95 نقلاً عن أصول الفقه لأبي زهرة : 288 «هي ما كان وسيلة إلى المحرم أو المحلل فإنه يأخذ حكمه» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 310

الدليل من الكتاب أو السنة أو العقل على ملازمة المقدمة بذي المقدمة ولا يمكن القول بالملازمة مطلقاً ما لم يثبت التلازم بالدليل الذي أقره الشرع ، ولعل في مسألة العقاب والثواب الذي يواجهه من عمل بذي المقدمة من دون المقدمة أو لم يعملها والتي شملها الدليل خير مثال على عدم التلازم ، فلو أن أحداً ترك إحدى الواجبات فهل يعاقب عليها وعلى كل واحدة من المقدمة المتلازمة معها ، أو بالعكس أي إذا أدى الواجب فهل يثاب عليه وعلى المقدمات منفرداً ، والقول بدمج الثواب للمقدمة أو العقاب عليه في الجزاء المترتب على ذي المقدمة من باب شمولية الأكثر على الأقل غير وارد ، لأنه خلاف العدل في باب العقاب ، نعم إذا استقلت المقدمة بالأمر أو النهي فيستحق الجزاء مستقلاً فتأمل .
وبما أن سد الذرائع ليس أصلاً من الأصول الشرعية فلا نطيل الكلام عنه ، ولا حاجة إلى ذكر الأقسام التي أوردوها في هذا المجال بل نكتفي بما أوردناه .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 311

العرف

وهو في اللغة : ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول(1) .
وفي اصطلاح الأصوليين : هو ما تبناه المجتمع من دون إنكار .
وقيل هو العادة : أي ما اعتاد عليه الناس وتآلفوا من فعل أو ترك ، وقيل ما يتعارفه الناس ويسيرون عليه غالباً من قول أو فعل(2) ، وقيل غير ذلك(3) ، ولعلها تشمل العادات والتقاليد والمفاهيم والتفسيرات وما إلى ذلك .
هذا وقد قسموا العرف حسب الاعتبارات المختلفة إلى أقسام .
فباعتبار مصدره ينقسم إلى عرف عام وخاص ، والمراد بالعام ما تآلف عليه معظم المجتمعات في جميع الأعصار والأمصار ، وتشكل منها الظاهرة الاجتماعية كما في بنائهم على مراجعة الخبير في أمورهم .
والمراد بالخاص ما خص بقوم أو طائفة أو عصر أو قطر أو فن أو ما شابه ذلك كالعرب والمسلمين وعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو العراق أو الفقهاء أو ما شابه ذلك ، كما في استخدام الترياق(4) مثلاً لتهدأة الأطفال في بعض

(1) المنجد في اللغة : 500 .
(2) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/358 .
(3) جاء في فلسفة الشريعة للزلمي : 258 «العرف مجموعة القواعد التي تنشأ من درج الناس عليها يتوارثونها جيلاً بعد جيل وتكتسب صفة الإلزام» .
(4) الترياق : جاء في دائرة المعارف للبستاني : 6/110 ، أنها كلمة يونانية مركبة من «تر» وهو الحيوان السام و«اكيومي» أي اشفي والحاصل : هو الشافي من السموم ، ويسمى بالعربية درياقاً أيضاً ، بالدال وصحت تسميته بالدارجة مضاد السم... والترياق أيضاً معجون أفيوني يدخل في كثير من الأدوية ، وقد يخلط مع العسل .

السابق السابق الفهرس التالي التالي