دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 284

القياس «بأنا نعلم قطعاً بأن الحوادث لا نهاية لها كما نعلم قطعاً أنه لم يرد النص في جميع الحوادث لتناهي النصوص ويستحيل ان يستوعب المتناهي ما لا يتناهى فيعلم أنه لا بد من مرجع لاستنباط الأحكام لتلافي النواقص من الحوادث وليس هو إلا القياس»(1) .
وأما عبد الوهاب الخلاّف(2) فقد ذكر : «إن الله سبحانه ما شرع حكماً إلا لمصلحة ، وإن مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها الواقعة المنصوص عليها في علة الحكم تحقيقاً للمصلحة التي هي مظنة المصلحة قضت الحكمة والعدالة بتساويهما في الحكم تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع»(3) .
ومما أورده الخلاّف أيضاً :
«إن القياس دليل تؤيده الفطرة السليمة والمنطق الصحيح ويبني عليه العقلاء أحكامهم فمن نهي عن شراب لأنه سام يقيس بهذا الشراب كل سام»(4) .
هذا وقد أضاف الحكيم فيما يمكن أن يستدل على حجية القياس الظني بالعقل «ان حكم العقل بحجية مطلق الظن المبني على مقدمات الدليل المعروف بين العلماء بدليل الانسداد الكبير شامل لجميع الظنون بما فيها الظنون القياسية»(5) ولتقريب وجه الاستدلال لا بد من بيان

(1) أصول الفقه : 2/175 ، راجع سلم الوصول : 295 ، والأصول العامة للفقه المقارن : 353 .
(2) عبد الوهاب الخلاّف : من أهالي مصر (... ـ 1375هـ) فقيه أصولي ، درّس الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ، من مصنفاته : علم أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي ، نور من القرآن الكريم في التفسير .
(3) مصادر التشريع فيما لا نص فيه : 29 .
(4) مصادر التشريع فيما لا نص فيه : 29 .
(5) الأصول العامة للفقه المقارن : 354 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 285

المقدمات التي أنهاها الآخوند(1) إلى خمس(2) كمقدمة للعمل بالظن وهي :
1 ـ العلم الإجمالي بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة .
2 ـ انسداد باب العلم التفصيلي وباب العلمي (الطرق والإمارات) .
3 ـ القطع بعدم تسامح الشارع لإهمال تلك التكاليف .
4 ـ عدم وجوب الاحتياط في أطراف العلم للزوم العسر والحرج .
5 ـ امتناع وقبح ترجيح المرجوح على الراجح(3) .
ولعلها أقوى الأدلة العقلية فيما لو تمت هذه المقدمات .
هذا وقد ناقش المانعون عن العمل بالقياس الظني أدلة القوم وذكروا في الرد عليها بما يلي :
* أما بالنسبة إلى الآيات الكريمة فإن آية الرد فيما اختلفوا عليه إلى الله والرسول فإنها إن دلت على شيء فإنما تدل على إرجاع أمر القياس إلى كلام الله (الكتاب) وإلى كلام الرسول (السنة) كواحدة من المسائل الخلافية ، ولا دلالة لها على الأخذ بالقياس إلا إذا دل دليل على حجيته ، بل الآية جاءت لترفض العمل بالقياس لأن العمل بالقياس ليس رداً إلى الكتاب والسنة ، والآية تحث المؤمنين على العمل بالكتاب والسنة مضافاً إلى أنها وردت في مسألة القضاء دون الإفتاء وبينهما بون شاسع .
والحاصل أن حجية القياس موقوفة على ظهور هذه الآية في حجية القياس وهذا الدور الذي لا يمكن قبوله .
وأما آية التمثيل فهذا يتم على رأي الشافعي في جعل الاجتهاد والقياس مرادفان أولاً ، ومن أنه من باب تشخيص الموضوعات ثانياً ،

(1) الآخوند : هو محمد كاظم بن حسين الخراساني (1255 ـ 1329هـ) ، من فقهاء الإمامية وأعلامها ، ولد بطوس ومات في النجف ، من مصنفاته : كفاية الأصول ، الاجتهاد والتقليد ، والقضاء والشهادات .
(2) وقد اهمل الشيخ الأنصاري المقدمة الأولى في فرائد الأصول ، ولعله لوضوحها .
(3) كفاية الأصول : 311 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 286

والآية لا تدل بأي وجه على إعطاء القياس موقعاً يرفعه إلى مصاف الطرق الظنية التي أقرها الشارع كالبينة ، وعد تشخيص صغريات الموضوع من القياس واضح البطلان .
وأما آية العدل فيرد على الاستدلال بها في الموضوع الذي نحن بصدده بأن مجرد الاشتراك اللفظي لا يمكن الأخذ به لأن المراد بالعدل هنا العدالة الاجتماعية ، وأما القياس فهو جري الحكم الشرعي من مسألة إلى مسألة أخرى بظن تساويهما في العلة باحتمال تمامية العلة على فرض كشفها ، وهو إلى المغالطة أقرب منه إلى الاستدلال ، حيث أنها لا تدل على حجية القياس الظني .
هذا وقد رد الشوكاني على الاستدلال بهذه الآية بقوله : «بمنع كون الآية دليلاً على المطلوب بوجه من الوجوه ، ولو سلمنا لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها لا في الأقيسة التي هي شعبة الرأي ، ونوع من أنواع الظنون الزائفة وخصلة من خصال الخيالات المختلفة»(1) .
وأما الاستدلال بآيات أخرى فهي أهون من تلك ، كآية « واعتبروا يا أولي الأبصار »(2) حيث قال ابن حزم : «ومحال أن يقول لنا فاعتبروا يا أولي الأبصار ويريد القياس ، ثم لا يبين لنا في القرآن ولا في الحديث أي شيء نقيس ؟ ، ولا حتى نقيس ولا على أي نقيس ، ولو وجدنا ذلك لوجب أن نقيس ما أمرنا بقياسه حيث أُمرنا ، وحرم علينا أن نقيس ما لا نص فيه جملة ، ولا نتعدى حدوده»(3) .
* وأما بالنسبة إلى السنة فيرد على رواية معاذ بالإضافة إلى ضعف السند وإرساله(4) أنه معارض برواية أخرى في الواقعة ذاتها ونصها كالتالي :

(1) إرشاد الفحول : 202 .
(2) سورة الحشر ، الآية : 59 .
(3) ابطال القياس لابن حزم : 30 .
(4) حيث رواه الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أصحاب معاذ (من أهل حمص) عن معاذ ـ راجع سنن الترمذي ، وسنن أبي داود ، ومسند أحمد .
وأما الحارث بن عمرو فهو من المجاهيل وليس له حديث غيره ، وجاء في كتاب
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 287

«لا تقضين ولا تفضلن إلا بما تعلم وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تتبينه أو تكتب إلي»(1) مضافاً إلى أن الحديث ظاهر في العمل بالاجتهاد والرأي واللذان هما أعم من القياس مما لا يمكن الاستدلال به على حجية القياس ، ومن المعلوم أن مسألة الاجتهاد والرأي والقياس بل وغيرها من المسائل التي لم تتضح آنذاك معالمها حتى يمكن الاستدلال به ، بالإضافة إلى أن الحديث ورد في باب القضاء ولا يمكن سرايته إلى باب الإفتاء ، واحتمال خصوصية المورد وارد فلا يمكن الاستدلال بما هو مشكوك في دلالته وفي سنده .
هذا وقد عد الجوزقاني(2) هذا الحديث من الموضوعات حيث قال : «هذا حديث باطل رواه جماعة عن شعبة ، وقد تصفحت هذا الحديث في أسانيد الكبار والصغار وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه فلم أجد له طريقاً غير هذا ، والحارث بن عمرو أخي المغيرة بن شعبة مجهول ، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون ، ومثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل الشريعة ، فإن قيل إن الفقهاء قاطبة أوردوه واعتمدوا عليه ، قيل هذا طريقه والخَلَف تلد فيه السَلَف ، فإن أظهروا طريقاً غير هذا مما يثبت عند أهل الفضل رجعنا إلى قولهم وهذا مما لا يمكنهم البتة»(3) .

= الجرح والتعديل للرازي : 3/82 (376) المتوفى سنة 327هـ أن الحارث روى عن أصحاب معاذ ، وروى عنه أبو عون الثقفي سمعت أبي يقول ذلك ، وقال الذهبي المتوفى سنة 748هـ في ميزان الاعتدال : 1/439 (1635) الحارث بن عمرو عن رجال ، عن معاذ بحديث الاجتهاد . قال البخاري : لا يصح حديثه . قلت : تفرّد به أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي ، عن الحارث بن عَمْرو الثقفي ابن أخي المغيرة . وما روى عن الحارث غير أبي عون ، فهو مجهول . وقال الترمذي : ليس إسناده عندي بمتصل .
(1) أصول الفقه للمظفر : 2/171 عن تعليقة الناشر لكتاب ابطال القياس لابن حزم : 15 .
(2) الجوزقاني : هو الحسين بن إبراهيم بن الحسين الهمداني المتوفى عام 543هـ ، محدث حافظ له كتاب الأباطيل والذي يقال له «الموضوعات» أيضاً ، والجوزقاني يقرأ بالراء المهملة أيضاً ، والجوزقان مدينة في نواحي همدان الإيرانية .
(3) الأصول العامة : 339 عن هامش الأحكام السلطانية : 46 ، عن كتاب الموضوعات للجوزقاني .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 288

وأما حديث الأشعري ومعاذ فبالإضافة إلى ضعفه من حيث السند(1) نشكك في النص ، حيث لا يمكن الاطمئنان إلى أنها نقلت بألفاظها إذ هي إلى النقل بالمعنى أولى حيث لا يمكن تطابق جواب الأشعري مع معاذ تطابقاً تاماً بحيث تحدثا معاً بهذا الكلام من جهة ، ومن ناحية أخرى فاحتمال أن الحديث ناقص وارد ، إذ لم تحمل الرواية إلينا رد فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكلامهما أقال شيئاً ، أو سكت ، أم ماذا ؟ مما يضعف الاستدلال بها ، كما أن احتمال الخصوصية وارد ، بالإضافة إلى أنها وردت في باب القضاء دون الإفتاء ، ومع هذا كله ومع فرض تماميتها فإن مقتضاها جعل الحجية لأصل القياس دون الحديث عن مسالك القياس المظنونة التي نحن بصددها هنا .
وأما رواية الخثعمية ، فبغض النظر عن أنها ضعيفة لا يمكن الركون إليها لأن الظاهر من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان من باب تقريب المعنى وإلا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المرتبط بالوحي ارتباطاً وثيقا غني عن العمل بالقياس ، بل ظاهره أنه من باب تطبيق العام على موارده ومصاديقه وهذا لا يحتاج إلى تشريع جديد بالقياس .
وعلى فرض أنه من باب القياس فإن علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالأسباب والمسببات يخرج المسألة مما نحن فيه ، فإن الكلام عن قياس ما كان مسالكه مظنونة ، بالإضافة إلى أنه صلى الله عليه وآله وسلم بمقتضى قول الله تعالى : « إن هو إلا وحي يوحى »(2) لا يصدق في حقه القياس فإن عمله وحي من الله والذي لا مجال للقياس فيه فكيف بالظن والشك ، وقد أشار إلى هذا الفارق ابن الخطاب في قوله : «أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله مصيباً لأن الله كان يريه ، وإنما هو منا الرأي والتكلف»(3) بمعنى أن ما يصدر من

(1) ومن الجدير ذكره أن هذا الحديث لم يرد في صحيح البخاري ومسلم والمستدرك عليهما ، وفي البداية والنهاية في باب بعث أبو موسى ومعاذ إلى اليمن ، وكذا في بعض المصادر الأخرى كحلية الأولياء ، بل أوردوا حديث : «بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا» ، وفي بعض الروايات : «يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تخالفا» .
(2) سورة النجم ، الآية : 4 .
(3) ابطال القياس لابن حزم : 58 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 289

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يصدق عليه الرأي بل هو الوحي بذاته لأن الله يريه ذلك ، وإنما الرأي والقياس والاجتهاد واضرابها فهو من سائر الناس .
وأما سائر الروايات الاخرى فليست بأكثر منها دلالة ، والردود التي أقيمت على هذه الروايات الثلاث تشمل تلك أيضاً .
* وأما بالنسبة إلى الإجماع ، فإن إجماع الصحابة لم يكن على حجية القياس حيث لم يكن آنذاك معروفاً بهذا المعنى بل الذي عرف فيما بينهم الاجتهاد والرأي وقد اختلف في تعريفهما كما تقدمت الإشارة إلى ذلك مما لا يمكن القطع بمعقد هذا الإجماع المدعى .
ولقد نقل الحكيم بأن كلاً من الأستاذ سخاو(1) والدكتور جولد تسهير(2) أنكر أن يكون القياس بمفهومه المحدد لدى المتأخرين كان مستعملاً لدى الصحابة(3) وعلى فرض أن بعضهم استخدم كلمة الاجتهاد أو الرأي بدلاً عن القياس فلا يمكن القطع بذلك حيث يقول ابن حزم : «أين وجدتم هذا الإجماع ؟ وقد علمتم أن الصحابة ألوف لا تحفظ الفتيا عنهم في اشخاص المسائل إلا عن مائة ونيف وثلاثين نفراً منهم سبعة مكثرون وثلاثة عشر نفساً متوسطون والباقون مقلون جداً تروى عنهم المسألة والمسألتان حاشا المسائل التي تيقن إجماعهم عليها(4) كالصلوات وصوم رمضان فأين الإجماع على القول بالرأي»(5) .
ومن جهة أخرى فإن السكوت على فرض تحققه لا يدل على الموافقة

(1) سخاو : وهو كارل ادوارد (1261 ـ 1349هـ) مستشرق ألماني واستاذ في اللغات السامية ، عنى بدراسة تأثير الإسلام على بلاد فارس والشام ، وأعد فهرس المخطوطات السريانية في مكتبة برلين .
(2) جولدتسهير : أو جولدتسيهر واسمه اجنتس (1267 ـ 1340هـ) مستشرق مجري ، جال في البلدان العربية ، مدرس في جامعة الأزهر ، من مصنفاته : دراسات إسلامية ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، ومذاهب المسلمين في تفسير القرآن .
(3) الأصول العامة : 350 عن تأريخ الفقه الإسلامي : 26 .
(4) هذا من ضروريات الدين وليس من حقائق الإجماع .
(5) ابطال القياس : 19 ، راجع أدوار فقه : 2/277 و284 نقلاً عن المحلي لابن حزم حيث ذهب إلى بطلان القياس وعدم جواز العمل بالرأي .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 290

وبالأخص في الفترة العصيبة التي مرت بالأمة حيث ما كان لكثير من الصحابة إبداء رأيه خوفاً أو مجاملة ، وربما جهلاً بالقرار أو بمصدره ، بالإضافة إلى أن أصحاب القرار لم يكونوا بدرجة من الوثاقة في آرائهم وأحكامهم التي كانوا يعتمدونها فهذا أبو بكر يقول : «أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان»(1) مما يدلنا على عدم سلامة مصدر الحكم .
وعلى كل حال فإن هذا الإجماع المدعى معارض بمثل ما ادعوه ، فهذا علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه»(2)، وقول ابن مسعود(3) «إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً مما حرم الله وحرمتم كثيراً مما حلل الله»(4)، وقول ابن عباس(5) : «إياكم والمقاييس فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس»(6)، وقال سلمان الفارسي(7) : «ما هلكت أمة حتى قاست في دينها»(8)، إلى غيرها(9).

(1) الأصول العامة : 247 عن ابطال القياس : 59 .
(2) المحلى : 1/61 ، وفي القياس والشريعة الإسلامية : 39 عن الباقر عليه السلام : «إن القياس ليس في دين علي» .
(3) ابن مسعود : هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي (نحو 28 ق.هـ ـ 32هـ) لَهُ في كتب السنّة 848 حديثاً ، ولي قضاء الكوفة بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومات في المدينة في عهد عثمان بن عفان .
(4) الأحكام للآمدي : 3/83 .
(5) ابن عباس : هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي (3 ق.هـ ـ 68هـ) ، ويلقب بجد الأمة لغزارة مروياته ، ولَهُ في كتب السنّة 1660 حديثاً ، ولَهُ كتاب في تفسير القرآن جمع فيما بعد .
(6) الأحكام للآمدي : 3/83 .
(7) سلمان الفارسي : هو روزبه بن خشنوذان بن مورسلان (... ـ 36هـ) من كبار صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام ، ومن السابقين في الإسلام ، ولي المدائن وفيها مات .
(8) القياس في الشريعة الإسلامية : 69 .
(9) راجع كتاب ابطال القياس لابن حزم وكتاب أعلام الموقفين لابن القيم الجوزية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 291

* وأما بالنسبة إلى العقل ففي ما أورده الشهرستاني فلا شك أن الحوادث تجدد وهي غير متناهية ولكن من أين لنا القول بأنها لا تنضبط تحت القواعد الكلية التي نص الشارع بحكمها وإن الحوادث في الحقيقة جزئيات لتلك الكليات ، ومن المسلم أن الكليات تناهت وقد أعطى الشارع رأيه فيها بل إن ذلك من مميزات الشريعة المحمدية الخاتمة للأديان ، وقد قال علي عليه السلام : «ما من حادثة إلا ولله فيها حكم ولا يخلو الحكم فيها من وجهين إما أن يكون نصاً أو دليلاً»(1) .
وعما أورده الخلاّف فعلى مبنى غير العدلية التي لا تعترف بالحسن والقبح العقليين فالشارع غير ملزم باتحاد المصلحة في كلا الحكمين ـ المقيس والمقيس عليه ـ .
وأما على مبني العدلية فإن العقل أيضاً يحكم بضرورة القطع بالعلة التامة أولاً وبضرورة القطع بتساوي الموردين في العلة ، وهذا ليس مورد الخلاف والبحث .
وعن مسألة الفطرة فإن السليمة منها لا تلزم الإنسان بالعمل على ما هو مظنون العلة ، ولا على ما هو مظنون التساوي في الموردين ، بل الفطرة تحذر الإنسان من العمل بما هو مظنون ، وعلى كل فما ذكر في الدليل إنما يصح فيما إذا قطع المكلف بالعلة التامة من جهة وتساوي الموردين في تلك العلة من جهة أخرى وهو خارج عن محل النزاع .
وعما طرحه الحكيم على سبيل المناقشة من أن حجية مطلق الظن يشمل القياس الظني أيضاً ، فأنى لهم بتمامية جميع المقدمات حتى يمكن القول بحجيّته . وبما أن عدم تحقق هذه المقدمات غير خافية على أهل الفضل فقد أعرضنا مناقشتها كي لا يطول بنا المقام ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانها من كتب الأصول .
والحاصل أن الأدلة العقلية إن دلت فإنما تدل على ما كان منها مقطوع العلية ومقطوع التساوي ، ولا يشمل القياس الظني .

(1) القياس في الشريعة الإسلامية : 29 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 292

وأما حجة المانعين عن العمل بالقياس المظنون فيمكن الاكتفاء بما جاء في الرد على أدلة القائلين بحجيته ، ومجمل القول في ذلك أن الأدلة القائلة بحجية القياس غير ناهضة بالمراد وعندها فلا ترتفع الشبهة في عدم حجيته وهو كاف لعدم الحكم بحجيته ، ولا بأس بإيراد بعض الروايات المؤيدة لعدم حجيته ، فقد جاء في الحديث القدسي : «وما على ديني من استعمل القياس في ديني»(1) .
وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك»(2) .
وقد نهي عن الحكم بالرأي والقياس ، إذ «أول من قاس إبليس»(3) .
وقال علي عليه السلام : «لا تقيسوا الدين فإن أمر الله لا يقاس وسيأتي قوم يقيسون وهم أعداء الدين»(4) .
وقال أيضاً : «من حمل أمر الله على المقاييس هلك وأهلك»(5) .
وقال الحسين بن علي عليه السلام : «من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الارتماس مائلاً عن المنهاج طاعناً في الاعوجاج ضالاً عن السبيل قائلاً غير الجميل»(6) .
وعن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال : «إن دين الله عز وجل لا يصاب العقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة»(7) .

(1) الاحتجاج للطبرسي : 2/383 .
(2) الكافي : 1/43 .
(3) عن عيسى بن عبد الله القرشي قال : دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام فقال لَهُ : «يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس ؟ قال : نعم ، قال : لا تقس فإن أوّل من قاس إبليس حين قال : خلقتني من نار وخلقته من طين ، فقاس ما بين النار والطين ، ولو قاس نورِيّة آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين ، وصفاء أحدهما على الآخر» الكافي : 1/58 .
(4) بحار الأنوار : 2/308 ، عن المحاسن للبرقي .
(5) القياس في الشريعة الإسلامية : 36 عن علل الشرائع للصدوق .
(6) بحار الأنوار : 2/302 عن التوحيد للصدوق .
(7) كمال الدين : 324 الباب 31 الحديث 9 ، بحار الأنوار : 2/303 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 293

وعن محمد الباقر عليه السلام قال لزرارة(1) : «يا زرارة إياك وأصحاب القياس في الدين فإنهم تركوا علم ما وُكِّلوا به وتكلفوا ما قد كفوه ، يتأولون الأخبار ، ويكذبون على الله عز وجل ، وكأني بالرجل منهم ينادي من بين يديه فيجيب من خلفه ، وينادي من خلفه فيجيب من بين يديه ، قد تاهوا وتحيّروا في الأرض والدين»(2) .
وقال جعفر الصادق عليه السلام «إن السنة لا تقاس ألا ترى أن امرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها ، يا أبان إن السنة إذا قيست محق الدين»(3) .
وقال جعفر الصادق عليه السلام : «إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس»(4) .
ومن أراد المزيد فليراجع مظانها حيث تواتر المنع بالعمل بالقياس المظنون من أئمة أهل البيت عليهم السلام .
وفي آية استكبار إبليس وتفسيرها دليل قاطع على هذا النوع من القياس وقد أجمع علماء الإمامية على منع العمل بالقياس المظنون .
هذا كل ما يمكن استدلاله باختصار لمذهب الإمامية .
وفي الختام لا بد من الإشارة إلى بعض الفوارق بين القياس والاستنباط مثلاً ، وبين القياس وتنقيح المناط ، وبما أننا عرفنا القياس المظنون في البداية بالتعرف على حكم النظير من خلال علة مظنونة في نظيره فلا بد أن نعرّف الاستنباط وتنقيح المناط كي يتضح الفارق بينهما .
أما الأول الاستنباط : فهو في الواقع من إرجاع حكم الفرع إلى الأصل ، وقد سبق وفصلنا الحديث عن الاجتهاد في محله ، ولا حاجة للتكرار .

(1) زرارة : هو ابن أعين بن سنسن الشيباني بالولاء (... ـ 150هـ) من متكلمي الإمامية وأعلامها ، لَهُ كتاب : الاستطاعة والجبر .
(2) أمالي المفيد : 52 ، بحار الأنوار : 2/309 .
(3) الكافي : 1/57 .
(4) الكافي : 1/57 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 294

وأما الثاني تنقيح المناط : فهو حذف ملابسات الحكم التي يُقطع بعدم مدخليتها في الحكم ومما مثلوا له بقصة الأعرابي الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقال له : «هلكت يا رسول الله فقال له : ما صنعت ؟ قال : وقعت على أهلي في نهار رمضان ، قال : اعتق رقبة»(1) حث قطع الفقهاء بعدم خصوصية الحكم في الأعرابي مثلاً بل يشمل جميع المسلمين ، وهذا لا يعد قياساً .
ومن المعلوم أن الإمامية لم تعتمد القياس بينما توسعت الأحناف في العمل به ، وعدوه الأصل الثالث من أصول الشريعة ، كما أن الموالك عدوه الأصل الرابع من أصول التشريع حيث قدموا قول الصحابي وإجماع أهل المدينة عليه ، بينما عدته الشوافع الأصل الخامس من أصولهم حيث قدموا الإجماع وقول الصحابي عليه ، وأما الحنابلة فعدوه الأصل السادس حيث قدموا عليه الإجماع السكوتي للصحابة ثم فتواهم ثم الأخذ بالمراسيل والضعاف ، وأما الزيدية فجعلوه في المرتبة الرابعة أي بعد الإجماع .

(1) الأصول العامة : 315 عن روضة الناظر : 146 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 295

الاستحسان

وهو في اللغة : «على الشيء حسناً» يقال استحسن الأمر إذا وجد فيه ما يحسنه . وأما الأصوليون من الفقهاء فقد اختلفوا في تعريفه على آراء متعددة يصل ببعضها إلى نوع من التناقض مما لا يمكن الجمع بين التعاريف إلا بمعناه اللغوي .
قال الأحناف : إنه عبارة عن دليل يقابل القياس الجلي الذي تسبق إليه الاهتمام(1) وهو أكثر الطوائف تمسكاً به بل كاد أن ينسب إليهم التفرد في العمل به وإعطاء الأهمية القصوى له ، ومع هذا فإنهم لم يستقروا على هذا التعريف إلا بعد مخاض طويل استغرق قروناً فاقت العشرة ، وفي الحقيقة فإنه عندهم يعود إلى القياس ، ولعل التعريف الذي اخترناه من بين مجموعة من التعاريف هو أجمعها ، وعلى أي تقدير فإن خلفية الاستحسان عندهم تعود إما إلى القياس الخفي أو النص أو العرف أو الضرورة»(2) .
وعليه فإن كان سنده القياس الخفي فقد سبق الحديث عنه في القياس الجلي وإن كان النص فقد سبق الحديث عنه في النص الإلهي والنبوي ، وإن كان العرف أو الضرورة فسيأتي الحديث عنهما .
وفي هذا المجال يقول الخضري عند الحديث عن القياس : وبرع فيه فقهاء أهل العراق(3) إلى شيء سموه الاستحسان فكثيراً ما يقول محمد بن الحسن(4) في المبسوط : «استحسن وادع القياس» فقد يكون استحسانه

(1) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 332 .
(2) أسباب اختلاف الفقهاء : 457 .
(3) المراد فقهاء الأحناف .
(4) محمد بن الحسن : ابن علي الطوسي (385 ـ 460هـ) ولد في طوس وسكن بغداد ،
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 296

رجوعاً لأثر يخالف مقتضى القياس ، أو رجوعاً للأصول العامة وهذا ما كان يسمى قديماً بالرأي(1) .

وأما الموالك

فقد قالوا به إلا أنهم لم يعطوه تلك الأهمية التي أولوه الأحناف ، ولعل أحسن التعاريف ما ذكرها الشاطبي بقوله : هو العمل بأقوى الدليلين(2) .
هذا وقد جعل سنده أحد أمرين العرف أو المصلحة .
وأنت خبير بهذا التعريف أو الخلفية حيث لا يمكنه أن يكون أصلاً برمته بل هو من المسائل الجزئية التي تبحث عادة في التعادل والتراجيح وليس مكانها هنا .
وقد نقل عن مالك أنه قال : «الاستحسان تسعة أعشار العلم»(3) .

وأما الحنابلة

فقد ضيقوا دائرته ولم يعملوا به إلا في بعض الحالات ، وعرفه الطوفي ولعله أحسن من عرفه منهم بقوله : «الاستحسان هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص»(4) حيث أنه أقرب التعاريف إلى القول المنسوب إلى أحمد بن حنبل إذ قال معمر البغدادي(5) إن الاستحسان المنسوب إلى أحمد عبارة «عن تقديم الدليل الشرعي أو العقلي لحسنه»(6) .

= ثم ارتحل إلى النجف وأسس حوزتها وفيها مات ، من مصنفاته : الاستبصار ، التهذيب ، والأمالي .
(1) تاريخ التشريع الإسلامي للخضري : 127 .
(2) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/254 ، مصادر التشريع لعبد الوهاب خلاف : 58 .
(3) الأصول العامة : 376 .
(4) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/254 .
(5) معمر البغدادي :
(6) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/255 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 297

وهذا الرأي قريب من رأي الموالك .

وأما الشوافع

فقد رفضوا العمل به وقالوا : إنه ليس إلا تلذذاً وقولاً بالهوى والرأي المجرد(1) ، ثم إنه لا يجيزه القرآن والسنة والإجماع ، والاستناد إليه إثم وجهل لا يليق بالعلماء وإن الأخذ به يحدث اضطراباً في الحكم والفتوى فيوجب ضروباً من الآراء والأحكام في مسألة واحدة(2) .
ومع هذا فقد عمل بعض الشوافع به خلافاً لإمامهم(3) رغم مقولة الشافعي المعروفة : «من استحسن فقد شرّع»(4) .

وأما الإمامية

فقد رفضوه تماماً(5) .

وأما الزيدية

فلم يعدوه دليلاً مستقلاً حيث قال الشوكاني : إن ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه لأنه إذا كان راجعاً إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار وإن كان خارجاً عنها فليس من الشرع في شيء بل هو من المنقول عن هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة وبما يضادها أخرى(6) ، ولكن قسماً منهم قالوا بحجيته .

وأما الأباضية

ويظهر من حديثهم أنهم لم يعدوه دليلاً مستقلاً بل جعلوه قسماً من

(1) جاء في مبادئ القانون الدستوي : 108 عن الرسالة للشافعي : 135 «الاستحسان لا يعتمد على أصل من أصول الشريعة وإنما هو تلذذ وقول في الدين بالهوى والتشهي» .
(2) أسباب اختلاف الفقهاء : 449 .
(3) راجع المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/254 .
(4) فلسفة التشريع الإسلامي : 174 .
(5) راجع الأصول العامة : 263 ، أصول الفقه : 180 .
(6) أسباب اختلاف الفقهاء : 454 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي