أبو الحسين زيد الشهيد 60

الى المدينة فلما ولي يوسف بن عمر كتب الى هشام بذلك وذكر أن خالد بن عبد الله ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم رد الأرض عليه فكتب هشام الى عامل المدينة أن يسيرهم اليه ففعل فسألهم هشام عن ذلك فاقروا بالجائزة وانكروا ما سوى ذلك وحلفوا فصدقهم وأمرهم بالمسير الى العراق ليقابلوا خالدا فساروا على كره وقابلوا خالدا فصدقهم فعادوا نحو المدينة فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا فعاد اليهم.
قال أبو الفرج في روايته فأقام زيد بعد خروجه من عند يوسف بالكوفة اياما وجعل يوسف يستحثه حتى خرج وأتي القادسية ثم أن الشيعة لقوة فقالوا أين تخرج عنا رحمك الله ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بني أمية بها دونك وليس قبلنا من أهل الشام الا عدة يسيرة فأبى عليهم فقال له محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب اذكرك الله يا أبا الحسين لما لحقت بأهلك ولم تقبل قول أحد من هؤلاء فإنهم لا يفون لك أليسوا أصحاب جدك الحسين بن علي عليهما السلام فأبى أن يرجع فما زالوا يناشدونه حتى رجع بعد أن أعطون العهود والمواثيق . وقال ابن الاثير فقال له محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولا ترجع اليهم فإنهم لا يفون لك فلم يقبل وقال له خرج بنا أسراء على غير ذنب من الحجاز الى الشام ثم الى الجزيرة ثم الى العراق الى تيس ثقيف يلعب بنا ثم قال :

أبو الحسين زيد الشهيد 61

بكرت تخوفني الحـتـوف كأنني اصبحت عن عرض الحياة بمعزل
فـأجبتهـا أن المنيـة مـنهـل لابـد أن أسقـى بذاك المـنهـل
أن المـنية لـو تمثـل مثلـت مثلى ( كذا ) اذا نزلـوا بضيق المنزل
فاقني حياءك لا أبالـك وأعـلمي أنت امـرؤ سـأموت أن لم أقتل

استودعك الله واني أعطي الله عهدا أن دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت وفارقه وأقبل الى الكوفة فأمام بها مستخفيا ينتقل في المنازل وأقبلت الشيعة تختلف اليه تبايعه فبايعه جماعةمنهم سلمة ابن كهيل ونصر بن خزيمة ومعوية بن اسحق بن زيد بن حارثة الانصاري وأناس من وجوه أهل الكوفة.
وفي عمدة الطالب كان هشام بن عبد الملك قد بعث الى مكة فأخذوا زيدا وداود بن علي بن عبدالله بن عباس ومحمد بن عمر ابن علي بن أبي طالب لأنهم اتهموا أن لخالد بن عبدالله القسري عندهم مالا مودوعا وكان خالد قد زعم ذلك فبعث بهم الى يوسف بن عمر الثقفي بالكوفة فحلفهم أن ليس لخالد عندهم مال فحلفوا جميعا فتركهم يوسف فخرجت الشيعة خلف زيد الى القادسية فردوه وبايعوه.
( رابعها ) أن السبب في ذلك وشاية ابن الخالد الى هشام بأن زيدا وجماعة يريدون خلعه فأغلظ له هشام في القول وأحرجه فخرج . روى ابن عساكر في تاريخ دمشق أن ابنا لخالد بن عبدالله القسري أقر على زيد وعلى داود بن علي بن عبدالله بن عباس وأيوب بن سلمة

أبو الحسين زيد الشهيد 62

المخزومي ومحمد بن عمر بن علي وسعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف أنهم قد أزمعوا على خلع هشام بن عبد الملك فقال هشام لزيد قد بلغني كذا وكذا فقال ليس كما بلغك يا أمير المؤمنين قال بلى قد صح عندي ذلك قال احلف لك قال وإن حلفت فأنت غير مصدق قال زيد ان الله لم يرفع من قد أحد أن يخحلف له بالله فلا يصدق فقال له هشام أخرج عني فقال له لا تراني إلا حيث تكره فلما خرج من بين يدي هشام قال . من أحب الحياة ذلفقال له الحاجب يا أبا الحسين لا يسمعن هذا منك أحد.
( خامسها ) أن السبب في خروجه أن أهل الكوفة كتبوا إليه فقدم عليهم . في تاريخ دمشق قال زكريا بن أبي زائدة لما حجبت مررت بالمدينة فدخلت على زيد فسلمت عليه فسمعته يتمثل بهذه الأبيات :
ومن يتطلب المال الممنع بالقنا يعش ماجدا أو تحترمه المخارم
متى تجمع القلب الذكي وصارما وانفـا حميـا تجتنبـك المظالم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يـال همدان ظالم

فخرجت من عنده فمضيت فقضيت حجتي ثم انصرفت الى الكوفة فبلغني قدومه فأتيه فسلمت عليه وسألته عما قدم له فأخبرني عمن كتب إليه يسأله القدوم عليهم فأشرت عليه بالانصراف فلحقه القوم فردوه. ورواه أبوالفرج في المقاتل بسنده عن زكريا الهمداني نحوه

أبو الحسين زيد الشهيد 63

الى آخر الابيات ثم قال فخرجت من عنده وظننت أن في نفسه شيئا وكان من أمره ما كان ويعلم مما مر وأني أن الذي دعا زيدا الى الخروج إنما هو آباء الضيم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا طلب ملك وإمارة وأنه خرج موطنا نفسه على القتل مع غلبة ظنه بأنه يقتل فاختار المنية على الدنية وقتل العز على عيش الذل كما فعل جده الحسين عليه السلام الذي سن الاباء لكل أبي.

( ما جرى لزيد اراده أهل الكوفة على الخروج وبايعوه )

قال أبو مخنف : واقبلت الشيعة وغيرهم من الحكمة يختلفون إليه ويبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان والجزيرة وقيل أحصى ديوانه أربعين ألفا. وفي الشذرات كان ممن بايعه منصور بن المعتمر ومحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى وهلال بن خباب بن الحارث قاضي المدائن وابن شبرمة ومسعود بن كذام وغيرهم وأرسل إليه أبو حنيفة بثلاثين ألف درهم وحث الناس على نصره وكان مريضا وحضر معه من أهله محمد بن عبدالله النفس الزكية وعبدالله بن علي بن الحسين . ويأتي بعد ذكر مقتله ما ذكره أبو الفرج من أسماء من عرف ممن خرج معه من أهل العلم ونقلة الآثار والفقهاء وفيهم بعض هؤلاء

أبو الحسين زيد الشهيد 64


( صورة البيعة )

قال ابن الاثير وكانت بيعته إنا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله وعليه وسلّم وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين واعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ورد المظالم ونصره أهل البيت أتبايعون على ذلك فإذا قالوا نعم وضع يده على أيديهم ويقول عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن لي في السر والعلانية فاذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال اللهم أشهد قال أبو الفرج وأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا منها شهران بالبصرة والباقي بالكوفة ثم خرج وأرسل دعاته الى الآفاق والكور يدعون الناس الى بيعته قال ابن الاثير فشاع أمره في الناس على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام وأختفى بها يبايع الناس وأما على قول من زعم أنه أتى الى يوسف بن عمر لموافقة خالد بن عبدالله القسري أو ابنه يزيد بن خالد فإن زيدا أقام بالكوفة ظاهرا ومعه داود بن علي وأقبلت الشيعة تختلف الى زيد وتأمره بالخروج ويقولون انا لنرجو أن تكون أنت المنصور وان هذا الزمان هو الذي يهلك فيه بنو أمية فأقام بالكوفة وجعل يوسف ابن عمر يسأل عنه فيقال هو هاهنا ويبعث اليه ليسير فيقول نعم ويعتل بالوجع فمكث ما شاء الله ثم أرسل اليه يوسف ليسير فاحتج بأنه يحاكم بعض آل طلحة بن عبدالله لملك بينهما بالمدينة فأرسل إليه

أبو الحسين زيد الشهيد 65

ليؤكل وكيلا فلما رأى جد يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية وقيل الثعلبية فتبعه أهل الكوفة وقالوا نحن اربعون الفا لم يتخلف عنك أحد نضر بأسيافنا وليس ها هنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة بعض قبائلنا يكفيكهم بإذن الله تعالى وحلفوا بالايمان المغلظة وجعل يقول أني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كما فعلتم بأبي وجدي فيحلفون له فقال له داود بن علي يا ابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك جدك علي بن أبي طالب حتى قتل والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين وبايعوه ثم خذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه فلا ترجع معهم فقالوا إن هذا لا يريد أن تظهر ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم فقال زيد لداود أن عليا عليه السلام كان يقاتله معوية بذهبه ( بدهائه ) وإن الحسين قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم ( ولداود أن يقول له وأنت يقتلك هشام وليس بدون يزيد ) فقال داود اني خائف أن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم وأنت أعلم ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد الى الكوفة فلما رجع أتاه سلمة بن كهيل فذكر له قرابته من رسول الله (ص) وحقه فأحسن ثم قال له نشدتك الله كم بايعك قال أربعون ألفا قال فكم بايع جدك قال ثمانون ألفا قال فكم حصل معه قال ثلثمائة قال نشدتك الله أنت خير أم جدك قال جدي قال فهذا القرن خير أم ذلك القرن قال ذلك القرن قال أفتطمع أن

أبو الحسين زيد الشهيد 66

يفي لك هؤلاء وقد غدر اولئك بجدك قال قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم قال أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي فاذن له فخرج الى اليمامة وكتب عبدالله بن الحسن الحسني الى زيد أما بعد فإن أهل الكوفة قبح العلانية جود السريرة هرج في الرخاء جزع في اللقاء يقدمهم ألسنتهم ولا يشايعهم قلوبهم ولقد تواترت الي كتبهم بدعوتهم فصمت عن ندائهم وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم ومالهم مثل إلا ما قال علي بن أبي طالب عليه السلام أن أهملتم خضتم وان جوربتم خرتم وان إجتمع الناس على أمام طعنتم وان أجبتم الى مشاقة نكصتم فلم يصغ زيد الى شيء من ذلك فأقام على حاله يبايع الناس ويتجهز للخروج وتزوج بالكوفة ابنة ليعقوب السلمي وتزوج أيضا ابنة عبدالله بن أبي القيس الازدي وكان سبب تزوجه اياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت تتشيع فأتت زيدا تسلم عليه وكانت جميلة حسنة قد دخلت في اليمن فلم يظهر عليها فخطبها زيد الى نفسها فاعتذرت بالسن وقالت أن لي بنتا هي أجمل مني وأبيض وأحسن دلا وشكلا فضحك زيد ثم تزوجها وكان ينتقل بالكوفة تارة في بني نهد وتارة في بني تغلب وغيرهم الى أن ظهر . انتهى كلام ابن الاثير .
وكان خروجه بالكوفة في ولاية يوسف بن عمر بن أبي عقيل الثقفي العراق لهشام بن عبد الملك في الشذرات ويوسف هذا هو

أبو الحسين زيد الشهيد 67

ابن عمر أبوه عم الحجاج بن يوسف .

( أخبار السجاد والباقر والصادق عليهم السلام بقتله قبل وقوعه )

عن فرحة الغري : روي عن أبي حمزة الثمالي قال كنت أزور علي بن الحسين عليهما السلام في كل سنة مرة في وقت الحج فزرته سنة فرأيت على ركبته ولدا جالسا ثم نهض الى نحو باب الدار فوقع فجرح رأسه وجرى دمه فقام الامام عليه السلام مسرعا وحمله ومسح الدم عن رأسه وقال يا بني أعيذك بالله أن تكون المصلوب بالكناسة فقلت فداك أبي وأمي أي كناسة هذه قال كناسة الكوفة فقلت جعلت فداك هذه الواقعة من المحتوم فقال أي والذي بعث محمداً بالحق أن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة مقتولا مدفونا منبوشا مسلوبا مسحوبا مصلوباً في الكناسة قال أبو حمزة جعلت فداك ما اسم هذا الغلام فقال زيد ابني ثم بكى قال أبو حمزة والله ما لبثت الا برهة حتى رأيت زيدا بالكوفة في دار معوية ابن اسحق فجئت اليه وسلمت عليه وقلت جعلت فدا ما اقدمك هذا البلد قال انتقل الى دور بارق وبني هلال فوالله لقد رأيت زيدا مقتولا ومدفونا ومنبوشا ومسلوبا ومسحوبا ومصلوبا ثم أحرق وذري رماده في الهواء.
وروي أبو الفرج في المقاتل بسنده عن خالد مولى آل الزبير

أبو الحسين زيد الشهيد 68

كنا عند علي بن الحسين فدعا ابنا له يقال له زيد فكبا لوجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول أعيذك بالله أن تكون زيدا المصلوب بالكناسة الحديث . وبسنده عن يونس بن جناب جئت مع أبي جعفر عليه السلام الى الكتاب فدعا زيدا فاعتنقه وألزق بطنه ببطنه وقال أعيذك بالله أن تكون صليب الكناسة . وعن كتاب الثاقب في المناقب عن يزيد بن خلف : سمعت أبا عبدالله عليه السلام وذكر عنده زيد وهو يومئذ يتردد في المدينززكة يقول كأني به خرج الى العراق ويمكث يومين ويقتل في اليوم الثالث ثم يدار برأسه في البلاد يؤتى برأسه وينصب ها هنا وأشار بيده الي الموضع قال فسمت أذني من أبي عبدالله عليه السلام ورأت عيني أن أتي برأسه حتى أقيم في الموضع الذي أشار إليه.

( أخبار ابن الحنفية بقتله قبل وقوعه )

في أمالي الصدوق في الحديث العاشر من المجلس 54 بسنده عن عون بن عبدالله كنت مع محمد بن علي بن الحنفية في فناء داره فمر به زيد بن الحسن فرفع طرفه اليه ثم قال ليقتلن من ولد الحسين رجل يقال له زيد بن علي وليصلبن بالعراق من نظر الى عورته فلم ينصره أكبه الله على وجهه في النار.
وروى ابو الفرج في المقاتل بسنده عن محمد بن الحنفية مر زيد ابن علي بن الحسين على محمد ابن الحنفية فرق له وأجلسه وقال أعيذك بالله يا ابن أخي أن تكون زيدا المصلوب

أبو الحسين زيد الشهيد 69

بالعراق الحديث . ومرت احاديث أخرى تتضمن الاخبار بقتل زيد وصلبه وهذه الاحاديث تدل على أن خبر قتل زيد وصلبه كان مشهورا معروفا عند أهل البيت عليهم السلام قبل وقوعه.

( خروجه ومقتله )

قال ابو الفرج وابن الاثير فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ فجعل من يريد أن يفي له يستعد وشاع ذلك قال ابوالفرج فانطلق سليمان بن سراقة الباقي فأخبر يوسف بن عمر خبر يد فبعث يوسف فطلب زيدا ليلا فلم يوجد عند الرجلين الذين سعي اليه أنه عندهما فأتي بهما يوسف فلما كلمهما استبان أمر زيد وأصحابه وأمر بهما يوسف فضربت أعناقهما وبلغ الخبر زيدا فتخوف أن يؤخذ عليه الطريق فتعجل الخروج قبل الاجل الذي بينه وبين أهل الأمصار وكان قد وعد أصحابه ليلة الاربعاء أول ليلة من صفر سنة 122 فخرج قبل الاجل فلما حققت الراية على رأسه قال الحمد لله الذي أكمل لي ديني والله اني كنت أستحيي من رسول الله (ص) أن أرد عليه الحوض ولم آمر في أمته بمعروف ولا أنهى عن منكر وبلغ ذلك يوسف بن عمر فأمر الحكم بن الصلت أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الاعظم فيحصرهم فه فبعث الحكم الى العرفاء (1).

(1) العرفاء كشرفاء جمع عريف كأمير وهو رئيس القوم أو النقيب وهو دون الرئيس.
أبو الحسين زيد الشهيد 70

والشرط (1) والمناكب (2) والمقاتلة (3) فادخلوهم المسجد ثم نادى مناديه ايما رجل من العرب والموالي (4) أدركناه في رحلة فقد برأت منه الذمة ائتوا المسجد يوم الثلثاء قبل خروج زيد.
وقال ابن عساكر في حديث عن ضمرة بن ربيعة أن يوسف بن عمر لما علم بخروج زيد أمر بالصلاة جامعة وبأن من لم يحضر المسجد فقد حلت عليه العقوبة فاجتمع الناس وقالوا ننظر ما هذا الامر ثم نرجع فلما اجتمع الناس أمر بالابواب فأخذ بها وبنى عليهم وأمر الخبل فجالت في أزقة الكوفة فمكث الناس ثلاثة أيام وثلاث ليال في المسجد يؤتى الناس من منازلهم بالطعام يتناوبهم الشرط والحرس فخرج زيد على تلك الحال.
وقال أبو الفرج في حديثه وطلبوا زيدا في دار معوية ابن اسحق فخرج ليلا وذلك ليلة الاربعاء لسبع بقين من المحرم في ليلة شديدة البرد من دار معوية بن اسحق فرفعوا الهرادي (5) فيها النيران ونادوا بشعارهم شعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا منصور أمت فما زالوا كذلك

(1) الشرط كصرد أول كتيبة تشهد الحرب وطائفة من أعوان الولاة.
(2) المناكب جمع منكب في القاموس هو عريف القوم وينبغي أن يكون دون العريف وكلهم معينون من قبل السلطان.
(3) المقاتلة هم العسكر المعينون للقتال ولهم رواتب.
(4) جمع مولى وهو الذي أصله ليس بعربي وجرى عليه الرق فاعتق.
(5) الهرادي جمع هردي بالكسر ويمد.
أبو الحسين زيد الشهيد 71

حتى أصحوا فبعث زيد القاسم بن عمر التبعي ورجلا آخر اسمه صدام وسعيد بن خثيم ينادون بشعارهم ورفع أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني هرديا من مئذنتهم ونادى بشعار زيد فلما كانوا في صحاري عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندي فشد على القاسم وعلى أصحابه فقتل صدام وارتث(1) القاسم فأتي به الحكم بن الصلت فقتله على باب القصر . قال أبو مخنف وقال يوسف بن عمر وهو بالحيرة من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء فيأتينا يخبرهم فقال عبدالله بن العباس المنتوف الهمداني أنا آتيك بخبرهم فركب في خمسين فارسا ثم أقبل حتى أتى جبانة سالم فاستخبر ثم رجع الى يوسف فأخبره فلما أصبح يوسف خرج الى تل قريب من الحيرة فنزل معه قريش واشراف الناس وأمير شرطته يومئذ العباس بن سعد المرادي وبعث الريان بن سلمة البلوي في نحو من ألفي فارس وثلثمائة من القيقانية (2) رجالة ناشبة (3) واصبح زيد بن علي وجميع من وافاه تلك الليلة 218 رجالة ناشبة فقال زيد سجن الله فأين الناس قيل هم محصورون في المسجد فقال لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر واقبل نصر بن خزيمة الى زيد فتلقى عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت

(1) ارتث بالبناء للمجهول حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق.
(2) نسبة الى قيقن كجيران موضعان
(3) الناشبة أصحاب النشاب.
أبو الحسين زيد الشهيد 72

عند بعض دور الكوفة فقال يا منصور أمت فلم يرد عليه عمر شيئا فشد نصر عليه وعلى أصحابه فقتله وانهزم من كان معه واقبل زيد حتى انتهى الى جبانة الصائديين وبها خمسمائة من أهل الشام فحمل عليهم زيد في أصحابه فهزمهم ثم مضى حتى انتهى الىالكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام فهرمهم ثم شلهم (1) حتى ظهر الى المقبرة ويوسف ابن عمر على التل ينظر الى زيد وأصحابه وهم يكرون ولو شاء زيد أن يقتل يوسف لقتله . ثم أن زيدا أخذ ذات اليمين حتى دخل الكوفة فطلع أهل الشام عليهم فدخلوا زقاقا ضيقا ومضوا فيه فقال زيد لنصر ابن خزيمة تخاف على أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية فقال جعلني الله فداك أما أنا فوالله لاضربن بسيفي هذا معك حتى أموت ثم خرج بهم زيد نحو المسجد فخرج اليه عبيدالله بن العباس الكندي في أهل الشام واقتتلوا فانهزم عبيدالله وأصحابه وتبعهم زيد حتى انتهوا الى باب الفيل ( وهو أحد أبواب المسجد ) وجعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق أبواب ويقولون يا أهل المسجد اخرجوا وجعل نصر بن خزيمة يناديهم يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل الى العز الى الدين والدنيا وجعل أهل الشام يرمونهم من فوق المسجد بالحجارة . وبعث يوسف بن عمر الربان بن سلمة في خيل الى دار الرزق فقاتلوا زيدا قتالا شديدا وجرح من أهل الشام جرحى كثيرة وشلهم اصحاب زيد من دار الرزق حتى انتهوا الى المسجد الاعظم فرجع اهل الشام

(1) شلهم أي طردهم ـ المؤلف.
أبو الحسين زيد الشهيد 73

مساء يوم الاربعاء وهم أسوأ شيء ظن فلما كان غداة يوم الخميس دعا يوسف بن عمر الريان بن سلمة فافف به وقال له فلك من صاحب خيل ودعا العباس بن سعد المري ( المرادي ) صاحب شرطته فبعثه الى أهل الشام فسار بهم حتى انتهوا الى زيد في دار الرزق وخرج اليه زيد وعلى مجنبته (1) نصر بن خزيمة ومعوية بن اسحق فلما رآهم العباس نادى يا أهل الشام الأرض فنزل ناس كثير واقتتلوا فتالا شديدا وكان رجل من أهل الشام اسمه نائل بن مرة العبسي قال ليوسف والله لئن ملأت عيني من نصر بن خزيمة لاقتلنه أو ليقتلني فاعطاه يوسف سيفا لا يمر بشيء غلا قطعه فلما التقى أصحاب العباس وأصحاب زيد ضرب نائل نصرا فقطع فخذه وضربه نصر فقتله ومات نصر ثم أن زيدا هزمهم وانصرفوا باسوأ حال فلما كان العشاء عبأهم يوسف ثم سرحهم نحو زيد فكشفهم ثم أتبعهم حتى أخرجهم الى السبخة ثم شد عليهم حتى أخرجهم من بني سليم ثم ظهر لهم زيد فيما بين بارق وبني دوس فقاتلهم قتالا شديدا وصاحب لوائه رجل من بني سعد بن بكر يقال له عبد الصمد قال سعيد بن خثيم وكنا مع زيد في خمسمائة وأهل الشام أثناء عشر ألفا وكان بايع زيدا أكثر من أثني عشر ألفا فغدروا به إذ فصل رجل من أهل الشام من كلب على فرس له رائع فلم يزل شتما لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليها فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته وجعل يقول أما أحد يغصب

(1) المجنبة تقال للميمنة وللميسرة ـ المؤلف ـ
أبو الحسين زيد الشهيد 74

لفاطمة بنت رسول الله أما أحسد يغضب لرسول الله (ص) أما أحد يغضب لله ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة قال سعيد فجئت الى مولى لي فأخذت منه مشعلا (1) كان معه ثم استترت من خلف النظارة حتى اذا صرت من ورائه ضربت عنقه وأنا متمكن منه بالمشعل فوقع رأسه بين يدي بغلته ثم رميت جيفته عن السرج وشد أصحابه علي حتى كادوا يرهقوني وكبر أصحاب زيد وحملوا عليهم واستنقذوني فركبت وأتيت زيدا فجعل يقبل بين عيني ويقول أدركت والله ثأرنا أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرهما ونفلني البغلة . وجعلت خيل أهل الشام (2) لا تثبت الخيل زيد فبعث العباس بن سعد الى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية وسأله أن يبعث اليه الناشبة (3) فبعث اليه سليمان ابن كيسان في القيقانية (4) وهم بخارية وكانوا رماة فجعلوا يرمون أصحاب زيد وقاتل معوية بن اسحق الانصاري يومئذ قتالا شديدا فقتل بين يدي زيد وثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح

(1) المشمل كمنير سيف قصير يتغطى بالثوب.
(2) جاء في هذه الاخبار في غير موضع ما يدل على أن العسكر الذي كان يحارب زيدا كان أكثره أو جملة منه من أهل الشام والظاهر أن العسكر الشامي كان موجودا دائما لقلة ثقة الامويين بأهل الكوفة.
(3) أصحاب النشاب.
(4) مر تفسيره.
أبو الحسين زيد الشهيد 75

الليل رمي زيد بسهمهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ فرجع ورجع أصحابه ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا للمساء والليل فدخل دارا من دور أرحب وشاكر وجاؤا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دوس فقال له أن نزعته من رأسك مت قال الموت ايسر علي مما أنا فيه فأخذ الكلبتين فانتزعه فساعة انتزاعه مات وفي عمدة الطالب قال سعيد بن خثيم تفرق اصحاب زيد عنه حتى بقي في ثلثمائة رجل وقيل جاء يوسف بن عمر الثقفي في عشرة آلاف(1) فصف أصحابه صفا بعد صف حتى لا يستطيع أحدهم أن يلوي عنقه فجعلنا نضرب فلا نرى الا النار تخرج من الحديد فجاء سهم فاصاب جبين زيد بن علي يقال رماه مملوك ليوسف بن عمر الثقفي يقال له راشد فأصاب عينيه فانزلناه وكان رأسه في حجر محمد ابن مسلم الخياط فجاء يحيى بن زيد فاكب عليه فقال يا ابناه ابشر ترد على رسول الله وعلي وفاطمة وعلى الحسن والحسين فقال أجل يا بني ولكن أي شيء تريد أن تصنع قال أقتلهم والله ولو لم أجد إلا نفسي فقال إفعل يا بني فإنك على الحق وإنهم على الباطل وان قتلاك في الجنة وإن قتلاهم في النار ثم نزع السهم فكانت نفسه معه.
وقال المسعودي حال المساء بين الفريقين فراح زيد مثخنا بالجراح وقد أصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينزع النصل فأتي بحجام

(1) مر عن سعد بن خثيم ان زيدا بقي في خمسمائة وأهل الشام عشر ألفا.
أبو الحسين زيد الشهيد 76

من بعض القرى فاستكتموه أمره فاستخرج النصل فمات من ساعته فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأجري الماء على ذلك وحضر الحجام مواراته فعرف الموضع فلما أصبح مضى الى يوسف متنصحا فدله على موضع قبره فاستخرجه يوسف وبعث رأسه الى هشام فكتب اليه هشام ان أصلبه عريانا فصلبه يوسف كذلك وبني تحت خشبته عمودا ثم كتب هشام الى يوسف باحراقه وذروه في الرياح.
وقال ابو الفرج قال القوم أين ندفنه وأين نواريه ( خوفا من بني أمية وعمالهم أن يمثلوا به لما يعلمون من خبث سرائرهم وعادتهم في التمثيل التي ابتدأت من يوم أحد ) فقال بعضهم نلبسه درعين ثم نلقيه في الماء وقال بعضهم لا بل نحتز رأسه ثم نلقيه بين القتلى فقال يحيى ابن زيد لا والله لا يأكل لحم أبي السباع وقال بعضهم نحمله الى العباسية فندفنه فيها ( وهي على ما في القاموس بلدة بنهر الملك ) .
وقال سلمة بن ثابت فأشرت عليهم أن ينطلقوا الى الحفرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها فقبلوا رأيي فانطلقنا فحفرنا له حفرتين وفيها يومئذ ماء كثير حتى إذا نحن مكنا له دفناه ثم أجرينا عليه الماء ومعنا عبد سندي وقيل حبشي كان مولى لعبد الحميد الرواسي وكان معمر بن خثم قد أخذ صفقته لزيد وقيل هو مملوك سندي لزيد وكان حضرهم وقيل كان نبطي يسقي زرعا له حين وجبت الشمس فرآهم حيث دفنوه فلما اصبح أتي الحكم بن الصلت فدلهم على موضع قبره

أبو الحسين زيد الشهيد 77

وقال ابن عساكر أخذه رجل دفنه في بستان له وصرف الماء عن الساقية وحفر له تحتها ودفنه وأجرى عليه الماء وكان غلام له سندي في بستان له ينظر فذهب الى يوسف فأخبره . وقال ابن الاثير رآهم قصار فدل عليه فبعث اليه يوسف بن عمر الثقفي فاستخرجوه وحملوه على بعير قال أبو الفرج قال نصر بن قابوس فنظرت والله اليه حين أقبل به على جمل قد شد بالحبال وعليه قميص أصفر هروي فألقي من البعير على باب القصر كأنه جبل وقطع الحكم بن الصلت رأسه وسيره الى يوسف بن عمر وهو بالحيرة فأمر يوسف أن يصلب زيد بالكناسة هو ونصر بن خزيمة ومعوية ابن اسحق وزياد النهدي وأمر بحراستهم وبعث بالرأس الى الشام فصلب على باب مدينة دمشق ثم أرسل الى المدينة . ثم أن يوسف بن عمر تتبع الجرحى في الدور قال المسعودي ففي ذلك ( اي صلب زيد ) يقول بعض شعراء بني أمية ( وهو الحكم « الحكيم » بن العباس الكلبي ) يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات :
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ولم أر مهديا على الجذع يصلب

وبعد البيت
وقستم بعثمن عليــا سفاهـة وعثمان خيــر من علي وأطيب

وفي البحار أن الصادق عليه السلام لما بلغه قول الحكم رفع يديه الى السماء وهما يرعشان فقال اللهم ان كان عبدك كاذبا فصلط عليه كلبك فبعثه بنو أمية الى الكوفة فبينما هو يدور في سككها

أبو الحسين زيد الشهيد 78

اذ افترسه الاسد واتصل خبره بجعفر فخر لله ساجدا ثم قال الحمد لله الذي انجزنا ما وعدنا . ورواه ابن حجر أيضا في صواعقه . وقد نظم المؤلف قصيدة في الرد على الحكيم الكلبي وتوجد في القسم الأول من الرحيق المختوم ونوردهم هنا شيئا منها اولها :
لقد لامني فيك الوشـاة واطنبــوا وراموا الذي لم يدر كوه فخيبــوا
ارقت وقد نـام الخلـي ولـم أزل كأني على جمــر الغضى اتقلب
عجبت وفي الايـام كم من عجائب ولكنمـا فيهـا عجيب واعـجـب
تفاخرنــا قوم لنــا الفخر دونها على كل مخلــوق يجيء ويذهب
وما سـاءني الا مقالــة قائــل الـى آل مروان يضـاف وينسب
( صلبنـا لكم زيدا على جذع نخلة ولم أر مهديا على الجذع يصلب )
فإن تصلبــوا زيـدا عنـادا لجده فقد قتلت رسل الالـه وصلبــوا
وأنا نعد القتــل أعظـم فخرنـا بيـوم به شمس النهــار تحجب
فما لكم والفخــر بالحــرب انها اذا ما انتمث تنمى الينــا وتنسب
هداة الورى في ظلمة الجهل والعمى اذا غاب منهم كوكب بـأن كوكب
كفاهم فخــارا أن أحمـد منهــم وغيرهم أن يدعوا الفخــر كذبوا

وفي أمالي الصدوق في الحديث الثاني من المجلس 62 حدثنا أحمد ابن زياد بن جعفر الهمداني رحمه الله حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن حمزة بن حمران دخلت الى الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقال لي يا حمزة من أين أقبلت قلت من

أبو الحسين زيد الشهيد 79

الكوفة فبكى حتى بلت دموعه لحيته فقلت له يا ابن رسول الله ما لك أكثرت البكاء قال ذكرت عمي زيدا وما صنع به فبكيت فقلت له وما الذي ذكرت منه فقال ذكرت مقتله وقد أصاب جبينه سهم فجاء ابنه يحيى فانكب عليه وقال له أبشر يا أبتاه فإنك ترد على رسول الله وعلى فاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم قال أجل يا بني ثم دعي بحداد فنزع السهم من جبينه فكانت نفسه معه فجيء به الى ساقية تجري عند بستان زائدة فحفر له فيها ودفن وأجري عليه الماء وكان معهم غلام سندي لبعضهم فذهب الى يوسف بن عمر من الغد فأخبره بدفنهم إياه فأخرجه يوسف بن عمر فصلبه في الكناسة أربع سنين ثم أمر به فأحرق بالنار وذري في الرياح فلعن الله قاتله وخاذله والى الله جل اسمه اشكو ما نزل بنا أهل بيت نبيه بعد موته وبه نستعين على عدونا وهو خير مستعان.
قال المفيد في الارشاد ولما قتل زيد بلغ ذلك من أبي عبدالله عليه السلام كل مبلغ وحزن له حزنا شديدا عظيما حتى بأن عليه وفرق من ماله على عيال من أصيب مع زيد من أصحابه ألف دينار . وفي أمالي الصدوق في الحديث 13 من المجلس 54 حدثنا أبي حدثنا عبدالله ابن جعفر الحميري عن ابراهيم بن هاشم عن محمد بن أبي عمير عن عبدالرحمن بن سيابة قال دفع الي ابو عبد الله الصادق جعفر بن محمد الف دينار وامرني أن اقسمها في عيال من أصيب مع زيد بن علي فقسمتها

السابق السابق الفهرس التالي التالي