دور ألأب في التربية 311

الفصل الخمسون
موت ألأب وتأثيراته


تصور الطفل لأبيه :

يمكن القول بإختصار شديد أن الطفل ينظر إلى والده من خلال إنه :
1 ـ رب ألأسرة والمسؤول عنها وألآمر الناهي فيها .
2 ـ القدوة الصالحة والبطل الذي يجب محاكاته .
3 ـ الرازق الذي يقوم بتوفير مستلزمات ألأسرة .
4 ـ المسؤول عن تحقيق ألأمن والذي يصون جميع أفراد ألأسرة .
5 ـ أساس أٌلإقتدار وألإنضباط فلا يحق لأحد أن يتجاهل شأنه .
6 ـ مصدر الثواب فيكافئ ويثيب على ألأعمال الحسنة .
7 ـ الصديق والرفيق والجليس وألأنيس .
8 ـ وأخيرا فإن ألأب هو البطل والرب ومصدر إعجاب الطفل وشعوره بالفخر وألإعتزاز . فنراه يهتم لهذه ألأمور كثيرا ويحسب لها حسابا .

نظرة الطفل للموت :

ينبغي أن نعرف كيف ينظر الطفل إلى الموت وما هو إحساسه في هذا الخصوص .
في الحقيقة إن الطفل قاصر عن إدراك معنى الموت حتى العام الثالث من عمره ، لكنه سيعي ذلك بعد هذه المرحلة من خلال مشاهداته للأموات

دور ألأب في التربية 312

وتشييع الجنائز فيكون قادرا في العام الرابع تقريبا على التمييز بين الحي والميت .
ينظر الطفل في عمر 3 ـ 5 سنوات للموت على أنه نوع من النوم ، فيتصور بأن الميت يمكنه ألإستيقاظ فينتظر عودته ، لكنه سيكون أكثر واقعية منذ العام السابع لإدراكه بأن الموت هو العاقبة الحتمية لكل الكائنات .
وفي السنوات 8 ـ 10 يتولد شعور سلبي مؤسف عند الطفل عن ظاهرة الموت لإعتقاده قبل هذه السن بأن الموت لا يصيبه بل يصيب ألآخرين . وقد وصفوا السن الثامنة بأنها سن الخوف من الموت حيث يمكن أن يظهر هذا ألإحساس في كل لحظة .
وفي هذه السنوات يؤثر موت ألأعزة على الطفل بشدة فيشعر بألأسى والحزن ، ويصل به ألأمر إلى الشعور باليأس والحيرة ، أو يعتريه الغضب ورغبة في ألإنتقام . علما بأن حزنه يكون بمستوى سنه وإعتقاده ، ومدى إرتباطه بوالديه إذ قد يؤثر عليه سلبا .

ألأعراض الناشئة بسبب الموت :

يمثل موت ألأب خسارة للطفل ، ويختلف حجم هذه الخسارة بإختلاف السن وألإدراك والفهم والذكاء والجنس . وسوف نشير بإختصار إلى ألأعراض التالية :
1 ـ ألأعراض الحياتية : ويمكن ألإشارة إلى عدة أمور منها :
ــ فقدان الشهية للطعام حتى أنه لا يبالي بالجوع والعطش .
ــ إختلال في عملية هضم الطعام وتمثيله .
ــ ظهور بعض التغييرات والمشاكل في حركة ألأرجل والركض والقفز ، فيفقد الطفل النشاط .
ــ سوء التغذية ، والذي يؤدي إلى إختلال في نمو العظام فيصاب الجسم بالذبول .
ــ حصول توتر في حركة اليد والعين وألأذن وألأجفان .

دور ألأب في التربية 313

ــ حدوث تغيرات في شكل البشرة وإصفرارها وهو ما ينتج عادة عن لوم النفس والشعور بالحزن والكآبة .
ــ حدوث إختلال في برنامج النوم وألإستراحة ، فيضطرب النظم في هذا المجال ، ويؤدي بنفسه إلى ألإصابة بأمراض أخرى .
ــ التعرض للإصابة بألأمراض ، وهي لا تكون كثيرة عادة ، ولكن من الممكن أن يغلبه المرض .
2 ـ ألأعراض الذهنية والنفسية : ويمكن أن نشير إلى بعض منها من خلال ما يلي :
ــ التأثير على ذهن الطفل وذكائه وإمكانية حدوث إنخفاض مستوى ذكائه .
ــ ظهور إختلالات في مجال الدراسة وهبوط المستوى الدراسي بل وحتى ظهور إختلال في عملية التعلم .
ــ حصول تغير في الرؤية وألأهداف بحيث تتهاوى بعض ألأهداف السامية والمقاصد العليا .
ــ حدوث خلل في التوقعات فنراه لا يطلب ماء ولا طعاما رغم أنه يشعر بالجوع والعطش .
ــ ظهور خلل في الشخصية والسلوك بحيث تضطرب عملية النضج ويصاب الطفل بسلوك غير متزن .
ــ ألأختلال النفسي، إذ يكون من أشد ألأعراض المذكورة أعلاه .
ــ وأخيرا ظهور أعراض أخرى كقضم ألأظافر ومص ألإبهام والعبث بألأعضاء التناسلية والتبول الليلي والحسد والخوف والخجل والشعور بعقدة الحقارة والكذب وألإحساس بالقلق وغير ذلك .
3 ـ ألأعراض العاطفية : وهي عديدة أما أهمها فهي :
ــ ألإضطراب والشعور بإنعدام ألأمن .
ــ الهيجان الشديد وعدم ألإهتمام عاطفيا أحيانا ، والحساسية وسرعة التأثر في أحيان أخرى .
ــ القلق ، حيث لا يهدأ ولا يستقر ولا يدري كيف يهدأ .

دور ألأب في التربية 314

ــ الخوف ، لشعوره بأنه فقد ملاذه .
ــ الحساسية وسرعة الغضب دون مبرر بحيث يتنازع مع أصدقائه أحيانا .
ــ ألإنطواء على النفس والشعور بالكآبة .
ــ العنف والعدوان بحيث يكون على شكل هجوم في بعض ألأحيان .
ــ الرجوع إلى الوراء لمرحلة الطفولة ، وظهور سماتها كالتحجج والتبول ألليلي ومص ألإبهام وغيره .
ــ ظهور حالة ألإستياء والتنفر من البيت بل وحتى الخوف من العيش في ذلك الوسط .
4 ـ أعراض سلوكية : يمكن لموت ألأب أن يؤثر أحيانا على السلوك وأهم تلك التأثيرات هي :
ــ عدم ألإنسجام مع المحيطين به وأفراد أسرته وشقيقه وشقيقته وحتى أصدقائه المقربين .
ــ العصيان والتمرد اللذان لا يظهران كثيرا عند ألأطفال لكنهما شديدان عند المراهقين وألأحداث .
ــ إضطراب في التعامل والعلاقات ، فيصاب بحالة من ألاأبالية إزاء ألآخرين .
ــ التكبر والرياء لكي يلفت أنظار ألآخرين ويكسب دعمهم .
ــ لجوءه في بعض ألأحيان إلى التزوير وألإحتيال وممارسة الجريمة في حياته اليومية ودراسته حيث يعتبر ذلك نوعا من التنفيس عن عقده .
ــ اللجوء إلى تصرفات غير مناسبة كإهمال النظافة وعدم ألإهتمام بالشكل والمظهر .
ــ مجالسة المجموعة ومرافقتها ، وخاصة بالنسبة للأحداث مما يكون سببا لإنحرافهم في بعض ألأحيان .

مخاطر ذلك على ألأطفال :

ثمة أمران خطيران بالنسبة للأطفال الذين فقدوا آباءهم ينبغي الحذر منهما :

دور ألأب في التربية 315

أولا : خطر الشعور بالنقص ووجود قصور في توفير الحاجات .
ثانيا : خطر ألإفراط في الحب والذي يمهد ألأجواء للدلال وكثرة التوقعات .
وبالنسبة للنقطة ألأولى فقد يكون هذا ألأمر سببا لسعي ألطفل للإرتباط بالجماعة وألإنضمام إليها مما يكون بذاته سببا في تلقي الدروس السيئة وحدوث ألإنحراف الخلقي والفساد أحيانا ، إذ يوجد العديد من المتعطشين ممن ينتظرون مثل هذه الفرص لإصطياد الأطفال فيها .
أما بشأن النقطة الثانية ، فإن الدلال وكثرة التوقع بسبب ألإفراط في الحب يدمر حياة الطفل ويحرمه من تلك الحياة العادية والطبيعية . فالعديد من ذوي الموتى يخطئون عندما يلجأون بواسطة ألإطعام وألإفراط في الدلال إلى كسب ود الطفل في حين أن هذا ألأسلوب يؤدي إلى إنحرافه .

أعراض أخرى :

ما أكثر ألأعراض في الحياة المادية والمعنوية والتي تهدد هؤلاء ألأطفال وتؤثر على نموهم . فموت ألأب يساعد على ظهور أعراض أخرى كألإصابة بألأمراض العصبية وألإستسلام للجرائم وألإنحراف وإختلال الوضع النفسي وفقدان العاطفة في بعض ألأحيان .
وعندما يموت ألأب يحدث عند الولد تحول روحي عميق لا يمكن للبعض أن يتحمله أحيانا . وسوف يفقد الطفل مكانته بسبب ذلك فيصاب بالذهول والحيرة . وقد يشعر في بعض ألأحيان أن تلك الحادثة تمت بسبب ذنب معين أو أن يشعر بالظلم فيعمد إلى ألإنتقام .
ويؤدي موت ألأب أحيانا إلى إضطراب الطفل وظهور إختلال في وضعه النفسي ، وتتوتر علاقته مع ألآخرين وتضعف قابليته نحو العمل والدراسة والتخطيط .
وأخيرا ، فقد يضطرب وضعه وينتقل تأثير ذلك إلى ألآخرين أيضا .

دور ألأب في التربية 316


المواقف الضرورية :

إتركوا الطفل وشأنه في البرامج المتعارف عليها في ألأحزان ولا تطالبوه بالكف عن البكاء أو عدم التأثر .
إنظروا إليه نظرة عادية ، وأوضحوا له حقيقة ألأمر والوظائف التي ينبغي أن يقوم بها في المستقبل .
حاولوا أن يفهم بأن الموت حق فلا يتمكن أي إنسان من الفرار منه ، ويجب أن تواسوه أيضا وتساعدوه وتظهروا حبكم له وتزرعوا ألأمل في قلبه . وإبذلوا جهدكم في أن يحافظ على سلامته النفسية والجسمية وإمتدحوا إيجابياته كثيرا .
وتقع على ألأمهات مسؤولية ثقيلة بهذا الشأن . فلو تمكنت ألأم أن تدير ألأمور بشكل جيد وتضبط نفسها لكانت أبا وأما لولدها . وينبغي أن توجهه نحو الخير والصلاح وتكشف له عن العديد من ألألغاز . ويمكننا أن نقول عن هذه ألأم بأنها فنانة في عملها .

دور ألأب في التربية 317

الباب الرابع عشر

أخطاء ألأب

ما أكثر ألأخطاء التي تظهر سواء عن عمد أو بدون قصد في العملية التربوية ، مما يكون لزاما على ألآباء الملتزمين والذين يشعرون بالمسؤولية الحذر كثيرا ، وعدم السماح لظهور مثل تلك ألأخطاء .
ويمكننا أن نشير من بين تلك ألأخطاء إلى الغفلة والدروس السيئة وممارسة العنف وألإفراط والتفريط والنزاع بين الزوج والزوجة وغير ذلك .
بل وحتى أن بعض الممارسات ألإيجابية يمكنها أن تكون سلبية بسبب ألإفراط فيها كالحب والحنان مما ينبغي الحذر وألإنتباه إلى ذلك .
ــ ويمكن للغفلة أن تكون في موضوع قبول الطفل ، وتعليمه والتعامل معه ، وممارسة ألإنضباط وغير ذلك .
ــ ويمكن للدروس السيئة أن تكون في مجال الدين وألأخلاق ، والقول والعمل ، والعهد والوعد والنظم وألإنضباط والعلاقة الزوجية وغيرها .
ــ والعنف يكون بسبب الشعور بالفشل ، والبحث عن الملاذ ، والهروب وألإستسلام ، والتجرؤ على ألأب ، وألإجرام وغير ذلك .
ــ ويمكن للنزاع بين الزوجين أن يكون سببا لظهور الفوضى وسوء الظن بالوالدين وتوقف عملية النمو وظهور سلوك مضاد للمجتمع وغيره .
ــ وأما ألإفراط والتفريط فقد يكون في الحب والحنان ، والدعم وألإرتباط والتدخل ، وممارسة ألإقتدار ، والتهديد والعقاب .
وقد حاولنا كما هي العادة أن نطرح هذه المواضيع مع مراعاة ألإختصار .

دور ألأب في التربية 318




دور ألأب في التربية 319

الفصل الحادي والخمسون
ألأب والغفلة


ضرورة الحذر :

يمكن أن نصف التربية بأنها عملية إرادية ولا تتم إلا من خلال حذر المربي ووعيه .
فما أكثر العوامل التي تؤثر على العملية التربوية فتفسدها ، وتكمن في طرقها مخاطر عديدة تهددنا وتنفذ إلى نفوسنا وتستقر فيها فيما لو لم نهتم بهذا الموضوع .
ويمكن لهذه ألأعراض والمخاطر أن تهدد أطفالنا أيضا ، مما ينبغي أن يحذرها ألآباء وألأولاد دائما . ولا يقتصر هذا الحذر على مرحلة الطفولة فحسب بل إنه يهدد ألأحداث والبالغين والشباب أيضا مع إختلاف واحد هو أن لكل مرحلة خصوصيات معينة وإهتمامات خاصة بها .
ولو كان ألأساس متينا في مرحلة الطفولة لكانت مشاكلنا قليلة جدا مع ألأحداث والبالغين . وقد وصف علماء النفس التربويون السنوات ألأولى من حياة الطفل بأنها مهمة ومصيرية ويعتقدون بأن ما يقدم للطفل في سنوات طفولته المبكرة سينعكس على طول حياته تقريبا .

القصور والتقصير :

تكمن صعوبة التربية في القصور التقصير الذي يواجهنا مما يضطرنا لتحمل أعباءه دون أن نتوقع ذلك . ويمكننا أن نشير في هذا المجال إلى عدم وعي ألأب بفنون التربية وجهله وضيق أفقه أو إفراطه في التفاؤل .

دور ألأب في التربية 320

فهو لا يريد ألإضرار بولده لكن مشكلته تكمن في جهله وكسله وإهتمامه بالمظاهر من ألأمور فقط . إنه لا يدرك الزمن الذي يعيشه والمشاكل التي تواجهه ، والوظائف التربوية التي تقع على عاتقه والمحاذير التي ينبغي ألألتفات إليها .
وفي مجال التقصير فإن بعض ألآباء يلجأون إلى التشاغل المتعمد فيغفلون عن تربية أولادهم أو يتركون ذلك إلى ألأم أو الخادم أو الخادمة مما له آثار ونتائج سلبية .
ولا بد من ألإشارة هنا إلى أولئك ألآباء الذين يتركون أولادهم ليمارسوا حريتهم المطلقة فلا يراقبونهم أبدا . أو أنهم يضيقون عليهم بشدة . مما يكون سببا لفسادهم وإنحرافهم .

حدود الغفلة :

لا بد أن ندرك ما هي حدود غفلة ألأب وجوانبها المختلفة إلا أننا سنشير فيما يلي إلى بعض النماذج بهذا الخصوص .
1 ـ في التربية : يمكن أن نشاهد في وجوه بعض ألأطفال آثارا لعدم كفاءة ألأب في التربية أوألإفراط في التسامح . وثمة آثارا عديدة وأعراض مؤلمة تبدو على الطفل وتصيب أسرته أيضا بسبب الغفلة في التربية ، فتؤدي إلى شعور الوالدين ـ وخاصة ألآباء ـ بالندم والخجل في آن واحد .
ويمكننا أن نصف الذين يغفلون عن تربية أولادهم بأنهم أناس مذنبون . وسوف تنعكس نتائج تصرفهم هذا ، ويشاهدون آثاره في كبرهم وشيخوختهم فيندبون حظهم لما ألم بهم وبأولادهم .
كما يجب ألإشارة إلى ذلك ألأب الذي يتماهل في تربية أولاده ، فنراه مثلا يهتم بملبسهم ومأكلهم لكنه لا يكترث بمعنوياتهم وأخلاقهم مما يؤدي إلى ظهور العديد من ألإنحرافات .
2 ـ في التعليم : إذ تؤدي الغفلة في التعليم إلى ظهور عدة مشاكل وسوف يواجه ألأب مشاكل جمة خاصة لو غفل عن تعليم ولده الدين وألأخلاق .

دور ألأب في التربية 321

ولا بد أن يتعرف الطفل منذ صغره على مواضيع الدين وألأخلاق لكي لا يلجأ إلى ألإنحراف الفكري أو العملي . فكلنا يعرف أشخاصا إبتلوا بالغفلة في صغرهم ولم يحصلوا على الوعي المطلوب فظلوا مصابين بأعراض تلك الغفلة في كبرهم .
إن هؤلاء لم يحصلوا على المعرفة الضرورية من ألأسرة فإنحرفوا فكريا أو أنهم سقطوا في وادي ألإنحراف والضلال . ثم حملوا أفكارا لا يتوقعها الوالدان أبدا ، ومارسوا ميولا لم يرغب بها الوالدان مطلقا .
3 ـ في القبول والحب : إن من الخطأ أن لا يقبل بعض ألآباء بأولادهم ولا يهتموا بهم كما يليق بشأنهم فيقصرون في حبهم وإبداء عطفهم .
وقد يرتبط سبب عدم القبول بجنس المولود أو جماله وقبحه أو بعاهة في جسمه أحيانا أو أخلاقه وأدبه .
إذ أن عدم قبول الطفل يمهد ألأجواء لظهور العديد من ألإضطرابات والشعور بفقدان الملاذ والملجأ . وسوف يندفع ذاتيا فيما بعد لممارسة مختلف أنواع المفاسد ، والبحث عن ملاذ آخر ورفيق وأنيس جديد .
وثمة مشاكل في الحب أيضا ، إذ أن الطفل الذي لا ينال حبا كافيا سيبحث عن المحبة ويكون مؤهلا للإنحراف ، وقد أظهرت التجارب أن الحرمان من الحب يؤثر على النمو ألأخلاقي وألإجتماعي والنفسي للطفل بل وحتى على نموه الجسمي ونطقه ودراسته .
4 ـ في التعامل ووضع الفروق : قلنا أن ألأب يعتبر مثالا للعدل والقانون وألإنضباط . ويتوقع الطفل منه العطف والمداراة وألإنصاف .
وإنه لمن غير الصحيح أن لايهتم ألأب بالعدالة في تصرفاته ، فيضع فروقا بين أولاده .
إن الولد سواء كان ذكرا أو أنثى لا يمكنه أن يرضى بعدم إهتمامكم به ورفضكم له وإهانته وتحقيره بسبب جنسه . وثمة عواقب وخيمة ونتائج خطيرة لهذا ألإجراء تنعكس على الطفل الذي سيتعلم منكم دروسا سيئة إضافة إلى إبتعاده عنكم .

دور ألأب في التربية 322

قد يشعر الطفل الذي يتعرض إلى التمييز بالخوف من الحياة ، ويتعرض إلى مشاكل عديدة من أجل أن ينال إحترامه ويشعر بألأمن . أو أن تواجهه صعوبات جمة في المستقبل عندما يقوم بدوره كأب أو أم .
5 ـ في ممارسة ألإنضباط : يتساهل بعض ألآباء جدا بموضوع ألإنضباط ويتشدد البعض ألآخر بنفس الموضوع . لكن هاتين الحالتين تؤديان إلى ظهور العديد من ألإضطرابات السلوكية والخلقية عند ألأولاد .
فالنمط ألأول من ألأولاد نراهم متحللين من كل شيء فهم يمارسون ألإنحراف ويفضحون أسرهم . أما النمط الثاني والذي يعيش تحت رحمة إستبداد ألأب وسطوته فنراه يهرب من والده ويسعى للإختفاء مما يكون بحد ذاته سببا للإبتعاد عنه .
لا بد للبيت أن يكون مركزا للأمن ومركزا للإنضباط أيضا . وسوف يلجأ ألأطفال إلى ممارسة أعمالهم بسرية إذا إزدادت الضغوط عليهم مما يجعل عاقبة هذا ألأمر هو المزيد من ألإنحرافات والمفاسد التي تكون خافية عنكم وأنتم في غفلة عنها .
أما لو لم يمارس ألإنضباط بالمقدار الكافي لأدى ذلك إلى ظهور العديد من ألإضطرابات ألأخرى .
6 ـ في ألإهتمامات : لا بد من مراقبة الطفل وألإهتمام به لكي لا يمارس سلوكا يؤثر عليه أولا وعلى ألآخرين ثانيا . وهذا ألإهتمام هو من حق الطفل ومسؤولية الوالدين أيضا وخاصة الطفل .
وثمة إهتمامات عديدة يمكن أن نشير إلى بعض منها كألإهتمام بذهاب الطفل وإيابه ومأكله وكلامه وآرائه ونومه وإستراحته ومعاشرته وعلاقاته وغير ذلك . وإنه لتصور خاطئ أن يترك الطفل وشأنه في جميع هذه ألأمور .
فالطفل كالنبتة الصغيرة التي يجب ألإعتناء بها وإزالة ألأعشاب الضارة من حولها وقطع ألأغصان الزائدة منها لكي تنمو بسهولة ، وإلا لتضرر الطفل ووصلت أضراره إلى ألاخرين أيضا لأنه لا يعي مصلحته ولا يمكنه أن يفرق بين ما ينفعه وما يضره .

دور ألأب في التربية 323


أسباب الغفلة :

لماذا لا يهتم بعض ألآباء بتربية أولادهم ؟ ولماذا لا يستيقظون من نوم الغفلة إزاء هذا ألأمر المهم والخطير ؟
لقد ذكروا أسبابا عديدة لذلك لكننا سنشير فيما يلي إلى بعض منها :
* قد يكون ألأب ضعيف ألإرادة أومصابا بمرض أخلاقي أو جسدي .
* لا يعتبر ألأب موضوع التربية مهما ، بل يفكر بأنه سيقدم على هذا العمل في المستقبل .
* قد يحمل ألأب ـ بنفسه ـ أخلاقا فاسدة ، ويتصف بالتحلل مما لا يؤثر كلامه في طفله .
* أن تكون له مشاغل كثيرة فلا يتمكن من تربية أولاده .
* يغيب كثيرا عن البيت فلا يستطيع ألإهتمام بهذا الموضوع .
* قد يكون كسولا فيفتقر إلى الهمة في هذا المجال .

تأثيرات الغفلة :

مهما كانت أسباب غفلة ألأب عن تربية أولاده ، إلا أنها تؤدي إلى ظهور العديد من المفاسد وألإنحرافات فتتعقد العملية التربوية .
وقد تكون لهذه الغفلة أحيانا من ألأضرار ما ينعكس على الولد والعباد والبلاد فلا يمكن إزالتها .
ومن آثارها أيضا التيه والتشرد وألإنحراف حيث يسقط ألأولاد في مستنقع ألإجرام والرذيلة .
ماذا تنتظرون من ذلك الطفل الذي لا يضع حدودا لذهابه وإيابه ؟ وكيف ستكون عاقبة ذلك الحدث الذي يعاشر من يشاء ؟
ولو قرر ألأب أن لا يمارس أبوته بشأن ولده لبقي الولد طفلا دون أن يكبر . إذ سيهدد ذلك بناءه العقلي والفكري وشرفه الخلقي .
وثمة تحذير أخير إلى ألآباء الملتزمين وهو أن هذا ألإجراء قد يجر أولادكم أحيانا إلى دور التأديب .

دور ألأب في التربية 324

الفصل الثاني والخمسون
ألأب والدروس السيئة


ألأب والقدوة :

قلنا أن ألأب يكون قدوة في أسرته وحتى بين أفراد مجتمعه والوسط الذي يعيشه ، وإنه مسؤول عن المحافظة على هذه الظاهرة والدفاع عنها . وما أكثر المصائب والصعوبات التي تعترض الطفل بسبب الدروس السيئة التي يتعلمها ويكتسبها سواء عن وعي أو بلا وعي . وإن وجود ألأب يمثل درسا للولد في ألأخلاق والتربية .
وألآن لنر ما هي الدروس التي ينبغي أن يقدمها ألأب لولده علما بأنه ثابت تربويا بأن الدروس السيئة لها تأثيرات سيئة أيضا تبقى مدى العمر .
يجب على ألأب أن يكون ذكيا وناضجا وسائرا في طريق المحافظة على المبادئ ألأخلاقية والتربوية ولا يهتم إلا بالعادات والتقاليد ألإنسانية لكي يكتسب منه الطفل دروسا في ألأخلاق وألإنسانية ويقتدي بمنهجه وأسلوبه في الحياة .

ما هي الدروس السيئة :

نشاهد ـ مع ألأسف ـ أن بعض ألآباء يلجأون عن قصد أو بدون قصد إلى تقديم دروس سيئة لأولادهم ، ولا تقف هذه الدروس عند حدود معينة لكننا سنشير إلى بعض منها وهي عبارة عن :
1 ـ في الدين وألأخلاق : يجب أن يكون ألأب ملتزما بدينه وبأوامره ونواهيه ، ويظهر ذلك لولده ويطالبه به أيضا .

دور ألأب في التربية 325

ماذا يتوقع ذلك ألأب من ولده وهو ذاته غير ملتزم بتعاليم دينه كالصلاة مثلا ؟
كما إن ألأب الذي يتعامل مع أسرته بأخلاق سيئة ويكلمهم بمنطق بذيء فإنه يرسخ بأذهانهم تلك الدروس السيئة التي تكون سببا لشعور الطفل بالتشاؤم دوما وعدم ألإهتمام بالمعايير الخلقية .
وتؤدي وساوس ألأب وعناده بوجه الحق وتذرعه الكثير في حياته وحياة أفراد أسرته ، إلى أن يكون الطفل مستبدا ومعاندا للحق مما يولد ذلك أخطارا عديدة في حياته الحالية والمستقبلية وكذلك المجتمع الذي يعيشه .
2 ـ في السلوك : عندنا آباء مذنبون لأنهم يمارسون سلوكا منحرفا بل ويحاولون نقل ألإنحراف إلى أولادهم . ونرى أن بعضهم يصحب معه ولده إلى مجالس ألإنحراف وألإثم ، ولا يهمهم عاقبة حياته وما سيؤول إليه مصيره .
فسلوكهم هذا يكون مثالا للولد ، لأنهم يمارسون أعمالهم القبيحة تلك على مرأى ومسمع منه ، غافلين عن أنه سيكتسب منهم تلك الممارسات ، ويلجأ إلى تطبيقها في المستقبل خاصة وإن الطفل يمتاز بغريزة حب المحاكاة .
يجب على ألأب أن يعلم بأن سلوكه القبيح والمنحرف لا يخدم بناء ولده وتكامله أبدا بل يكون سببا لإنحرافه في كل المجالات .
3 ـ في القول والكلام : ومن الدروس السيئة التي يقدمها ألأب لولده هي إستخدامه لكلمات بذيئة ، فنراه مثلا يذكر عبارات نابية تستقر في ذهن الطفل ونفسيته وتؤثر عليه .
ويتسم بعض ألآباء بالغضب فلا يقدر أن يتمالك نفسه فيستخدم كلمات مشينة وقبيحة يكتسبها الطفل .
كا يتصف بعض ألآباء بالسخرية وتقضي عيوب ألآخرين فنراه يسخر من ولده وينال من معنوياته ، فيدفعه بعمله هذا إلى سلوك طريق ألإنحراف .
وينطبق هذا الكلام أيضا على ذلك ألأب الذي يتحدث بكلمات

دور ألأب في التربية 326

متضادة ، ويلجأ إلى الكذب ، فيدرك حتى الطفل ألإختلاف الحاصل في كلامه . وتكون النتيجة أن لا تؤثر كلمات ألأب في ولده ولا تنفذ إليه فتفشل العملية التربوية .
4 ـ في العهد والوعد : من الدروس السيئة التي يقدمها ألأب لولده هي عدم وفائه بعهده ووعده فيلمس الطفل ذلك رغم أنه لا يتوقعه . فمثلا يعد ألأب ولده بإصطحابه معه في سفره أو تجوله في اليوم الفلاني أو أن يشتري له حاجة معينة ولكنه لا يفي بوعده .
وقد يتعهد له بشيء ما لكنه ينسى عهده ، فيتألم الطفل كثيرا خاصة فيما لو إرتبط ذلك العهد بمصلحته الخاصة .
وسوف تتضاءل مكانة هؤلاء ألآباء في أعين أولادهم إضافة إلى أنهم سيقدمون لهم دروسا سيئة لها نتائج خطيرة في حياتهم المستقبلية .
5 ـ في النظم وألإنضباط : لا يوجد شك في أن من وظائف ألآباء المهمة هو تعليم أولادهم على النظم وألإنضباط وألإلتزام بالمبادئ وألأصول .
وهذا ألأمر ضروري لأن يشمل جميع مرافق الحياة بل وحتى تناول الطفل لطعامه ونظافته وعمله ونومه وإستراحته وغير ذلك .
فألأب الفوضوي الذي لا يلتزم بأي ضوابط في ذهابه وإيابه وراحته وعمله إنما يقدم دروسا سيئة لأولاده تكون لها نتائج وخيمة في حياتهم القادمة . ثم ماذا يتوقع مثل هذا ألأب من أولاده ؟ وهل ستؤثر فيهم أوامره ونواهيه ومطالبته لهم برعاية النظم وألإنضباط ؟
6 ـ في التعامل : لا بد أن يتم التعامل في الحياة ألإجتماعية وألأخلاقية للناس وفق معايير ومبادئ منبثقة من ألأخلاق السامية وتعاليم الدين الحنيف . أما لو كان التعامل خاطئا لتأثر به الطفل وإكتسب منه تلك الدروس السيئة .
فألأب المحتال والمنافق والشرير والشقي والمتكبر والعنيف والمرائي إنما يقدم دروسا سيئة لأطفاله ، فيعرض حياتهم المستقبلية للخطر .

السابق السابق الفهرس التالي التالي