عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : سمّي شوّالاً لأنّ فيه شالت ذنوب المؤمنين ، أي ارتفعت .
في «الإقبال» : «إنّ الدخول في شهر شوّال فهو كما قدّمناه من الدخول في [شهر] رجب ، فإن ظفرت به ففيه بلاغ في المقال ، فإن لم تظفر بما أشرنا إليه فليكن دخولك في شهر شوّال دخول المصدّقين ، فإنّه شهر حرام ، له حقُّ التعظيم بالمقال والفعال ، كمن دخل في دروب مكّة إلى مسجدها الأعظم ، فلا بدّ أن يكون لدخوله كيفيّة على قدر تصديقه صاحب المسجد المعظّم ، فاجتهد أن يكون قلبك وعقلك مصاحباً له بالتعظيم ، وجوارحك محافظة على سلوك السبيل المستقيم ، فمن عادة المملوك المؤدّب الكامل أن يكون موافقاً لمالكه في سائر مسالكه» انتهى .
نقلناه بطوله لما فيه من الفوائد ، ولكن ما فيه من كون شوّال شهراً حراماً خلاف المشهور بل الذي يفهم من كلمات بعض الأعلام عدم وجود القائل
به ، حيث ذكر في قبال القول المشهور القول بأنّ أشهر الحرم من عشر ذي الحجّة إلى عشر من ربيع الآخر .
نعم روي في الوسائل ما فيه عدّ الشوّال من (أشهر) الحرم وإخراج محرّم منها ، يحتمل بعيداً أن يكون عبارة السيد «فإنّه شهر إحرام» وكيف كان يكفي في لزوم تعظيمه كونه شهر إحرام لزيارة بيت الله لأنّه لا بدّ أن تكون له خاصّة اقتضت كونه من أشهر الحج ووقتاً لتشريع نسك الحجّ والزيارة فيه ، وهذا الأمر من مهامّ الأمور عند العبد المراقب في معاملة مولاه .
ثمّ إنّه ورد في الأخبار صوم ستّة أيّام بعد العيد ، ولكن في أخبار أُخر أنّه لا صيام ثلاثة أيّام بعد العيدين فيحمل هذه الستُّ إلى ما بعد ثلاثة أيّام .
وروي أيضاً أنّ صوم شهر رمضان وشوّال وكلّ أربعاء وخميسين ، بدل صوم الدهر ، ومن صامها دخل الجنّة .
|
|
| الفصل الحادي عشر |
| في مراقبات شهر ذي القعدة الحرام |
أقول : هذا أوّل شهر الحرم التي حرّم فيها القتال مع الكفّار ، والعاقل يتنبّه من ذلك (إلى) حكم المحاربة والمخالفة مع الله جلّ جلاله ، فاجتهدي يا نفس في حفظ قلبك وبدنك في هذه الأشهر زيادة على ما يجب في سائر الشهور ، من مخالفة الله جلّ جلاله ، في شيء من أحكامه ، بل في الرضا على قضائه ، فيما يقتضيه لك من البلايا والمصائب ، فإنّه شهر حرام تزيد حرمته على سائر الشهور بما منع الله تعالى فيه المحاربة مع الكفّار ، فليكن حفظك بحرمته من قبيل ترك المخالفة وبسط الرضا معه جلّ جلاله فإنّه ربٌّ شكورٌ بشكر لرضاك برضاه عنك ، إن عملت شرف رضاه ، رضيت في تحصيله أن تقتل وتقطّع أعظاؤك إرباً إرباً ولا يفوتك هذا الشرف .
وأحدث في ذلك توبة صادقة عمّا كنت عليه قبل دخول هذا الشهر فإن عملت بما روي من عمل التوبة في يوم الأحد من الشهر المذكور تنل ما فيه من الفضل المذخور ، وذلك ما روي عن رسول الله أنّه خرج يوم الأحد في شهر ذي القعدة ، فقال : يا أيّها الناس من كان منكم يريد التوبة ، قال الراوي : قلنا كلّنا نريد التوبة يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : اغتسلوا وتوضّأوا وصلّوا أربع
|
ثم قال عليه السلام : ما من عبد من أمّتي فعل ذلك إلا نودي من السماء : يا عبد الله استأنف العمل فإنّك مقبول التوبة ، مغفور الذنب ، وينادي ملك من تحت العرش : أيها العبد بورك عليك ، وعلى أهلك وذرّيّتك ، وينادي منادٍ آخر : أيّها العبد ترضي خصماؤك يوم القيامة . وينادي ملك آخر : أيّها العبد تموت على الإيمان ولا يسلب منك الدين ، ويفسح في قبرك وينوّر فيه ، وينادي مناد آخر : أيّها العبد يرضى أبواك وإن كانا ساخطين ، ويغفر لأبويك ولك ولذرّيّتك ، وأنت في سعة من الرزق في الدنيا والآخرة ، وينادي جبرئيل عليه السلام : أنا الذي آتيك مع ملك الموت وآمره أن يرفق بك ، لا يخدشك أثر الموت إنّما يخرج الروح من جسدك سلا .
قلنا : يا رسول الله لو أنّ عبداً يقول هذا في غيرها ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما وصفت ، إنّما علّمني جبرئيل هذه الكلمات أيّام أسرى بي .
أقول : قال الباقر عليه السلام : إنّ الله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته وزاده في ليله ظلماء فوجدها ، هذا .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال لقائل (قال) بحضرته : أستغفر الله : ثكلتك أمّك ، تدري ما الاستغفار ؟ إنّ الاستغفار درجة العلّيّين ، وهو اسم واقع على ستّة معان أولها : الندم على ما مضى ، والثاني : العزم على ترك العود عليه أبداً ، الثالث : أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة ، الرابع : أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها تؤدّي
|
أقول : شرح حقيقة التوبة وتفصيل ماهية التوبة وكيفيّتها يطلب من محلّها ويكفي هنا ما أشرنا إليه .
ثمّ من خصائص أشهر الحرم ما روي عن المفيد عليه الرحمة أنّه قال : [قال] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من صام من شهر حرام ثلاثة أيّام الخميس والجمعة والسبت ، كتب الله له عبادة سنة . وروي تسعمائة سنة صيام نهارها وقيام ليلها .
أقول : هذه الرواية لا تنافي رواية ثلاثة أيّام الشهور : الخميسان والأربعاء نعم ولو صام خميسين وأربعاء وجمعة لا يبعد أن يكفي في العمل بهما ، هذا .
ومن مهامّ هذا الشهر عمل ليلة النصف منه روى سيّدنا قدّس الله سرّه العزيز في «الإقبال» عن أحمد بن جعفر بن شاذان قال : روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّ في ذي القعدة ليلة مباركة وهي ليلة خمس عشرة ، ينظر الله إلى عباده المؤمنين فيها بالرحمة ، أجرُ العامل فيها بطاعة الله أجرُ مائة سائح له لم يعص الله طرفة عين ، فإذا كان نصف الليل فخذ في العمل بطاعة الله والصلاة وطلب الحوائج ، فقد روي أنّه لا يبقى أحد سأل الله فيها حاجة إلا أعطاه .
أقول : لو أخبر إنسان عن إنسان بمثل هذه المواعيد لأحد ، لا أظنّ أن يهمله ، لا سيّما إذا ظنّ للواعد أمثال هذه الكرامات ، بل يكفيه الاحتمال لخطر الأمر كيف ولو قدّر العبد أجر مائة سائح لم يعص الله طرفة عين ،
|
فانظر إلى شوقك ورغبتك في تحصيل عروض هذه الدنيا الدنيّة التي لا بقاء لها ، مشوبة بالأكدار ، ومانعة عن الأنوار ، كيف جدّك في الوصول إليها واقتنائها تترك باحتمال ما وطنك وراحتك ، وتسافر عن الأوطان ، وتهاجر الأولاد والنسوان وتقطع الفيافي ، وتركب البحار ، وتسير في الأشجار ، وغاية أملك أن تنتفع مثلاً من هذه الأسفار ألف دينار وأنت مبتلى في نيل هذا الأمل باحتمالات كثيرة حاكمة بعدم الوصول إلى المأمول ، بل الوقوع في المحذور ، من هلاك المال ، وسوء الحال بل وتلف النفس وضياع العرض وأنت مع ذلك كلّه لا تجوّز القعود عن تحصيل المطلوب ، والجدّ في السعي بهذه المعاذير .
وكيف لا ترغب في تحصل النِعم الأُخرويّة الباقية الخالصة عن الأكدار ، الخالية عن الاحتمالات المذكورة ، لا سيّما بعد ورود أخبار التسامح ؟ فلا يبقى عذر من جهة عدم اعتبار الأخبار الواردة في ثواب الأعمال وليس غير ذلك احتمال آخر لتخلّف النعم الأُخرويّة إلا من جهة العامل ، وعدم جدّه في تصحيح عمله ، وهو أمر بيده ، فلا تخلّف حقيقة في العمل للآخرة عن مثوباتها ، وهل بقي لترك العمل علّة إلا ضعف الإيمان ، أو مرض القلب من حبّ الدنيا .
وبالجملة العمل في هذه الليلة من جهة قلّة العامل به لعدم اشتهاره ، له خصوصيّة ليست في غيره من أعمال الليالي المشهورة ، وهذه من المهمّات
| السابق | الفهرس |
التالي |