دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 211


(46)
سُقوا الموت صِرْفا (*)

سبعة وأربعون بيتاً من الطويل(**) :
1 ـ لكِ اللـيلَ بعد الـذاهبينَ طـويلا و وفدَ همـومٍ لَم يـُردنَ رحيـلا
2 ـ و دمـعٍ إذا حَبَّسْتُـهُ عن سبيلـه يعـودُ هَتـوناً في الجفون هَطولا
3 ـ فياليتَ اسْرابَ الدموع التي جَرَتْ أسَـوْنَ كليمـاً أوشَفَيْنَ غلـيـلا
4 ـ أُخالُ صحيحـاً كُلَّ يـوم وليلـةٍ ويأبى الجـوى ألاأكـونَ علـيلا
5 ـ كـأنّي وما أحببتُ أهـوى مُمنَّعاً وأرجـو ضَنيناً بالـوِصالِ بَخيلا
6 ـ فقـل للذي يبكي نَـويّـاًودِمْنـةً ويندُبُ رَسمـاً بالـعراءِ مَحيـلا


(*) القصيدة لعلي بن الحسين المرتضى المتوفى عام 436هـ انشأها في رثاء الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء عام 413هـ .
(**) ديوان الشريف المرتضى : 2/311 ، أدب الطف : 2/263 .
(1) وفد على الأمير فهو وافد : قدم رسولاً ، والوفد : جمع الوافد . أراد الكثير من الهموم . والمراد : سيكون الليل طويلاً بعد ذهابهم وسترين وفد هموم لا تريد المفارقة ، والخطاب للنفس ظاهراً .
(2) حبسه : منعه .
السبيل : الطريق .
هتنت السماء : تتابع مطرها وانصب .
هطل المطر : نزل متتابعاً متفرقاً عظيم القطر ، وسحاب هطّال : الهاطل بشدة .
(3) أسراب : جمع سَرَب ، وهو الماء السائل من المزادة ، كناية عن التدفق وكثرة الانصباب .
أسا الجرحَ : داوه .
الكَلْم : الجرح .
الغليل : حرارة الحزن ، وشدة العطش ، والأول أنسب .
(4) الجوى : شدة الوجد من الحزن .
(5) ضنّ بالشيء : بخل .
(6) النَويّ : الرفيق ، وقيل في السفر خاصة . وفي المصادر : «نُؤَيّا» والنُؤي : حفير يطيف
=
s
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 212


7 ـ عَداني دمٌ لي طُلَّ بالطفِّ أن أُرى شَجيّاً أُبَكّي أربُعـاً و طُـلـولا
8 ـ مُصابٌ إذا قابلتُ بالصَّبرِ غَربـهُ و جدتُ كثيري في العزاءِ قليلا
9 ـ ورُزءٌ حَملـتُ الثِقلَ منـه كأنَّني مدى الدهرِ لم أحمل سواه ثقيلا
10 ـ وجـدتم عُداةَ الـدين بعد محمدٍ إلى كَلْمِـهِ في الأقربينَ سبيـلا
11 ـ كـأنـّكـمُ لَم تنزعـوا بمكانه خُشوعاًمُبيناً في الورى وخُمولا
12 ـ وأيُكمُ مـا عَزَّ فينـا بـديـنه و قد عاش دهراً قبل ذاك ذليلا
13 ـ فقل لبني حـربٍ و آلِ أميَّـةٍ إذا كنتَ ترضى أن تكون قَؤولا


= بالخباء يصرف عنه ماء المطر ، غير أن الجمع حينئذ «نئيّا» وليس «نُؤيّا» ولعل الهمزة أضيفت اشتباها .
الدمنة : آثار الدار .
ندب الميت : بكاه .
الرسم : ما كان لاصقاً بالأرض من آثار الدار .
مَحَل المكان : أجدب .
(7) عداه عن الأمر : صرفه وشغله .
طُلَّ الدم : هُدِر .
الشجي : الحزين .
الأربُعُ : جمع رَبْع ، وهي الدار وما حولها .
الطلل : الشاخص من الآثار .
(8) الغرب : الحدّة ، أي ان قابلت شدة المصاب رأيت صبري وقد تضاءل أمامه .
(9) الرزء : المصيبة العظيمة .
(10) العداة : جمع عادٍ ، وهو المعتدي ، والمعادي ، والمراد الأخير ، أي يا أعداء الدين . أي أنكم أردتم إيذاءه ، فلما لم يكن بينكم آذيتموه بقتل ذريته وقرباه .
(11) خشع له : ذل وخضع .
المبين : الواضح .
خمَل ذكرُه : خفي . أي كأنكم لم تكسبوا العزة بسبب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزعتم بمقامه ومكانته لباس الذل فعلا ذكركم بعد خموله .
(12) أي أن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو سبب عزكم وقد كنتم أذلاء قبله في الجاهلية .
(13) القؤول : فعول من القول وهي للمبالغة ومنه قول كعب بن سعد الغنوي :
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضب منه صاحبي بقؤول
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 213


14 ـ سَـلَلتم على آل الـنبي ِّ سـيوفَـه مُلِئنَ ثُلـومـاً في الطُلى و فُلـولا
15 ـ و قُدتُم إلى مَن قادكم مِن ضـلالكم فـأخرجكم مِن وادِيَـيْـهِ خُيـولا
16 ـ ولَم تَغْـدُروا إلابمـن كـان جـدُهُ إليكم لِتَحْظَـوْابالـنَّجـاة رسـولا
17 ـ وتَرضَون ضِدَّ الحزمِ إنْ كان مُلككم بَدينـاً ودينـاً دِنْتُمـوه هـزيـلا
18 ـ نسـاءُ رسـول الله عُقْرَديـاركـم يُرَجِّعنَ منكـم لـوعـة ٌ وعويلا
19 ـ لهنَّ بِبَـوْغـاءِ الطُفـوفِ أعـزَّةٌ سُقوا الموت صرفاً صِبيةً وكُهولا
20 ـ كـأنّهمُ نُـوّارُ روضٍ هَـوَتْ بـه رياحٌ جَنـوبـاً تـارةً وقَـبـولا


(14) ثلم الإناء : كسره من حافته .
الطُلى : جمع طُلية ، وهي العنق .
فلّ السيفَ : ثلمه .
(15) قاد الدابة : مشى أمامها آخِذاً بقيادها ، أي أخذ بأيديكم وأنقذكم من الضلال ، والمقصود : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وتثنية الوادي للتعظيم ، كناية عن عمق الضلالة .
(16) حظي بالرزق : نال حظاً منه ، والحظ : النصيب .
(17) الحزم : ضبط الإنسان أمره والأخذ فيه بالثقة ، ورجل حازم : عاقل ، والعقل أنسب .
البدين السمين ، وهذه الكلمة كانت ساقطة من الأصل ، وأثبتها محقق الديوان . في الأدب : «بدنيا» .
دان بالإسلام : اتخذه له ديناً .
الهزيل : الضعيف النحيل ، والمراد سوء حال دينهم وعدم الاكتراث به .
(18) العُقر : وسط الدار .
رجّع في صوته : ردده في حلقه .
اللوعة : حرقة الحزن .
العويل : رفع الصوت بالبكاء والصياح .
(19) البوغاء : التراب عامة .
الصِرْف : الخالص من كل شيء ، وشراب صرف : محض غير ممزوج ، والصرف : صبغ أحمر ، ولعله أنسب لمكان القتل ، أي سُقوا الموت الأحمر .
(20) النوّار : الزهر أو الأبيض منه .
الروض : أرض مخضرة بأنواع النبات .
هوى الشيء : سقط من علو إلى أسفل ، والمراد بعثرته ونثرته .
القَبول : ريح الصبا ، لأنها تستقبل الدَّبور . والنصب بتقدير : «تهب جَنوباً وقبولاً» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 214


21 ـ و أنجمُ ليلٍ مـاعَلـَونَ طـوالعاً لأعيُنِنـا حـتى هـبطنَ أُفـولا
22 ـ فـأيُّ بدورٍمـامُحينَ بكـاسـفٍ و ايُ غصـونٍ مـالقينَ ذُبـولا
23 ـ أمِن بعدِ أن أعطيتمـوه عُهودكم خِفافاً إلى تلك العهـود عُجـولا
24 ـ رجعتم عن القصد المبين تناكُصا و حُلتُم عن الحقِّ المنيرِ حُـؤولا
25 ـ وقعقعتمُ أبـوابَـه تختُـلـونَـه و مَن لم يرِد خِتلاً أصابَ خَتولا
26 ـ فمـازلتم حتى أجـابَ نـداءكم وأيُّ كـريـمٍ لا يُجيبُ سـَؤولا
27 ـ فلمـا دَنا ألفـاكمُ في كـتـائبٍ تطاولنَ أقطـارَالسَّباسِبِ طـولا
28 ـ متى تَكُ منها حجزة ٌ أو كحجزَةٍ سمعْتَ رُغاءً مُضْعَفاً وصَهيـلا


(21) أفل القمر : غاب .
(22) كسف الله القمر : حجبه .
(23) الخفاف : جمع خفيف ، وهو السريع في سيره أو عمله .
العجول : جمع عَجِل ، وهو المسرع .
(24) القصد : استقامة الطريق .
نكص عن الأمر : أحجم عنه ، وانتكص الرجل : رجع على عقبيه .
حال فلان عن العهد : زال عنه ، والمراد انحرافهم عن الحق المبين .
(25) قعقع الشيءَ اليابسَ : حرَّكه مع صوت .
ختله خَتْلاً : خدعه . يقال: خاتل الصياد ،أي مشى قليلاً قليلاً لئلا يحس به الصيد ، فهو خاتل وخَتول ، والخِتْل : الموضع الذي يُختتل فيه. كأنه أراد أن من لم يدخل إلى مكان آمن فإنه سيواجه الصياد .
(26) أراد دعوتهم للإمام الحسين عليه السلام بالتوجه إلى الكوفة .
(27) ألفاه : وجده .
الكتيبة : القطعة من الجيش أو الجماعة من الخيل .
تطاول : أظهر الطول ، وتطاولا : تباريا ، ولعله الأنسب بالمقام .
أقطار : جمع قطر ، وهو الجانب والناحية .
السبسب : المفازة ، الأرض البعيدة المستوية .
(28) الحجزة : المرة من المحاجزة وهي كف العدو عن القتال وهي قبل المناجزة .
والحُجزة : الصبر .
رغا البعير رغاء : صَوَّتَ وضج .
صهلَ الفرسُ : صوّت . أراد بيان كثرة جيش العدو وبيان الأصوات المرتفعة حتى في المناوشات قبل القتال
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 215


29 ـ فَلَـم يَرَ إلانـاكثـاًأو مُنَكِّـبـاً وإلاقَطـوعـاً للـذِمـامِ حَلـولا
30 ـ وإلا قَعـوداً عن لِمـامٍ بنصره و إلا جَبـوهاً بالـرَّدى و خَذولا
31 ـ وضِغْنَ شَغافٍ هَبَّ بعدَ رُقـاده و أفئدةً مـَلأى يَفِضْـنَ ذُحـولا
32 ـ و بيضاًرَقيقاتٍ الشِّفار ِصقيلـةً وسُمْراً طويلات المُتـون عُسولا
33 ـ و لا أنتمُ أفرَجْتـمُ عن طريقـه إلـيكـم و لا لَمّـاأراد قُـفـولا
34 ـ عزيزٌ على الثاوي بِطَيبةَ أعظُمٌ نُبِذْنَ على أرض الطُفوفِ شُكولا


= مَضعفاً : مضاعفاً كثيراً ، وفي الأصل ـ كما في الديوان ـ «مصعنا» ولم نجد لها معنى مناسباً .
(29) نكث العهد : نقضه ونبذه .
نكّب عن الطريق : عدل وتنحى .
الذمام : الحرمة ، الحق .
حلّ العقدة : نقضها فانحلت ، كناية عن نقض العهد .
(30) قعد عن حاجته : تأخر .
اللِمام : اللقاء اليسير .
جبهه بالمكروه : استقبله به .
خذله : ترك نصرته وإعانته .
(31) الضغن : الحقد .
الشغاف : غلاف القلب أو حبّته .
الرقاد : النوم ، أي انبعث من جديد بعد هدوئه .
فاض الشيء : كثر ، وفاض السيل : كثر وسال من ضفة الوادي .
الذحول : جمع ذحل ، وهو الثأر .
(32) البيض : السيوف .
الشفار : جمع شفرة ، وهي حد السيف .
صقل الشيءَ : جلاّه وكشف صدأه ، والصقيل : السيف .
السُمر : الرماح .
متون : جمع مَتْن ، ومتن الرمح : وسطه .
عسل الرمحُ : اضطرب واشتد اهتزازه ، ورمح عاسل : يهتز ليناً .
(33) أفرج عن المكان : انكشف عنه وتركه .
قفل قفولاً : رجع من السفر خاصة .
(34) عز الشيء : صعُب فكاد لا يُقوى عليه .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 216


35 ـ و كُـلُّ كـريـمٍ لا يُلِـمُّ بريـبَــةٍ فإن سيمَ قـولَ الفحشِ قال جَميلا
36 ـ يُذادون عن ماء الفراتِ وقد سُقوا الـ ـشَّهادةَ مِن مـاءالـفراتِ بديـلا
37 ـ رُموا بالـرَّدى مِن حيث لايحذرونـه و غُرّوا وكم غَرَّ الغُفـول ُ غَفولا
38 ـ أيـايـوم عاشوراء كـم مِن فجيعـةٍ على الـغُرِّ آلِ الله كـنتَ نَـزولا
39 ـ دخلْـتَ علـى أبيـاتـهم بمصـابهم ألا بئسمـا ذاك الدُخـولُ دُخـولا
40 ـ نـزَعْـتَ شـهيد الله منّـا وإنّمــا نزَعْتَ يمينـا ً أو قطعتَ قـلـيلا
41 ـ قتيـلاً و جدنـا بعـده ديـن أحمـدٍ فقـيداً وعـز َّ المسـلمين قتيـلا


= ثوى بالمكان : أقام .
طيبة : المدينة المنورة ، والثاوي فيها هو الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم .
نبذ الشيءَ : طرحه ورمى به .
الشكول : جمع شُكلة ، وهي الحمرة في بياض ، كأنه كناية عن اختلاطها بالدم .
(35) ألمّ بالذنب : فعله .
الريبة : التهمة والشك .
سامه الأمرَ : كلّفه إياه ، أي ان قيل فيه الفحش ، وهو القبيح من القول ، قال الجميل منه ولم يقابله بالمثل تكرماً وترفعاً .
(36) ذاده عن الماء : منعه وطرده . والبيت لا يخلو من جمال .
(37) الردى : الهلاك . أراد أنهم لم يكونوا يحذرونه لأنهم كانوا يتوقعونه ، لظاهر الحال .
غرّه : خدعه .
غفل عنه : سها عنه وتركه . والمراد من الغَفول مطلق الغافل لا الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره فإنهم بعيدون عن الغفلة .
(38) الغُر : جمع أغر ، وهو السيد الشريف ، الكريم الأفعال .
أنزل الضيفَ : أحلّه ، ونزل على القوم : حلّ بهم . أي كم أنزلت بهم من فجيعة وأصبتهم بها .
(39) دخل : أراد حلّ .
(40) نزع الشيءَ من مكانه : قلعه ، والمراد أنك أخذت منا الحسين عليه السلام .
القليل : في الديوان أنه القُلّة ، وهي أعلى الشيء : والمراد : الرأس . ولم نعثر على القليل بهذا المعنى في كتب اللغة . ولعل ما هنا تصحيف «القبيل» وهو الضامن والكفيل ، أو «الفليل» وهو الشعر المجتمع ، والمراد به : الراس ، ولعله الأنسب .
(41) لقد أحسن التعبير في هذا البيت ، والمعنى واضح .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 217


42 ـ فلا تَبْخَسوا بالجَوْرِ مَن كان رَبُّـه بِـرَجْعِ الـذي نـازعتمـوه كَفيـلا
43 ـ أحـبّـُكـمُ آل الـنّـبيِّ و لاأرى و إنْ عَذَلـوني عن هـواي عديـلا
44 ـ وقلتُ لمن يَلْـحي على شغفي بكم وكـم غيرِ ذي نُصحٍ يكـون عَذولا
45 ـ رُوَيدكـمُ لا تنْحَلـوني ضـلالكم فلـن تُرحِلـوا مِنّي الـغَداةَ ذَلـولا
46 ـ علـيكـم سلامُ اللهِ عيشاً وميتـةٍ وسَفْـراً تُطيعـو النَّـوى وحُلـولا
47 ـ فمازاغ قلبي عن هواكم وأخمَصي فـلا زَل َّ عَمّـا ترتَضـون زَليلا


(42) بخسه : ظلمه ، نقصه .
الجور : الظلم .
نازعه الشيءَ : جاذبه إياه .
كفِلَ الرجلَ : ضمنه . وحكمة البيت ظاهرة .
(43) عذله : لامه .
عدل عن الطريق : حاد ، والعديل : النظير والمثل . أي لا أرى نظيراً لحبكم . ولو قال : «عدولاً» فكانت الجملة : لا أُرى مائلاً عن حبكم ، فهو أقوى ، إلا أن تكون «عَديل» قد وردت بهذا المعنى ، ولم نجد ذلك .
(44) لحاه : لامه وعابه .
الشَّغَف : أقصى الحب .
(45) أرودَ في السير : رفق وتمهّل ، يقال : رُوَيداً زيداً ، أي مهلاً .
نحلَ الرجلَ : أعطاه شيئاً ، وأنحله مالاً : خصّه بشيء منه .
رحّله : أزعجه وصيّره يرحل ، أجدّه في الرحيل ، وأرحل الإبلَ : راضها فصارت راحلة ، وهو الأقرب ، كناية عن صلابته في المعتقد وعدم إمكانهم ترويضه وجعله ينتحل مذهبهم ، كأنه يرتحل من دينه إلى دينهم .
الغداة : البُكرة ، أو ما بين الفجر وطلوع الشمس .
ذلّ البعيرُ فهو ذلول : سهل انقياده .
(46) النوى : البعد . وقوله : «تطيعون النوى» كناية عن إجبارهم على الاغتراب عن أوطانهم . وضمير الخطاب يعود على آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
(47) زاغ : مال .
أخمص البدن : وسطه ، وأخمص القدم : ما لا يصيب الأرض من باطنها ، وربما يراد بها القدم كلها .
زلّ زليلاً عن الحق : انحرف .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 218


اللام المضمومة

(47)
يا غريب الديـار (*)

اثنان وخمسون بيتاً من الخفيف(**) :
1 ـ راحلٌ أنتَ و اللـيـالي نُزولُ و مُضِرٌّ بك البقاءُ الطـويلُ
2 ـ لا شُجاعٌ يبقى فيَعْتَنِقُ الـبيـ ـضَ ولا آملٌ ولا مأمـولُ
3 ـ غايـةُ الناسِ في الزمانِ فناءٌ وكذا غايـة الغُصون الذّبولُ
4 ـ إنّمـا الـمرءُ للمنيّـة مَخْبـو ءٌ و للطَّعنِ تُسْتَجَمُّ الخيـولُ
5 ـ مِن مقيلٍ بين الضُلوعِ إلى طو لِ عناءٍ وفي التُرابِ مَقيـلُ
6 ـ فَهْـوَ كالغَيْمِ ألَّفَتْـه جَنـوبٌ يوم دجنٍ و مَزّقتـه قَبـول


(*) القصيدة لمحمد بن الحسين الرضي المتوفى عام 406هـ يرثي بها الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء من عام 387هـ .
(**) ديوان الشريف الرضي : 2/187 ، أدب الطف : 2/214 ، رياض المدح والرثاء : 148 ، الدر النضيد : 245 .
(1) نزل القوم : حلّ بهم .
(2) البيض : السيوف .
(3) الغاية : المدى النهاية .
(4) استجم : استراح ، أي تترك الخيول مستريحة إعداداً لها لساعة الحرب والطعان .
(5) قال : نام في القائلة ، أي في منتصف النهار ، والمَقيل : موضع القيلولة . كأنه أراد التعبير عن ملازمة الهم والحزن لقلبه وطول عنائه حتى يوسد في التراب ، أو أشار إلى أن حياته ربما ستقصر مدتها لما يحمل من هموم ويراه من عناء . أو لعله أراد بيان مراحل الحياة من أن المرء يحمل بين الأضلاع ثم يولد ، فيواجه عناء الدنيا ثم يكون نومه في التراب والقبر .
(6) ألّف الشيء : وصل بعضه ببعض ، وألّف الكتابَ : جمعه .
الجَنوب : الريح التي تهب من الجنوب .
في الرياض : «يد دجن» .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 219


7 ـ عـادة ٌ للـزّمانِ في كـلِّ يـومٍ يتناءى خِلٌّ و تبكـي طُـلولُ
8 ـ فالليالي عَـون ٌ عليك مع الـبَيْـ ـنِ كما ساعد الذَّوابلَ طـولُ
9 ـ رُبّمـا وافق َ الـفـتى مِن زمانٍ فَـرَحٌ غـيـره بـه متبـولُ
10 ـ هي دنيا إن واصلتْ ذا جَفَتْ ها ذا مَلالاً كـأنّهـا عُطْـبـولُ
11 ـ كُل ُّ باكٍ يُبكى عليـه وإن طـا لَ بقاء ٌ والـثّاكل الـمثكـولُ
12 ـ والأمـاني ُّ حسـرةٌ وعـنـاءٌ للذي ظـن َّ أنّهـا تعـلـيـلُ
13 ـ مـا يُبالي الحِمـامَ أين تَرَقـّى بعد ما غالتِ ابنَ فاطمَ غـولُ
14 ـ أي ُّ يـومٍ أدمى الـمدامع فيـه حـادث ٌ رائعٌ وخطبٌ جلـيلُ


= دَجَن اليوم : كان فيه غيم ومطر ، ودجن الليل : اسود .
القَبول : ريح الصبا لأنها تقابل الدَّبور ، وهي الريح الغربية .
(7) نأى : بَعُد .
الخِل : الصديق .
الطلل : الشاخص من الآثار . ويمكن أن تكون : «وتُبكى طلول» للمجهول . والبيت أسقطه الرياض .
(8) في الرياض : «والليالي» . البين : الفرقة .
رماح ذوابل : دقيقة . وفي أبيات الرياض تقديم وتأخير .
(9) تبله وأتبله الحب أو الدهر : أسقمه ، ذهب بعقله ، وتبله الدهر : رماه بصروفه ، والمراد : الهم والحزن. والمعنى ربما عاش المرء زماناً يكون فيه فرحاً وفي نفس هذا الزمان يكون غيره مهموماً حزيناً .
(10) ملّ الشيءَ ملالاً : سئمه وضجر منه .
العطبول : المرأة الجميلة الفتية الطويلة العنق . ولعل تشبيه الدنيا بها من جهة عدم ثباتها في الهوى وتقلبها في هواها بين هذا وذاك .
(11) ثكل ابنه : فقده ، أي من فقد أحداً اليوم فإنه سيُفتقد بنفسه غداً .
(12) العناء : التعب .
علّله عالجه من علته ، وعلّله بكذا : شغله ولهّاه به ، وهو المراد .
(13) الحِمام : الموت .
ترقى : صعد ، أي لا يبالي بِمَن سيُهلك بعد الحسين عليه السلام .
غاله : أهلكه وأخذه من حيث لا يدري .
الغول : الداهية ، الهلكة والمنية . في الرياض : «غيل» ولا وجه له ، وهو تصحيف .
(14) حدث الأمر : وقع ، وأحداث الدهر : مصائبه .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 220


15 ـ يـومُ عاشـورٍ الذي لا أعانَ الـ ـصَّحب ُ فيـه ولا أجارَ القبيلُ
16 ـ ياابنَ بنت الرسول ضَيَّعتِ العَهْـ ـدَ رجـال ٌ والحافظـون قليلُ
17 ـ ماأطـاعـوا النبيَّ فيك وقد مـا لتْ بأرمـاحهم إلـيك الذُحـول
18 ـ وأحالـوا على الـمقادير في حَرْ بِـكَ لـو أنَّ عـُذرهم مقـبولُ
19 ـ و استقالوا مِن بعد ما أجلبوا فيـ ـها أ ألآن َ أيُّهـا الـمسـتقيلُ
20 ـ إنَّ أمراً قنَّعْتَ مِن دونـه السَّيـ ـفَ لمن حازه لَـمَرعى ً وبيلُ
21ـ يا حُساماً فَلَّتْ مضـاربُـهُ الهـا مَ و قد فَلَّـه الحُسامُ الصَّقـيـلُ
22 ـ يا جَواداً أدْمى الجواد مِن الطَّعْـ ـنِ ووَلـّى ونحـرُه مبـلـولُ


= راعه الأمرُ : أفزعه .
الخطب : الأمر صغر أو عظم ، وغلب استعماله للأمر العظيم المكروه .
الجليل : العظيم .
(15) في الديوان : «عاشوراء» وبه يختل الوزن . أجار فلاناً : أغاثه .
القبيل من الناس : ثلاثة فصاعداً . والقبيل : الكفيل ولعله الأنسب .
(16) في الرياض : « يا ابن بنت النبي» .
(17) في الرياض : «بأسيافهم» . الذحل : الثأر .
(18) أحال الأمرَ على فلان : جعله مقصوراً عليه ، وأحال الغريم إلى آخر : صرفه عنه إليه . في الرياض : «المعاذير» . أي أنهم تعذروا بأن القدر قد ساقهم إلى حرب الحسين عليه السلام وهل يُقبل عذر كهذا ؟
(19) استقاله عثرتَه : سأله أن يُنهضه من سقوطه ، والمراد طلب العفو عما كان من الزلة والهفوة .
أجلب القوم : تجمعوا من كل وجه للحرب .
(20) قنّع المرأةَ : ألبسها القناع ، وهو ما يغطي رأسها ، كأنه كناية عن اغماد السيف ، وقنّعه : رضاه ، كأنه أرضى سيفه بأن لا يُسل ، وكلاهما قريب .
مرعى وبيل : أي وخيم ، وهو الوبيء المضر .
(21) الحسام : السيف .
فلّ الشيء : كسره ، وفلّ السيف : ثلمه .
المضرب : حد السيف .
الهام : جمع هامة ، وهي الرأس . والمخاطب هو الإمام الحسين عليه السلام أي : يا حساماً حطم الهام ثم ثلمه سيف الأعداء .
(22) الجواد : الكريم والمراد به الإمام الحسين عليه السلام ، والجواد : الفرس .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 221


23 ـ حِجـِلُ الخيل من دمـاءالأعـادي يـوم يبدو طعنٌ و تخفى حجـولُ
24 ـ يوم طاحتْ أيدي السوابق في النَّقـ ـعِ وفاض الوَنى وغاضَ الصَّهيلُ
25 ـ أتُراني أُعـيرُ و جهـيَ صَـوْنـاً وعلى وجهـه تجـولُ الـخيـولُ
26 ـ أ تُـرانـي ألَـذُّ مـاءً و لَـمّــا يُـرْوَمِن مهجـةِ الإمـام الغلـيلُ
27 ـ قَبَّلَتـه الرِّمـاحُ و انتَضَلـَتْ فيـ ـهِ المنايا و عـانقتـه النُصـولُ


= ولّى عن الشيء : أدبر . كأنه أراد أن الحسين عليه السلام قد اقتحم الحرب فنالت الجراح جواده ثم أدبر عن الدنيا باستشهاده بعد أن أُدمي نحره .
(23) حجَّلَ الفرس : كان في قوائمه تحجيل ، أي بياض ، وهنا حمرة من الدم .
الحجول : جمع حِجِل ، وهو البياض في رجل الفرس اراد أن البياض الذي في قوائم الخيل قد اختفى نتيجة الدماء السائلة من الطعن فأصبحت القوائم حمراء .
(24) طاح : سقط ، ذهب .
السابق : أول خيل الحلبة ، والسابقة مؤنثة .
النقع : الماء المجتمع ، الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء أي يجتمع ، والنقع : الغبار .
فاض الشيء : كثر .
ونى : فتر وضعف وكلَّ وأَعيا .
غاض الماء : نقص أو غار أو نضب .
الصهيل : صوت الفرس . صورة عن شدة الحرب حتى بان التعب على الرجال والخيول .
(25) أعار الشيءَ : أعطاه إياه عارية ، أي بشرط إرجاعه .
صانه : حفظه ، أي أتُراني أصون وجهي ؟
جال في المكان : طاف ودار . ويظهر من قوله : «وعلى وجهه تجول الخيول» إن الشريف الرضي يعتقد أن رض جسد الإمام الحسين عليه السلام كان قبل احتزاز رأسه الشريف ، والمعروف أنه كان بعده ، ولعل رض الجسد وقع أكثر من مرة ، أو أنهم وضعوا الرأس بعد قطعه لتطأه الخيول ، أو لعل الكلمة سبقت الشريف ، أو أنه أراد الجسم بالوجه ، والله العالم .
(26) المهجة : الروح .
الغليل : العطش الشديد .
(27) انتضله : أخرجه ، وانتضل سهماً من الكتانة : اختاره ، وانتضل القوم : تباروا في النضال وتراموا للسبق ، وهو الأقرب كأن المنايا تتسابق إليه .
المنية : الموت .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 222


28 ـ والسّبـايـا على النَّجائب تُستـا ق ُ وقد نالتِ الجيـوبَ الذُيولُ
29 ـ مِن قلوبٍ يَدْمى بها ناظرُالوَجْـ ـدِ ومِن أدمعٍ مراها الهُمـولُ
30 ـ قد سُلِبنَ القناعَ عن كُلِّ و جـهٍ فيـه للصَّونِ مِن قنـاعٍ بديلُ
31 ـ وتنقَّبنَ بـالأنـامـلِ والـدَّمـ ـعُ على كُلّ ذي نقابٍ دلـيلُ
32 ـ وتشـاكَين و الشّـَكـاةُ بكـاءٌ وتنـادَيْنَ والـنِّداءُ عـويـلُ
33 ـ لايَغُبُّ الحادي العنيفُ ولا يَفْـ ـتُرُ عن رَنّـَةِ العديلِ العديلُ


= النصول : السيوف .
(28) النجائب : جمع نجيب ، وهو الكريم العتيق من الإبل .
الجيب من القميص : طوقه ، والجيب : القلب ، يقال : ناصح الجيب ، أي صادق أمين .
ذيل الثوب : ما جُرَّ منه إذا أُسبل ، وذيول الناس : أواخرهم . لعله أراد أن أراذل الناس قد تمكنوا من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. أو كناية عن سوء المركب وطريقة السبي.
(29) الناظر : العين .
الوجد : الحزن . في الرياض : « ظفر الوجد».
مرى الدمع: أرسله.
هملت عينه: فاضت دموعا. والبيت متصل بما قبله فكأنه أراد أن أولئك ألأراذل نالوا من آل الرسول صلى ألله عليه وسلم ومن قلوب دامية وأدمع باكية .
(30) القناع : ما تغطي به المرأة رأسها ، وما ذكره هنا بأنه للوجه من باب المسامحة ، كما يقال : ألقى عن وجهه قناع الحياء . في الرياض : «من كل وجه» .
الصون : الحفظ .
(31) تنقبت المرأة : شدت النقاب ، وهو القناع تجعله المرأة على طرف أنفها وتستر به وجهها .
الأنامل : رؤوس الأصابع .
كَلّ : تعب وأعيا . أي أن الدمع دليل على ما أصاب النساء من ألم سلب أقنعتهن .
(32) الشكاة : الشكوى . في الرياض : «شكاء» و«الشكاء» جمع شَكْوَة ، وهي المرة من شكا .
العويل : رفع الصوت بالبكاء والصياح .
(33) غبَّ الرأي : تأنى فيه وترك العجلة ، والمراد هنا التأني في السير .
حدا الإبل : ساقها وغنى لها .
العنيف : الشديد .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن الخامس 223


34 ـ يا غريبَ الدِّيارِ صبري غريبٌ و قتيلَ الأعداءِ نَـومي قتيـلُ
35 ـ بي نزاعٌ يطْغى إليك و شـوقٌ و غَـرامٌ وزفـرةٌ وعـويـلُ
36 ـ لَـيت أنّـي ضجيعُ قبرِكَ أو أ نَّ ثـراه بمدمعـي مطـلـولُ
37 ـ لا أعَبَّ الطَّفـوفَ في كلِّ يومٍ من طِراق الأنواءِ غيثٌ هطولُ
38 ـ مطـرٌ نـاعمٌ وريـحٌ شَمـالٌ ونسـيم ٌ غَضٌّ وظـلٌّ ظليـلُ


= فتر : سكن بعد حدته ولان بعد شدته .
الرنّة : الصيحة الحزينة .
العديل : النظير ، المثل ، ولعل المراد : أن كل نائحة من نساء الحسين عليه السلام تجاوبها أخرى مثلها دون فتور .
(34) غرب : بعد . أراد أنه لم يعد يصبر للمصاب ، وإن النوم قد فارق عينيه حتى كأنه قتل فلا أمل في عودته ، ولا يخلو البيت من جمال .
(35) نزع إلى الشيء : ذهب إليه ، ونزع إلى أهله : اشتاق .
طغا : جاوز القدر والحد .
أُغرم بالشيء : أُولع به ، والغرام : الولوع ، الحب .
زفَر : أخرج نَفَسه مع مده إياه .
(36) ضجع واضطجع : وضع جنبه بالأرض .
الثرى : التراب الندي .
طلّت السماء الأرض : قطرت عليها الطل ، وهو المطر الخفيف .
(37) عبّ الماء : شربه أو كرعه بلا تنفس كناية عن الكثرة ، والدعاء بعدم المطر غريب . في الرياض والدر : «لا أغب» وأغب القومَ : جاءهم يوماً وتركهم يوماً ، وهو لا يناسب قوله : «في كل يوم» . ولعله : «ما أعبّ» أي أن دمعي يسقي ثراه ما سقت الأمطار الطفوف ، وليس بذلك القوي .
الطفوف : جمع طف ، وهو شاطئ النهر ، ما أشرف من الأرض ، والمرد به أرض كربلاء .
طراق : لعلها أخذت من ريش طِراق ، إذا كان بعضه فوق بعض ، وصف لتراكم الغيوم . في الرياض : «طراف» .
الأنواء والغيث : المطر .
هطل المطر : نزل متتابعاً متفرقاً عظيم القطر .
(38) النسيم : الريح اللينة لا تحرك شجراً ولا تعفي أثراً .
الغض : الطري ، الناعم .
=

السابق السابق الفهرس التالي التالي