دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 244

النون المكسورة
(106)
دم الحسين(*)

بيتان من مخلع البسيط(**) :
1 ـ ولائمٍ لامَ في اكْتِحالي يومَ اسْتَباحوا دمَ الحسينِ
2 ـ فقلتُ دَعْني أحَقُّ عضوٍ ألبسُ فيهِ السوادَ عَيني


(*) البيتان للحسن (ابن حكينا) بن أحمد البغدادي المتوفى سنة 528هـ ـ كما في الفوات ـ قالهما معتذراً عن اكتحاله يوم عاشوراء . وقد أنشد البيتين الشريف نجم الدين بن يونس الحسين بحضرة مراكش في أيام رشيد بن عبد المؤمن سابع ملوك الموحدين في المغرب يوم عاشوراء وطلب من الشعراء الذين كانوا حوله تذييلهما فذيلهما جماعة منهم حازم بن محمد القرطاجني وابن القطان وأبو بكر الفزاري وابن الحناط والعشبي وابن حجاج وابن زغبوش والطهيري وابن زنون وابن غالب وابن موسى والعراقي وابن عمران وابن هشام والجياني وابن أبي ثلاثة والمصانعي وأبو علي أخو حازم القرطاجني ـ راجع ديوان القرن السابع ـ وقد نسب جامع ديوان حازم القرطاجني : 215 ، البيتين إلى الجوزي وجاءا هكذا :
ولائم لام في اكتحالي يوم استحلوا دم الحسين
فقلت دعني أحق عضو يحظى بلبس السواد عيني
ولم نجد مثل هذه النسبة في المصادر التي بأيدينا ، وإنما قال سبط ابن الجوزي المتوفى عام 654هـ في تذكرة الخواص : 273 نقلاً عن أبي عبد الله النحوي : أن أحد العلماء كحل عينه يوم عاشوراء فعوتب على ذلك فقال :
وقائل لم كحلت عينا يوم استباحوا دم الحسين
فقلت كفوا أحق شيءٍ تلبس فيه السواد عيني
وربما كان منشأ الخطأ بداية الفقرة بعد البيتين حيث قال : وقد ذكر جدي في كتاب التبصرة... ويحتمل أيضاً أن الأصل لابن حكينا وأن هذا العالم قد استشهد بهما وغيّر بعض التغيير .
(**) أدب الطف : 5/374 ، فوات الوفيات : 1/320 ، تذكرة الخواص : 273 ، تاريخ الادب العربي : 3/269 .
(1) في تاريخ الادب : «لامني» .
استباح الشيءَ : جعله أو اعتدّه مباحاً .
(2) لبس العين للسواد كناية عن الاكتحال .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 245

(107)
لم يوفوا بأيمانهم(*)

سبعة أبيات من الكامل(**) :
1 ـ ما كان إلا المرتضى في المِرْطِ بِالْـ ـإجماعِ والزهراءِ والسِبطانِ

إلى أن يقول :
1 ـ وغدا ينازعُهم يزيدُ كأنَّما وَرِثَ الخِلافةَ مِن أبي سفيانِ
2 ـ وَاذْكُرْ ألال القومِ إذ فعلوا بهم أضعاف ما فعوا بَني مروانِ
4 ـ لا حرمةَ الإيمانِ راعَوْها ولَم يوفوا بما شَرَطوا مِن الأيمانِ
5 ـ ولوَ انَّهُم كانوا نصارى عظَّموا قَدْرَ الذين لَقوا مِن الرُهبانِ
6 ـ وبنو النبيِّ المصطفى أعضاؤُه فيكُم فَعُدّوها مِن الصُلبانِ


(*) الأبيات لطلائع بن رزّيك الأرمني المتوفى عام 559هـ وهي من قصيدة في رثاء العترة الطاهرة عليهم السلام ويذكر فيها الإمام الحسين عليه السلام ومطلعها :
لولا قوامك يا قضيب البان لم يحسن القضبان في الكثبان
(**) ديوان طلائع بن رزيك : 145 عن مجموعة الرائق .
(1) المِرط : كساء من صوف أو خز ونحوه . والبيت إشارة إلى اجتماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والزهراء والحسن والحسين عليهم السلام ونزول آية التطهير فيهم : «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» [الأحزاب : 33] .
(2) نازعه : خاصمه ، ونازعه الثوب : جاذبه إياه .
(3) ألال : الظاهر أنها تصحيف : «أُلاك» والمراد بهم بنو العباس . والإلّ : القرابة .
بني : لا وجه للنصب ، والصحيح : «بنو» وتكرار الفاعل يصح على ضعف ، فالأولى أن يقول : «ما فعلت بنو مروان» .
(4) رعى الامرَ : حقظه ، ورعى النجومَ : راقبها ، وكلاهما صحيح .
الأيمان : جمع يمين ، وهو القسم .
(5) رَهِبَ رُهبانهاً : خاف ، والرُهبان : جمع راهب ، وهو من اعتزل الناس للتعبد في صومعة .
(6) أعضاؤه : الضمير يعود على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى أن بني المصطفى أعضاؤه فكرّموها .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 246

7 ـ أو مثلَ حافِرِ عَيْرِ عيسى إنّهم جعلوه قبَتَهُم بكلِّ مكانِ


= الصُلبان : جمع صليب ، وهو ما يتخذه النصارى قبلة . أي أن النصارى يعظمون صُلبانهم ، فهلا اعتبرتم أعضاء بني لمصطفى بقداسة تلك عند النصارى فعظمتموها ؟!
(7) الحافِر : هو للدابة بمنزلة القدم للإنسان .
العَيْر : الحمار الأهلي . وفي الأبيات الثلاثة الأخيرة إشارة إلى قول رسول قيصر الذي كان حاضراً في مجلس يزيد حين وضع الرأس الشريف بين يديه ، فجعل ينكت ثنايا الإمام الحسين عليه السلام بخيزران في يده وأنشد أبياتاً تصرح بكفره ، فلما رأى رسول قيصر ذلك قال : ان عندنا في بعض الجزائر حافر حمار عيسى ونحن نحج إليه في كل عام من الأقطار ونهدي إليه النذور ونعظمه كما تعظمون كتبكم فأشهد أنكم على باطل . فغضب يزيد فأمر بقتله فقام إلى الرأس وقبّله وتشهد الشهادتين ثم قتل .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 247

(108)
يا حر قلبي(*)

ثلاثة وعشرون بيتاً من البسيط(**) :
1 ـ وأظهَروا الحقدَ في آل الرسولِ فما تُطوى جَوانحُهم إلاّ على إحَنِ
2 ـ حتّى لقد حمَلوهم في زمانِ بني أميَّةٍ فوقَ حدِّ الصارمِ الخَشِنِ
3 ـ لئن عَداني زماني عندهم فلَقَد ذَمَمْتُ لَمّا عداني عنهمُ زمَني
4 ـ يا حَرَّ قَلبي على قتل الحسين ويا لهفي ويا طولَ تِعدادي ويا حَزَني
5 ـ لهفي على الانجُمِ الزُهرِ التي أفَلَتْ وأبعَدَتْها بنو حربٍ عن الوطنِ
6 ـ سَبَوْا حريمَ رسول اللهِ بَل طعنوا فيه بهم بأنابيبِ القَنا اللُدُنِ


(*) الأبيات لطلائع بن رزّيك الأرمني المتوفى سنة 559هـ وهي من قصيدة في مدح أمير المؤمنين عليه السلام ثم العترة الطاهرة ويخلص إلى رثاء الإمام الحسين عليه السلام ومطلعها :
لا تبك للجيرة السارين في الظعن ولا تعرج على الأطلال والدمن
(**) ديوان طلائع بن رزيك : 147 عن مجموعة الرائق ج2 .
(1) طوى الحديث : كتمه ، وانطوى على كذا : تضمنه .
الجوانح : جمع جانحة ، وهي الأضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر .
الإحَن : جمع إحْنة ، بمعنى الحقد .
(2) الصارم : السيف ، وحدّه : مقطعه .
الخشن : ضد الناعم ، وكتيبة خشناء : كثيرة السلاح ، لعله أراد جانب الشدة والصعوبة ، والله العالم .
(3) عدا عن الأمر : جاوزه وتركه ، يتوجع لأنه لم يكن في زمنهم .
(4) حر القلب : حرقته من الوجع والغيظ والمشقة .
لهف على ما فات : حزن وتحسّر .
عدّد الميت : عد مناقبه ووصفها .
(5) أفل النجم : غاب .
(6) حريم الرجل : ما يدافع عنه ويحميه ، ومنه سميت نساء الرجل بالحريم ، وهو المراد هنا .
الأنبوب : ما بين العقدتين من الرمح .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 248

7 ـ لهفي على عُصَبٍ بالطفِّ ظاميةٍ نالَتْ مِن القتل فيهم أعظمِ المِحَنِ
8 ـ وآلُ حربٍ لهم صَفوُ الفُراتِ ولَم يُسمَح لهم بشرابِ الآجنِ الأسِنِ
9 ـ أشهى إلَيَّ مِن المَحيى المماتُ إذا ذكرتُ مصرَعَهم وَاعْتارَني حَزَني
10 ـ لَمّا تذكَّرتُ إذ سالَتْ دماؤُهمُ على النحورِ مضى صبري ووَدَّعَني
11 ـ أضلَلْتُ صبري فهل يا قومُ يَنشُدُهُ لي ناشدٌ وله يا قومُ ينشُدُني
12 ـ يا أمّةً عَدِمَتْ أخلافَها سَفَهاً فالغدرُ كان بها يجري مع اللَّبَنِ
13 ـ غرَقتمُ في بحار الغَيِّ يقذِفُكم إلى الجحيمِ وخُيِّبتُم عن السُفُن
14 ـ عَوَّضتُمونيَ عن آل الرسولِ أسىً فصِرتُ فيهم حَليفَ الوجدِ والحَزَنِ
15 ـ فالوجدُ منّي لا يَفنى تَضَرُّمُه عليهمُ أبداً والدمعُ لَم يَخُنِ


= القنا : الرماح .
اللُدْن : جمع لَدْنَة ، من لَدُنَ بمعنى لان ، وليونة الرماح مع صلابتها من صفات الجودة : أي أنهم طعنوا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطعنهم ذريته بالرماح .
(7) العُصب : الجماعات .
فيهم : الظاهر أنه تصحيف : «منهم» ليتم المعنى ، أي من بني أمية .
(8) أجِنَ الماءُ وأسِنَ : تغير طعمه ولونه وريحه .
(9) عار الشيءَ : ذهب به وأتلفه ، أي أن حزنه أتلفه لشدته .
(10) مضى صبري : كناية عن نفاده .
(11) أضلَّ الشيءَ : أضاعه . وفي المصدر : «أظللت» وهو غلط مطبعي .
نشدَ الضالة : نادى وسأل عنها وطلبها .
(12) عَدِمَ المالَ : فقده .
(13) الغي : الضلالة .
خاب : لم يظفر بما طلب .
السفن : أراد بهم أهل البيت عليهم السلام لأنهم سفن النجاة وفي الحديث الشريف : «إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة سفينة نوح في لجة البحر من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» سفينة البحار : 4/185 .
(14) في المصدر : «غوصتموني» ولعله غلط مطبعي .
الحليف : كل شيء لزم شيئاً فلم يفارقه .
الوَجد : الحزن .
(15) تضرمت النار : اشتعلت .
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 249

16 ـ أغْرَيتُموني بأن أُبدي مَقابِحَكم وأن أُرَدّي إليكم أظهُرَ الجُنَنِ
17 ـ يكفيكمُ أن أجَزتُم ظلمَ فاطمةٍ وقتلُكُم للحسينِ الطُهرِ والحسنِ
18 ـ وقاتلُ ابنِ البتولِ الطُهر فَهْوَ كمن عَدا لها غاصباً في أوّلِ الزمنِ
19 ـ فما عَدا ابْنُ زيادٍ ظلمَ أوَّلِكم بَل اقتَدى حين أجراهُ على سُنَنِ
20 ـ قلبي بحبّي لأهل البيت مُرتَهَنٌ وبالطُغاةِ فقلبي غيرُ مرتهنِ
21 ـ إذا سمعتُ بقومٍ ينتمون لهم يَهُزُّني الشَّوقُ هَزَّ الريحِ للغُصُنِ
22 ـ هُنتم غَداةَ جعلتم في معاويةٍ حقَّ الوصيِّ فأمّا الحقُّ لَم يَهُنِ
23 ـ أنا ابْنُ رَزّيكَ لا أبغي بهم بدلاً حتّى أوَسَّدَ في لَحدي وفي كَفَني


= لم يخن : أراد أن الدمع لم يخنه بالتوقف أو الجفاف وإنما هو دائم الانسكاب .
(16) أغرى الرجلَ بكذا : حضّه عليه .
أبدي : الصحيح إظهار النصب ، وإهمالها لضرورة الوزن ، وهو في الشعر كثير .
المقابح : ما يُستقبح من الأخلاق ، وعكسها الممادح .
أردّاه في البئر : أسقطه ، ولا وجه له ، والسياق على أن المراد : «أردّ» ورادّه الشيءَ : رده عليه .
الجُنَن : جمع جُنّة ، وهي السترة . والمعنى أن أتغير عليكم ، وهو اقتباس من المثل : «قَلَب له ظهرَ المِجَنّ» وهو يُضرب لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية ثم حال على العهد وتغير .
(17) أي يكفيكم قبحاً وظلماً أن أجزتم ظلم فاطمة الزهراء عليها السلام فضلاً عن بقية مساوئكم .
(18) لو قال : «لهو كمن» كان أفضل .
عدا : ركض وجرى ، كناية عن الإسراع ، ولعله أراد معنى عدا عليه : أي ظلمه ، واضطر إلى استعمال «لها» للضرورة ، وهذا المعنى هو الأنسب للسياق ، ويؤيده البيت التالي .
(19) عدا الامرَ : جاوزه .
السنن : جمع سنة ، وهي الطريقة والشريعة .
(20) فيه التولي والتبري ولكن هذا النوع من التبري هو أضعف درجاته .
(21) لعله أراد ينتمون إليهم نسباً ، أو بالولاء والتزام نهجهم .
هزّه الشوق : هيّجه ونشّطه ، والهِزّة : النشاط والارتياح .
(22) هان الرجل : ذل وحَقُر .
الوصي : هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
(23) وسّده الوسادة : جعلها تحت رأسه .
اللحد : القبر . أي حتى أوضع في قبري .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 250

(109)
لأقتلنّك جهرة(*)

واحد وعشرون بيتاً من الكامل(**) :
1 ـ القلبُ موقوفٌ على الخَفَقانِ والدمعُ لا ينفَكُّ مِن هَمَلانِ
2 ـ لمصابِ آل محمّدٍ نارُ الجوى اضْـ ـطَرَمَتْ وهل صبرٌ على النيرانِ
3 ـ بأبي الذي غرَّتهُ أُمَّةُ جَدِّهِ لَمّا اسْتَزَلَّتهُم يدُ الشيطانِ
4 ـ فَرَضَوْا دُخولَ جهنَّم في قتله عَطَشاً وشِربَهُمُ الحميمَ الآني
5 ـ مالوا إليه وأوقِدَتْ أضغانُهم والنارُ دون تَوَقُّدِ الأضغانِ
6 ـ وتعقَّبوا منه القليل بكثرةٍ فتخطَّفوهُ تخَطُّفَ العِقْبانِ


(*) القصيدة لطلائع بن رزّيك الأرمني المتوفى عام 559هـ أنشأها في مدح العترة الطاهرة وذكر فيها واقعة الطف الحزينة .
(**) ديوان طلائع بن رزيك : 156 عن مجموعة الرائق : ج2 .
(1) وقفه على الخفقان : حبسه عليه ، كأنه خُصِّص لذلك .
خفق الفؤاد : اضطرب وتحرك .
هَمَلت العين : فاضت دموعاً ، وهملت السماء : دام مطرها في سكون . وتعبير البيت جميل .
(2) الجوى : شدة الوجد من الحزن أو العشق .
اضطرمت النار : اشتعلت .
(3) غرّه : خدعه .
(4) الحميم : الماء الحار .
أنى الماءُ : سَخُن وبلغ الحرارة . وفي البيت إقواء على تقدير : «فرضوا شربَهم الحميمَ الآنيَ» ولو رفعت «شربُهم» على الابتداء فالجملة : «وشربُهم الحميمُ الآني» فيرتفع الإقواء .
(5) إليه : كذا في المصدر ، والظاهر أنه تصحيف «عليه» .
أوقد النارَ : أشعلها .
الأضغان : جمع ضغن ، وهو الحقد .
(6) تعقبه : تتبعه ، أي أنهم تبعوه بكثرتهم وهو في قليل من العدد .
تخطّف الشيءَ : اجتذبه وانتزعه .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 251

7 ـ هذا وما نكروهُ بل عرَفوا به ولَرُبَّ نُكرٍ جاءَ عن عِرفانِ
8 ـ ذكروا أباهُ وقبلَه أسلافَهم ولكم أبادَ الدَّخلُ مِن أسنانِ
9 ـ وَرَدَ الرَّدى دون الفُراتِ تَحَمُّلاً يا حسرةً للواردِ الظمآنِ
10 ـ سُرُجُ الهدى عادَتْ بأسيافِ العِدى إلْفَ الهوانِ طَرائدَ الأقطانِ
11 ـ والشمرُ قد خُضِبَتْ يداه عند جَـ ـزّ الرأسِ منه بالنَّجيعِ القاني


= العِقبان : جمع عُقاب ، طائر من الجوارح قوي المخالب وله منقار أعقف .
(7) نكر الرجلَ : لم يعرفه .
عرف الشيء عرفاناً : علمه . ولا ريب أن في العجز تسامحاً ، فإن المعرفة لا تولد الجهل ، نعم الظاهر أنه أراد أنهم تنكروا له مع علمهم معرفتهم به ، وهو أمر طبيعي يحدث عن حسد أو بغض وعداوة وغير ذلك ، وتعبير «نكر» لا يؤدي التنكر ، فلاحظ .
(8) قبله : أي وذكروا أسلافهم الذين قبله ، والاقوى أنه تصحيف : «قَتلَهُ» فهو الموجب لإثارة الأضغان وأخذ الثأر .
الأسلاف : جمع سلف ، وهو كل من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك .
الدَّخْل : الداء . ولو قال : «ولكم أباد الذَّحل من إنسان» كان أبلغ ، ولعل ما هنا تصحيف .
(9) ورد الماءَ : صار إليه .
الردى : الموت .
تحمّل الرجلُ : تجلّد ، أي ورده صبراً .
(10) السُرُج : جمع سراج ، وهو المصباح يُستضاء به .
عاد الأمرُ كذا : أي أصبح .
الإلف : الصداقة والمؤانسة ، كناية عن الملازمة للهوان ، وهو ما نال أهل البيت عليهم السلام بعد الحسين عليه السلام بكربلاء .
هان الرجلُ : ذل .
طرده : أبعده ، وطرد : زاول الصيدَ وتتبعه ، وهو الأقرب هنا ، والطرائد : جمع طريدة ، وهي طردت من صيد وغيره .
الأقطان : جمع قَطَن ، وهو موضع الإقامة ، أي أنهم أصبحوا مشردين عن أوطانهم .
(11) خضب الشيءَ : لوّنه .
جَزَّ الشيءَ : قطعه .
النجيع : الدم .
القاني : الشديد الحمرة .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 252

12 ـ أضحى يقولُ لأقتُلَنَّكَ جهرةً ولوَ انَّ جَدَّكَ يا حسينُ يَراني
13 ـ قد بالغوا في قتلهم وبجَدِّهِم يستمطِرونَ سحائبَ الغُفرانِ
14 ـ كَذَبَ الذي قد عَدَّهُم مِن بعدها في ملَّةِ الإسلامِ والإيمانِ
15 ـ وعَدُوُّ آل محمّدٍ وإنِ ادَّعى الـ ـإسلامَ فَهُوَ لَعابِدُ الأوثانِ
16 ـ إنّي لَفي أسرِ الأسى لمصابكم أوَ ما عجِبتَ للطَّليقِ العاني
17 ـ وكأنَّما عَيناي لَمّا فاضتا حُزناً عليهم فيهما عينانِ
18 ـ ما ضاعَ بي وِترُ النبيِّ وآله وبِمُنصُلي قد قُلتُه ولساني
19 ـ فإلى وليِّهِمُ أمُدُّ يَدَ النَّدى وإلى عدوِّهُمُ أمُدُّ سِناني
20 ـ ولقد بلغتُ بمنطِقي ما لَم ينَل رمحٌ بلَهذَمَةٍ وجَدِّ يَماني


(12) جهر بالأمر جهرة : أعلنه . وقد بين البيت ببساطته خطر سقوط المرء في أحضان الغي وارتكابه ما يعلم سوء عاقبته فلا يبالي حينئذ أن يجهر حتى بالاستخفاف بمن يدعي أنه يدين بدينه .
(13) حيث لا زالوا يدعون الإسلام ويتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلواتهم .
(14) ترى الإمامية أن الذي قاتل إمام زمانه يخرج عن ربقة الإسلام .
(15) البيت جميل في بساطته وقوة معناه . ويحتمل أن تكون «لعابد» تصحيف «كعابد» وكلاهما صحيح ، والأخير أتم لمكان التشبيه والمقابلة .
(16) لو قال : «أو ما عجبتم» كان أكمل للوزن . الطليق : غير المقيد .
عني في القوم فهو عانٍ : صار أسيراً فيهم . وجمال التعبير والتقابل فيه واضح .
(17) العين : ينبوع الماء . أي كأن في كل عين من عينيه عين ماء جارية ، كناية عن كثرة الدموع .
(18) الوِتر : الثأر .
المُنصل : السيف . أي أنه طلبه بسيفه ولسانه . ولعله لو قال : «نلته» كان أقوى .
(19) الولي : المحب والتابع والنصير .
الندى : الفضل والخير والجود .
السنان : الرمح .
(20) لَهْذَم الشيءَ : قطعه ، واللَهْذَم : القاطع من السيوف والأسنة .
جَدّ الشيءَ : قطعه .
اليماني : أراد السيف المصنوع في اليمن ، وقد عُرف بجودته .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 253

21 ـ وإليهمُ انْتَهَتِ المَدائحُ فَهْيَ إنْ جازتهُمُ ضَربٌ مِن الهَذَيانِ

(21) جاز المكانَ : تركه خلفه وقطعه .
الضرب : الصنف من الشيء .
هَذي هذياناً : تكلّم بغير معقول لمرض أو لغيره . ويا لروعة هذا البيت وحكمته .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 254

(110)
قضيتَ حقّهم(*)

اثنان وثلاثون بيتاً من الطويل(**) :
1 ـ لولا مُجانَبَةُ المَلولِ الشّاني ما تَمَّ شاني في الغَرامِ بِشاني
2 ـ ولَما دعاني للهوى فأجبتُه طَرفي وقلتُ لِعاذِلَيَّ دَعاني
3 ـ أغرى الملامُ بيَ الغرامَ وإنَّما الْـ ـجاني علَيَّ هوَ الذي ألْحاني
4 ـ وجَفا الكَرى الأجفانَ فَهْيَ لَدى الدُجى تَرْعى السُها مُذ بانَ غُصنُ البانِ
5 ـ وزعمتِ أنَّ الحسنَ ليسَ بموقفٍ تُغْتالُ فيه شجاعةَ الشُجعانِ


(*) القصيدة لعبد العزيز (القاضي الجليس) بن الحسين السعدي المتوفى عام 561هـ وهي في رثاء العترة الطاهرة ومدح الوزير الفاطمي طلائع بن رزّيك الأرمني .
(**) أدب الطف : 3/152 عن المجموع الرائق للسيد أحمد العطار .
(1) جانبه : ابتعد عنه .
شنأ الرجلَ : أبغضه مع عداوة وسوء خلق .
الشأن : الأمر والحال ، الطبع . أي لولا الابتعاد عن المبغض ما تم حالي في الغرام .
(2) الطرف : العين .
عذله : لامه .
دَعْه : اتركْه .
(3) أغراه بكذا : حضّه عليه .
لحى فلاناً : لامه ، وألحى : فعل ما يُلام عليه .
(4) الكرى : النعاس .
الدجى : الظلمة .
رعى النجومَ : راقبها .
السُها : كوكب خفي من بنات نعش الصغرى ، يمتحن الناس به أبصارهم .
بان الشيءُ : ظهر واتضح .
البان : شجر معتدل القوام يُشبَّه به القدّ لطوله .
(5) أراد بالموقف ساحة الحرب كناية . اغتاله : أهلكه وأخذه من حيث لا يدري . وجمال الصورة واضح جلي .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 255

6 ـ هذي الحِداقُ السودُ جَرَّدَتِ الظُبا تِ البيضَ والأجفانُ كالأجفانِ
7 ـ إن قلتِ مَن ألقاكَ في لُجَجِ الهوى فَخِضابُكِ القاني الذي ألقاني
8 ـ هذا الفؤادُ أسيرُ حبِّكِ يَرتَجي فرَجاً فهل عانٍ بهذا العاني
9 ـ إنّي على ما قد عَنانيَ في الهوى لأغُضُّ عن شأوِ المِزاحِ عِناني
10 ـ وتعودُني لمصابِ آل محمّدٍ فِكَرٌ تُعَرِّجُ بي على الأشجان
11 ـ أأكُفُّ حربي عن بني حربٍ وقد أودي بِقُبحِ صنيعها الحسنانِ
12 ـ طلبتْ أميّةُ ثأرَ بدرٍ فاغْتَدى يُسقى دُعافَ سِمامِها السِبطانِ


(6) الحِداق : جمع حدقة ، وهي سواد العين الأعظم .
الظُبات : جمع ظُبَة ، وهي حد السيف .
البيض : السيوف .
الأجفان : جمع جَفْن ، وهو غمد السيف .
(7) اللجج : جمع لُجَّة ، ولُجّة البحر : حيث لا يدرك قعره ، كأن الهوى أحاط به من كل جانب .
خضب الشيءَ : لوّنه ، والخضاب : ما يُختضب به .
قنا لونُ الشيء : كان أحمراً قانياً ، وأحمر قانٍ : أي شديد الحمرة .
(8) عُنيَ بالأمر فهو عانٍ : اشتغل واهتم به . وعَنيَ في القوم فهو عانٍ : صار أسيراً فيهم . أي هل من مهتم بهذا الأسير ؟ يعني نفسه .
(9) عناه الأمرُ : أهمّه ، وعنا الأمر عليه : شق ، وعَنِيَ : تعب ونصب ، وأعنى الرجلُ : آذاه وكلفه ، والمراد ما أصابه وما لقي من عناء بسبب الهوى .
غضَّ الغصنَ : كسره ، وغضّ صوتَه : خفضه وكسره .
الشَّأْو : الغاية ، الأمد .
العِنان : سير اللجام . أراد ـ والله العالم ـ أني مع ما أصابني في الهوى فإني رجل جد وبعد همة وغاية ، ولا أرخي عناني للمزاح واللهو .
(10) عاد الشيءَ : بدأه وباشره ثانياً ، أراد أنه تراوده تلك الأفكار دائماً .
عرّج : مال من جانب إلى جانب ، أي تردني إلى الأشجان وملازمتها .
الأشجان : جمع شَجَن ، وهو الحزن والهم .
(11) أودى : هلك ، وأودى به الموت : ذهب به .
(12) موت دُعاف : كذُعاف ، والذُعاف ؛ سُمُّ ساعةٍ ، وسَمٌّ ذعاف : قاتل .
السِمام : جمع سم . وقد سقي الإمام الحسن عليه السلام السم مباشرة ، وتناولت
=
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 256

13 ـ جسدٌ بأعلى الطفِّ ظلَّ دَريَّةً لِسِهامِ كُلِّ حنيَّةٍ مِرْنانِ
14 ـ ها إنَّ قاتِلَهم وتارِكَ نصرهم في سوءِ فِعلهما معاً سِيّانِ
15 ـ أُسَرٌ هُمُ سِرُّ النِفاقِ ودَوحةٌ مخصوصةٌ باللعنِ في القرآنِ
16 ـ نَبَذوا كتابَ الله خلف ظهورهم وتتابعوا في طاعة الشيطانِ
17 ـ وهَفَوْا إلى داعي الضَّلالِ وإنَّما عَكَفوا على وثنٍ مِن الاوثانِ
18 ـ لو كان كاشفُ كَربِ آل محمدٍ في الطفِّ عاجَلَهم بحتفٍ آنِ
19 ـ الصالحُ المَلِكُ الذي لجلالِه خَرَّتْ ملوكُ الأرضِ للأذقانِ


= السيوف والسهام المسمومة جسد الإمام الحسين عليه السلام .
(13) الدريئة : حلقة يُتعلم عليها الطعن .
قوس مِرْنان : كثيرة الرنين .
(14) ها : للتنبيه . سِيّان : أي مثلان ومتساويان ، وذلك أن من أحبّ عمل قوم حشر معهم ، وكذلك من رضي بذلك الفعل ، وترك النصرة مع القدرة ، فكانوا سواء في الجرم والمعصية .
(15) الدوحة : الشجرة العظيمة المتسعة ، إشارة إلى قوله تعالى : «وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ» [الإسراء : 60] وتواترت الأخبار أنها في بني أمية لعنهم الله .
(16) نبذ الشيءَ : طرحه ورمى به لقلة الاعتداد به ، ونبذ الأمرَ : أهمله ، وهو اقتباس من قوله تعالى : « نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ » [البقرة : 101] .
تتابعوا : جاء بعضهم في أثر بعض .
(17) هفا : أسرع . ولعله أراد بداعي الضلال الشيطان أو يزيد ، ولا فرق في الغاية فكلاهما داعي ضلال .
عكف على الأمر : لزمه مواظباً .
(18) أراد بكاشف الكرب الملك الصالح طلائع بن رزّيك ويبين ذلك البيت التالي .
عاجله بضربة : سبقه بها .
الحتف : الموت .
أنى الماءُ : سخُن وبلغ في الحرارة ، كأن الموت يستحر فيهم ويستأصلهم .
(19) خرّ : سقط من علو إلى أسفل ، وخرّ ساجداً : انكب على الأرض وسجد ، وهو المراد كناية عن الخضوع والانقياد .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 257

20 ـ إلاّ تكُن في كربلاءَ نَصَرتَهُم بِيَدٍ فَكم لك نَصرةٌ بلسانِ
21 ـ هذا وكم أعمَلتَ في يومِ الوَغى رأياً صليباً في ذوي الصُلبانِ
22 ـ عَوَّدتَّ بيضَ الهِندِ ألاّ تَنثَني مَرْكوزةً بمكامنِ الأضغانِ
23 ـ وجمعتَ أشلاءَ الحسينِ وقد غدَتْ بدداً فأضحتْ في أعزِّ مكانِ
24 ـ وعرَفْتَ للعضو الشريفِ محَلَّهُ وجليلَ موضعه مِن الرحمنِ
25 ـ أكرمتَ مثواهُ لَدَيكَ وقَبلُ في آلِ الطَّريدِ غدا بدارِ هوانِ
26 ـ نقلتْهُ أيدي الظالمينَ تُطيفُه أعوانُها في نازحِ البُلدانِ
27 ـ وقضيتَ حقَّ المصطفى في حَمْلِه وحظيتَ مِن ذي العرشِ بالرِضوانِ


(20) الخطاب موجه إلى الملك الصالح .
(21) أعمل الرأي : عمل به .
الوغى : الحرب .
الصليب : الشديد ، كناية عن حكمة الرأي وشدة الالتزم به .
ذوو الصلبان : المراد بهم النصارى .
(22) البيض : السيوف ، وعرفت الهند بجودة صناعتها للسيوف ، فنسبها إليها .
انثنى : انعطف ، وارتد بعضه على بعض .
ركز الرمحَ ونحوه : غرزه في الأرض ، أثبته .
المكامن : جمع مكمن ، وهو الموضع الذي يُتوارى فيه .
الأضغان : جمع ضغن ، وهو الحقد . أراد عوَّدتَها ألا تعود إلا بعد أن تقضي على مواضع الأحقاد بتقدير : «إلا مركوزة» .
(23) الأشلاء : جمع شِلْو ، وهو العضو من أعضاء اللحم ، والمراد به الرأس الشريف حيث نقل إلى مصر . ولا يصدق عليه أنه جمع للأشلاء ، فإن الجسد الشريف في كربلاء .
بدد الشيءَ : فرّقه .
(24) الجليل : العظيم .
(25) المثوى : المنزل .
آل الطريد : إشارة إلى مروان بن الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الهوان : الذل .
(26) طاف في البلاد : جال ، وطاف بالمكان وحوله : دار حوله .
نزح : بعد ، والنازح : البعيد .
(27) حَظِيَ : كان ذا منزلة وحظ ومكانة ، وحظي بالرزق . نال حظاً منه .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان القرن السادس 258

28 ـ ونصبتَهُ للمؤمنينَ تزورُه مُهَجٌ إليه شديدةُ الهَيَجان
29 ـ أسكنتَه في خيرِ مأوىً خَطَّه أبناؤُه في سالِفِ الأزمانِ
30 ـ حَرَمٌ تلوذُ به الجُناةُ فتَنثَني محبُوَّةً بالعفوِ والغفرانِ
31 ـ قد كان مغترباً زماناً قبل ذا فالآنَ عُدتَّ به إلى الأوطان
32 ـ ولوِ اسْتَطعتَ جعلتَ قلبكَ لحدَه في موضعِ التوحيدِ والإيمانِ


(28) نصب الشيءَ : رفعه وأقامه ، وضعه وضعاً ثابتاً .
المهجة : الروح .
(29) خطّ الأرض : عمل فيها خطاً ، والخِطّة : ما يختطه الإنسان لنفسه من الأرض ، والمراد بها مصر ، وأبناؤه : هم الفاطميون .
(30) لاذ بالحبل : استتر به والتجأ إليه في المصدر : «يلوذ» .
حباه بكذا : أعطاه إياه بلا جزاء . وما أروع البيت .
(31) لا يخفى أن نقل الرأس إلى مصر يبقيه في حال الغربة لبعده عن الجسد ولا يعيده إلى الأوطان ، نعم يصح قوله إن أراد كان مغترباً عن المؤمنين وهو في ديار الأمويين فعاد إلى أحضان المؤمنين في مصر .
(32) اللحد : القبر . أي لجعلته في قلبك وهو موضع التوحيد والإيمان .


السابق السابق الفهرس التالي التالي