دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 20

وعرّف ابن خلدون النوم بقوله : « ولما كانت الحواس الظاهرة جسمانية كانت معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلأ وتفشي الروح بكثرة التصرف ، فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة ، وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها ورجوعه إلى الحس الباطن » (1) .
ونقل المسعودي (2) نظرتين مختلفتين من الأطباء والفلاسفة يقول :
1ـ النوم هو اجتماع الدم وجريانه إلى الكبد .
2ـ النوم هو سكون النفس وهدوء الروح (3).

وقال أبو سهل الطبيب (4) : النوم هو إمساك القوى النفسانية عن أفعالها وهذه القوى هي قوى الإحساسات وقوة التحريك بإرادة ومتى أمسكت هذه القوة عن تحريك البدن وإستهماله إسترخى وإجتمعت الرطوبات وألأبخرة التي كانت تتحلل وتتفرق بالحركات واليقظة في الدماغ ، الذي هو مبدأ هذه القوى فينحدر ويسترخي ، ذلك هوالنوم الطبيعي .
وقد يكون الأمرعلى العكس من ذلك لعارض أو لمرض وذلك بأن تستولي الرطوبات استيلاء لاتقدر معه اليقظة على تفريقها أو تصعد بخارات رطبة كثيرة كما يكون عقب الامتلاء من الطعام والشراب فيثقل الدماغ ويرخيه فيخدر وتقع إمساك القوى النفسانية عن أفعالها فيكون النوم (5) .

(1) راجع مقدمة ابن خلدون : 476 .
(2) المسعودي : هو علي بن الحسين ، ينتمي إلى عبد الله بن مسعود المتوفى عام 346 هـ ، مؤرخ ، رحالة ، من أهل بغداد ، أقام بمصر وتوفي بها ، له عدد من التصانيف منها : خزائن الملوك ، الإبانة عن أصول الديانة ، السياحة المدنية .
(3) مروج الذهب : 2/ 157 .
(4) أبو سهل الطبيب : هو ويجن بن رستم الطبرسي الطبيب والمنجم المشهور حوالي عام 390 هـ والذي بنى بيت الرصد لشرف الدولة ببغداد ، له مؤلفات منها : البركارالتام ، والمفروضات ، تثليث الزاوية .
(5) النوم أسراره وخفاياه : 69 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 21

وقالوا أيضاً في تحديده : إنه غشية ثقيلة تهجم على القلب فتبطل عمل الحواس (1) .
يقول ابن خلدون (2) : لما كانت الحواس الظاهرة جسمانية كانت معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلل وتغشى الروح بكثرة التصرف فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة وإنما يكون بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها ورجوعه إلى الحس الباطن ويعين على ذلك ما يغشى الله من البرد بالليل فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن وتذهب من ظاهرة إلى باطنه فتكون مشيعة مركبها وهو الروح الحيواني إلى الباطن ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة ورجع إلى القوى الباطنة وخفت عن النفس شواغل الحس وموانعه ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة تمثل منها بالتركيب والتحليل صور خيالية (3).
ويقول السبزواري (4) : إن النوم حالة تعرض للحيوان (5) يقف فيها النفس عن الحس والحركة الإرادية لا عن الأفعال الطبيعية ، ويقول : إن النوم حبس الروح في الدماغ (6).

(1) المنجد : 848 .
(2) ابن خلدون : هو عبد الرحمان بن محمد بن خلدون الإشبيلي ( 732 ـ 808 هـ ) ولد في تونس وتوفي بالقاهرة . فيلسوف مؤرخ ، ولي القضاء بمصير ، من مؤلفاته : شرح البردة ، المنطق ، شفاء السائل .
(3) تاريخ ابن خلدون : 1/ 104 ( المقدمة ) .
(4) السبزواري : هو هادي بن مهدي ( 1212 ـ 1289 هـ ) فيلسوف كبير وفقيه إمامي جليل وأديب شاعر ، له مصنفات جليلة منها : النبراس ، أرجوزة في الفقه ، أسرار الحكمة .
(5) الحيوان : اراد الجنس الحيواني المأخوذ من الحياة ، يقول الله تعالى : « وإن الدار الأخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون» (العنكبوت : 64 ) . قد يشمل الحيوان كل ما دب فيه الحياة بأنواعها المختلفة وقد يختص بالمخلوق ذو الروح كما قصده السبزواري وهو المصطلح المنطقي و الفلسفي ، وقد تضيق دائرة لتستخدم في غير الإنسان والجن من ذوي الأرواح .
(6) آية الكرسي : 154 عن شرح المنظومة : 318 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 22

وهناك من القدامى من صور أن النوم إله لابد من عبادته حيث إنه سلطان يسيطرعلى الإنسان وغيره وعلى إثر هذه الفلسفة الخرافية حدوده بالاسم فأسماه الإغريق بـ « هيبنوس »(1) وقال عنه هو ميروس(2) : إن إله النوم يقيم في جزيرة لمنوس (3).
هذه مجمل الحدود التي رسموها للنوم من اتجاهات متعددة وسنتعرف على حقيقة علمياً إن شاء الله .
وعلى العموم ، فيمكن تعريف النوم : بأنه حالة صحية تعترى الإنسان عادة بعد عناء النهار ، وهو يحتاج إليه ليريح جوارحه وأعضاءه فترة زمنية تناسب حاله ليتسنى له الاستمرار في عمله .
وقد يعتري النوم الإنسان لأسباب مرضية تعود إلى طبيعة المرض الذي أصيب به وربما تطور الأمر ليصبح مرضاً في حد ذاته كما عبر عنه القدامى بمرض النوام (4).
وقد يعرض لأسباب علمية أو كيمياوية أو نفسية يراد فه من خلالها أن ينام فتسمى عندئذ بالتنويم وعندها لا تكون حالة مرضية ولا طبيعية ( صحية ) .

(1) Hypnos أي رب النوم .
(2) هوميروس : (Homeros ) فيلسوف وشاعر ملحمي يوناني عاش في القرن الخامس عشر قبل الهجرة ( 9 ق . م ) ولد في آسيا الصغرى ، قيل إنه كان مكفوفاً ، له من المؤلفات كما قيل : الألياذة ، الأوديسة ، الأغاني الهوميرية .
(3) وهي إحدى جزر بحر إيجه ، الواقع بين اليونان وتركيا .
(4) كذا عبرعنه قدامى الأطباء ، ويذكر أطباء اليوم ، أن مرض النوم يحصل من عمل حيوان مكروسكوبي يعرف بإسم التريبانوزوم الذي ينمو في الدم وينتشر في سوائل الأغلفة التي تحيط بالمراكز العصبية وأخص أعراضه نعاس يزيد على التواتر ونوم متواصل وفي بداية المرض يسهل تنبيهه من النعاس ثم تتغلب عليه نوبة النوم وتدهمه في كل أحواله ولاسيما بعد الأكل ثم تزيد النوب طولاً وإستغراقا وتنتهي إلى حالة غيبوبة لايعود في الإمكان إيقاظ المريض منها إلا بصعوبة دائرة معارف القرن العشرين 1 / 402 » .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 23

وليس النوم من خصائص الإنسان فقط بل يشترك معه الحيوان(1) والنبات (2) وربما غيرهما أيضاً،فقد ورد عن الصادق عليه السلام : ما من حي إلا وهو ينام خلا ألله وحده عزوجل (3) وقد قال الله تبارك وتعالى في نفسه « لاتأخذه سنة ولانوم » (4) .
وسيأتي تفاصيل كل هذه إن شاء الله .

(1) يختلف نوم الحيوانات ويقظتها عن بعضها البعض فمنها ما تنام نهاراً وتستيقظ ليلاً كالخفاش حيث الليل عنده معاش والنهار سبات إلى غيرها من أنواع واليقظة بل إن بعض النباتات ينفتح ليلاً وينقبض نهارا وبعضها الآخر على العكس في ذلك تماماً ، إن النبات والحيوان قد يترك النوم إذا أوجدت لهما المناخ النهاري المناسب إلا أنه إذا استمر معه كذلك فأنه يكيف نفسه بذلك ويختار وقتاً لنومه غير مبال بالأجواء النهارية المصطنعة وهذا ما جربناه في بعض العصافير ، وهنا أود الإشارة إلى أن الإمام امير المؤمنين عليه السلام يشير في نهج البلاغة : 333 إلى حالة النوم واليقظة في الخفاش قائلاً :« فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها وجاعلة الليل سراجا تسدل به في إلتماس أرزاقها فسبحان من جعل الليل لها معاشا والنهار سكنا وقرارا».
(2) إن اختلاف حال النبات في الليل عن النهار دليل على حقيقة نجهلها أو نتجاهلها فما حركة الأوراق وانغلاقها ليلاً وانفتاحها نهاراً وترابطها بالنور أو مصدره أو استنشاق الأوراق في النهار ثاني أو كسيد الكربون وردها الأوكسجين وعكس ذلك في الليل وراتباطه بقصر النهار والليل دليل على أن سكونها وحركتها هو شيء يقابل النوم واليقظة في الإنسان ، ورغم أن حركة النبات ترتبط بالماء والطقس والنور والتربة إلا أنها ترتبط بأمر آخر بل أمور أخرى منها حالة السكون والاستراحة وإن لم تمنح هذه الفرصة لذبل أو مات قبل أوانه ، نعم قد يتكيف النبات مع العوامل الخارجية ويغير منهجه في السكون والنشاط إلا أنه لا يتخلى عنهما كما هو في الإنسان .
(3) سفينة البحار : 8 / 101 .
(4) سورة البقرة الآية : 255 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 24

النوم ... أقسامه

لقد خلق ألله سبحانه وتعالى الليل والنهار لنظم أمر خلقه وقد خصص النهار للعمل والليل للراحة والنوم حيث قال عز من قائل : « الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً » (1)« و جعلنا نومكم سباتاً ، وجعلنا الليل لباساً ، وجعلنا النهار معاشاً » (2)فجرت سنة الله على خلقه فأتخذوا الليل للنوم والنهار للعمل ، ولما كان النوم من إختصاصات الليل فقد وضعوا للنوم في النهار بعض الأسماء حسب زمان النوم وجاءت التقسيمات كالتالي :
1ـ نوم العيلولة ( بالعين المهملة ):



وهو النوم بين طلوع الفجر والشمس ، وهو مصدر عال يعيل عيلاً وعيلولة ، بمعنى أفتقر ، وإنما سمي بذلك لأنه يورث الفقر وجاء في الحديث : « إن النوم قبل طلوع الشمس وقبل صلاة العشاء (3) يورث الفقر وشتات الأمر (4).

(1) سورة غافر ، الأية : 61 .
(2) سورة النبأ ، الآيات : 9 ـ 11 .
(3) لعلنا نفسهم من الحديث أن الكراهة جاءت لأنه المبدأ الزمني للعمل والمبدأ النهائي للعمل ، حين ينظم الشرع بداية العمل اليومي بطلوع الشمس وينهيه بغروبها في المناطق المعتدلة ، ولعل السر في هذه الكراهة بالإضافة إلى مسألة التنظيم يعود إلى الفترة الأولى خصصت لتخطيط العمل اليومي كما أن الفترة المسائية ( ما بين العشاءين ) خصصت لتقييم أعمال النهار ، وكم يكون العمل ناجحاً إذا بتخطيط وانتهى بتقييم .
(4) السعة والرزق : 30 عن حلية المتقين : 126 ، وفي الخصال : قال أمير المؤمنين عليه السلام :« النوم قبل طلوع الشمس يورث الفقر » .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 25

2ـ نوم الفيلولة ( بالفاء المفردة ) :



وهو النوم بعد طلوع الشمس ، وهو مصدر فال يفيل بمعنى اخطاً وضعف ، وإنما سمي بذلك موجب للفتور والضعف كما عليه القدامى من الأطباء (1) وبما أنه وقت العمل والنشاط فمن الخطأ استخدامه للنوم ، وهذا النوم يعتبر مذموماً.
3 ـ نوم القيلولة (بالقاف المثناة) :



وهو النوم قبل الزوال ، وهو مصدر قال يقيل قيلا ً وقيلولة بمعنى نام بالقائلة أي في منتصف النهار، والقيلولة هي ألإستراحة وإنما سميت بذلك لأن المرء يرتاح فيها من عناء العمل ليستمر بعدها عمله بنشاط ، وهذا النوم ممدوح شرعاَ ، ففي الحديث : « القيلولة تورث الغنى» وما ورد في أن القلولة تورث الفقر فقد فسر بالنوم وقت صلاة الفجر وفسر أيضا ما ورد أن القيلولة تورث السقم بالنوم آخر النهار (2) فذهب الوالد قدس سره (3) إلى أنها تصحيف العيلولة ـ بالعين المهملة ـ والغيلولة ـ بالغين المعجمة ـ وسيأتي أن الإمام الحسين عليه السلام قال عن الرؤيا في هذا النوم أنها من الرؤيا التي لا تكذب (4).
4ـ نوم الحيلولة ( بالحاء المهملة ) :



وهو النوم بعد الزوال وهو مصدر حال يحول حولاَ وحيلولة بينهما بمعنى حجز وإعترض وإنما سمي بذلك لأنه يحول بين المرء وبين الصلاة فهو إذاًَ غير محبذ .
5ـ نوم الغيلولة ( بالغين المعجمة ):



وهو النوم قبل غروب الشمس وهو مصدر من غال يغول غولاً

(1) السعة والرزق : 30 .
(2) مجمع البحرين : 5/ 459 .
(3) الوالد : هو محمد بن أبي تراب ( علي ) الكرباسي : (1324 ـ 1399 هـ ) ولد في النجف وسكن سامراء وكربلاء وتوفي في قم ، من العلماء الفقهاء ، له مؤلفات منها :الأطعمة والأشربة ، حاشية الأصول ، حاشية الفقه ، السعة والرزق ، تعليقات الأصول ، سلاطين الشيعة .
(4) راجع الرؤيا السابعة من رؤى الإمام الحسين عليه السلام .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 26

وغيلولة بمعنى هلك وأخذ من حيث لا يدري ، ويقال غالته الخمر شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه ، وإنما سمي بذلك لأنه يورث الوهن والكسل فهو مذموم وقد نقل الوالد قدس سره عن الشيخ النوري (1) مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن النوم في النهار على خمسة أقسام نوم العيلولة ونوم الفيلولة ونوم القيلولة ونوم الحيلولة ونوم الغيلولة (2) .
ونوم القيلولة من بين هذه الأقسام هو النوم الممدوح في الإسلام كما عرفت ، وقد أشاد الأطباء والعلم الحديث بهذا النوم حيث جاء : أن نوم القيلولة هذا يزيد في كفاءة المرء وإنتاجه سواء كان ذهنياً أو بدنياً حيث ان الجسم تعتليه فتراةت خمول خلال اليوم ، ألأولى : بين الساعة الواحدة والثالثة بعد الظهر ، والثانية : قبل وجبة المساء بنحو ساعة وإن النوم ظهراً يقلل من فعل موجة الخمول الأولى ويفيد في مقاومة الموجة التالية التي تأتي في المساء .
كما أن النوم ظهراً يمهد السبيل لنوم عميق اثناء الليل فقد دلت البحوث التي أجريت في هذا الصدد على أن نوم الظهر لايحول دون النوم الهادئ ليلاً إذا كانت مدته لاتزيد على الساعة ، بل إن بعض الإخصائيين الآن يعدون هذا النوم علاجاً مفيداً للأرق لأن المرء حين يسترخي مرة أثناء النهار يصبح من السهل عليه أن يسترخي بسرعة ساعة النوم ليلاًَ .
وإن مدة النوم هذه إذا كانت بين 30 و 60 دقيقة تعطي القلب فرصة للراحة وتخفف الضغط المرتفع بما يتراوح بين 15 و 20 درجة ، وتفيد في حالات الاضطرابات العصبية فهي تمكن الأعصاب المتوترة من استعادة حيويتها ونشاطها (3) ، وهذا النوم ضروري للأطفال والشيوخ ، وسيأتي

(1) النوري : هو حسين بن محمد تقي بن علي محمد الطبرسي ( 1254 ـ 1320 هـ ) ولد في إحدى قرى نور التابعة لطبرستان ، من أعلام الامامية ، سكن كربلاء والنجف وتوفي في النجف ، من مؤلفاته : مستدرك وسائل الشيعة ، اللؤلؤ والمرجان ، مواقع النجوم .
(2) السعة والرزق : 30 عن دار السلام : 2/ عن شرح قانونچه .
(3) النوم أسراره وخفاياه : 393 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 27

الكلام عنه أيضاث عند البحث عن تفسير الأحلام ودون أوقات النوم في الرؤيا الصادقة إن شاء الله .
وقد ذكر لي صديق أنه أصيب بنوبة قبيلة وأن الأطباء نصحوه بالنوم في وسط النهار بنحو نصف ساعة إذ لابد من أن يريح قلبه وذكروا له فوائده الجمة ، كما ان المطالبة أزدادت في هذه الأيام في الولايات المتحدة الأمريكية بتغيير نظام العمل إلى فترتين في النهار الواحد : فترة الصباح وفترة المساء ، يستريح الموظف بينهما حيث اكتشفوا أن الإنتاج يتضاعف كماً وكيفاً إذا خلد الموظف إلى الراحة بعض الوقت في الظهيرة .

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 28

دورة النوم واليقظة في الأحياء

لدورة الليل والنهار فوائد جمة لايمكن حصرها ومن تلك الفوائد تنظيم الوقت والذي منه أنه سبحانه وتعالى جعله وقت راحة كما دلت ألآيات على ذلك، وفي بعض ألآيات عبر ألله سبحانه عن الليل بأنه لباس حيث يحيط بالإنسان من كل جوانبه ويخيم النوم على كل أعضائه وجزئياته كل بقدر ، ولا تدل الآيات والروايات على اختصاص ذلك بالإنسان وحده بل إن لله في تنظيم خلقه شؤونا ، فالليل له آثار كبيرة وكثيرة على الخلق بشكل عام ولو نظرنا إليه من ناحية النوم فقط لرأينا أن في تقلب الزمان والنور والظلمة أثر كبيرعلى راحة الإنسان والحيوان (1) والنبات وربما غيرهم أيضا، فليس النوم حاجة تخص الإنسان فقط فالحيوانات على اختلاف أنواعها تخضع للنوم كل حسب حاجته وطريقته ، والحيوانات المتعددة الأحوال تختلف عن الحيوانات الوحيدة الأحوال كما سماها زيمانسكي(2).

(1) تقسيم الحيوان إلى إنسان وحيوان تقسيم بدائي وقديم وقد جاء التقسيم على اعتبار أن الأنسان مميز بالعقل دون الحيوانات على اختلاف أنواعها ، ولكن هذا لايصح لأن الجن يشترك مع الأنسان في كونه من ذوات العقول وإلا لما وقع عليه التكليف من قبل الله تعالى والكلام ذاته يرد في الملائكة أيضاً وأما بالنسبة إلى الحيوانات فلا يمكن أعتبارها فصيلة واحدة فلأن لكل فصيلة منها مميزات خاصة بها وربما لبعضها شرف على بعضهما الآخر من حيث الشعور بل لبعضها تكوينات قريبة من الإنسان إلا أنها تختلف عنه بنسبة عقلية فقط .
(2) زيما نسكي :هو أول عال درس النوم والراحة عند الحيوان دراسة علمية تجريبية وذلك بجهاز ابتكره وأسماه مسجل الحركة ، وعبر جهازه هذا قسم الحيوانات على قسمين وحيد الحال ومتعدده .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 29

ويقول الجاحظ (1) مثلا عن نوم الفهد : الفهد أنوم الخلق ، والفهد نومه مصمت (2) ويقول عن الكلب : الكلب أيقظ الحيوان عيناً في وقت حاجتهم إلى النوم وإنما نومه نهاراً عند استغنائهم عن حراسته ، ثم لاينام إلا غراراً وإلا غشاشاث وأغلب ما يكون النوم عليه وأشد إسكاراً له أن يكون كما قال رؤبة من الرجز :
لقيت مطلا (3) كنعاس الكلب (4)

وقال زيما نسكي : عن عصفور وضعه مدة 73 يوماً في ظلمة تامة فأصبح يستيقظ ( أي يتحرك ) في الساعة الحادية عشر صباحاً ويستمر حتى الثانية بعد منتصف الليل ويقطع حركته فترات نوم وسكون (5).
ويذكر عن الأوز أن نومه أخف من نوم الكلب الذي يستخدم للحراسة .
إذا فالحيوانات تخضع لدورة النوم واليقظة أو النشاط والراحة وإن أختلفت أساليبها والفترة التي ينامها كماً وكيفاً .
ومن جهة أخرى نرى أن بعض الحيوانات تنام واقفة وأخرى معلقة وبعضها تنبطح وإلى ما ذلك حسب الطبيعة والحاجة اتي غرزها الله فيها .
ومن الجديد بالذكر أن كثيراَ من الحيوانات تتأثر بفترة الضوء والظلمة كما أن الحيوانات التي تألفت مع الإنسان وتعايشت معه قد يختل نظامها بسبب التغيير الحاصل عليها كالفترة الضوئية بسبب استخدام الأضوية الكهربائية ومع هذا فإنها لم تتخل عن طبيعتها تماما فلو تركت وحالها

(1) الجاحظ : هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء ( 163 ـ 255 هـ ) من كبار أئمة الأدب ، ولد وتوفي في البصرة ، فلج في آخر عمره ، مات والكتاب على صدره ، قتله مجلدات من الكتب وقعت عليه ، له تصانيف جليلة منها : البيان والتبيين ، البخلاء ، المحاسن والأضداد .
(2) الحيوان : 2/ 565 .
(3) المطل : المدْ .
(4) الحيوان : 1 / 307 .
(5) النوم أسراره وخفاياه : 23 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 30

لرجعت إلى طبيعتها ، وترى أن عدداً من المستثمرين ينشؤون حقولاً ويتحكمون بإعطاء الضوء أو إخماده على الحيوانات لصالح استثماراتهم .
وأما النباتات فهي الأخرى تخضع أيضا لدورة النوم واليقظة ـ إن صح التعبير ـ فقد نشاهد بالعين المجردة تأثيرالنور والظلمة على الأزهار والنباتات وقد لانتمكن من ملاحظة هذا التأثير ، وهذا لايعني أنها لا تخضع لعملية النوم والراحة ، وقد ذهب علماء النبات إلى أن النبات كالإنسان والحيوان ولكن بأسلوب آخر ففي بعض الأوقات تتفتح الأزهار وتنتشي وفي أوقات أخرى تنغلق وتستكين ، وفي ساعات تتهدل الأوراق وتسترخي وفي ساعات أخرى تتحرك وتنبسط (1) من جهة أخرى فإن النباتات بشكل عام تأخذ في النهار ثاني أوكسيد الكاربون وتقذف بالأوكسجين وفي الليل تقوم بعكس ذلك ما يدل على أن حركة التننفس عندها تتغير وهذا من آثار عملية النوم واليقظة ، ويذكر أن نسوغ(2)الحياة في الليل تكون أكثر فعالية منها النهار وبالسنبة إلى النباتات .
ويرى كارل لينه (3) : إن ولادة الأوراد وموتها بشكل عام محددان بوقت وهذه الولادة عادة ما تتم في نهاية الليل قبل الفجر ونهايتها تكون في منتصف الليل (4).
إذاً فهناك دورة نشاط ودورة راحة تشبه النوم واليقظة عند كل من الإنسان والحيوان وهناك نباتات تتحرك حركة عكسية ـ كما في الحيوانات ـ مثل أزهار سهار الليل فإنها تتفتح مع حلول المساء وتستكين في النهار ولسنا هنا في صدد بيان كل ما يتعلق بدورة النوم واليقظة في الحيوان والنبات بل وحتى الإنسان وإنما نريد بيان حقيقة النوم وقد أوجب هذا الأمر علينا أن نتطرق إلى بعض جوانب دورة النوم واليقظة في الأحياء الأخرى .

(1) النوم أسراره وخفاياه : 11 .
(2) ولايخفى فأن هناك نسغ صاعد وآخر نازل .
(3) كارل لينه : karI.
(4) آية الكرسي : 139 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 31

ولا يخفى أن حركة النمو لاتتوقف في حالة النوم عند الأحياء كلها (1) .
وأخيراً فربما كانت هناك أحياء أخرى خضعت لدورة النوم واليقظة أو التسكين والنشاط ولكن لسنا بصدد أن نوسع البحث في هذا الجانب لأنه خارج عن موضوعنا الذي وضعت لأجله الموسوعة ، ولكن مما تجدر الإشارة إليه أن في دورة اليقظة والنوم عادة ما تتم الأولى في النهار والثانية في الليل ، ولكن هناك بعض الأحياء يختلف نمط دورتها وهذا ما أثبته العلم الحديث ومما يضرب به المثل الخفاش والذي قال عنها الإمام علي عليه السلام : « فهي مسدلة الجفون بالنهارعلى أحداقها وجاعلة الليل سراجا تستدل به في إلتماس أرزاقها فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشاً والنهار سكناً وقراراً » (2).
وأخيراً ليس آخراً فإن هناك جدل قائم حول ما إذا كانت حالة النوم مقدمة على حالة اليقظة أو العكس وقد ذهب إلى كل من الرأيين فريق من العلماء ولكن الأحاديث الشريفة في خلقه آدم تثبت بأن حالة اليقظة مقدمة على حالة النوم(3) ، ولا يجدينا هذا البحث نفعا في هذا المقام وليترك لمجاله (4).
ويبدو من آية الكرسي التي احتوت على السنة والنوم حيث جعلهما الله من الصفات السلبية له ، أن خصوصية ذلك لله سبحانه وتعالى دون غيره فالله هو الوحيد الذي « لا تأخذه سنة ولا نوم» (5) قال علي عليه السلام : « فلسنا

(1) وقد ذهب بعضهم إلى أن النمو يتوقف في حالة النوم حاله حال الموت الطبيعي إلا أنه شاذ . راجع دائرة معارف القرن القرن العشر ين 10/401 .
(2) نهج البلاغة : 333 .
(3) يفهم من كلام علي عليه السلام أمران أن النوم حاجة وليست مطلوبة عبر ذاتها والثاني أنها عارضة يقول عليه السلام :« أربعة : القليل منها كثير النار القليل منها كثير ، والنوم القليل منه كثير ، والمرض القليل منه كثير ، والعداوة القليل منها كثير » . بحار الأنوار : 56 / 329 عن الخصال : 238 . (4) من أراد بعض التفاصيل فليراجع دائرة معارف القرن العشرين : 10 / 405 . (5) سورة البقرة ، الآية : 255 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 32

نعلم كنه عظمتك إلا أنا نعلم أنك حي قيوم لاتأخذه سنة ولانوم « (1)وفي إتيانهما بعد كلمتي« الحي القيوم» التفاتة لطيفة :
1ـ إن الحي بشكل عام يخضع لعملية النوم ، وقد قال الصادق عليه السلام : « ما من حي إلا وهو ينام خلا الله وحده عز وجل » (2).
2ـ إن النائم لايكمنه أن يدبر أموره أو أمور غيره .
3ـ أن القيمومة تناقض النوم والسنة .
4ـ إن الله هو الذي يحفظ الناس في حالة اليقظة والنوم ، ومن هنا تقرأ آية الكرسي للحفظ باعتبار أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بين ذلك للناس فندعو له بأن يديم علينا حفظه .
5ـ ضرورة النوم للحي ، والذي يفهم منه هي حالة لتجديد قواه . وعن ضرورة النوم يقول العلماء : إن أكثر نمو الأطفال هو في حالة النوم ، بالإضافة إلى أنه راحة لهم ولذلك نجد أن الإنسان في مراحله تختلف حاجته إلى النوم ، وقد ذكروا حاجة الأطفال إلى النوم بالشكل التالي : المرحلة الأولى : 2ـ 4 أعوام 15 ـ 16 ساعة
المرحلة الثانية : 4ـ 7 أعوام 12 ساعة
المرحلة الثالثة :7 ـ 12 عاماً 10 ساعة
المرحلة الرابعة :12 ـ 16 عاماً 8:30 ـ 9 ساعة
ويعلل ذلك بأن الأجهزة والأعصاب عندهم في المراحل الأولى رقيقة وضعيفة لاتتحمل الإرهاق فكلما كبروا أزدادت المقاومة عندهم(3).
وما دام النوم حاجة للإنسان بل لكل حي نجد أنه ينظم حسب حاجته ، فالطفل لاينام في مراحله الأولى فترة واحدة في اليوم الواحد بل

(1) نهج البلاغة : 341 .
(2) سفينة البحار : 8 / 101 .
(3) راجع دانستنيهاى جهان علم : 413 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 33

عدة فترات ، وكلما كبر قلت تلك الفترات لتصل إلى فترة واحدة ممتدة وهي الليل ، وهناك حيوانات على هذه الحالة أي تنام في اليوم الواحد طوال حياتها فترات متعددة ومنها ما هي كالإنسان ومنها ما يكون فترة نومها فصلية أو أكثر من ذلك ، وذلك حسب حاجتها التي قدرها الله لها .
وأما الإنسان البالغ فهو الذي نظم حياته على النوم في الليل واليقظة في النهار بشكل عام حيث يقول الله تبارك وتعالى : « هوالذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهارمبصراً » (1)وقال عز من قائل : « ألم يروا أنا جعلنا الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا» (2)وقال عز وجل : « الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً» (3) وقال جل شأنه : « وجعلنا نومكم سباتاً ، وجعلناالليل لباساً ، وجعلنا النهار معاشاً» (4) وقال سبحانه وتعالى : « وهو الذي جعل لكم الليل لباساً وجعل النهار نشوراً» (5) وقال تعالى : « ومن أياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله » (6) وقوله الكريم : « ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله» (7).

(1) سورة يونس ، الآية : 67 .
(2) سورة النمل ، الآية : 86 .
(3) سورة غافر ، الآية : 61 .
(4) سورة النبأ ، الآيات : 9 ـ 11 .
(5) سورة الفرقان ، الآية : 23 .
(6) سورة الروم ، الآية : 23 .
(7) سورة القصص ، الآية : 73 .


السابق السابق الفهرس التالي التالي