دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 34

نظرة العلم الحديث إلى النوم


رغم حاجة الإنسان إلى النوم يومياً وتعايشه معه إلا أن معرفته به بقيت معرفة سطحية وبقيت حقيقته بين أخذ ورد ، وجاء العلماء الأطباء الأخصائيون يوماً بعد يوم محاولين أن يكشفوا لنا حقيقة النوم وعوامله وتأثيراته ، إثر تجاربهم العلمية ظهر عدد من النظريات .
وفيما يلي نورد أهم النظريات في العامل أو العوامل المؤدية إلى النوم حسب الترتيب الزمني :
1ـ نظرية التسمم الذاتي ( النظرية الكيمياوية ):



ظهرت هذه النظرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ( ق 13 هـ ) وذهبت إلى أن مواداً منومة تتجمع في الدم وفي السائل الدماغي الشوكي تؤدي إلى تسمم الدماغ وبالتالي يؤدي ذلك إلى النوم ، وفي هذه الفترة يتوقف ارتفاع نسبة التسمم أولاً ثم تبدأ عملية التخلص منه ، ويستعد النائم حينئذ لليقظة .
وقد التزم هذه النظرية عدد من العلماء منهم متشنيكوف (1) وهنري بيرون (2) وليجندر (3) وادوارد كلاباريد (4)

(1) متشنيكوف (metchnikov) : 1845 ـ 1916 م ( 1261 ـ 1334 هـ ) عالم روسي اختص بالحيوانات والميكروبات ، اشتهر بنظرية التهام الكريات بعضها بعضاً ، تلمذ على لويس باستور ( pastur ) 1822 ـ 1895 م ( 1237 ـ 1312 هـ ) العالم الفرنسي المكتشف لدواء الكلب بالتلقيح .
(2) بيرون ( H.pieron) عالم فرنسي .
(3) ليجندر ( Legendre) عالم فرنسي .
(4) ادوارد كلاباريد Edwayd، عالم سويسري في الفيزيولوجيا ( physioIogy) علم وظائف الأعضاء .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 35

وقد توصل كل من بيرون وليجندر إلى هذا الرأي بعد تجارب أجرياها على عدد من الكلاب وذلك منذ عام 1913 م ( 1331 هـ ) حيث كانا يحولان بين عدد من الكلاب وبين النوم لفترة طويلة نسبياً بحيث أشرفت على الإجهاد والإعياء وعندها عمدا إلى مصول ( serum ) دمائها فأخذا يحقنانها في أوردة كلاب أخرى قد أيقظت لتوها من النوم فوجدا أنها تستسلم للنوم فوراً ثم أعادا التجارب بشكل آخر وذلك أنهما أخذا السائل الدماغي الشوكي (1) وحقناه في البطينات الدماغية (2) فكانت النتيجة واحدة ، وقد سميا تلك المواد المنومة (3)بالتوكسينات المخدرة ( Hyponotoxins ) ، وعبرعنها متشنيكوف بالحامض حيث قال : وظن كثيرون أن حامضاً (4) يتخزن أثناء عمل الأعضاء ويزيد إلى حد لا يعود باستطاعة الجسم احتماله فيتخلص منه بالنوم (5) وسماها بعضهم بالروتوجين .
وقال آخرون : إن النوم لايحصل من تولد حامض اللبنيك إلا من بعض المواد القلوية التي سماها غوتيه (6) باللوكومافين حيث أنها تؤثر في المراكز العصبية وتحدث تعبا ونوما .
وفي عام 1982 م (1402 هـ ) توصل جون بنهايمر (7) بعد التجارب الحثيثة والمتواصلة أن المادة المنومة قوامها من أربعة أحماض وهي :
1ـ gIutaminAcide( حامض أميني متبلور ) .
2ـ AIanine

(1) الدماغ الشوكي (cerebro spiraI Auid) .
(2) البطين الدماغي (cerebraI ventricIes) وهي التجاويف المخية .
(3) النوم أسراره وخفاياه :80.
(4) ولعله أراد به حامض اللينيك حيث هو أهم الحوامض التي توجب النوم .
(5) دائرة معارف القرن العشرين : 10 / 400 وفيه : « أن هذه المواد السامة تفرز بعد النوم من الجسم ويزول الاضطراب الذي حصل » إلا أنه لم يذكر طريقة الإفراز ولعلها عبر البول حيث إن الدكتور جون بنهايمر الأمريكي لما أراد الحصول على المادة المنومة أخذها من بول الإنسان بنسبة غرام واحد إلى حوالي 126 ألف طن .
(6) غوتيه :
(7) بنهايمر :
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 36

3ـ DiaminopimeIic
(1)Muramic Acide
ولكن يرد على هذه النظرية أمور :
1ـ لابد من التدرج في النوم فكلما زادت نسبة هذه المواد لابد وأن يأخذ الإنسان نحو الكسل والنوم وهذا لايحدث عادة .
2ـ ينتقض بنوم الأطفال الذين لم يجهدوا أنفسهم لتتولد فيهم هذه المواد المنومة وعلى هذا فالمفروض أن يكون نوم الأطفال قليلاً جداً والعكس هو الصحيح (2).
3ـ ينتقض أيضاً بنوم من أجهد نفسه ثم يخضع للنوم فترة قصيرة فينام نوماً خفيفاً ليقوم بعده وهو في كامل نشاطه مع العلم بأن فترة نومه لم تتجاوز خمس عشرة دقيقة ، وهذه الفترة غير كافية للتخلص من تلك المواد المخدرة .
4 ـ تجربة أجريت على أختين توأمين من سيام(3) ولدتا وهما متصلتان ، وقد كان جهاز الدورة الدموية مشتركاً بينهما ، بينما كان الجهاظ العصبي مستقلا لكل منهما ، إذ زرقت إحداهما المواد المنومة فلم تتأثرالأخرى بذلك ، وفي حالتهما الطبيعية كان النوم والنعاس عند كل منهما

(1) النوم أسراره وخفاياه : 87 .
(2) وأجيب عن هذا الرد « بأن النوم الطويل عند الأطفال يرجع إلى أن الطفل تتأثر اعصابه بسهولة ويؤثر فيه أقل شيء من العوامل المؤثرة » ولكن لم يثبت أن المواد السامة تتولد بسهولة عندهم، نعم إن الطفل يؤثر فيه الجهد القليل سريعا وذلك لطراوة أعصابه وضعف أجهزته .
وهنا من ردهم بالأرق الذي يصاب به المرء رغم الجهد والتعب فلا يخضع جسمه وحواسه إلى النوم وأجيب عن هذا بأنهم في هذه الحالة يخسرون قسماً من حساسة العناصر العصبية وأعصابهم تتهيج بسهولة ، أي أن المنبهات عندهم قوية ولكنا نرد عليهم بأن معنى ذلك أن التسمم يتصاعد لأن النوم على ما قالوا يزيل التسمم فإذا أرق الإنسان وتعب قالسم يزداد فماذا لايموت بسرعة فائقة .
(3) سيام : اسم سابق لدولة تايلاند ، عاصمتها بانكوك تقع في الجنوب الشرقي من آسيا بين دولة بورما ولاوس وكميوديا وماليزيا ، ولها ساحل على بحراندامان .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 37

متفاوتين فقد كانت إحداهما يقظة والأخرى نائمة وبالعكس كما كانت فترة النوم عندهما متفاوتة .
5ـ ينتفض أيضاً بالتنويم المغناطيسي . ولا يخفى أن هذه النظرية تبناها الماديون .

حالة الكظر
حالة الكظر(1) في المصل بالميكروغرام في يوم كامل (2)


(1) الغدة الكظرية (suprarenaI) سميت بذلك لأنها مادة شحمية وهي فوق الكلية تزن 5ـ 7 غرامات لها قشر ولب تفرز هرمونات كثيرة ، والكرتيزول : هرمون يفرز من قشر الكظرله وظائف كثيرة مهمة في جميع أنحاء الجسم وأعضائه ، يتراوح إفرازه في اليوم الواحد بين (15ميكروغرام / 100 مل ) تقريباً ، يكون تركيزه في المصل في الصباح ويتراوح عادة بين 9ـ 24 ميكروغرام / 100 مل في الساعة الثامنة صباحا ، بينما في الساعة الرابعة مساءا يتراوح من 3 ـ 12 ميكروغرام/100 مل .
(2) مستويات حالة الكظر ( الغدة الكظرية ) و11 هيدوكسي كرتيكوئيدات في مصل ( دم ) شخص سوي وقد أجريت المعايرة كل نصف ساعة ، مما يتبين إن إفراز حالة الكظر النوبي مع زيادة كل من حاسة الكظر والكورتيزول ( كرتيكوئيدات )خلال ساعات الصباح الباكر .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 38

2ـ نظرية مركز النوم العصبي ( النظرية العصبية ) :



ذهب جمع من علماء علم وظائف الأعضاء ( الفيسيولوجيا ) إلى أن للنوم مركزاً خاصاً في الدماغ هوالمسؤول عن التنويم وقد توصلوا إلى هذه النظرية من باب الصدفة حيث كانوا يجرون عملية جراحية لأعصاب الدماغ دون الاستعانة بالمخدر ، وفجأة شاهدوا أن المريض استسلم إلى النوم بمجرد أن أدراتهم مست كتلة عصبية وقاموا بالتجارب في هذا الحقل فوجدوا أنهم كلما مسوا هذه الكتلة العصبية كلما سيطر النوم على الشخص ومضوا قدماَ في تجاربهم إلى أن التزموا هذه النظرية .
وممن التزم هذه النظرية اكونومو (1) وموتنر(2) وهولزر(3) وبت (4) ولوكش (5) وبوغايرت (6)وهيس (7)وغيرهم .
وحاصل ما توصل إليه العلماءعبر تجاربهم المتكررة على الإنسان والحيوان وبالأخص اكونومو وهيس هو أن منطقة معينة من الدماغ تسمى الدماغ المتوسط «Diencephaion» أو مهاد المخ «ThaIamencephaIion» أو سرير المخ «ThaImencephaIon» والذي إفترض وجوده تحت السريرالبصري يتم التنبيه عليه بواسطة موجات الدماغ فيولدحالة النوم(8)ولكن بافلوف الروسي (9)أنكر وجود مركز للنوم في الدماغ وفسر كل هذه الظواهر التي لاحظها أكونومو النمساوي وإعتمدها هيس السويسري بأن حاجبا أو مانعاً يمنع من أيصال أو نقل الرسائل العصبية الآتية من جميع أرجاء الجسم

(1) اكونومو «C.Economo» ... م ( هـ ) عالم الفيسيولوجيا ( علم وظائف الأعضاء) النمساوي .
(2)موتنر «Mauthaner» .
(3) هولزر «HoIzer».
(4) بت « pette» .
(5) لوكش«Lucksch» .
(6) بوغايرت «Bogaert».
(7) هيس «W.R. Hess».
(8) النوم أسراره وخفاياه : 90 .
(9) بافلوف : مضت ترجمته .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 39

إلى الدماغ وخاصة قشرته وبانقطاعها يحدث النوم ، وبمعنى آخر لا تستمر اليقظة ، ولإثبات ذلك قام أحد تلامذته بتجربة على أحد الكلاب وقطع أعصابه التي تصل المخ بأعضاء الشم والسمع والبصر فوجده نام واستغرق في النوم .
وبهذه التجربة نسف كل ملاحظات اكونومو وهيس وفسرها بتفسيراته التي أشرنا إليها ، ومع هذا فهو يرى أن النوم قد يحصل أحياناً بفعل رسائل عصبية صادرة من الدماغ نفسه يبدأ تأثيرها ومفعولها أولاً وقبل كل شيء في جعل الدماغ نفسه في حالة النوم ، وذلك ابتداء من قشرته وإذا ما نامت القشرة حصل النوم في أرجاء الدماغ فالجهاز العصبي المركزي بأكمله ثم أقسام الجسم الأخرى .
ولكن كلامه هذا مردود بالتجارب التي أجريت على الكلاب وغيرها حيث انتزعت منها قشرة الدماغ وكذلك هناك من خلق منزوع القشرة أوما شابه ذلك ومع هذا فالحيوان أو الإنسان يخضع للنوم أيضاً ، وهذا هو الذي دفع بعضهم إلى القول بأن جذع الدماغ «Brain stem» أي المخ العميق له تأثير في عملية اليقظة والنوم إلى جانب قشرة الدماغ .

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 40


مقطع أمامي خلفي للمخ
مقطع أمامي خلفي للمخ مار قرب الثلم بين الفصين ( نصف الكرة المخية اليمنى )
1ـ جيب الجسم الثفني .
2ـ الجسم الثفني ، ركبته وحدبته .
3ـ النواة المذنبة .
4ـ الامتداد الجبهي للبطين الجانبي .
5 ـ مقطع في المثلث .
6ـ السرير البصري .
7ـ المنطقة تحت السرير .
8ـ الملتقى البصري .
9ـ ملتقى أمامي .
10 ـ منطقة الحدبة .
11ـ الحديبة .
12 ـ النواة الحمراء .
13ـ الحديبيات .
14ـ المخيخ .
15 ـ الحدبة الحلقية .
16 ـ البصلة .
17 ـ البطين الرابع
18 ـ قشرة الدماغ

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 41

3ـ نظرية شبكة النوم واليقظة ( النظرية الشبكية ) :



وأخيراً ليس آخراً ـ حيث ننتظر تقدم العلم ـ رأى بعض العلماء أن عملية النوم مرتبطة بقشرة الدماغ ( اللحاء ) وجذع الدماغ ( المضيق ) وما تحت القشرة وقد أثبتت ذلك تجارب كل من ماكون (1)وموروزي (2)أللذين ذكرا أن هناك ارتباطات معقدة ومتبادلة الأثر بين قشرة الدماغ وبين الأقسام الواقعة تحتها لاسيما جذع الدماغ أو ساقه وخاصة ما يسمى بالجهازالشبكي وإن هذه الارتباطات بالغة الأهمية في نقل الرسائل العصبية والإثارات من ساق الدماغ إلى قشرة المخ وبالعكس .
وبعد التجارب المتواصلة توصلت آخر النظريات إلى أن مناطق متعددة في الدماغ لها ارتباط بعملية اليقظة والنوم ولعل من أهمها :
1ـ التكوين الشبكي (3) ReticuIar Formation
2ـ الحافة (4) Raphe
3ـ اللحاف (5)Tagmentum
4ـ الجسم الأزرق (6) CoeruIeus

(1) ماكون :
(2) موروزي :
(3) التكوين الشبكي : عبارة عن مجموعة من الخلايا العصبية موزعة ومتناثرة في جذع المخ ( الدماغ المتوسط ) وإنما سميت بذلك لأنها ترتبط بشبكة معقدة من الألياف العصبية مع سائر مناطق المخ أو ما يعرف باسم المراكز العليا .
(4) الحافة : عبارة عن مجموعة من النويات العصبية والممتدة في وجودها من النخاغ المستطيل حتى الدماغ المتوسط ، وفي خضم التجارب توصلوا إلى أن هذه النوبات العصبية تحتوي على الأمين الحيوي المسمى بـ « السيروتونين » .
(5) اللحاف : وتسمى الخلايا العظمى للغطاء ، وهي مجموعة من الخلايا توجد في منطقة القنطرة تتفاعل مع الجسم الأزرق من أجل تغيير النوم المتزامن (S) إلى النوم غير المتزامن (D) وبالعكس ، وقد توصلت التجارب بأنها عندما تبدأ في إطلاق شحناتها بسرعة فإن شحنات الجسم الأزرق تقل ، وعندها ينتقل إلى النوم غير المتزامن .
(6) الجسم الأزرق : إن مكان الجسم الأزرق يحتوي على النورأدرينالين ، كما أن الحزمة النورادرينالية الخلفية وهي مسارات عصبية فيها نورادرينالين ، تنشأ منه ، =
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 42

5ـ اللحاء (1) (2)CerebraI

مقطع يظهر منطقة الجسم ألأزرق والحافة
مقطع من الدماغ يظهر فيه منطقة الجسم الأزرق والحافة


= وهذه الحزمة أي المسار النورادرينالية الخلفية التي تنشأ منه لها دخل في عملية اليقظة ، بينما زيادة نشاط نوبات الحافة معناه زيادة السيروتونين الذي يثبط نشاط التكوين الشبكي وبالمآل يوجب زيادة النوم .
(1) اللحاء : أو قشرة الدماغ ، إن خلايا قشرة الدماغ عندما تكون فيه حالة من النشاط والفعالية والإثارة فإنه يؤدي إلى اليقظة ، بينما تثبيطه أو استنصاله يقود إلى النوم .
(2) النوم أسراره وخفاياه : 96 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 43


مقطع في جذع الدماغ
مقطع في جذع الدماغ


مقطع يظهر التشكيلات الشبكية
مقطع من الدماغ تظهر فيه التشكيلات الشبكية

التشكيلات الشبكية .
= التنبيهات الصادرة عن المستقبلات الحواسية ومناطق القشرة والجهاز اللمبي ، وتحت السرير .

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 44

4ـ نظرية التوعية الدموية ( النظرية الفيزياوية ):



ذهب عدد من العلماء إلى أن دورة النوم واليقظة ترتبط بدوران الدم فعندما يقل الإرواء الدموي للدماغ وينقص مقدار الدم الوارد إليه يحدث النوم(1) ، وأبرز من إلتزم هذه النظرية هو موسو(2) بعدما قام بتجارب في هذا المجال والتي من أبرزها أنه صنع ميزاناً على هيئة سرير وأنام عليه شخصاً وراقبه في حالة النوم واليقظة فلاحظ أن طرف الرأس يرتفع في حالة النوم بينما يرتفع طرف الرجلين في حالة اليقظة وبمعنى آخر إن طرف الرأس في حالة النوم يصبح خفيفاً وفي قبال ذلك يثقل طرف الرجلين والعكس تماماً في حال اليقظة .
وقال آخرون : إن العكس هوالصحيح أي أن زيادة الدم الوارد إلى الدماغ هوالذي يستدعي النوم مستدلين بأن من يصاب بالنزف في دماغه يغمى عليه .
وذهب ويبر(3) وآخرون إلى أن أكثر الدم في حالة النوم يتوزع ما بين جوف البطن والأطراف (4).
ومن ذهب إلى كون كثرة الدم في الدماغ إنما يوجب النوم مستدلاً بحالة النزف الدماغي إنما يقدم على مغالطة كبيرة حيث إن هذه الحالة لا تعد حالة صحية وأما النوم فهو حالة صحية كما سبق ذكره .
وأما بالنسبة إلى الرأيين المخالفين فعلى فرض صحة أحدهما فهو لا

(1) من الضروري بيان بعض المعلومات عن دوران الدم :
1ـ أن ليترا واحداً من الدم يجري في شبكة العروق المعقدة كل دقيقة 110 كليومترات ، 2ـ أن سرعة جريان الدم في الدماغ 150 ضعفاً من جريانه في سائر الأعضاء ، 3ـ أن الدماغ بحاجة ماسة إلى الأوكسجين والدم يزوده بذلك فلا يمكن قطعه عنه ، 4ـ الدماغ يموت نهائياً إذا لم يصله الدم خلال عشرين دقيقة ، 5ـ الدماغ يختل ولايمكن إصلاحه إذا لم يصله الدم خلال 15 دقيقة بينما بعض الأعضاء لها قابلية البقاء بلا دم مدة 3 ـ 4 ساعات .
(2) انجلوموسو ( ANGLO MOSSO) ... م ( هـ ) عالم إيطالي فسيولوجي .
(3) آرنست ويبر( A.Weber) ... م ( هـ ) عالم الماني فيزيولوجي .
(4)النوم أسراره وخفاياه : 75 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 45

يبين حقيقة النوم وإنما يببين آثاره لا أنه السبب المباشر للنوم .
وهذه النظرية هي في الحقيقة من النظريات القديمة .
5ـ نظرية الإثارة والكف ( النظرية التذبذبية ) :



لقد أعلن العالم الروسي بافلوف ـ السابق الذكر ـ في عام 1935 م ( 1354 هـ ) أي قبل وفاته بسنة واحدة : إن النوم واليقظة هما عملية الإثارة والكف ولم تأت هذه النظرية إلا بعد دراسة دامت خمساً وعشرين سنة استخدمها في التجارب والدراسات المضنية حتى قال كلمته الأخيرة : « الكف نوم مجزأ ومبعثر يمس مناطق محصورة ومحدودة يقع بمؤثرات هي على نقيض المنبهات في حين أن النوم كف ينتشر في مناطق واسعة من نصفي كرة الدماغ حتى يشملها أحياناً بل قد يبلغ الدماغ المتوسط (1). إذاً فالكف هوالنوم والإثارة هي اليقظة .
فالكف يتحول إلى النوم كما أن النوم يتحول إلى الكف .
وهكذا فهما ظاهرتان متماثلتان من حيث الأساس .
فمن كفت عنه الرسائل العصبية يستغرق في النوم .
ومن نام فقد كفت عنه الرسائل العصبية .
وعملية الكف والإثارة قد تكون عواملها خارجية وقد تكون داخلية ، فالخارجية هي تهيئة الظروف البيئية المحيطة الملائمة والمناسبة للنوم وذلك عن طريق إقصاء وإبعاد أكثر قدر ممكن من المنبهات والمثيرات الخارجية أو إزالتها كلياً والسعي مثلاً إلى الهدوء وحجب النور وما إلى ذلك .
والمثيرات الداخلية التي تأتي من أحشاء الجسم عبر اعضاء الحس الداخلية مرورا بمراكز من الدماغ الواقعة تحت المخ كألألم وغيره .
فهذه المثيرات الداخلية والخارجية التي كانت تصل إلى نصفي كرة المخ أثناء اليقظة فتثيرهما إذا أنقطعت عن قشرة المخ وتلاشت يؤدي ذلك

(1) النوم أسراره وخفاياه : 139 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 46

بشكل غريزي عضوي إلى توقف عملية الإثارة عن العمل فتحل محلها عملية الكف التي تكون موضعية ومحدودة في البداية ثم تأخذ بالانتشار تدريجيا في جميع أنحاء قشرة المخ ومنه إلى الأجزاء الأسفل منه بالتأثير حتى تصل إلى جميع أرجاء الجسم دون أن تجد في طريقها أي عائق ، مؤدية بذلك إلى النوم .
وإلى هذا يشير العالم بوظائف الأعضاء سجنوف (1): إن المرأة المريضة التي فقدت جميع أعضاء الحس إلا اللمس والإحساس العضلي في إحدى يديها كانت تستسلم للنوم طوال اليوم تقريباً ولاتحدث عندها اليقظة إلا فترات قليلة ولحظات متقطعة .
واستشهد الطبيب الألماني سترمبيل (2) على ذلك بمريضه الشاب الذي فقد إحدى عينيه وإحدى أذنيه وإحساسه الجلدي باللمس فكان يستسلم للنوم بعد أقل من دقيقتين عندما تغمض عينه السليمة وتسد أذنه الصحيحة (3) .
ونستنتج مما قدمناه أن النوم هو الأساس وأن اليقظة هي الطارئة فلولا المنبهات لما بقي الإنسان يقظاً وهذا بحث شائك يحتاج إلى دراسة مفصلة وبشكل واسع ولسنا الآن بصدده .
وما قدمه العلماء من نظريات وتجارب في هذا المجال لايعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى النوم ، بل النوم الطبيعي هوالأساس الذي يفرض نفسه على الإنسان وغيره وهي الحاجة إلى الراحة ، راحة الأعضاء والجوارح وهوالأمر الذي عبرعنه بافلوف في خطابه في مؤتمر لينينغراد (4) :

(1) سجنوف ( ) : 1829 ـ 1905 م ( 1245 ـ 1323 هـ ) .
(2) سترمبيل .
(3) النوم أسراره وخفاياه : 141 .
(4) لينينغراد : مركبة من كلمتين « لينين + غراد » وهي مدينة في غرب روسيا ومرفأ على نهر نيفا ، وهي مدينة صناعية وثقافية كانت عاصمة لروسيا القديمة وكانت تسمى بتروغراد ، ولما حكم الشيوعيون تلك البلاد أيام لينين تحول الاسم إلى لينين غراد ، واسمها الأسبق هو « سان بترسبورغ » ، وغراد تعني في اللغة الروسية القديمة بمعنى « مدينة » .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 47

« كف يحدث وينتشر ويعم ويستر سطح المخ فيحدث النوم أو يكون النوم » .
« كف يحدث فينقل خلايا من تعب ونصب إلى راحة وإستجمام حتى إذا زال عنها عادت نشيطة فاعلة » .
«كف لابد من حدوثه حتى يحمي الكائن وأعصابه من دمار وهلاك ».
«كف يحدث حتى يحمي الكائن من مثيرات عنيفة قد تخربه وتتلفه إذا استمرات » .
عندها صفق له العلماء الحاضرون مؤيدين نظريته حول النوم (1) ولا يخفى أن الآية الكريمة قد أشارت إلى هذا المعنى قبل ذلك بقرون حيث قال عز من قائل في أصحاب بدر : « إذ يغشيكم النعاس أمنة منه» (2) إذاَ فالنوم نومان طبيعي يأتي ضمن نظام دورة اليقظة والنوم التي سنها الله للإنسان وغيره أمانا له ، وليس له إرتياط بالمؤثرات الخارجية ، فلو أن ألإرهاق وصل لدى ألإنسان إلى ذروته فلا أزيز الطائرات المقاتله ولا نور الشمس الساطعه تمنعانه من النوم شرط أن يكون مأموناً منهما.
ونوم يتأثر بالعوامل الخارجية كهدهدة الأم لطفلها وانقطاع النور والضوضاء والمكان الملائم الذي يولد النوم لدى الإنسان فيما إذا تمت الشروط كلها ، ولعل من ذلك التنويم المغناطيسي المترافق مع الإيحاء والمؤثرات الخارجية .
وهناك أنواع أخرى من النوم كالنوم الكيمياوي وغيره لعلنا نبحثه في مكان آخر إن وجدنا لذلك ضرورة .
ولعل الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام استخدم مسألة الإثارة والكف في اتحاد التوأمين أو عدم اتحادهما ، حيث روي أن امرأة ولدت على فراش زوجها ولداً له بدنان ورأسان على حقو واحد فالتبس الأمر على أهله أهو

(1) النوم أسراره وخفاياه : 146.
(2) سورة الأنفال ، الآية : 11 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 48

واحد أو اثنان فصاروا إلى أمير المؤمنين عليه السلام يسألونه عن ذلك ليعرفوا الحكم فيه ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : اعتبروه إذا نام ثم نبهوا أحد البدنين والرأسين فإن انتبها جميعاً في حالة واحدة فهما إنسان واحد وإن استيقظ أحدهما والآخر نائم فهما أثنان وحقهما من الميراث حق اثنين (1) .

جهاز النوم واليقظة
جهاز النوم واليقظة في الدماغ
.
6ـ نظرية النوم عادة وراثية ( النظرية الوراثية ) :



يرى الدكتور راي ميديس (2) أن النوم عادة توارثها الأبناء من الأجداد وقد نشأت في ظل الشعور بالأمان والطمأنينة من الإيواء إلى الكهوف عند الظلام حفاظاً على بقاء وإستمرارية الحياة ففي ظل أمان الكهف ودفئه كان الإنسان البدائي يستغرق في النوم وهكذا أصبح عادة وراثية يتلجئ إليها كلما أظلمت الدنيا وكلما كان يشعر بالحاجة إلى الراحة .

(1) الإرشاد للمفيد : 102 .
: جهاز اليقظة .
: جهاز النوم .
(2) ميديس ( ) أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة لندن التقنية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 49

ويرى أن الإنسان إذا شعر بأمان واطمئنان أكثر في حياته أصبح أقل إلحاحاً وحاجة إلى النوم بغية الشعور بالمزيد من الأمان والاطمئنان .
وتزعم سيدة بلغت من العمر واحداَ وخمسين عاماًَ ـ آنذاك ـ أنها لم تنم أبداً طيلة الثلاثين عاماً الأخيرة فهي تقضي فترة الليل كله جالسة على كرسي مستيقظة وهذا الأمر لم يسبب لها أي مشكلة حتى الآن ولم يمنعها من ممارسة حياتها بصورة عادية جداَ (1).
إن هذه النظرية منقوضة بأمور كثيرة لاتخفى على أحد ولاحاجة إلى بيانها ولكن لابأس بالإشارة إلى بعضها وهي :
1 ـ لماذا لم يتمكن ألإنسان من التخلي عن هذه العادة رغم تمكنه من التخلي عن عادات أخرى وكثيرة ، كان أجداده ملتزمين بها .
2ـ لماذا يخضع الطفل لدورة النوم واليقظة وهو بعد لم يتأثر بعادات الأهل ، ولامجال للقول بأن النوم عادة وراثية عضوية شأنها شأن بعض الأمراض الوراثية والأشياء العضوية الموروثة ، ولا القول بأنه أعتاد عليه في رحم أمه من خلال الممارسة القسرية للنوم حيث كان لابد له من النوم خلال فترة نوم الأم ، وذلك لأن الجنين لايسكن حتى حين تستغرق الأم في النوم .
ورغم أنني مارست قبل عدة عقود النوم المصطنع الذي مارسته تلك المرأة ــ تهرباً من النوم وكإحدى تجاربي في الحياة ـ وكنت أستلقي على ظهري وأبعد عن نفسي كل المنبهات وأغمض عيني ـ وحتى التفكير كنت أبعده عن نفسي فأبقى فترة ماشئت في حالة راحة تامة دون أن تضرب غشاوة على السمع أوالمخ معوضاً ذلك عن النوم الطبيعي إلا أنني أعترف وبكل صراحة بأنها كانت عملية مقاومة للنوم الطبيعي أكثر مما هي عملية راحة فلا يمكن الاستمرارعليها إلا بخلق حالة المقاومة الدائمة وعدم الاستسلام إلى النوم الطبيعي وهذا بحد ذاته أمر متعب لايمكن الاستمرار عليه بسهولة ودون إرادة قوية وقد لا يمتلكه الكثيرون .

(1) النوم أسراره وخفاياه 159 .


السابق السابق الفهرس التالي التالي