دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 50

و قد دلت التجارب وصرح الأخصاثيون القدامى والجدد بأن الحرمان من النوم يورث العديد من الأمراض وعلى رأسها الأمراض العصبية كما أن النوم يجدد حيوية الإنسان لاستقباله معركة الحياة ثانية وممارسة أعماله بشكل طبيعي .
7ـ نظرية القوة الروحية ( النظرية الروحية ):



يرى الدكتور ميارس(1) أن النوم هو الأصل في دورة النوم واليقظة وأن اليقظة طارئة (2) إذاَ فالنوم ليس سالباَ بل موجب ويستدل بأننا لايمكننا إطالته أصطناعياَ إلا باستمداد سيال الحياة الذي يجلبه لنا النوم ، وأيضاً فهو مسلط على الإنسان في الحالة الجنينية والحالة الطفلية .
لذلك فهو يرى أن كل نشاط جديد يبتدئ من النوم وكذلك يبتدئ منه كل إقدام من إقدامات القوى المتيقظة .
ويرى أن النوم مرتبط بالروح الذي مازلنا بعيدين عنه على حد تعبيره.
ويضيف قائلاً بعد سرد جملة من المؤيدات : بأن الإنسان يحمل جسماً ترشده وتملكه روح ، إننا نعيش في عالمين معاً نعيش في حياة

(1) ميارس ( F.W.H.M) أستاذ بجامعة كمبردج البريطانية .
(2) جدل قائم منذ القديم حول الدجاجة والبيضة أيهما يسبق الآخروليس هذا الجدال خاص بالدجاجة والبيضة بل وارد في الليل والنهار، وفي اليقظة والنوم وسيأتي البحث عنه في مكان آخر من الموسوعة إن شاء الله تعالى ، ولكن أجمال مسألة النوم اليقظة أن المصادر الإسلامية توحي إلينا بأن الإنسان الأول آدم عليه السلام عندما خلق وأولج فيه الروح كان يقظاً إلا إذا اعتبرت حالة عدم ولوج الروح فيه حالة نومية ، مضافاً إلى ذلك أن فلسفة خلقة الإنسان هي الإطاعة لله الواحد كما تشير الآية الكريمة « وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» (الذاريات : 56 ) فبمقتضى ذلك لابد وأن تكون اليقظة أصيلة والنوم طارئاَ ، وأما الآيات التي ورد فيها النوم فلا دلالة لها على أصالة النوم ، كما أن ما رواه محمد بن أحمد الأقرع عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام : الأئمة حالهم في المنام حالهم في اليقظة لايغير النوم منهم شيئاً « البحار : 25 / 157 » فيه دلالة ولو من بعيد على أن النوم طارئ ، واليقظة هي الأصل .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 51

كوكبية في هذا العالم المادي الذي أعد جسمنا ليؤثر فيه ونعيش معيشة كونية في العالم الروحاني أو عالم ما فوق الأثير الذي هو المركزالطبيعي للروح ، هذا العالم الأخير هو الذي يعطي القوة المعدة لتجديد الجسم كلما دثر ونحن لانستطيع أن نفهم كيفية التجديد ولكنا نستطيع أن نتصوره على هيئة استعداد بروتوبلاسمي (1) أوعلى هيئة علاقة بين البروتوبلاسما والأثير وبين شيء موجود فيما بعد الآثيرلايفيد البحث فيه الآن ، وذلك لأنه يمكننا بالاعتماد على المفردات العلمية والمعروفة وحدها أن نأمل الوصول إلى تحديد للنوم أوفى من التحديدات التي لدينا إلى الآن فيجب علينا والحالة هذه ان نؤجل هذه المحاولة إلى الوقت الذي نكون قد حصلنا على مقررات علمية غير المقررات المعروفة الخاصة بما يحدث أو لا يحدث أثناء النوم .
ويضيف قائلاً : النوم يشتمل حقيقة على عنصر يفوق خاصة كل ما يمكن مشاهدته من هذه الوجهة في حالة اليقظة ، وقد تقرر بأن خاصة تعويض القوى التي تشاهد في النوم الطبيعي هي خاصة ذاتية له ، لايمكن للراحة التي يأخذها الإنسان في أثناء يقظته أن تحصلها له ، فإن لحظات من النوم أو فترة قصيرة من فقد الشعور بالذات تحدث أحياناً تقوية حقيقية يستحيل الحصول عليها حتى لو اضطجع الإنسان يقظاً ساعات في حالة سكون تام في الظلام ، بل إن ميلة خفيفة من الرأس على الصدر على شرط تعطل الشعور بالذات ثانية واحدة أو ثانيتين يكون من ورائها تغيير يشكل نظرنا للكون في مثل هذه اللحظات ، ويشهد بذلك معي أكثر من و احد إذ يشعر الإنسان بأن الذي يحدث في الجسم وما يكون من تغيير حالة الدورة الدموية وغيرها يكون غير متواصل، ويشعر أيضا بانه يحدث تعطل للحركة الداخلية سببها غير ما يعهد من ارتفاع المؤثرات الخارجية ، وتعطل الشعور بالذات الذي يصاحبه لدرجة معينة تغيير فسيولوجي قوي ، أي أنه في أحوال النوم الاعتيادي الوقتي نشعر بظهور تلك القوة المعوضة في النوم المغناطيسي .

(1) برتوبلازم ( ) : المادة الحية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 52

هذه القوة المعوضة هي التي توجد فيما بعد الخط الأحمر من طيف شعورنا المتيقظ ، حيث نشاهد زيادة في القوة المراقبة على الوظائف الأساسية للحياة الجسدية ، ولكننا لو اجتزنا حدود طيف الشعور في حالة اليقظة ، وحينما تصل إلى حالة مراقبة العضلات الإدارية أو القوة الحسية(1) ، نرى أن مقابلتنا النوم باليقظة تصير أقل بساطة فإننا نشاهد من جهة تعطلاً عاماً للحواس ووقفاً لكل مراقبة على القوى اليقظة أو كلما يحدث في حالة النوم الجزئي نشاهد إنقلاب هذه القوى في حلم غير منتظم إلى حالة خيالات وهمية ، ومن جهة أخرى نرى أن النوم يكون عرضة لتطورات عجيبة وأن الليل يفوق أحياناً فجأة النهار من جهة اشتغال النائم بالأعمال الشديدة التركب .
وإن المثال الأعم الذي يستشهد به في مثل هذه الحال هو ما يظهر في حالة النوم المغناطيسي من قوة الذاكرة وإلمامها بماضي الإنسان وهو في حالته العادية وعدم وجود أثر للذاكرة عنده وهو في حالة اليقظة فيما يختص بحالته في النوم المغناطيسي .
ثم استطرد قائلاً : أن النائم قد يحاول أموراً عقلية عزت على عقله وهو في حالة اليقظة مستجمعاً جميع حواسه وحلها وهو نائم ، مثل ذلك : المسائل الرياضية التي عجز العلماء عن حلها في أثناء الحياة العادية وإستطاعوا حلها وهم في أثناء النوم (2) ، وما رواه العلامة آغاسي (3) عن نفسه من أنه عجز عن استجماع عظام هيكل العظام وأصبح فوجدها على ما يجب من النظام (4) .
وذكر أيضاً : أن التجارب قد أثبتت أن الإنسان قد يرى في نومه

(1) أي المتعلقة بالحواس الخمسة .
(2) وبالفعل فإن عدداً من المسائل التي تبقى شائكة لدي عند دراستي في النهار أجدها محلولة بشكل أو بآخر في النوم وفي الصباح أعود إلى دراستها حسب الأطرالتي رأيتها في الرؤيا فأجدها وافية بالغرض .
(3) آغاسي :
(4) وسيأتي تفصيل الكلام عنها في بحث الرؤيا من هذا الباب إن شاء الله .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 53

حوادث مستقبله ما كانت تدور بخلده فتحدث كما رأى (1) .
ولا شك في صحة قوله : « أن الانسان يحمل جسماً ترشده وتملكه روح » وكلاهما مؤثران في مسألة اليقظة والنوم ولكن نختلف معه في بعض التفاصيل .

(1) راجع دائرة معارف القرن العشرين : 10 / 409 عن كتاب الشخصية الإنسانية لميارس الإنكليزي .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 54

حقيقة النوم

ومهما فسرنا النوم بكلمات إلا أن حقيقته خفية علينا وعلى الأقل حتى الآن ، وكل ما ذكروه من نظريات سواء الكيماوية أو الروحية أو الفيزيائية أو الشبكية أو العصبية أو التذبذبية أو الوراثية فإنها وإن لم تكن بعيدة عن حقيقة إلا أنها ليست حقيقته تماماً ، وإنما هي أمور ملازمة له وأدوات مسيرة لعملية النوم واليقظة ، ولاشك أنها من أمر ربي ولكن الذي لايمكن إنكاره هي الامور التالية :
1ـ التغيير الكيفي الحاصل عند النوم في الدورة الدموية .
2ـ التغيير الكمي الحاصل عند النوم في مواد الدم .
3ـ التغيير الحاصل في حالة الأعصاب .
4 ـ التغيير الحاصل في حالة الخلايا .
5ـ التغيير العضوي للجسم بشكل عام .
6ـ التغيير في الحواس .
وفي الحقيقة لايمكن أن ننكر أيضاً أموراً من أهمها :
1ـ أن النوم واليقظة من الحقائق التي نظمت على الشريط الجيني بحيث أصبحا جزئا من طبيعة الإنسان ، نعم يمكن حذفهما أو التلاعب بهما كما في غيرهما .
2ـ وعليه فإن للنوم واليقظة جهازاً خاصاً أودعه الله في جسم الإنسان ، وأكثر الظن أنه مودع في الرأس وله ارتباط وثيق بأجهزة المخ إن لم يكن جزءاً من شبكته ، كما له ارتباط وثيق بكل الحواس والأعضاء الرئيسية في الجسم .
3ـ ان النوم واليقظة يخضعان لعوامل ولهما آثاره كما هي الحال في كل الأجهزة المودعة في الجسم .

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 55

4ـ إن الإنسان عندما يريد الانصياع للنوم يودع عند مركز ما في مخه المعلومات التي يعيرها أهمية خاصة في حياته فيعطيه تعليماته الدقيقة حولها ، فيكون المركز الذي وجهت إليه هذه التعليمات حساساً تجاهها ومثاراً عند حدوثها ، بمعنى أن الإنسان حساس بطبيعة الحال بالنسبة إلى أمور يرى ضرورتها فيودعها في خلايا مخه ليحرسها حين نومه .
5ـ إن أعضاء الجسم الإنساني تخضع لعملية النوم واليقظة ، ولكن كل بقدر محدود له وبشكل خاص به ، وما هذا الاختلاف في الجسم من حالة النوم واليقظة إلا دليل على ذلك ، يقول العالم الألماني اسكوف (1): إنه في حالة النوم تبدل ضربات القلب ، وتتغير حرارة الجسم ، وتزيد وتنقص إفرازات البول ، وتقل وتكثر هرمونات الجسم ، إلى وظائف آخرى قد تصل إلى خمسين وظيفة من وظائف جسم الإنسان (2).
ونضيف مثالاً آخر إلى الأمثلة التي سبق ذكرها من قبل أصحاب النظريات فقد كشف لنا جهاز مرآة المخ الذي اخترعه جيفري بلونديل (3) والذي مهمته قراءة عقول البشر اختلاف حالات الأمواج المخية حيث ذكر بأن مخ الإنسان يقول بإصدارأربع موجات مختلفة أسرعها موجة « بيتا» ثم « ألفا » ثم « ثيتا» وأخيراً «ديتا» وهي أكثرهن بطاً وتكون مصاحبة لحال النوم العميق .
ولإيضاح ذلك يذكر : أن النصف الأيسر من المخ مرتبط بالتفكير التحليلي والمنطقي ، بينما يختص النصف الأيمن بالإبداع والخلق والحواس ، وعندما يحدث تناسق وانسجام بين جانبي المخ فإن صاحبه يؤدي عمله على أكمل وجه .
وتعمل موجات « جاما » كجسر بين كل من العقل الواعي والعقل اللاواعي ، ويعمل الناس الميالون إلى التوتر والكبت أقصى ما بوسعهم

(1) اسكوف : هو الدكتور : ج . أسكوف .
(2) النوم أسراره وخفاياه : 36 عن مجلة العلم ( science) المنشورة عام 1965 م ، ولقد فصل الدكتور أنور حمدي عن ذلك في كتابه النوم أسراره وخفاياه : 36 ـ 46 .
(3) جيفري بلونديل :
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 56

لجعل أفكارهم اللاواعية تحت مستوى الوعي ، وعندها يمرض الشخص سواء ذهنياً أو جسدياً ، وفي حالة الاسترخاء الشديد يظهر الكثير من أشعة «ألفا » على جهاز « مرآة العقل » وعندها تختفي أشعة « ثيتا » ولايبقى لها أي أثر (1).
وهنا لابد من الإشارة إلى أن طريقة النوم تؤثر على أجهزة الجسم بشكل عام كما أن له تأثير خاص على أجهزة الدماغ فنوم المستلقي على الظهر والاضطجاع على اليمين او اليسار أو النوم على القفا له تأثير على عمل هذه الأجهزة التي أودع كل منها في جهة من جهات الرأس والذي سنأتي على بعض تفاصيلها إن شاء الله تعالى ، وبالتالي فإن لذلك تأثيراً على حركة الأحلام والرؤيا ، وللإسلام كما سيأتي تعاليم بهذا الخصوص .
ومن جهة أخرى فإن قدرة العلماء على رصد ومشاهدة نشاط المخ بات أمراً ممكناً حيث توصلت السيدة « جوي هيرش » (2) إلى مشاهدة مراحل عملية الإدراك (3) التي يمكن عندها رصد نشاط المخ أثناء النوم واليقظة وعلى أثره ربما تمكن العلماء من التوصل إلى عملية الرؤيا أيضاً .
6ـ لاشك في وجود عوامل تجلب النوم في قبال أخرى تسلبه وفي الحقيقة إن هذا الأمر يعود إلى مسألة أخرى ألا وهي مسالة الإثارة وعدمها والتي يعود جلها إلى وسائط النقل المعبر عنها بالحواس ، فإنك متى أبعدت المنبهات مهدت طريق النوم ، والأمر يخضع لعملية التركيز وأللاتركيز أيضا فإنك على سبيل المثال لو ركزت على أمر بشكل جدي فسوف لن تسمع ما يدور حولك ولاترى ولن تشعر بالحرارة والبرودة والخشونة وعدمها ، كما لن تشعر بمرارة الدواء أيضاً ، هذه حقيقة لايمكن إنكارها ، ففي هذه الحالة يحتاج الإنسان إلى منبه غير مألوف ليمزق حالة التركيز ويصرفه عنه (4) ، وهذا ما يحدث في النوم تماماً ، مثال ذلك أنك

(1) راجع مجلة التربية الإماراتية ، العدد : 81 ، الصفحة : 93 ، السنة : 11 ، التاريخ آذار 1990 م .
(2) جوي هيرش :
(3) راجع جريدة العرب الصادرة في لندن بتاريخ 4/ 7/ 95 .
(4) في مسألة الانصراف والتركيز تجد إخراج السهم من جسم ألإمام علي عليه السلام في حالة الصلاة خير مثال .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 57

عندما توصل بعض الأجهزة بتيار كهربائي فإنها تعمل كل الأمورالموكلة إليها بدقة تامة ، ولكنك لو خففت التيارالكهربائي أو قطعته عنها فهل بالإمكان أن تعمل ، فلو أنك كنت تحتاج في فتح الباب بالآلة الكهربائة إلى 220 فولت من التيار ، وكان هناك جهاز للإنذار المبكر والحماية من اللصوص ويحتاج إلى 12 فولت من التيار فلو أنك قطعت التيار عن جهاز فتح الباب أو أعطيته 12 فولتاً فما تتوقع من الجهازين الأول يكون كالعاطل عن العمل والثاني يقول بمهمته تماماً لأنك أعطيته ما يناسبه من التيار وأعرت له الأهمية من جهة وجعلته منبهاً حساساً في حالة توقف بقية الأجهزة .
ومن جهة أخرى فإن هذه الحواس الظاهرة إذا تعاملت معها ببعض الأساليب جعلتها تخضع لسلطان النوم ، مثلا إذا هيأت لها جوا هادئا أو أسمعتها شيئا من الموسيقى الهادئة أو ناغيت الطفل فستجد لا محالة أن الحواس تخضع للنوم ، وكذلك لو داعبت شعر أحدهم وتخللته بأصابعك أو ماشابه ذلك فستجده رويداً رويداً يخضع لعملية النوم ، وربما شرب أحدهم قدحاَ من اللبن أو غيره حسب مزاجه فيخضع إلى النوم ، كما أنك لو أطفأت المصباح أو خففت من ضوئه أو أبدلته ببعض الألوان لوجدت أنك قد مهدت لنومه ، وهكذا لوهيأت له جواً معتدلاً عليلاً أو جهزت له فراشاً ناعماً او نشرت في الغرفة عطرا أو رائحة طيبة يرتاح إليها لخضع إلى النوم ، والعكس بالعكس أيضاً ، وكل هذه الأمور تدلنا على مسألة الإثارة وعدمها .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 58

الهدف من النوم

لم يكن النوم في يوم من الأيام هدفاً للإنسان ولم يختلف اثنان على أن الهدف من النوم هو الخلود إلى الراحة وإسترجاع القوى المنهارة ، ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام للمفضل الجعفي (1) « الكرى يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه » (2) ، وقد ذكر بعضهم العديد من الأهداف لعل من أبرزها أن النائم أثناء نوم ( NREM) تتكون عنده مواد كيميائية تساعده في إعادة بناء الانسجة ، وفي النمو ، وفي تكوين البروتينات بينما يتيح أثناء نوم (REM) للأجهزة العصبية المرتبطة بعمليات عقلية عليا كالتعليم أن تستريح ، ولكي نعرف الهدف من النوم علينا أن نعرف آثار الحرمان منه ولكن الأبحاث لم تؤد إلى نتائج أكيدة ونهائية في هذين المجالين ويبقى باب البحث والتنقيب مفتوحاً لمعرفة حقيقة النوم وأهدافه وأسراره .
والخليق ذكره أن بعض علماء النفس والطب أرادوا القول بأن الحرمان من النوم لايؤدي إلى نتيجة خطيرة على المدى البعيد(3) وقد أجرى العلماء تجاربهم في ذلك لفترات قصيرة واعتبروا الاضطرابات الحاصلة بعد الحرمان من النوم زائلة بمرور الأيام والتي منها رعشة اليدين وصعوبة التركيز بالعين وكسل القلب والجهاز التنفسي .
ولكن التجارب لفترات قصيرة لا تعني أنها إذا طالت لا يترتب عليها مضاعفات خطيرة بل العكس هوالصحيح كما دلت التجارب .

(1) المفضل الجعفي : ستأتي ترجمته .
(2) توحيد المفضل : 36 .
(3) راجع كتاب مدخل علم النفس : 305 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 59

ومن الجديد ذكره أن العلماء وجدوا انه يكفي بعد حرمان طويل من النوم أن ينام الفرد ما بين 12 ـ 15 ساعة لتعويض آثارهذا الحرمان وبعدها يستيقظ منتعشاً تماماً ، وهنا تذكرت ما كنت أكرره على تلامذتي وزملائي الذين كانوا ينامون كثيراً بعد سهرة قصيرة « ليس للنوم قضاء ولا كفارة » فالذي حرم من النوم لمدة أسبوع مثلاً لايمكن أن ينام أسبوعاً مضاعفاً كما لايمكنه جبران عوارض الحرمان بنوم فترة أخرى على الأسبوع المضاعف بل يكفيه أن يضيف بعض الساعات على نومه المعتاد ليعرض ما فاته بالحرمان .
إذا فالنوم نعمة من الله عزوجل ، والآيام تشير إلى ذلك حيث يقول الله تبارك وتعالى : « إذ يغشيكم النعاس أمنة منه» (1) كما يقول أيضاً : « ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله » (2) وقوله جل شأنه : « وجعل الليل سكناً » (3).

(1) سورة الأنفال ، الآية : 11 .
(2) سورة الروم ، الآية : 23 .
(3) سورة الأنعام ، الآية : 96 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 60

النوم ... مراحله

إن الأمور الطبيعية لا تأتي فجأة بل على مراحل وبالتدريج كل حسب مقتضاه ، ومن تلك النوم فيقدمه النعاس والسنة ليدخل الإنسان في نوم عميق شاء خالقه أن يريح أعضاءه من عناء النهار، ويخلده في راحة تامة يمكنه بعدها من مواصلة أعماله من جديد ، ولابد للإنسان من هذا التدرج في بداية النوم وفي نهايته ، كما لابد له من الاسترخاء الكامل ولايحصل إلا بالنوم العميق ، وإلا لظهرت عليه حالات مرضية مختلفة ومضاعفات متنوعة على حساب صحته .
ويعد الخارج على هذه الطبيعة مريضاً بالفعل ، فلو ان شخصاً مثلاً يأتيه النوم فجائياً لكانت حياته كارثة فلو وجد لكان مريضاً لا بد له أن يراجع الطبيب ، كما أننا لو أيقظنا شخصاً بصورة مفاجئة كان مصيره الدمار، وربما أدى إلى وفاته .
وإذا ما راقبنا الذي يأوي إلى فراشه نرى أن هناك مرحلتين حقيقتين عادة ، الأولى هي النوم الخفيف الذي يتقدم على النوم العميق وهذا النوم لايأتي بسرعة بل بتأن ، وهو المعبر عنه بالنوم البطيء ، وأما المرحلة الثانية فتأتي بعد المرحلة الأولى دون تأن ، وهذا هو المعبرعنه بالنوم السريع ، والنوم البطيء يسبق السريع دائماً ، ويحدث ذلك في الليلة الواحدة عادة بين أربع مرات أوست مرات(1) ، ومنعى ذلك أن النوم الطويل قد تتعدد فيه المراحل من بطيء إلى سريع أو خفيف إلى عميق .
وأما إذا ما دققنا في مراقبة النائم لوجدنا أن المراحل التي يجتازها كالآتي :

(1) كيف تفسرين أحلامك : 17 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 61

المرحلة الأولى ( المرحلة التمهيدية )


وهي مرحلة ما قبل النوم والمعبر عنها بالنعاس تارة وقد عبر بعضهم عنها بمرحلة الصفر وفي هذه المرحلة يكون الإنسان مستيقظاً إلا أنه أقل استجابة عن المعتاد للمؤثرات الحسية فتتراخى عضلاته .
ويذكر أنه في هذه المرحلة يظهر المخ مستوى عالياً من نشاط ألفا (1) ، والتي هي موجبات مخية ذات ذبذبة تتراوح بين 8 ـ 12 لكل ثانية ، ويمكن رؤية هذه الموجات على شريط المخ ، ويستغرق البالغون عادة مدة عشر دقائق أو أقل من ذلك بقليل ليصلوا إلى المرحلة الأولى من النوم ، وعندها يحس الإنسان بالارتخاء وإذا تعرض إلى بعض المنبهات فيمكن له أن يسجل أفكاراً وإحساسات وخيالات بل وأجزاء من الأحلام ، ولاتعتبر هذه المرحلة من مراحل النوم وربما قالوا عنها كالتالي :
هي عبارة عن الشعور بالخفة ويحاول الإنسان تنويم نفسه وهذه لا يمكن أن تسمى نوماً ، بل هي حالة بين اليقظة والنوم ربما تتخللها بعض الاحلام العابرة ولكن لم يغلب الإنسان فيها بعدعلى بصره وسمعه ، وفي هذه الحالة تكون موجات ( ذبذبات ) الدماغ الكهربائية نشيطة وسريعة وبجهد كهربائي منخفض وذكر بعضهم أن سرعة الموجات في الغالب تكون مابين 12 ـ 24 موجة في الثانية الواحدة بخلاف ما سبق وذكرناه ، ولعل أحد الفريقين يعتبر النعاس المرحلة الأولى والتي عبروا عنها بمرحلة ما قبل النوم ، والآخر يعتبر المرحلة الأولى تلك التي تتقدم على النوم مباشرة فتتكون المرحلة الأولى من بندين النعاس ثم البداية والتهيئة .
وأما عن مراحل النوم الحقيقية والتي يمر النائم فيها بنوعين مختلفين من النوم : الأولى : تصحبها حركات سريعة للعين ويعبر عنها بـ ( REM) (2) والثانية : لاتصحبها حركات سريعة للعين ويعبر عنها بـ

(1) «aIpha acivity» .
(2) ( REM) مختصر من ( Rapid Eye Movements) ومعناها حركات العين السريعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 62

«NREM» ولايخفى أن النائم يمر في كل 90 دقيقة تقريباً بهذا النوع من النوم ذي الحركات السريعة للعين وأما سائر وقته فيمر بالمراحل الأربعة التالية والتي تصحبها حركات العين البطيئة . (1)
المرحلة الثانية ( النوم الخفيف ) :


وتعتبر هذه المرحلة امتدادا للمرحلة السابقة المعبرعنها بالصفر أو البداية ، وفيها يشعرالإنسان بخفة الجسم حيث ترتخي الأعضاء بسبب أرتخاء الأعصاب وتقل عدد مرجات الدماغ إلى حوالي 14 موجة في الثانية وتبدو الموجات على جهاز تخطيط المخ سريعة وغير منتظمة ذات مدى منخفض وتدوم هذه المرحلة ف الغالب : ما بين عشرة إلى أربعين دقيقة وتعد هذه المرحلة من النوم ، ويمكن فيها إيقاظ النائم بسهولة حيث لازال في بداية النوم .
وهذه المرحلة غير كافية للنوم ولاتغني شيئاً للأعضاء والجسم إذ ليس فيه تعمق في النوم والذي بغيره لاتتم عملية الاسترخاء الكامل ، وقد يصاب الإنسان بعدم إمكانه النوم العميق بل يراوح مكانه في هذه المرحلة من النوم الخفيف فيسبب له مضاعفات مرضية ، أبرزها القلق ويشعر بالأرق رغم أنه ينام نومة خفيفة .
وفي هذه المرحلة قد تظهر بعض الأفكار الغامضة والخيالات وأجزاء من أحلام ، ولا يخفى أن هذه المرحلة تتكرر أثناء الليل .
المرحلة الثالثة ( النوم المتوسط ) :


وفي هذه المرحلة يزاداد استراخاء النائم ويصعب إيقاظه كما في المرحلة السابقة وقد يصحبها بعض الخيالات ، وفي بداية هذه المرحلة يلاحظ نوم من التقلصات في العضلات واهتزاز فجائي وغير منتظم للجسم مصحوبة بالإحساس بالسقوط وتظهر الموجات ( أو الذبذبة ) على جهاز تخطيط المخ من 13 ـ 16 موجة في الثانية وتستمر عادة ما بين 1،5 ـ 2

(1) (NREM) الكلمة ذاتها أضيف إليها حرف (N) والتي هي أختصارعن ( Non ) بمعنى لا أو العدم وتعني حركات العين البطيئة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 63

ثانية وتسمى هذه الموجات بالمشابك ( spindIes) ، ويكون مجموع المرحلتين الخفيف والمتوسط أربعين دقيقة .
المرحلة الرابعة ( النوم العميق ):


كلما استغرق النائم في النوم كانت استجابته للمؤثرات الحسية أقل وعندها لايمكن إيقاظه كما في النوم الخفيف والمتوسط ، وتبدأ موجات بطيئة في الظهور ولاتزيد على المرتين في الثانية ويكون مداها مرتفعاَ وتسمى بموجات دلتا ( DeIta Waves) تخللها مشابك (spindIes) إلى جانب موجات أخرى ذات مدى منخفض سريعة وغير منتظمة يمكن رؤيتها على جهاز تخطيط المخ وتكون نسبة الموجتين العالية والمنخفضة ثابتة ، وتدوم هذه المرحلة ما بين عشر دقائق إلى ثلاثين دقيقة ، وهذه في الحقيقة هي الرقاد الذي بدونه لايمكن أن يبقى الإنسان سليماً معافى .
المرحلة الخامسة ( النوم الأعمق ) :


وفي هذه المرحلة يخضع النائم لحالة استرخاء تام ونادرا ما يتحرك ، وبذلك ينسى تماماً العالم الخارجي ، ومن الصعوبة بمكان إيقاظه ، وموجات المخ تنحصر حينئذ بموجات دلتا وربما وصل عدد موجاته مرة واحدة في كل ثانيتين وهذا هو السبات والسكون ، وعندها يكتسب الجسم الراحة التامة ، ولعل هذه المرحلة تستمر مدة عشرين دقيقة ، وفي هذه الحالة قد يخرج الإنسان من طوره المعتاد فيقوم بالمشي والتكلم أو التبول ـ فيما إذا كانت ماسكته ضعيفة ـ إلى غيرها من الكوابيس ، ويكون مجموع المرحلتين الأخيرتين خمسين دقيقة وهو النوم الحقيقي وقمته عشرون دقيقة ويتعذر فيه إيقاظ النائم .
المرحلة السادسة ( النوم غير المألوف ) :


إن المراحل الأربع السابقة ـ أي باستثناء المرحلة الأولى ـ هي مراتب النوم والتي تستغرق عادة تسعين دقيقة . وهي من النوع غير المصحوب بحركات سريعة للعين المرموز له بـ ( NREM) ويأتي بعدها النوم المصحوب بحركات سريعة المرموز له بـ ( REM) وله مرحلة واحدة تأتي بعد

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 64

المراحل السابقة أي أنه يحدث كل تسعين دقيقة ويستمر مدة عشر دقائق تقريباً ، ويسجل في هذه المرحلة موجات غير منتظمة للمخ منخفضة المدى مماثلة لتلك التي تلاحظ في النوم الخفيف ، والنموذج يوحي بعدة أنشطة خارجية وذلك في قشرة المخ ، ومع ذلك فالنائم لايستجيب لمعظم المؤثرات الخارجية كما في النوم الأعمق ، وفي هذه المرحلة تتحرك العينان وكأنهما تتفحصان الحوادث المرئية في الحلم .
ويذكر دافيدوف عن هذه المرحلة قائلاً : « وبينما تبدو الأحلام كأنها تبرز للخارج في المكان المخصص لذلك بمنطقة الحركة بالمخ فإن حركات الجسم لاتبدو للعين وإن كانت بعض العضلات تتحرك وتتشنج في هذا الوقت فإن معظمه وخصوصاً تلك الموجودة بالرأس وتتشنج في هذا الوقت فإن معظمها وخصوصاَ تلك الموجودة بالرأس والعنق تكون مسترخية تماماً وتفقد العضلات ليونتها حتى ان النائمين غالباً ما يذكرون أنهم شعروا بالشلل المؤقت عند إيقاظهم في هذه المرحلة ، ويبدو الاسترخاء لدى الحيوانات عاماً وتاماً ، ويتميز نوم (REM) أيضاً بالتنوع الشديد في الجهاز العصبي التلقائي ، وخلال فترات نوم ( REM) تشهد سرعة طفيفة في التنفس وضربات القلب وتكون غير منتظمة عنها أثناء نوم ( NREM) ، وأيضا يرتفع ضغط الدم ويضطرب وتفرز كميات أكبر من هرمون ألأدرينالين أثناء نوم ( REM) ، وعند الذكور حتى المولودين حديثاً يلاحظ انتصاب القضيب ويستمر طوال مرحلة نوم ( REM) ويظهر نفس الأثر على النسيج المهبلي للأنثى ورد الفعل هذا لا يرتبط بالضرورة بأحلام ذات طابع جنسي .
إذاًَ فالنوم طوال الليل هو عبارة عن عدة دورات متعاقبة قد تتخللها اليقظة أيضاً ، وقد أظهرت الأبحاث أن الفرد يمر بمراحل النوم من أول حتى آخر مرحلة ثم تنعكس الآية فترجع القهقرى مروراً عكسياً ، هذا وقد سبق وذكرنا أن مراحل النوم الحقيقي خمس : أربع منها من نوع ( NREM) وواحدة من نوع ( REM) ، وأما المرحلة الأولى التي عبرنا عنها بالمرحلة التمهيدية أو مرحلة الصفر فليس من النوم من شيء ، فالمراحل الخمس هي : الخفيف والمتوسط والعميق والأعمق وغير المألوف وتشكل جميعها دورة النوم وتتكرر هذه الدورة بين 4و 6 دورات ليلياً وبها تتم عملية النوم في

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 65

الليلة الواحدة ، وكل دورة تستغرق مئة دقيقة تقريباً ، وهذا الشكل يوضح عمل الدورة الواحدة (1):

وأما بالنسبة إلى مؤشرات لوحة تخطيط الدماغ في المراحل الست وذبذباتها فالشكل التالي يوضح لنا ذلك :

لوحة تخطيط الدماغ في المراحل الست

هذا ما نشرة مركز تحقيق النوم بجامعة فلوريدا ـ الولايات المتحدة الأمريكية(2) ، ولا يخفى أن هذه المراحل قد تطرأ عليها بعض التغييرات كالذي يناهز الخمسين من عمره مثلاً ، فإن مرحلة النوم الأعمق تسقط من دورة نومه نهائياً ، مضافا إلى أن بعض مراحل النوم تغلب على فترة محددة من الليل حيث تتركز النوم الأعمق مثلاً في الساعات الأولى من الليل بينما

(1) الأرقام تشيير إلى التالي :
2= النوم الخفيف .
3= النوم المتوسط .
4= النوم العميق .
5= النوم الأعق .
6= النوم غير المألوف .
(2) راجع كتاب مدخل علم النفس : 301 .


السابق السابق الفهرس التالي التالي