دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 66

تكون صفة النوم غير المألوف ( REM) غالبة على النوم في الصباح ، وأما الشباب ما بين سني 18 ـ 20 سنة فيغلب عليهم الجدول التالي :
النوم الخفيف 50 %من الليل المرحلة الثانية
النوم المتوسط 05% من الليل المحلة الثالثة NREM
النوم العميق والأعمق 20% من الليل المرحلة الرابعة والخامسة
النوم غير المألوف 25% من الليل المرحلة السادسة REM

وهذا لايعني أن الكل متساوون في هذه النسب بل كل يختلف عن الآخر بقليل كما يتغير وضعه من ليلة إلى أخرى حسب ظروف النائم وملابساته .
وهنا لابد من الإشارة إلى أن البعض يرى أن الرؤيا أو الأحلام تحدث في اللحظة التي تتلوها الاستيقاظ والمرء بين اليقظة والنوم ، جاء في مجلة المقتطف القاهرية ما يلي : لا يحلم الإنسان وهو مستغرق في النوم بل وهو في الدقائق الأخيرة قبلما يستيقظ تماماً أي حينما يكون بعض قوى العقل نائماً والبعض الآخر مستيقظاً ، أما ما يظنه من أن الحلم دام ساعات كثيرة فوهم ، والحقيقة أنه لا يدوم أكثر من بضع ثوان أو دقائق لأن الإنسان قد يغفل خمس دقائق فقط فيحلم فيها حلماً طويلاً كثيرالحوادث وقد يسمع صوت مدفع قبلما يستيقظ فيبني عليه معركة حربية كثيرة الوقائع ولا تكون المدة من حين سمع صوت المدفع إلى أن استيقظ سوى دقيقة من الزمان (3) .

(1) مجلة المقتطف القاهرية : 28 / 702 ، التاريخ : آب ، 1903 م ( جمادى الثاني 1321 هـ ) .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 67

الطريقة المثلى للنوم


لقد بحث هذا الجانب كل من علماء الطب وعلماء السلوك ذوي الاختصاص الديني ومن حيث انه يرتبط بصحة الإنسان فقد بحثه علماء الطب . ومن حيث إنه يرتبط بسلوك الإنسان بحثه علماء الإسلام من الزاوية السلوكية ، ولعل القارئ يستغرب لأول وهلة تطرقنا لهذا الجانب ولكنه ، سيعرف في النهاية مدى ارتباطه بموضوعنا وهو الرؤيا والتعبير ، ولعله يتضح لو كشفنا أن عدداً من الأحلام يأتي نتيجة حالة النائم فإن راحة أعضائه وجوارحه لها تأثير في صحة الرؤيا وعدم صدقها .
ومن الطبيعي أن الإنسان يختلف عن الحيوان بل عن غيره في طريقة النوم أو الحالة التي يختارها لنومه ، فالإنسان لايمكنه أن ينام بشكل طبيعي أكثر من أربعة أشكال أما النوم على بطنه أو على ظهره أو على يمينه أوعلى شماله ، وأما سائر الحالات فلا تعد طبيعية ويستخدمها الإنسان عند الضرورة .
1ـ النوم على البطن :


لم يختلف الفريقان على أن النوم على البطن غير محبذ إلا في شيئين وهما أن علماء السلوك البشري قد سبقوا الأطباء في ذلك بما أنهم على ارتباط بالسماء عبر الرسل والأنبياء ، وأن الأطباء رخصوه بشكل عام للأطفال ثم تراجعوا عن ذلك بعد تجارب عديدة .
ولقد أكد الأطباء على أن هذا النوع من النوم يؤدي إلى مضاعفات في الأمعاء والرئة والجهاز التناسلي بل وسائر الأحشاء والفقراء الرقبية ، وكل من هذه الأجهزه الحاسة تتأثر وتتضايق نتيجة الضغط المستمر الحاصل عليه ويسبب ذلك بظهور أمراض مختلفة قد تتضاعف ، فالتواء الفقرات الرقبية في حالة النوم قد لايقتصر أثره على المنطقة نفسها بل على

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 68

العمود الفقري أيضاً ، وعلى بعض الأعصاب الأخرى ، حيث أنها ممر للأعصاب المستقبلة والأعصاب الآمرة، كما أن الضغط على الرئتين وعدم استطاعة القفص الصدري التمدد والتقلص بسهولة أثناء عملية الشهيق والزفير قد تتجاوز ضيق النفس إلى أعراض أخرى تتولد من عدم وصول الأوكسجين إلى الدم بالقدر الكافي وما إلى ذلك .
وفي العقود الماضية كان الأطباء يفضلون النوم على البطن للأطفال إلا أن في العقد الأخير من القرن العشرين ( الثاني من القرن 15 هـ ) منعوا المربيات في المستشفيات من ذلك حيث توصلوا إلى أن نسبة عالية من الأطفال تموت من جراء النوم على بطن ، وقد وزعت المراكز الطبية المحلية في لندن بل في أرجاء بريطانيا كافة توجيهات إلى الأمهات منها عدم نوم الأطفال على بطونهم .
وقد سبق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام إلى النهي عن النوم على البطن فقد ذكر المجلسي أنه يورث الغم والهم (1) ، وقد عبروا عنه بنوم الشياطين ، ومن المعلوم أن المراد بالشيطان أعم من إبليس أو جلاوزته حيث ان الشيطان في لغة الأحاديث والقرآن يطلق على كلما من شأنه الشر(2) ، وسنورد بعض الأحاديث في هذا الشأن في آخر هذا البحث إن شاء الله تعالى .
2ـ النوم على الظهر :


عبرت عنه الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار بالنوم على القفا ، والقفا هو مؤخر العنق ، ويطلق على الخلف مطلقاً ، ولم يرد ذم بهذا النوم ، بل مدح في الكثير من الروايات بصورة غير مباشرة حيث ورد أنه نوم الانبياء على أقفيتهم ، إلا أن الدكتور أنور حمدي (3) حينما رأى في صحيح البخاري حديثاً رواه والبراء بن عازب قائلاً : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا

(1) بحار الأنوار : 73 / 322 .
(2) وقد بحثنا في باب الأحاديث من هذه الموسوعة بأن الجراثيم يطلق عليها الشياطين أيضاً فليراجع .
(3) النوم أسراره وخفاياه : 227 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 69

أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن (1)فاستنتج أن النوم على جهة الأيمن أفضل أنواع النوم ، ومعنى ذلك أن النوم على بقية الجهات غير مفضل في الإسلام - وقد نسي إثبات شيء لا ينفي غيره ـ فأراد أن يرجح لهذا ألإستنتاج فأورد بعض ألأسباب لعدم إستحباب النوم على القفا (الظهر) وقال : إن النوم على الظهر يسبب التنفس من الفم وذلك لأن الفم ينفتح عند الاستلقاء على الظهر باسترخاء الفك السفلي والتنفس من الفم ممكن ولكنه ضار ، حيث أن الأنف فيه الشعر لأجل تنقية الهواء ، وفيه أوعية دموية تعمل على تسخين الهواء الداخل ليكون مناسباً للبدن ، والتنفس من الفم يعرض صاحبه للإصابة بالزكام والرشوحات أيام الشتاء مضافا إلى أنه يسبب جفاف اللثة الذي يؤدي إلى التهابها ، إلى غيرها من الأسباب .
ولكن هذا الترجيح غير وارد لجهتين الأولى : أن هناك روايات ذكرت أن النوم على القفا نوم الأنبياء ، والثاني أن النوم على الظهرلايوجب فتح الفم دائما ولا يختص فتح الفم بالنوم على القفا بل على الجنب أيضا ، ولا يبقى الفم مفتوحاً إلا لأسباب عضوية أومرضية ، ولايرتبط بالنوم على الظهر أو الجنب ولا تشمل الحالات الحالات الطبيعية والعادية ، مضافا إلى أن النوم الطبيعي إنما هوعلى الظهر لأنه صلد يمكنه مقاومة ما يلامسه من الأرض ، وتعتدل به الفقرات مما عرض لها من انحناءات أثرالجهود التي لاقاها الإنسان في النهار، بالإضافة إلى أن الأنسان لوترك وشأنه لاستلقى لأول وهلة على ظهره وهذا الأمر الطبيعي لايمكن أن يكون ضاراً ، والله العالم .
3ـ النوم على الجانب الأيسر :


عبرت الروايات عنه بأنه نوم المنافقين والكفار ولم نتمكن من تفسيره إلا بالآية المباركة « في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً» (3) لعله يزيد في أمراض الأعضاء الداخلية للإنسان ، هذا إذا فسرناه تفسيراً مادياً ، وأما إذا فسرناه بالتفسير المعنوي لعله أراد ـ والله العالم ـ اتركوا هذا النوم لكفار

(1) صحيح البخاري : 8/ 85 ( كتاب الدعوات ) .
(2) سورة البقرة ، الآية 10
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 70

والمنافقين والتزموا بالنوم على القفا أو الجانب الأمين ، وعلى هذا فلا يكون مختصاً بهم وإنما من باب التقسيم .
قال المجلسي يكره النوم على الطرف الأيسروعلى القفا(1)
وقال الدكتور حمدي : النوم على الجانب الأيسر له مشاكله فالقلب موجود في الطرف الأيسر من الصدر والنوم عليه يجعل الرئة اليمنى الكبيرة بالنسبة لليسرى تضغظ على القلب وتقلل من نشاطه وتتعبه ولاسيما عند الكبار الطاعنين في السن حيث ينقص عمل القلب المضغوط مما يزعج ويتعب ويسبب الأحلام المزعجة ، كما أن المعدة موجودة على الجانب الأيسر وخصوصاً إذا كانت ممتلئة بالطعام فتضغط على الحجاب الحاجز والذي بدوره يضغط على القلب فيعرقل عمله ، والكبد (2) موجودة على الجانب الأيمن وهو أثقل الأحشاء ويبقى معلقاً وغير مستقر مما يسبب ثقلاَ وتمططاً للأربطة المعلقة به فيرضه ويزعجه ، كما أنه تضغط على المعدة مما يعيق عملية تفريغ محتوياتها .
وأخيراً نقل عن غالتيه بواسيير (3) بأن مرور الطعام من المعدة إلى الامعاء يتم في مدة تتراوح مابين 2،5 ساعة إلى 4،5 ساعة (4) إذا نام الإنسان على الجانب الأيمن ، بينما لايتم ذلك إلا في مدة تبلغ حوالي 8،5 ساعة إذا نام على الجانب الأيسر (5) .
4ـ النوم على الجانب الأيمن :


عبرت الروايات عنه بأنه نوم المؤمنين ومن تلك ما ورد في وصايا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لوصيه الأكرم : ياعلي النوم أربعة :
نوم الأنبياء على أقفيتهم

(1) حلية المتقين : 128 .
(2) الكبد : من الكلمات التي تذكر وتؤنث أيضاً .
(3) غالتيه بواسيير .
(4) المراد أربع ساعات ونصف ، فما بعد الخط المائل كسر وليست دقائق .
(5) النوم أسراره وخفاياه : 228 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 71

ونوم المؤمنين على أيمانهم
ونوم الكفار والمنافقين على أيسارهم
ونوم الشياطين على وجوههم (1) .
وفي حديث العسكري عن آبائه عليهم السلام :

إن نوم الانبياء على أقفيتهم ، ونوم المؤمنين على أيمانهم ، ونوم المنافقين على شمائلهم ونوم الشياطين على وجوههم (2).
وقد سبق ونقلنا عن البخاري أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان ينام على الجهة اليمنى ويضع خده على كفه الأيمن (3).
وقال المجلسي : يستحب النوم على الجانب الأيمن واضعاً الكف تحت الخد موجهاً وجهه إلى القبلة (4).
وقال الدكتور حمدي : النوم على الجانب الأيمن أفضل الأوضاع وأنسبها ففيه تكون الرئة اليسرى هي التي تضغط على القلب وهي أصغر من الرئة اليمنى فيكون القلب أخف حملاً ، والكبد تكون عندها مستقرة غير معلقة (5) .
ولكنه لم يذكر حال المعدة التي هي على الجانب الأيسر أتسبب ضغطا على الكبد الذي على الجانب ألأيمن أم لا ؟
وفي نهاية الحديث عن كيفية النوم نشير إلى نصيحة ألإمام الرضا عليه السلام للمأمون العباسي في أمر الصحة والوقاية :« إن النوم سلطان

(1) بحار الأنوار : 74 / 55 .
(2) بحار الأنوار : 73 / 190 عن دعوات الراوندي ، الكافي : 1 / 13 .
(3) وقد أخرج البخاري في صحيحه : 1/ 71 عن البراء أنه قال : إذا أتيت مضجعك فتوضاً وصوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن .
(4) حلية المتقين : 128 .
(5) النوم أسراره وخفاياه : 229 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 72

الدماغ وهو قوام الجسد وقوته فإذا أردت النوم فليكن اضطجاعك أولاً على شقك الأيمن (1) ، ثم انقلب على الأيسر (2) وكذلك فقم (3) من مضجعك على شقك الأيمن كما بدأت به عند نومك وعود نفسك القعود من الليل ساعتين وادخل الخلاء لحاجة الإنسان والبث فيه بقدر ما تنقضي حاجتك ولا تطل فيه فإن ذلك يورث داء (4) الفيل »(5).

(1) لقد سبق الحديث عن هذا .
(2) لقد علل الأطباء القدامى بأن الكبد يقع على المعدة ويصير سبباً لكثرة حرارتها فتنشط عملية الهضم ، وأما الأطباء الجدد فيؤيدون النوم على الجانب الأيمن حيث إن المعدة تقع على الكبد وعندها يسهل نزول الطعام إلى أسفل ولاتتضايق المعدة بثقل الكبد .
ولعل الحكمة في مقولة الإمام الرضا عليه السلام أن يكون الاضطجاع أولاً على اليمين هو أن المعدة ممتلئة عادة فلا بد أن تكون إلى أعلى لتسهيل عملية الهضم ومايدور في فلكها على أثرها ، وأما التحول إلى الجانب الأيسر حتى لايبقى البدن واجهزته على حالة واحدة ، ويؤكد هذا توصيته بأن ينقلب بعد ذلك إلى الجانب الأيمن أيضاً .
(3) قوله « وكذلك فقم » أي تحول إلى الجانب الأيمن قبل أن تقوم من نومك .
(4) داء الفيل : ورم صلب يحدث في الساق والقدم ، وفي تذكرة أولي الألباب : 2/ 92 إنما سمي بذلك لاعترائه الفيل أو لشبه الرجل فيه برجله ، ويحدث الورم من الركبة حتى القدمين وسببه كثرة أكل لحم البقرعلى مافي التذكرة ، وأما في الطب الحديث : فسببه طفيلي الملاريا الذي تنقله البعوضة ، ويرى البعض أن تلازمه مع الإطالة في بيت الخلاء التواجد الطفيلي فيها وكشف الساقين لمدة طريلة في أماكن تواجده يوجب تعرضهما له حيث يسكن في الأوعية اللمفاوية فيسدها ويؤي إلى تضخم الساق والقدم ، ولكن ظاهر التضخم يكون بانحصار الدم وبعض السوائل الأخرى في هذه المنطقة ولعل لذلك أسباباَ متعددة ، ومما لاشك فيه أن الجلوس بالشكل العتاد على بيت الخلاء أو المشي أو الوقوف كثيراً يزيد في العلة ، وهذا ما اتفق عليه القدامى والجدد من الأطباء .
(5) رسالة الإمام الرضا الذهبية : 49 ، بتحقيق محمد مهدي نجف .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 73

التنويم المغناطيسي

( النوم بالايحاء )


إن بحث هذا المرضوع بالذات يساعدنا في فهم بعض جوانب الرؤيا والتي نحن بصددها هنا وذلك لأنه وإن كان نوماً اصطناعياً إلا أن بينه وبين النوم الطبيعي قواسم مشتركة ، وسيأتي الكلام إن شاء الله عن الفوارق بينهما .
والتنويم على زنة التفعيل مأخوذ من النوم ومعناه إخضاع الطرف الآخر للنوم بواسطة الإيحاء ، وبتعبير آخر التأثيرعليه عبر أمواج مغنطية يوجهها المنوم إليه .
والتنويم عادة بحاجة إلى عناصر ثلاثة : المنوِم ـ بالكسر ـ وهو اسم فاعل من النوم والذي هو الموحي .
المنوَم ـ بالفتح ـ : وهو اسم مفعول من النوم ، والذي هوالنائم الموحى إليه ويسمونه الوسيط .
والثالث هوالخبر أوالعمل الذي يقوم به الوسيط بإيجاء من المنوم . ولسنا هنا لنبحث كل الجوانب المتعلقة بالأطراف الثلاثة بل الذي يهمنا بحثه بالدرجة الأولى هو الوسيط ومايقول به من أدوار وأهمها كشف ما خفي عليه ـ في اليقظة ـ وعلى المنوم .
وأهم نقطة يرتكز عليها في عملية التنويم هي الإيجاء ، ومعنى ذلك سلطة ذي الإرادة الأقوى على ذي الإرادة الأضعف ، وجوهرها الإرادة التي تفعل المعجزات سواء في التنويم أو غيره ، وقد أثبتت التجارب أنه كلما قويت الإرادة كان إنجازها هائلاً ، ولي في ذلك تجارب علني أتطرق إليها في مجال آخر .
وملخص القول ، بمقدار ما يملكه المنوم من الإرادة القوية يمكنه

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 74

السيطرة على الوسيط ذي الإرادة الأضعف وتسخيره ، وكلما كانت إرادة الوسيط أضعف كانت عملية الإيحاء والسيطرة أسهل (1).
فالإرادة القوية إذا تركزت على شيء وشاءت نسفه نسفته ، وإن شاءت أن توقفه عن الحركة أوقفته ، وإن شاءت توجيهه وجهته . ولتقوية الإرادة طرق مختلفة بعضها مشروعة وأخرى غير مشروعة ، أفضلها مخالفة هوى النفس وهي لاتتنافى مع الشرع بل يقرها ، وتفضل ممارستها عبرالإطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى وفي هذا الشأن ورد الحديث القدسي مخاطباً الله الإنسان : « عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون » (2).
ومن الجدير ذكره أن للإرادة درجات مختلفة ترتبط بالشخص وممارسته لإرادته فكلما كانت إرادته أقوى كانت الإنجازات أعظم ، ولا يخفى أن طاعة الله سبحانه توجب تقوية الجانب الإرادي أولا ، وتؤطر العمل في رضاه سبحانه وتعالى ثانياً ، إذاً فالذائب في الله والذي يمكنه فعل مايريد عبر إرادته القوية يوجه إرادته فيما فيه رضاه سبحانه وتعالى ، وعندها يصدق عليه قولهم : « مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه(3) » هذه المنزلة التي قلما يصل إليها ألإنسان لصعوبة مسلكها ، ولكنه لو وصل إليها فعندها يسهل عليه ما يريد إنجازه إلا أنه يتورع عن ذلك بعامل المصالح والمفاسد .
والكلام عن إلارادة والطاعة ومخالفة النفس طويل يخرجنا عن المقصود ولنترك ذلك البحث لمجال آخر ونرجع بالكلام إلى التنويم والذي

(1) وفي هذا الإطار يقول دافيدوف في كتابه مدخل علم النفس : 313 « وليس كل فرد قادراً على الدخول في تجربة التنويم المغناطيسي أو على الأقل ليس مستعداً لذلك ففي منتصف عام 1960 م ( 1380 هـ ) درس عالم النفس آرنست هلجارد Ernest) ( HiIgard الكيفية التي استجاب بها 533 طالب جامعي للمؤثرات التنويمية فوجد أن 25% من هؤلاء وصلوا إلى حالة تنويم مرضية ، وحوالي 5% إلى 10 % لم يستجيبوا على الإطلاق أما الباقون فكانت استجابتهم متوسطة ، ودخل ربع الذين وصلوا إلى حالة التنويم مرضية في حالة الوجد العميق حتى إنهم بدؤوا في الهلوسة وعيونهم مفتوحة » .
(2) جاء في كلمة الله : 140 « عبدي أطعني أجعلك مثلي » وفيه أيضاً « أطعني فيما أمرتك تقول للشيء كن فيكون » ، وفيه : 143 « يقولون للشيء كن فيكون » .
(3) وسائل الشيعة : 27 / 131 عن تفسير العسكري : 120 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 75

ينقسم إلى قسمين تنويم الوسيط تنويم الذات ، أما الثاني فهو يرتبط بالعمل الترويضي للنفس وله مجاله ومميزاته ولاحاجة لنا به هنا ، إذ أنه ليس بالنوم حقيقة بل هو رياضة نفسية مآلها إلى دحض هوى النفس ، وما عرف عن المرتاضين الهنود فهو من هذا القبيل .
وبما أن التنويم الغناطيسي قوامه على الإيحاء (1) فلابد من إلقاء الضوء الكاشف عليه ولو قليلاً وعلى تأثيراته على الروح الإنساني .
ولا يخفى على أحد أن مطلق الإيحاء سواء كان عبر التنويم أو خارجه مؤثرفي الروح الإنسانية تأثيراً كبيراً بشروط أهمها مقدرة الموحي واعتراف الموحى إليه بالموحي ، وهنا نرجع ونقول ما سبق وذكرناه من أنها سلطة ذي الإرادة الأقوى على ذي الإرادة الأضعف وإلا فالصفقة خاسرة ، وإن تحققت فلا يوثق بها لسبب بسيط جداً وهو عدم النصياع الموحى إليه لأوامر الموحي فلعله يخالفه في التوجيهات ويتمكن عندها من مراوغة المنوم وبانعدام الثقة تكون النتائج سلبية .
إذاً فلا بد من أن يثق الموحى إليه بالموحي في أية عملية إيحائية والاعتراف بمقدرته هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن هناك بعض العوامل المساعدة على خلق أرضية مناسبة لعملية الإيحاء (2) فإن تواجدت كان الأمر

(1) يقول دفيدوف في كتابه مدخل علم النفس : 313 ( والأصل في المؤثر أن يزيد التركيز وغالباً ما يكون التركيز على شيء صغير مثل طرف الإبهام أو ساعة ، والمؤثر يوحي للفرد بأنه قد أنتزع من الحياة وأنه أصبح أكثر هدواءاً وأكثر ميلاً إلى النعاس ، ويشعر براحة أكبر من المعتاد ... ) .
(2) هناك بعض العوامل الثانوية أيضاً من شأنها مساعدة المنوم على التنويم مثل اللون والضوء الخافت وما إلى ذلك ، ويذكر ان هناك طرقاً تمارس لجلب النوم المغناطيسي عن طريق الجسم كالانطباعات السمعية مثل الضوضاء أونقرات ساعة أو رقاص أو إسالة الماء من الحنفية أو الموسيقى والرقص والتهليل بنغمة رتبية مستساغة كما تفعل الأم لطفلها لحمله على النوم ففي كل هذه الأمور يكون التأثير لرتابة الصوت و النغمة لأن الإنسان في حالة اليقظة والوعي يتعرض لاثارات صوتية متنوعة النغمة تثير انتباهه في حين أن ارتابة المستمرة في النغمة تبعث النوم ولاتثير الانتباه بل تخلده إلى الهدوء كما هوالملاحظ في أنشودة الأم للطفل أو مسح يدها على شعره أو ما شابه ذلك .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 76

يسيراً، وإن عدمت كان الأمر أقل يسراً ، وهنا أود أن أذكر تجربة كنت قد اكتسبتها عفوياً ، وهي أنني أيام ممارستي ما يسمى بالعلوم الغريبة كان يتلمذ عندي عدد من التلامذة في الفقه والأصول والعربية والمنطق وغيرها وقد طرق أسماعهم أني ملم بهذه العلوم ، وذات يوم سألني ثلاثة منهم ، لا أحب ذكر أسمائهم عن صحة ومدى معرفتي بهذه العلوم الغريبة ، ولم أشأ أن أفصح بشيء من ذلك لهم كما لم أرد أن أجيبهم بلا ولا بنعم حيث لا أريد الكذب ولا أريد تأكيد ما أشيع فكان ردي عليهم أقرب إلى المزاح منه إلى الجد وحيث تحول الكلام إلى المزح سألوني عن الجن وهل يمكن للإنسان مصاحبته فقلت لهم مازحاً ، ولم لا ؟
قالوا: وكيف؟
كان الوقت يشير إلى قرب مغيب الشمس من يوم الخميس من فصل الشتاء (2) عندها قلت : إن هذه الليلة هي ليلة الجمعة (3) وهناك حفلة زواج للجن وأنا مدعو لتناول العشاء عندهم .
ضحكوا أولاً ، حيث كنت أمزح معهم ولكن وجناتهم كانت تدل على أنهم لم ينكروا ذلك مني ، حيث أنه كان مدعوماً بالإشاعات التي دارت حولي ، فلما وجدت فيهم أرضية القبول أضفت قائلاً :
نعم إنني مدعو هذه الليلة عندهم .
عندها انقطعت ضحكاتهم وسألوني مزيداً من القرائن للتأكيد ، فلم أتراجع عن كلامي ، وأخيراً وبعد مناقشة قصيرة قلت لهم :
يمكنكم الحضور أيضاً ..

(1) هم اليوم يتولون مراكز دينية واجتماعية وسياسية .
(2) كان ذلك في النصف الثاني من العقد التاسع من القرن الماضي الهجري .
(3) كان متعارفاً عند المسلمين وحتى اليوم ان يتم الزواج ليلة الجمعة لأكثر من سبب منها أنها ليلة مباركة ، ومنها أنها ليلة عطلة يمكن للأقارب والأصدقاء المشاركة ، إلى غيرها من أسباب . .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 77

عندها استولى عليهم الخوف ، وكنت أعلم سلفاً بأنهم سوف يرفضون الحضور فلم أحرج بذلك .
قلت لهم : ولكن يمكنكم مراقبة ذلك من بعيد .
فاتفقنا على أن يجتمعوا بعد الصلاة ( المغرب والعشاء ) في باحة مدرسة بادكوبة (1) التي كنت أقوم بتدريسهم فيها .
وإنما اخترت هذا المكان بالذات لأن في سراديبه وأقبيته قبورعلماء وأعيان من أذربايجان يعود تاريخ قبورهم إلى مئات السنين وفيها شجرة سدر كبيرة وقديمة جداً ، تنقل قصص عمن رأى الجن عندها ، وعلى كل فقد كانت الظروف المكانية والزمانية (2) مؤاتية لرحلة الإيحاء الذي أردت ممارسته .
بدأت معهم أولاً بإعطاء مواصفات الجن المتواجد في هذه المدرسة وذكرت لهم بما أنها مدرسة علمية والمكان يقع بين مرقدي الإمام الحسين عليه السلام وأبي الفضل العباس عليه السلام فهم من المؤمنين إذاَ فلا خوف عليهم منهم إذا كانوا لا يعادونهم ، ثم بدأت معهم عملية الإيحاء بشكل مكثف ، وشرحت لهم طقوسهم في الزواج والاحتفال بما يناسب

(1) مدرسة بادكوبة : نسبة إلى مدينة بادكوبة الآذرية حيث أنشأها أحد تجارها وكانت تقع في زقاق الداماد بني مرقد الإمام الحسين عليه السلام ومرقد أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام في كربلاء وكانت معدة لطلاب العلوم الدينية وكانت توليتها بيد والدي وقد هدمتها بلدية كربلاء بعد انتفاضة شعبان 1411 هـ مع ما هدموا من آثار هذه المدينة نكاية بالمدينة وأهاليها .
(2) كان القبو ينخفض عن سطح الساحة أكثر من مترين وفيه كثير من التعاريج ومليئاً بالأثاث والقطط والأفاعي وكان معتماً وخرباً نوعاً ما وفيه عدد من أواني الفخار لتخزين المياه ، وبما أن القاطنين في المكان لايستخدمون القبو في فصل الشتاء فقد زادها ذلك رهبة وخوفاً وبالأخص في الليل .
وقد شاع بين الناس أن الجن يحوم حول شجرة السدر كما يسكن عند القبور القديمة وكانت تروى قصصاَ عن هذا المكان بالذات تقول بأن هناك من رأى الجن عنده وقد رددت الألسن هذه القصص .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 78

وقدرتي على ممارسة الإيحاء ، ثم قلت لهم إني سأذهب لألتقي بهم وأشاركهم حفلة زواجهم .
وبعدما تأكدوا من وجود الجن طرحوا العديد من الأسئلة لتطمئن قلوبهم فحاولت الإجابة عن ذلك حسب قدرتي ، ثم قلت لهم أنه يمكنهم طرح الأسئلة وأنا معهم .
ثم فارقتهم واتجهت نحو سلم النزول إلى القبو مبتداءاً كلامي بالتسمية وبتلاوة بعض الآيات والأدعية إلى أن تحولت إلى التمتمة ، وبسرعة فائقة تمكنت من أجتياز القبو لأصل إلى الجانب الثاني وأخرج إليهم من المدخل الثاني للقبو ، وقد تمكنت من خلال تحركي هذا من أن أحدث بعض الأصوات لتصل إلى آذانهم من كل كوة مطلة على القبو وقد سمعوا صوتي وأنا أسلم عليهم وهم يردون علي سلامي حيث قد غيرت صوتي مراراً ليختلف صوتي عن صوتهم وهكذا ، ولما خرجت في المرة الأولى رأيت الفزع قد غلب عليهم وما كان مني إلا أن أزيد في الإيحاء فحدثتهم عن تجمعاتهم وشعورهم وموائدهم وأسماء بعضهم ، فسألوني عن نوع طعامهم فأجبتهم سوف أخبركم بذلك حين تمد الموائد ، وما أن دخلت للمرة الثانية وقمت ببعض الأعمال والأصوات وكنت قد اصطحبت معي مصباحاً يدوياً كنت أستخدمه للإضاءة الخاطفة وفي زاوية محددة بالذات وأطفأته بسرعة حتى لايتمكنوا من رؤية شيء ، وقمت باصطناع صوت وقع أواني الطعام وكنت أتكلم بصوت منخفض يبدو لهم من بعيد بأن المائدة قد جهزت وأن طعام الجن المفضل هو تمن وكلم (1) .
ولم أنقطع عن ألإيحاء إليهم وقد ذكرت لهم بعض خصوصيات الجن عن لسان بعضهم من هناك.
وبقيت مع الجن المزعومين إلى ان انتهوا من عشاء الزفاف وقرأت بأصوات مختلفة بعض الأبيات المناسبة والأناشيد مرفقاً ذلك بوقع بعض الآلات . وودعتهم وخرجت إلى أصحابي فوجدتهم مذهولين ، عندها عرفت

(1) تمن وكلم : التمن هو الأرز المطبوخ والكلم خضار من فصيل الكرنب يطبخ مع الرز واللحم اعتاد العراقيون والإيرانيون على طهيه وتناوله .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 79

أنني نجحت في مهمتي ، فقد آمنوا بكل ما لقنتهم به .
وقد تلقوا أجوبتي على أسئلتهم دون مناقشة وأخذوها أخذ المسلمات والبديهيات ، ورأيت أنهم تخيلوا أشياء كثيرة منها رائحة المأكولات والأطعمة وشاهدوا مناظر وسمعوا محاوراتهم معي ورسخت في أذهانهم تلك الأجوبة وما تخيلوه غيرها عبر حاسة السمع والبصر والشم .
مضت الأيام والليالي وذات يوم أردت أن استدرك الأمر حتى لا تعلق هذه الأمور بأذهانهم ، فطلبتهم وشرحت لهم الحقيقة ولكن عملية الإيحاء هذه المرة كانت أصعب بكثير من الأولى وقد أقمت عليهم الأدلة الدامغة لمعرفة الحقيقة وأخيراً صدقوني حيث لم أعرف عندهم بالكذب .
ولاشك أن للإيحاء دوراً كبيراً إن لم نقل كل الدور في سلوك الإنسان ، فما عملية التربية والبيئة إلا إيحاءات متكررة يمارسها الأهل والأصدقاء لتكوين الإنسان بالصفة التي يريدونها له (1) .
وقد عمد الحكماء والمصلحون إلى ممارسة هذا الدور بنصائحهم المتتالية ليصنعوا من هذا الإنسان العنصر الصالح في نظرهم .
والتكرار في القول هو بحد ذاته إيحاء يؤثر في الطرف الآخر ولو بعد حين وهو كما مثل الشاعر بقوله من السريع :
ألا ترى الحبل بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا

والإيحاء علمية مركزة للتكرار ، والتكرار عملية بطيئة ( متمادية ) للإيحاء .
ومن طريف ما حدث معي أن أحد أصدقائي حل ضيفاً عندي في منتصف التسعينات ( 1395 هـ ) في بيروت وظل ما يزيد على الثلاثة أشهر فلم يعجبني إسرافه في المال رغم أنه كان لايملك مالا قط ، وقد استقرض مالا من بعض الأصدقاء لإدارة أموره وشؤونه ومع هذا فكان يسرف في أمور تافهة فكنت أقوم بنصحه حتى غير من سلوكه بنسبة 90 % وكنت أحاول معه ليتخلص من 10 % أيضاً حتى ينتهي من الإسراف تماماً

(1) ولا يخفى أن الإيحاء المؤثر غما أن يكون مركزاً أو متكرراً أو كليهما معاً .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 80

ليكون طبيعياً ، وذات يوم وعندما كنت أتحدث معه في هذا الأمر وجدته قد سرح في عالم آخر وفجأة التفت إلي وقال : أرجوك أرجوك لاتتحدث معي عن الإسراف فإن كلامك بدأ يؤثر في ولا أريد ذلك ، ثم بدأ يلتمسني في أن لا أتكلم معه بهذا الشأن حيث وجد نفسه منصاعاً من حيث يشعر أولا يشعر وقد تغير بالفعل عما كان عليه ، وما كانت إلا أيام حتى استأجر لنفسه مكاناً وانتقل إليه ، ومع الأسف عاود الإسراف من جديد وبالتدريج وتمادت به الأيام إلى أن ابتلي على أثر تصرفاته بتفاقم الديون عليه وازداد مطالبة الدائنين له بالتسديد ، مما زاده قلقاً وضنكاً حتى اضطر إلى مغادرة بيروت بسبب الحرب القائمة آنذاك وعدم إمكانية مواصلة العيش على طريقته ، وتوالت الأحداث عليه مما أدى به إلى الموت بالجلطة القلبية وهو في عنفوان شبابه .

السابق السابق الفهرس التالي التالي