دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 81

تاريخ التنويم المغناطيسي


إن عملية الإيحاء عملية طبيعية ولعل تاريخها يعود إلى تاريخ خلق الإنسان نفسه أو بعده بقليل ، ولكن تاريخ التنويم المغناطيسي بالذات قيل أنه يعود إلى الكلدانيين والبابليين والإغريق وغيرهم ، ولكنه لم يكن معروفاً بهذا الاسم وقد استخدمه بعض علماء المسلمين وغيرهم ضمن علم السحر تارة ، وعلم الطب تارة أخرى ، وقد عبروا عنه بالتسخير ، فكان التسخير من فنون السحر الذي اعتمده العلماء في أبحاثهم العلمية ، وقد عبروا عنه بتسخير الأرواح ، وكان لي أستاذ في هذه الحقول فكان يحذرني من تسخير الأرواح الشريرة ، كما كان يوصيني بعدم تسخير أرواح الأولياء .
والحقيقة أن هناك ثقافتين ، الثقافة القديمة والثقافة الحديثة ، وكل من علومها وفنونها ومصطلحاتها تختلف عن الأخرى ، إذاً فلهما لغتان لابد من إيجاد مترجم بينهما ، فلكل منهما تقسيماته ومصطلحاته وللمثال : إن علماء الصيدلة القدامى كانوا قد قسموا الدواء إلى أربعة أقسام حار وبارد وكل منهما إلى رطب ويابس ووضعوا لكل منهما أربع درجات تحديداً لدرجة حرارته وبرودته ويبوسته ورطوبته فلذلك كانوا يحدون الأشياء بقولهم مثلاً : هذا حار في الأولى رطب في الثانية وهكذا .
وأما علماء اليوم فقد اتخذوا أسلوباً آخر أكثر دقة بفضل وسائل التحليل والتجزئة فاعتمدوا على المكونات وحددوا نسبة المواد المتواجدة في الأشياء ، فقالوا مثلاً : إن هذا مركب من المواد التالية : الحديد 30 % الملح 25 % السكر 10 % وهكذا .
فالفارق بين الطريقتين القديمة والحديثة أن كل منهما يبحث من زاوايته الخاصة ، فالقديمة تراعي النتائج المؤثرة على الجسم ، والحديثة تراعي

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 82

المكونات ونسبها وترجمة تلك إلى هذه أو بالعكس ليست سهلة (1).
وكان علم الطب مثلاَ يشمل عدداً من العلوم ، العلاج والصيدلة والنفس والكيمياء وتارة السحر وتارة أموراً أخرى .
وعلم السحر بحد ذاته كان يتشعب إلى فروع عديدة وكان منها علم التسخير (2) وهو علم على أقسام منها تسخير الأرواح : أرواح الأموات والأحياء ، أرواح الانس وغيره ، وربما تجاوزت إلى غيرها كالأفلاك ، وقد سماه بعضهم بعلم الهيمياء .
هذا في الماضي والقديم وأما في الحاضر والحديث فأول من أعلن عنه هو الدكتور مسمر(3) وذلك عام 1189 هـ ( 1775 م ) فإنه قرر « أن في الإنسان سيالاً مغناطيسياً لايعرف كنهه ، ينبعث منه بالإرادة ويؤثرعلى الأشياء والأشخاص تأثيراً خاصاً ، وأخبر أنه طبب به الأمراض العصبية فنجح » (4) ، وقد أنكر الآخرون عليه ذلك ، ولكن بعد فترة التحق بركبه عدد من العلماء أمثال : شارل (5) وشانبيه (6) وده بوتيه (7) وغيرهم .

(1) وقد حاولت قديماً ، تحويل المصطلحات المستخدمة في العناصر من الحديثة إلى القديمة وبالعكس .
(2) ومن الملاحظ أن علماء التنويم أعتبروا عملية الكتابة المباشرة أي تحريك القلم على الورق تلقائياَ عملية مغناطيسية كما جاء في كتاب التنويم الغناطيسي : 123 ، وأما القدامى فكانوا يعتبرونه من عملية التسخير والتي منها ما كنا نقوم به في بعض الظروف الصعبة تسلية للنفوس فكنا نسخر ألأرواح التي إنفصلت عن أجسادها بالموت بطريقة الحروف ألأبجدية وألأرقام وكلمتي نعم أولا، ثم نقوم بوضع ألأصبع على الفنجان المقلوب فكان يتحرك بكل بساطة ليقف على كل حرف من هذه الحروف أو الأرقام أو على لا أو نعم ، إذا كان السؤال يقتضي الجواب بـ لا أو نعم ولا أنسى أن الإجابة عن موضعين جاءت صادقة ، أولهما عن استمرارية الوضع في العراق ، والثاني عن تحديد الثورة في إيران .
(3) مسمر : هو أنطوني ، المتوفى عام 1230 هـ ( 1815 م ) قيل فرنسي وقيل ألماني .
(4) دائرة معارف القرن العشرين : 10 / 411 .
(5) شارل .
(6) شانبيه :
(7) ده بوتيه :
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 83

وجاء الجراح الإنكليزي جيمس بريد (1) عام 1257 هـ ( 1841 م) وتمكن من تنقيته من الشوائب وأطلق عليه اسم التنويم الغناطيسي (2) بعدما كان قد أطلق عليه سلفه السيال المغناطيسي (3).

(1) جيمس :
(2) الأحلام بين العلم والعقيدة : 167 .
(3) وأما التسمية الأجنبية (HypoticState ) فقد جاءت من اليونانيين حيث إن كلمة ( Hypnosis) يونانية تعني النوم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 84

الوحي

الوحي بالفتح : مصدر وحي إليه يحي على زنة وعد يعد ، وهو في اللغة : المكتوب والرسالة ، وكل ما ألقي إلى الغير ليعلمه كيف كان ، ثم غلب الوحي عند المتشرعة فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى .
ومنهم من قال : إن الوحي هو إعلام في خفاء .
وربما أطلق الوحي وأريد منه الموحى أي اسم المفعول ، فيكون عند المتشرعة هوكلام الله المنزل على أنبيائه .
وقد ورد في القرآن على معان :
1ـ الإلهام : سواء كان الملهم حيواناً أو جماداً فالأول كقوله تعالى : « وأوحى ربك إلى النحل » (1) والثاني كقوله : « بأن ربك أوحى لها» (2) ، وقد عبر عنه الطريحي بالإلهام (3)وعبر عنه الراغب بالتسخير(4) ، ومن الثاني أيضاً قوله تعالى « فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها » (5) .
ومن الإلهام الإلقاء في قلب الإنسان كقوله تعالى : « وأوحينا إلى أم موسى» (6) و « أوحيت إلى الحواريين» (7) وقد قيل عن الأول بأن الوحي

(1) سورة النحل ، الآية : 68.
(2) سورة الزلزلة ، الآية : 5 .
(3) تفسير غريب القرآن : 75 .
(4) المفردات في غريب القرآن : 516 .
(5) سورة فصلت ، الآية : 12، ومن الجديد بالذكر أن هذه الآية تحمل معاني علمية كثيرة حيث يبين فيها كيفية النظام اللامركزي في مجمل كرات المجموعة الشمسية .
(6) سورة القصص ، الآية : 7 .
(7) سورة المائدة ، الآية : 111 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 85

إنما وقع عبر الرؤيا ، وعن الثاني بأنه وقع عبر النبي عيسى عليه السلام .
2ـ الإشارة بأية واسطة كانت كما في قوله تعالى : « فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً» (1)أي فأشارإليهم أن سبّحوا بكرة وعشيا، حيث أُمر بأن لا يتكلم ، فإستخدم ألإشارة بدل التحدث إليهم .
3ـ التحدث كما في قوله تعالى : « وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً» (2)وقوله لموسى : « إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى» (3) ، وهكذا المعنى قد يحدث منه سبحانه وتعالى بخلق الكلام أو بإرسال ملك أو بشكل آخر .
وقد جعلوا منه رؤيا الانبياء دون غيرهم كما في رؤيا ذبح النبي إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل عليه السلام حيث قال : « يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ، قال : يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» (4) .
وألحقوا بذلك رؤيا الأئمة الأطهار من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
وذكروا أن الفارق بين الإلهام والوحي : إن الوحي فيضان العلم من الله إلى النبي بواسطة الملك ، والإلهام الإلقاء في قلبه ابتداءً (5) .
وقد سئل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى الوحي فقال : منه وحي النبوة ، ومنه وحي الإلهام ، ومنه وحي الإشارة(6) .
والذي يبدو من الروايات بل الآيات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينزل عليه

(1) سورة مريم ، الآية : 11 .
(2) سورة الشورى ، الآية : 51 .
(3) سورة طه ، الآية : 12 .
(4) سورة الصافات ، الآية : 102 .
(5) معجم الفروق اللغوية : 69 .
(6) بحار الأنوار : 14 / 180 عن تفسير النعماني ( القسم المخطوط ) ، المحكم والمتشابه : 21 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 86

جبرئيل بالوحي تارة ، وكان يلقى فيه قلبه تارة أخرى ، ويرى في النوم مرة ، وأخرى عبر التجلي ، وهذه الأخيرة كانت أصعبها على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان يتصبب عرقاً وتأخذه مثل الغشية والسبات (1) .
قال الراغب الأصبهاني (2) : أصل الوحي الإشارة السريعة وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض وقد يكون بصوت مجرد من التركيب وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة ، وعلى هذه الوجوه قوله تعالى : « وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» (3) فذلك بالوسواس المشار إليه بقوله : « من شر الوسواس الخناس» (4).
وقد يقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبياء الله وأوليائه وحي ، وذلك أقرب حسبما دل عليه قوله تعالى : « وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أويرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم »(5) وذلك إما برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبرئيل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة معينة ، وإما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى كلام الله ، وأما بإلقاء في الروع (6) كما ذكر صلى الله عليه وآله وسلم « إن روح القدس نفث في روعي » (7) ، وأما بإلهام نحو « وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه» (8) وأما بتسخير نحو قوله « وأوحى ربك إلى إلى النحل» (9) أو بمنام

(1) راجع سفينة البحار : 8/ 420 ، المفردات في غريب القرآن : 516 ، معارف ومعاريف : 5/ 2311 .
(2) الراغب الأصفهاني : هو الحسين بن محمد بن المفضل ( ـ 502 هـ ) من العلماء الحكماء ولد في أصفهان وسكن بغداد ، له مؤلفات جليلة منها : الذريعة إلى مكارم الشريعة ، محاضرات الأدباء ، تحقيق البيان .
(3) سورة الأنعام ، الآية : 121 .
(4) سورة الناس ، الآية : 4.
(5) سورة الشورى ، الآية : 51 .
(6) الرُوع : بضم الراء هو سواد القلب ، الذهن ، العقل .
(7) بحار الأنوار : 67 / 96 عن الكافي : 2 / 74 .
(8) سورة القصص ، الآية : 7.
(9) سورة النحل ، الآية : 68 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 87

كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : « انقطع الوحي وبقي المبشرات ألا وهي نوم الصالحين والصالحات » (1)فالإلهام والتسخير والمنام دل عليه قوله : « إلا وحياً» (2)وسماع الكلام معاينة دل عليه قوله « أو من وراء حجاب» ، وتبليغ جبرئيل في صورة معينة دل عليه قوله : « أو يرسل رسولاً فيوحي» .(3)
وقال المفيد (4) : أصل الوحي الكلام الخفي ثم يطلق على كل شيء قصد به إفهام المخاطب على السر له على غيره ، والتخصص له به دون من سواه وإذا أضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرسل خاصة دون سواهم على عرف الإسلام وشريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (5) .
وقال الرازي (6) : الإيحاء فقد ورد الكتاب به على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرهما ، وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله تعالى : « وأوحى ربك إلى النحل» (7)وقال في الشياطين « ليوحون إلى أوليائهم » (8)وقال : « فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً » (9) فلما كان الله سبحانه ألفى هذه الأشياء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبرئيل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحياً (10).

(1) بحار الأنوار : 58 / 176 عن جامع الاخبار .
(2) سورة الشورى ، الآية : 51 .
(3) المفردات في غريب القرآن : 515.
(4) المفيد : هو محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي ( 338 ـ 413 هـ ) من أعلام الإمامية ورجالهم البارزين ، له كتاب الإرشاد ، الاختصاص ، المقنعة .
(5) سفينة البحار : 8/ 421 عن تصحيح الاعتقادات : 56 .
(6) الرازي : هو محمد بن عمر بن حسين التيمي البكري المعروف بالفخر الرازي ( 544 ـ 606 هـ ) ولد في الري و توفي بالهراة ، من مؤلفاته : لوامع البيان ، التفسير الكبير ، معالم أصول الدين .
(7) سورة النحل ، الآية : 68 .
(8) سورة الأنعام ، الآية : 121 .
(9) سورة مريم ، الآية : 11 .
(10 ) التفسير الكبير : 19 / 317 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 88

وقال الطبرسي (1) : الإيحاء هو إلقاء المعنى إلى الغيرعلى وجه يخفى ، والإيحاء الإرسال إلى الانبياء ، تقول : أوحى الله إليه أي أرسل إليه ملكاً ، والإيحاء الإلهام ومنه قوله : « بأن ربك أوحى لها» معناه ألقى إليها معنى ما أراد ، ومنها قول العجاج (2) من الرجز :
أوحى لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات النبت (3)
والإيحاء : الإيمان ومنه قول الشاعر (4) من الطويل :
فأوحت إلينا والأنامل رُسلُها
والوحي الكتابة قال رؤبة(5) من الرجز :
حتى نحاهم جدنا والناحي لقدر كان وحاه الواحي (6)

ويرى الطباطبائي (7) : أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى الشخص ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع الصوت غير أنه ماكان يستخدم حاستي البصر والسمع الماديتين في ذلك كما نستخدمهما (8).

(1) الطبرسي : هو الفضل بن الحسن بن الفضل ( ... ـ 548 هـ ) من علماء الإمامية ومفسريهم له كتاب : جوامع الجامع ، تاج المواليد ، بنية العابد ، ولد في طبرستان وتوفي في سبزوار ودفن في المشهد الرضوي .
(2) العجاج : هو عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر السعدي التميمي (... ـ 90 هـ ) شاعر فحل ولد في الجاهلية ثم أسلم ، عرف باختصاصه بالرجز ، جمع شعره في ديوان .
(3) جاء في مجمع البيان :1/ 746 والتبيان : 2 / 459 ، ديوان العجاج : 5 ، وفي لسان العرب : 15 / 240 « وحى لها القرار » .
(4) والظاهر أنه للعجاج أيضاً .
(5) رؤبة : هو ابن عبد الله ( العجاج ) بن رؤبة التميمي السعدي ( ... ـ 145 هـ ) من فحول الشعراء المخضرمين في الدولتين الاموية والعباسية ، كان أكثر مقامه في البصرة وكان إماماً في اللغة ، جمع شعره في ديوان .
(6) مجمع البيان : 1 / 746 ، التبيان : 2 / 459 ، لسان العرب : 15/ 420 .
(7) الطباطبائي : هو محمد حسين بن محمد حسين القاضي الطباطبائي ( 1321 ـ 1402 هـ ) ولد في تبريز ، وتوفي في قم ، من أعلام الإمامية ، أختص بالعلوم الفلسفية وعلوم القرآن بالإضافة إلى فقاهته .
(8) تفسير الميزان : 19 / 317 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 89

ويقال لما يقع في النفس من عمل الخير إلهام ، كما يقال لما يقع فيه من عمل الشر وسواس (1).
هذا وقد أجمع المسلمون على أن الوحي انقطع بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فبقي الإلهام والرؤيا مستمرين .
وقد أراد البعض تخصيص الوحي بالأنبياء والإلهام بالأئمة والأولياء ولكنه لايصح إلا إذا أراد أن الوحي مختص بالأنبياء والإلهام غير مختص بهم ، بل يشمل الأئمة والأولياء ولكن دون أن يتخصص بهم .
وأما بالنسبة إلى الرؤيا فقال المفيد : إن منامات الرسل والأنبياء والأئمة صادقة لا تكذب ، وإن الله تعالى عصمهم عن الأحلام ، وبذلك جاء الاخبار عنهم (2).
وما يمكن قوله في نهاية المطاف أن للإيحاء درجات بالنسبة إلى الاخبار سواء عن الماضي أو المستقبل من حيث المصداقية .
1ـ أيحاء الله لنبيه أو وليِّه أوغيرهما من سائر خلقه ، وهذا يتم بالتجلي أوعبر الملك (3)أو الإلقاء في القلب ( الإلهام ) ، أو عبر الرؤيا فهو بمثابة العيان دون شك أو ترديد ، و قد يصبح هذا النوم من الوحي جزءاً من المخلوق كما في النحل و الكرات الفضائية ، بل وحتى في الأنبياء حيث خاطب الله سبحانه نبيه قائلاً : « وذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا م اكنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» (4) ، وقال عز من قائل : « ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده» (5)ويقول : « يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق» (6) وهذه الروح على الظاهر غير الروح البشرية العامة التي عبر عنها بقوله : « الروح من أمر ربي وما أوتيتم

(1) معجم الفروق اللغوية : 69 .
(2) بحار الأنوار : 26 / 85 عن أوائل المقالات : 42 .
(3) وهذان النوعان يختصان بالأنبياء .
(4) سورة الشورى ، الآية : 52 .
(5) سورة النحل ، الآية : 2 .
(6) سورة غافر ، الآية : 15 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 90

من العلم إلا قليلا» (1) ولكن من سنخه ، وسيأتي الكلام عنه عند التحدث عن الروح .
2ـ إيحاء الروح إلى الروح وإعطائه معلومات عما يعايشه أو يريد القيام به .
3ـ إيحاء الإنسان لآخر وهذا ما يتم عبر التنويم كما هو الحال في التنويم المغناطيسي حيث ان المنوم يوحي إلى الوسيط بالنوم أوغيره ثم يستخدم الوسيط لكشف ما يريد (2) .
4ـ إيحاء الإنسان لنفسه وهو يتم عبر الإرادة في اليقظة والذي هو نوع من الرياضات النفسية ، والتي لها أثرها الفعال في كشف الكثير من الأمور ، وقد يتم عبرالرؤيا في النوم .
5ـ إيحاء الشياطين أو كلما من شأنه الشر إلى الإنسان فما تحقق منها في اليقظة فهو من الوسوسة وما تحقق في النوم فهو أضغاث أحلام ، وقد يصدق في كل من اليقظة والنوم ولكن لايعتمد عليه .

(1) سورة الإسراء ، الآية : 85 .
(2) وقد يتم الإيحاء في اليقظة وأثره يكون في تغير سلوكية الآخر إلا أنه لا يكشف شيئاً عن المستقبل .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 91

حقيقة التنويم

لم يعد الآن أحد ينكر حقيقة التنويم ولكن تبقى الإجابة على الأسئلة التالية ضرورية :
1ـ هل التنويم حالة نوم حقيقية ؟
2ـ بمن يتعامل المنوم ، بالجسد .. أم بالعقل .. أم بالورح .. أم بالنفس .. ؟
3ـ من يمكنه كسب المعلومات ، الروح .. أم الجسد بما فيه المخ ؟
4ـ ماهي شروط تحقق التنويم على الوجه الصحيح ؟
5ـ ماهي آثاره ؟
والجواب عن هذه الأمور يتلخص في النقاط التالية :
1ـ لاشك أن التنويم ليس بالنوم الطبيعي بل هو نوم اصطناعي حاله حال الذي يأخذ الحبوب المنومة ، ولكن بدلاً منها يخضع للإيحاء النفسي ، ولكن نتيجة النوم بالحبوب والنوم الطبيعي والتنويم المغناطيسي واحدة(1)، وبما أنه غير طبيعي فقد حدا الأمر ببعض الأطباء أمثال شاركو(2) إلى القول بأن هذا النوع من النوم إنما هو حالة مرضية اصطناعية(3) ، وذهب آخرون

(1) يقول دافيدوف في كتابه مدخل علم النفس : 313 « لايوجد تشابه بين النوم والتنويم إلا قليلاً جداً أو لا يوجد تشابه على الإطلاق لا من الناحية السلوكية ولامن الناحية الفسيولوجية » .
(2) شاركو : ( Charcot) .
(3) يقول جان لرميت :إن الفرق بين النوم الطبيعي والنوم المغناطيسي ( الاصطناعي ) هو فرق بالدرجة لابالنوع ففي كليهما يخف الوعي وتضعف الفعاليات الإرادية التي تتميز بها حالة اليقظة ـ راجع الأحلام بين العلم والعقيدة : 170 والتنويم المغناطيسي لبول جاغو . 5
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 92

منهم برامويل (1) إلى أن حوادث التنويم تعود إلى أسباب عضوية عصبية تتوقف وظائف المراكز والعقد العصبية في الدماغ ، بينما يردها بعضهم إلى شلل هذه المراكز العصبية نتيجة رتابة المؤثر، أو إلى تعب هذه المراكز بسبب الضغط أو غيرذلك من الأسباب ـ على خلاف في نظرية دورة النوم واليقظة ـ التي تقدم بيانها ، والتي منها التعليل النفسي والذي يفسر ظاهرة النوم بأنها ناتجة عن الحياة النفسية اللاشعورية بوحي العقل الباطن الذي تلعب فيه الحياة الشعورية دورالموجه باستخدام قوى الذكاء والخبرة في مواجهة الظروف الطارئة للحياة ، وربما توقفت هذه الحياة الشعورية عن عملها هذا تاركة للحياة اللاشعورية حرية العمل ، والحياة اللاشعورية هذه ـ أو العقل الباطن ـ هي التي تقبل الإيحاء سواء في حالة التنويم أوفي الأحوال العادية وهي ترسل ما تلقنته من إيحاءات إلى النفس الشاعرة في الأحوال السوية ، أو تنفذ هذه الإيحاءات بذاتها ودون استئذان الحياة الشاعرة في حالة التنويم ، وفي حالة النوم تتوقف كل معارضة من النفس الشاعرة لقبول النفس غير الشاعرة إيحاءات المنوم وتنفيذها إلا في الأحوال التي تتعارض فيها هذه الإيحاءات مع مبادئ المنوم ( الوسيط ) ويكون هذا المنوم مشابهاً للنوم العادي ظاهرياً ، ولكنه في الحقيقة يختلف عنه اختلافاً ظاهراً (2) ، منها أن النائم لايرتبط في نومه ويقظته بإرادة خارجة عن إرادته ، ومنها أن النائم لايفقد كل حواسه الخمس الظاهرية ، بينما المنوم ( الوسيط ) يرتبط نومه ويقظته بإرادة المنوم وتتعطل كل حواسه الخمس ، فلو أجريت له عملية جراحية لايشعر بها ولا يتألم مما يصاب وسيأتي الكلام عنه .
ومن الجديد ذكره أن التنويم لاينحصر بهذه الطرق المعروفة بل له طرق متعددة لسنا بصددها هنا ، هذا ومن النوم ما يقع تحت وطأة الأنغام الموسيقية وغيرها كما هومعروف عن الفارابي (3) إلى غيرها من الأساليب

(1) برامويل ( bramweII) .
(2) التنويم المغناطيسي : 45 .
(3) الفارابي : هو أبو نصر محمد بن أحمد بن طرخان ( 257 ـ 339 هـ ) ولد في واسج =
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 93

والطرق (1)(2).
وهنا لابد من الإشارة إلى أن التنويم المغناطيس بما أنه نوم اصطناعي فلا يجوز شرعاً استخدامه إلا لحالات استثنائية علاجية ، وهذا يقودنا إلى مسألة شرعية أخرى أن المنوم إذا قام بعملية التنويم من غير رضا الطرف الآخر فإذا اقترف شيئاً فهو المسؤول عن تلك الأعمال ويعاقب دون النائم ، وأما إذا كان برضاه فكلاهما مسؤولان وتخضع العملية لمسألة أن السبب أقوى أو المباشر كما هو مبين في محله (3) .
2ـ للإنسان بالذات ثلاثة (4) أبعاد (5): الجسم ، العقل ، الروح حسب ما أثبته العلم لحد الآن(6) ويتعامل الإنسان في حاجاته تارة بالجسم

= ـ تركيا ، وتوفي في دمشق ـ سوريا ، وأقام في بغداد ـ العراق ، حيث درس الرياضيات والطب والفلسفة وغيرها ، وقدم على سيف الدولة الحمداني بحلب ـ له كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة ـ كان من أعلام الإمامية .
(1) وقد يطلق التنويم مجازاً على الغفلة أو إغفال الناس كما هو الحال في اللعب السياسية والتلاعب بالألفاظ مما يسبب إلى التنويم الاجتماعي أي إغفال الناس والمجتمعات وخداعهم .
(2) ذكر القمي في الكنى والألقاب : 3/ 5 عن موجز ما قام به الفارابي في مجلس سيف الدولة الحمداني بحلب : « ورد المجلس بزي الأتراك وتكلم بلسان مماليك سيف الدولة وتخطى رقابهم حتى جلس في مسند سيف الدولة ثم أخرج من خريطته عيداناً وركبها ثم لعب بها فضحك منها كل من كان في المجلس ثم ركبها تركيباً آخر فضرب بها فبكى كل من حضر ، ثم غير تركيبها فنام كل من في المجلس حتى البواب ثم تركهم نياماً وخرج » .
(3) راجع باب القضاء والديات والقصاص والحدود .
(4) وهذا لايتنافى مع حقيقة النفس حيث سبق وقلنا إنها تحصل من ربط الجسم بالروح كما سيأتي وفي الحقيقة إن الإنسان ذو بعدين الجسم والروح ، وأما العقل فهو كالنفس في أنه حاصل بعض التفاعلات فعليه إما أن يقال إنه رباعي الأبعاد أو ثنائي .
(5) ولايخفى أن تعريف الإنسان المادي أيضاً يحتوي على أبعاد ثلاثة الطول والعرض والارتفاع وهذا التعريف المادي يأتي في مقابل تعريف الجن الذي يمكن أن يقال عنه أنه ذو بعدين وهو الذي جعله لايحتاج إلى حيز يؤويه .
(6) ولعل التحقيقات العلمية تثبت لنا في المستقبل وجود أبعاد أخرى للإنسان كالنفس حيث الجدل قائم حول ما إذا كانت لها حقيقة مستقلة أم لا .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 94

وأخرى بالعقل وثالثة بالروح وتارة يتعامل باثنين منها وأخرى بالأبعاد الثلاثة معاً ، وهذا لايعني أنه إذا تعامل بأحدها لا يخضع ألإثنان للآخر بل العكس هو الصحيح ، اي أن التعامل قد يتم مع الروح ولكن الجسم والعقل يخضعان بالنتيجة لذلك التعامل لعلاقتهما به ولكن المراد بذلك : المباشرة ، أي أن المعني بالتعامل قد يكون الروح ، وقد يكون العقل وقد يكون الجسم ، وفي التنويم لاشك أن التعامل يتم مباشرة بالروح فيخضع الجسم والعقل له حيث يتخدر الأول (1) ويكف الثاني عن أوامره فيبقى الروح طليقا في تصرفه المحدود له ، فيتحدث عن ماضيه بلا هوادة لأن مركز المراقبة فقد مصداقيتها في هذه الفترة ، وقد تلتقي بأرواح أخرى يمكنها التخاطب بلغتها في صورة الانسجام .
ويؤكد ويلسون (2) أن بداخل الإنسان قوى خفيفة ( الروح ) لا ندركها واضحة الآن ، وإنها تؤدي إلى حدوث ظواهر روحية متنوعية ، وإنها على اتصال بقوى أخرى ، وبأرواح غير منظورة ، ولكن حدث في حالات أخرى أن كشفت هذه الأرواح عن وضوح ملحوظ في الذاكرة وأمكنها إعطاء بيانات دقيقة محدودة وأرشدت عن معالم وأحداث وذكريات معينة أمكن تحقيقها بوسائل البحث العادية (3) .
ولعل التعامل يكون مع قوة أخرى والتي يعبرعنها بالنفس وهي كما سيأتي الحديث عنها بالقوة المولدة من اتصال الروح بالجسم ، ورغم أنها

(1) ومن آثار هذا التحذير أن الجسم لايشعر بشيء حتى أن الأطباء استخدموا التنويم المغناطيسي بدلاً من المخدر في إجراء العمليات الجراحية ولم يشعر المريض بأي ألم حين العملية . يقول الدكتور : ج . دولن في كتابه المذهب الروحي امام العلم :« إن النوشادر المركز إذا أشممته للمنوم فلا يحدث لديه أقل تأثير مع أن هذا المحلول إذا شمه ألإنسان في الحالة الإعتيادية يسبب له الموت، وإذا تلاشت خاصية الحس في المنوم فليست خاصية السمع بأقل تلاشياً منها فإن أعظم حركة أو صوت لايؤثر على عصبه السمعي كأنه وقع في شلل عام » دائرة معارف القرن العشرين : 10 / 412 .
(2) ويلسون : WiIson.
(3) التنويم المغناطيسي : 54 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 95

من العناصر الأولية إلا أنها تلعب دوراً كبيراً في حياة الإنسان إذ أنها قابلة للنمو ولها قدرات خارقة ، وإليها ينسب الإيمان والكفر والحسد والكراهية والحب وما إلى ذلك من الصفات السيئة والحسنة ، وإذا ما قيل عن الروحانية فهي منتسبة إليها ، ومن الجديد ذكره أن كيمياء الإيمانية أي الروحانية العالية ذات ذبذبات عالية قد تنتقل عبر اللمس ، وقد تنتقل عبرالنظر إلى الشيء الآخر فيشحن ذلك الشيء ، ومن هنا جاء القول بأن السيال المغناطيسي أو الكهربائيه المغناطيسية الموجودة في جسم ألإنسان خاضع للإرادة فباستطاعة الإنسان أن يوجهه إلى مايريد وعمل مايريد، ومن المعلوم أن الإرادة من الأمور المتعلقة بالنفس ، وفي الحقيقة أن في جسم الإنسان طاقات هائلة لوتمكن الإنسان من تحريكها لخلق المعجزات .
3ـ ومما قدمناه اتضح أن الروح هو الذي يمكنه كشف ماضي الشخص بمراجعة مخزون الذاكرة من جهة ومن الاتصال بأرواح أخرى (1) والاستفسار عما يوجهه المنوم بالإضافة إلى كشف مالدى الأرواح من معلومات حول المستقبل من جهة أخرى ، وفي ذلك يقول الدكتور مصطفى غالب : « قد يكون التنويم المغناطيسي أفضل السبل المؤدية إلى استعادة بعض ذكريات العقل عن حياة النفس السابقة » (2) .
ومما يستحسن ذكره أن الاتصالات الموجية أو الإشعاعية مع بقية الأرواح يكون مصدر معلومات هائلة بالنسبة إلى الإنسان إذا ما ضبطت وشذبت تمكن الوصول إلى غايات نبيلة ، وفي هذا الإطار بعيداً عن الروح أو الحديث عن طيفه يذكر أن الأمواج المغناطيسية للإنسان تتواجد في الأماكن التي كان الميت يتواجد فيها في حياته وعليه فإن المطلوب هو

(1) لقد اعترف علماء الغرب بالروح فمنهم من صرح به ومنهم من سماه بتسميات أخرى ـ ولا فرق ـ ولكن ذهب بعضهم ومنهم العالم الأمريكي كولن ويلسون CoIin Wilson إلى أن ألأرواح تحل في اجساد أشخاص عديدين أو تعود إلى الحياة في أجساد أخرى ولكن من النادر ان تحتفظ هذه الأرواح بقوة ذاكرتها «التنويم المغناطيسي : 53 عن « The occutI» « صفحة : 523 » ، ولكن سبق وبحثنا بطلان نظرية الحلول هذه .
(2) التنويم المغناطيسي : 23 .


السابق السابق الفهرس التالي التالي