دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 96

الوصول إليها وضبطها ومن ثم الاستفادة منها وهذا ما يريد أن يستثمره المنوم للوصول إلى بعض الحقائق أولعلاج المريض .
4 ـ وأما شروط تحقق التنويم المغناطيسي فهي عديدة أهمها :
أ ـ تفوق إرادة المنوم على الوسيط .
فالإرادة القوية تسيطرعلى تحريك الوسائل الكامنة في الإنسان من المغنطة والسيال (1)وغيرهما .
ب ـ انسجام الإيحاءات مع مبادئ المنوم ( الوسيط ) .
جـ ـ أن يكونا ـ المنوم والوسيط ـ كفوئين للعمل بدرجة النزاهة . فلو قام المنوم بإعطاء المعلومات الكاذبة عن الذي يبحث عنه إلى الوسيط سقطت مصداقيته .
هذا بغض النظر عن أن المنوم لابد وأن يكون قادراً على العملية .
5ـ إن الآثار المتوخاة من التنويم المغناطيسي لها أهميتها باعتبار أبعادها حيث ان الطبيب يستخدمه لشفاء مريضه (2)، والقاضي يستخدمه لكشف المجرم .بل الجريمة بذاتها ورجال الأمن قد يتوصلوا إلى أغراضهم الأمنية والاستخباراتية عبره إلى غيرها من أمور خطيرة جريدة بالتأكد حتى لاتصاب الأمة بجهالة ويصبحوا على ما فعلوا نادمين .
وهناك من يستخدمه للكشف عن أحداث مستقبلية وطرق علمية للوصول إلى حقائق عملية .
وهنا لابد من توضيح موقف الشريعة الإسلامية بالنسبة لعملية التنويم المغناطيسي ، فقد أجازات الشريعة ، الاستخدامات العلمية وحرمت ما ينافي

(1) السيال « eIanvitaI» ويعبر عنه بالسيال الحيوي العام وهي عبارة أخرى عن الروح التي تحل في المجودات الحية .
(2) التنويم المغناطيسي ( الإيحاء ) هو مجرد أسلوب لكشف المرض النفسي قد يكشف وقد لايكشف وقد تمكن أطباء علم النفس من علاج الكثيرمن المصابين بالأمراض النفسية بعد الكشف عنها بالتنويم ، وقد عمد أحدهم إلى الاستعانة بجهازلتسجيل كل ما يسرده على مسامعه مريضه في هذا الشأن حتى إذا ما نجحت التجربة يعيد على مسامعه بعد اليقظة كل ما تفوه به في غيبوبته ، وقد عمد آخرون إلى شفاء مريضه عبر الإيحاء في حالة التنويم مما تمكن السيطرة على مرض الوسيط .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 97

حرية الفرد حيث إنها لاتجوز الاطلاع على حياة الآخرين من جهة ، ولا تؤيد ثبوت الجريمة بهذه الطريقة بل حددث طريقاً آخر وهو الاعتراف بشروطه ، والشهادة بشروطها ، وإلا لزم الكثير من المهاترات ، وأما استخدام التنويم للعلاج أو كشف السبل العلمية أو ما شابه ذلك فلا تقف الشريعة في طريق العلم والاكتشافات العلمية(1) ولكن بشرطها وشروطها .
وهنا سؤال يطرح نفسه وهو كيف يتعامل الروح مع الأشياء والعينات التي ينقلها عبرالوسيط ، هل يسمع ويرى ويحص ويشم وو ... سنبحث ذلك بالتفصيل إن شاء الله عند بحثنا عن الروح ونوجز القول عنها هنا بالتالي :
من الواضح أن الروح لايمتلك الحواس الخمس الظاهرة كالتي يمتلكها الجسم ، إلا أنه يمتلك بدائل عن تلك تفي بالغرض المطلوب وأكثر ، ويمكن التعبير عنها بالاستشفاف بدلاً من الحاسة ، ومن طبيعة هذه الحواس الإحساس بأكثر مما تحسه الحواس الجسدية ، فترى مثلاً الكائنات غير المنظورة وما بداخل العلب والمغلفات ، وتسمع ما لايمكن للأذن العادية سماعه ، وتلتقط ما لايمكن التقاطه بالوسائل العادية ، ويمكنه فهم كافة خصوصيات الطرف الآخر بمجرد اللمس ، أما لمس من نوع الرادار ، وقد عبرعن هذا النوع من اللمس والذي قد يحدث للأجسام بالبسيكومتري «psychometry» حيث يقوم الطرف بلمس جسم أو شيء يخص ذلك الجسم فيكشف له سائر خصوصياته (2) ، ولغة التخاطب بين الأرواح تختلف تماماً عن تخاطب الأجسام حتى وإن اختلفت ألسنتهم حيث أنه يتم عبر الذبذبات والإشعاعات ، وقد سبق وتحدثنا عنه بالإجمال في الرؤيا .

(1) جاء في كتاب التنويم المغناطيسي : 45 «لقد استخدم التنويم المغناطيسي في إجراء العمليات الجراحية دون أن يشعر المريض بأي ألم ، بناءعلى إيحاءات الطبيب المنوم الذي يطلب من المريض عدم الشعور بالألم بعد إنتهاء العملية والإستيقاظ مما يخفف عن المريض الكثير من الآلام ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية يستخدم التنويم المغناطيسي لمنع آلام المخاض والوضع وللإطمئنان النفسي وقد طبقت بعض المستشفيات في الولايات المتحدة التنويم لإجراء العمليات الجراحية » .
(2) راجع التنويم المغناطيسي : 120 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 98

وهنا لابأس بإعادة كلام السيد الطباطبائي في كيفية نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث ذكر بعض الأقوال والاحتمالات فقال :
إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى الشخص ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي البصر والسمع الماديتين في ذلك كما نستخدمهما(1) .
إذاً فالتنويم عملية تسخير الروح الإنساني في حال حياة جسمه ، وأداته الإيحاء وأثره الطاعة ، وإذا ما كان صادقاً فلا يخضع النائم إلا للنوم ولا يصغي إلا لكلام المنوم بل يسمع غيره (2) .

(1) تفسير الميزان 19 / 317 .
(2) وفي خاتمة المطاف عن التنويم لابد من ذكر بعض التأثيرات للتنويم يقول الطبيب ليفران Lefrane بعد التجارب المتتالية أن الزهور التي أمسك بها الوسيط ذبلت حين عملية التنويم وأما التي كانت بأيدي غيره بقيت على حالها «التنويم المغناطيسي» : 50 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 99

الإرادة

وفي نهاية المطاف ينبغي التطرق إلى الإرادة لارتباطها ارتباطاً وثيقاً ببعض أنواع التنويم إن لم يكن كله ، ولعلها تساعدنا في جانب من جوانب بحثنا العام والشائك فالإرادة عند الإنسان هي العزم على الشيء بقوة دون تراجع (1) .
وبما ان الإرادة من الأمور المرتبطة بالنفس فماهيتها معنوية والأمور المعنوية كالمادية لها درجات فكلما كانت أقوى كانت نتائجها أغرب ، كما ويمكن استخدامها في الجانب الإيجابي والسلبي ، ولاشك أن من أهم العوامل في تحقق التنويم هي الإرادة القوية وإلالما تمكن المنوم السيطرة على الوسيط ولما خضع له بهذه السهولة ، كما لايمكنه من تحريك الأجسام الصلبة ، وقد سبق وقلنا إن الإرادة لها طرق مشروعة وأخرى غيرمشروعة ، بل المشروعة منها قد تكون محبذة من قبل الشريعة والتي تعد أبرز طرقها طاعة الله عز وجل طاعة مطلقة دون قيد أو شرط وعندها تكون الإرادة في درجة الكمال ، وقد يتوصل المرتاضون في الهند وغيرها إلى درجات علية من قوة الإرادة بحيث يمكنهم القيام بأفعال يعجزعنها الجسم عن القيام بها رغم قدرته الفائقة فيوقف بعضهم المحركات الكبيرة والقطارات وذلك عبررياضاتهم النفسية ، هذا وقد قمت بتجربة بسيطة أيام كان حب الاستطلاع يحثني على معرفة الكثير من الأمور الغامضة التي كنت أعايشها فقمت ببعض التمارين لتعلم طرق وأساليب التنويم المغناطيسي وعندها انتبهت إلى أن جوهرهايعود إلى تقرية الإرادة وبالأخص في

(1) وبالنسبة إلى الله في المشيئة ومه قوله تعالى : « إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» ] يس : 82 [ .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 100

الجانب المتعلق بالأجسام وتحريكها ، فقمت بتمارين تؤدي إلى تقوية الإرادة ومن ثم بدأت لأول مرة بتلك التجربة البسيطة . وهو فتح الأقفال الموصدة باختلاف أنواعها عند تلاوة البسملة مع لمسها فكانت تنفتح دون استخدام المفاتيح أو الأرقام في الأقفال ذات الأرقام ، إلى أن تدرجت في ذلك وما استوقفني من التقدم إلى مراحل أكثر فاعلية إلاحكاية سمعتها من والدي (1) وهي أن السيد مهدي الشيرازي (2) كان قد سعى لتعلم بعض العلوم الغريبة ومنها الجفر وكان أستاذه ينمي فيه العزم والإرادة ويسعى إلى تقويتها إلى أن أصبح مؤهلاً لذلك وبما أن استاذه كان من الملتزمين والمتقين فقد قال له ذات يوم : ما بقي عليك إلا التركيز على جانب التقوى قبل أن أعلمك رموز هذا العلم ، رجع الشيرازي من عند أستاذه وكله إصرار على أن يطبق تعاليم أستاذ ويلتزم بالتقوى ويرسخها في نفسه ليتمكن من حصول مبتغاه فإذا به في خلوة نفسية لم يخرج منها إلابقناعة تامة وهي أن التقوى لابد وأن تكون هدفاً لاوسيلة فإذا كانت التقوى طريقاً للحصول على الجفر فالأولى أن أتقي الله لذاته حتى أحوز بكل شيء والذي منه الجفر فعلى أثرها ترك تعلم الجفر والتزم جانب التقوى حتى أصبح علماً في التقى ، وقد قوى بذلك أإرادته ولعله حصل على الكثير مما كان يتمناه .
إذاً فالإرادة من الأسس التي لايمكن تجاوزها بسهولة وينبغي العمل على تقويتها فيما إذا أريد الحصول على نتائج مرضية .
وفي علمية المغنظة تبقى الإرادة العنصر الرئيس في الظواهرالفيزيقية والتي تصنف إلى صنفين الأكتوبلازم والتجسدات ، ومن مظاهرها تلك ، ما قام العلماء والأخصائيون باكتشافاتهم العلمية حول تحريك الأجسام الصلبة عبر تأثير الروح والتحكم فيها بالإرادة دون استخذام أية وسيلة مادية فإذا بالمنضدة تتحرك يميناً أو شمالاً أو ترتفع ، بل في التنويم المغناطيسي يرفع

(1) الوالد : مرت ترجمته .
(2 الشيرازي : هو مهدي بن حبيب الحسيني ( 1304 ـ 1380 هـ ) ولد وتوفي في كربلاء ، من أعلام الإمامية ومراجعها ، من مؤلفاته : شرح العروة ، حاشية العروة ، ذخيرة العباد .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 101

المنوم الوسيط عن سريره دون أن يستخدم وسائل مادية ، ومنها تحريك القلم على الورق وكتابة ما يراد كتابته أو ما يطلب منه كشفه أو ماشابه ذلك ، أو ظهور صوت مسموع يختلف عن صوت الوسيط اختلافاً تاماً يجيب على الكثير نم اسئلة المنوم ، ويصل ألأمر إلى عدم وقوف الحواجزالمادية كعائق أمام نقل الأجسام الصلبة فلا الأبواب الموصدة ولا الجدران يمكنها أن تقف أمام حضور هذه الأمور وقد يعبرعن هذه العلمية بالمجلوبات الروحية ، وقد تستخدم هذه العملية لعلاج المرضى الذين عجز الطب الجسدي عن علاجهم ، وقد يرافقها ظهور أضواء مجهولة المصدر ( Mysterious Lights) سجلت وصورت من قبل العلماء في بعض جلساتهم الخاصة ، إلى غيرها من الأمورالخارقة التي لا تستخدم فيها الوسائل المادية من أمثال أجهزة الأشعة فوق البنفسجية أو دون الحمراء .
وأعظم ظاهرة فيزيقية هي ظاهرة انبعاث الأكتوبلازم (Ectopiasm) الخارجة من فتحات الجسم أو مسام البشرة ، ويذكر العلماء أن هذه المادة ، مركبة من خلايا آدمية ومن كلوريد الصوديوم الفيزيقية ولسنا هنا بصدد بيان تفاصيل هذه الأمور (1) بل المقصود بيان إعجاز ألإرادة الإنسانية في حال تمركزها وتقويتها .

(1) ومن أراد التفصيل فليراجع الكتب المختصة التنويم المغناطيسي : 122 ـ 127 وغيرها ، ولنا بعض التفاصيل في باب المعاجز والكرامات .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 102

الرؤيا في اللغة والإصطلاح

كلمة الرؤيا مشتقة من الرأي ، والفعل منها يقع عبر ثلاث قنوات العين ، العقل ، الروح ، فإن استخدم فيه العين كان بمعنى شاهد وبصر وحينئذ يأخذ مفعولاً واحداً فيقال مثلاً : رأيت الكتاب بمعنى شاهدت الكتاب ولو وقع بعده اسمين منصوبين ، فالثاني يكون حالاً كما يقول رأيت الكتاب مفتوحاً .
وإن استخدم في الرؤية العقل كان بمعنى أعتقد ، ويستعمل في العلم واليقين ويأتي نادراً في الظن ، وحينئذ يأخذ مفعولين ،ويعد من أفعال القلوب لأنها لاتحتاج في صدورها إلى الجوارح والأعضاء الظاهرة بل يكفي فيها القوة العقلية ، ولايخفى أن المراد بالقلب هنا اللب وهو العقل ، أو مركز القيادة ، ويقال مثلاً ، رأيت الرجل عالماً .
وإن استخدم الروح كان بمعنى حَلَم ـ بفتحتين ـ وحينئذ يأخذ مفعولاً واحداً فيقال مثلاً : رأيت حلماً أو رؤيا .
شاع استعمال الرؤية للنظر بالعين ، والرؤيا للحلم في المنام ، والرأي في الاعتقاد والعلم ، ولكل منها اشتقاقاتها ومعنيها .
فالرؤيا على زنة فعلى هوالحلم الذي يراه الإنسان في النوم ويجمع على رؤى بالتنوين كرعى ، ومن النادر استعمال الرؤيا في اليقظة كقول المتنبي ـ من الطويل ـ :
مضى الليل والفضل الذي لك لايمضي ورؤياك أحلى في العيون من الغمض (1)


(1) ديوان المتنبي : 1/ 318 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 103

وعليه حمل بعض المفسرين قوله تعالى : « وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس» (1).
ورغم ذلك فقد اصطلح استخدامها فيما يراه النائم وقد وردت في القرآن في سبعة مواضع (2)كلها صريحة في ذلك إلا في سورة الإسراء ، والتي اختلف فيها المفسرون فذهب بعضهم إلى أنها فيما يراه النائم وآخرون ذكروا أنها في رؤيا العين .
وإلى جانب الرؤيا فإن هناك كلمتان أخريتان تطلقان على الرؤيا أيضاً وهما الحلم والمنام ، فالحلم ـ بضم أوله وسكون ثانيه أو ضمه ـ والذي يأتي جمعه على أحلام والفعل منه حلم ـ بفتحتين ـ مرادف للرؤيا (3)، وقد وردت الكلمة في القرآن في أربعة مواضع بصيغة الجمع ، منها في قوله تعالى : « قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين» (4)ومنها في قوله تعالى :« بل أضغاث أحلام» (5) ومنها قوله تعالى : « أم تأمرهم أحلامهم» (6) وأريد منها الرؤيا إلا في الأخيرة حيث فسر بالعقل ولكن أريد منها العقل غير المدرك للحقائق .
ويظهرمن كل استعمالات القرآن لها أن المراد منها الرؤيا غيرالصادقة بخلاف الرؤيا فقد استعملت في الرؤيا الصادقة ، ولذلك يقال : هذه أحلام نائم أي أمان كاذبة(7) وقد اصطلح استعمالها بمعنى الأماني

(1) سورة الإسراء ، الآية : 60 .
(2) راجع سورة يوسف ، الآيات : 5 ، 43 ، 100 ، سورة الصافات : 105 ، سورة الفتح : 27 .
(3) الأحلام : لها معنى آخر وهو الطموح ويقال لها أحلام اليقظة ، ويقال إنها تزداد في مرحلة المراهقة وتتضح أكثر من ذي قبل وهي تدل على الشعور بالعظمة والقوة والسيادة ، أو تعبرعن الشعور بالنقص ، والظاهر أن هذا نوع منها يصل إلى الخيال ، وقد تؤدي أحلام اليقظة أحياناً إلى المثابرة وأخرى إلى التقاعس ، ولعلها توجب في البعض إعادة الثقة بالنفس وقد تسبب العزلة والكآبة عند البعض الآخر، وهو من الأمور التي تتعلق بالنفس .
(4) سورة يوسف ، الآية : 44 ، وفيها كلمة الأحلام جاءت مكررة مرتين .
(5) سورة الأنبياء ، الآية : 5.
(6) سورة الطور ، الآية : 32 .
(7) المنجد : 150 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 104

مما يدلنا على أن متعلق هذه الكلمة غير محقق الوقوع بل عدم وقوعه هو المؤكد والمحقق .
وأما المنام ـ بفتح أوله ـ فيراد منه النوم وموضعه والحلم وكثر استعماله في الأول كما كثر استعماله عند العامة في الثالث ولعله لعلاقة الحال والمحل .
وربما لو اردنا المقارنة بين الكلمات الثلاث المنام والحلم والرؤيا لتمكنا من القول بأنه في الغالب يستعمل المنام في مطلق مايراه النائم والحلم فيما لم يكن صادقاً والرؤيا فيما إذا كان صادقاً .
وهناك كلمة تستخدمها العامة وهي الطيف .

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 105

الرؤيا في القرآن

لقد اعتمد القرآن الكريم ست رؤى ، وسلط عليها الضوء مبيناً بذلك حانباً من جوانب الغيب الذي تكشفه الرؤيا فيما إذا كانت صادقة ولم يتطرق إلى الرؤيا غير الصادقة والتي سماها بالحلم لعدم أهميتها وعدم تأثيرها في مستقبل الحياة ، ومع هذا فلا ننكرأن بعض الأحلام ـ أي غير الصادقة ـ قد تكشف لنا لحالات المرضية اليت أصيب بها المحتلم فيتم علاجها ولكن بشكل عام لا أهمية لتلك الأحلام .
فالقرآن الكريم عندما يتطرق إلى تلك الرؤى يرد فيا بالتفسير ليؤكد مصداقيتها ويبين أنها إحدى الطرق الموصلة للحقائق الغائبة عن الإنسان في تلك الفترة التي يراها في النوم وقد كشفها المستقبل .
وهذه الرؤى السبع اليت تطريق إليها القرآن في كالتالي حسب تسلسلها التاريخي :
1ـ رؤيا النبي إبراهيم عليه السلام في ذبحه لابنه إسماعيل عليه السلام حيث يقول سبحانه:« فلما بلغ معه السعي قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فأنظر مذا ترى قال: يا أبت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» (1) ومن الملاحظ في هذه الرؤيا أن الانبياء أبراهيم وإسماعيل أخذا بهذه الرؤيا دون تردد باعتبارها عدل الوحي واعتبراه مسلماً لا نقاش فيه .
2ـ رؤيا النبي يوسف عليه السلام في إخوته التي عبر عنها القرآن بقوله « إذ قال يوسف لابنه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رايتهم لي ساجدين ، قال يابني لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك

(1) سورةالصافات ، الآيو : 102 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 106

كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين .. ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هوالعليم الحكيم» (1) لم يشكك النبي يعقوب عليه السلام في رؤيا ابنه يوسف بل أخذها مأخذ الجد وفسرها بالفعل بالذي حدث له فيما بعد ذلك .
3ـ رؤيا مَن سجن مع النبي يوسف عليه السلام وتأويل يوسف له ، فقد قال الله تبارك وتعالى عن هذا :« ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ... ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان» (2) .
ورغم ما قيل في أن أحد المسجونين مع النبي يوسف عليه السلام لم يكن جاداً في رؤياه إلى أن يوسف فسر رؤياهما بما هو واقع بالقطع واليقين .
4ـ رؤيا عزيز مصر في قحط بلاده وقد ورد في القرآن في قوله تعالى : « قال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين *... يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون* ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون» (3) لم

(1) سورة يوسف ، الآية : 4، 5، 100 .
(2) سورة يوسف ، الآية : 36 و 41 .
(3) سورة يوسف ، الآية : 43 ، 44 ، 46 ـ 49 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 107

يتردد النبي سوسف عليه السلام في تأويل رؤيا الملك وإعطاء تفاصيل ماسيحدث له وللشعب المصري وكان كما قال .
5ـ رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بدر حيث يقول سبحانه وتعالى عنها :
« إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم أنه عليم بذات الصدور» (1).
لقد تعامل الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع هذه تعامل الوحي وأخبر أصحابه بضعف المشركين وقلتهم مما أحدث في نفوسهم القوة والعزم فكان لهما التأثير المباشر في نصرة المسلمين ، ومن الجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رآهم في النوم « قلة » مع العلم أنهم كانوا في اليقظة « كثرة » إلا أن تأويل القلة جاء بالضعف .
6ـ رؤيا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في دخول مكة كما في قوله تعالى : « لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً » (2) لقد بشر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بفتح مكة ودخول المسلمين لها وأداء فؤيضة العمرة عبر الرؤيا والنبي صلى ألله عليه وآله بدوره بشر الالمسلمين دون أن يتلقى البشرى من طريق آخر .
7ـ رؤيا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في اعتلاء بني أمية منبره وهم على شكل قردة على قول بعض المفسرين : وفي فتح مكة على قول آخرين في قوله تعالى :« وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا» (3)وعلى قول كونها في فتح مكة فهي متحدة مع ما قبلها .
وعلى كلا التفسيرين فإن ما رآه النبي صى الله عليه وآله وسلم قد تحقق بعد ذلك ولم يكن هناك أدنى شك في تحققه وقد قبل الصحابة الرؤيا قبول المسلمات .

(1) سورة الانفال ، الآية : 43 .
(2) سورة الفتح ، الآية : 27 .
(3) سورة الإسراء ، الآية : 60 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 108

ومن الخليق بالذكر أن هذه الرؤى لم تكن في غالبيتها ، صريحة فلذلك كانت الحاجة إلى تأويلها وتفسيرها من قبل أهل الذكر .
وفي نهاية المطاف لابد من التذكير بأن القرآن الكريم أعتبرها بمنزلة الوحي .

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 109

الرؤيا في الحديث

لقد استعرضت الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار عليهم السلام الرؤيا من كل نواحيها ، ومن تلك حقيقتها ، ، تاريخها ، أقسامها ، مصادر معلومتها ، مكانتها ، إلى جانب ذكر عينات من رؤى الأنبياء والأوصياء وإلى غيرها من أمور، ونحن هنا لسنا بصدد بحث كل هذه الجوانب بل سنذكر نماذج من هذه الأحاديث كنموذج عما ورد في الأحاديث ، وربما استعرضنا بعضا منها في طيات البحث :
1ـ قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :« خياركم أولو النهى » ، قيل : يارسول الله ومن أولو النهى؟ فقال :«أولو النهى أولو ألأحلام الصادقة»(1) والظاهر إن نوعية الرؤيا ترتبط بمدى المكانة العلمية لصاحب الرؤيا إذ ان أرباب العقول الكاملة بعيدون عن الهلوسة والأضغاث .
2ـ قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام : « من أكثر المنام رأى الأحلام » (2) ، بيد ان الاستلام للنوم يزيد من كثرة الرؤى والأحلام.
3ـ قال الأمام موسى بن جعفر عليه السلام :« إن الأحلام لم تكن في ما مضى في أول الخلق ، وإنما حدثت .. فقال :إن الله عز ذكره أراد أن يحتج عليكم بهذا ، هكذا تكون أرواحكم إذا متم ، وإن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى تبعث الأبدان »(3) ، لقد أراد تقريب كيف تكون حال الأرواح بعد مفارقتها للأجسام فأحدث الرؤى تشبيها لتلك وتصديقاً بها .

(1) بحار الأنوار : 58 / 190 عن كتاب الغايات لجعفر بن أحمد القمي .
(2) بحار الأنوار : 58 / 190 عن الدرة الباهرة .
(3) بحار الأنوار : 58 / 189 عن الكافي :8/ 75 . =
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 110

4ـ قال الامام الصادق عليه السلام في حديث طويل :« أما الكاذبة المخلفة (1) فإن الرجل يراها في أول ليلة .. وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل ... وذلك قبل السحر فهي صادقة لاتخلف إن شاء الله إلا أن يكون جنباً أو يكون على غيرطهرأو لم يذكرالله عز وجل حقيقة ذكره فإنها تخلف وتبطئ على صاحبها » (2) هنا ميز بين الرؤى والأحلام ، وبين بعض شروط الرؤيا الصادقة ، وجاء في شرح السنة (3) :«إن رؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار وأصدق ساعات الرؤيا وقت السحر » .
5ـ روى أبو سعيد(4) عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : « أصدق الرؤيا بالأسحار » (5)وجاء في فتح الباري :« إن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها ومن النصف الثاني يسرع وإن أسرعها تأويلاً وقت السحر، ولا سيما عند طلوع الفجر » (6).
6ـ قال الامام الصادق عليه السلام :« أسرعها تأويلاً رؤيا القيلولة » (7)وقد سبق وذكرنا أقسام النوم .
7ـ قال الامام الصادق عليه السلام أيضاً :« إذا كان العبد على معصية الله عز وجل وأراد الله به خيراً أراه في منامه رؤيا تروعه فينزجر بها عن تلك المعصية » (8)، مما يدل على أن الرؤيا هي من الوسائل المستخدمة من قبل

(1) في المصدر :« المختلفة » والظاهرة هو تصحيف كما يظهر من نسخة في الرؤيا الصادقة ، أي التي تخلف ولا تصدق في قبال الصادقة التي لا تخلف وتصدق .
(2) بحارالأنوار : 58 / 193 عن الكافي : 8 / 91 .
(3) بحار الأنوار : 58 / 195 عن شرح السنة للبغوي الحسين بن مسعود .
(4) أبو سعيد : هو سعد بن مالك بن سنان الخدري (10 ق . هـ ـ 74 هـ ) صحابي جليل ، غزى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم 12 غزوة ، وصحب علياً عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، روي له 1170 حديثاً ، توفي في المدينة .
(5) بحار الأنوار : 58 / 195 ، عن الجامع الصحيح للترمذي : 4 / 534 ، مسند أحمد بن حنبل : 3 / 29 و 68 .
(6) فتح الباري : 12 / 483 .
(7) بحار الأنوار : 58 / 195 .
(8) دار السلام : 1 / 17 عن الاختصاص .
(9) تاريخ ابن خلدون : 1 / 104 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 111

الله ولطفه على حث عمل الخير ونبذ عمل الشر .
8ـ قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :« الرؤيا ثلاث : رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان » (1) قال ابن خلدون(2) إنها صحيحة .
9ـ قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم « الرؤيا على ثلاثة : منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم ، ومنها الأمر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام ، ومنها جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة » (3). إلى غيرها من الأحاديث التي أوردها العلماء في مصنفاتهم (4) فمن أراد التفصيل فيراجع مظانها .
10 ـ قال الإمام علي عليه السلام :« لا رؤيا للخائف إلا ما يحب » (5) بمعنى أنها غير صادقة لأنها ناتجة عن القلق النفسي .

(1) تاريخ ابن خلدون : 1/ 104 .
(2) ابن خلدون : هو عبدالرحمان بن محمد الحضرمي الإشبيلي (732 ـ 808 هـ) فيلسوف مؤرخ أصله من إشبيلية ولد في تونس وتوفي بالقاهرة ، له مؤلفات منها : شرح البردة ، شفاء السائل ، المنطق .
(3) بحار الأنوار : 58 / 193 عن الدرالمنثور للسيوطي : 3/ 313 .
(4) بل وخصصوا لها باباً في كتب الحديث .
(5) تفسير الأحلام لابن سيرين : .


السابق السابق الفهرس التالي التالي