دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 127

النهاري يولد أفعالاً نفسية تتنوع هذا التنوع كله : حكم واعتدال وإنكار وتوقع وقصد(1).
ويقول أفلاطون :« إن الرجل الفاضل يكفيه الحلم حيث يقوم الشريرعلى العقل وعلى ذلك أرى أن الأحسن هو أن نترك للأحلام حريتها » (2) .
ويقول فجنر (3) عن الرؤيا :« لامجرد انخفاض الحياة النفسية الشعورية دون عقبة النشاط السوي ، ولا تراجع الانتباه عن مؤثرات العالم الخارجي يكفيان في تقليل خصائص الحياة الحالمة من حيث مباينتها الحياة اليقظة ، بل الأرجح هو مسرح الحياة الفكرية المستيقظة ، فلو أن مسرح النشاط النفسي كان في أثناء النوم هو اليقظة لما جاوز الحلم فيما أرى . أن يكون امتداداً للحياة الفكرية المتيقظة مع بعض الانخفاض في الشدة ، وكان في ذلك بالضرورة يقاسم هذه الحياة مادتها وصورتها ، ولكن الواقع يخالف ذلك كل المخالفة » (4) .
ويقول أبسن (5) عن أخلاقية الحلم :« إننا لا نصير في الحلم أحسن أو أفصل بل على العكس يبدو أن الضمير في الحلم أخرس ، فلا يستحق المرء شيئاً من الشفقة ، ولربما يرتكب أقبح الجرائم فيسوق ويغتصب ويقتل ، دون أن يكترث أقل أكتراث لما هو فاعله ودون أن يلحقه الندم »(6) .
وأما رادتشوك (7) فيقول :« لاننسى أن الحلم تخطر فيه المستدعيات

(1) تفسير الأحلام : 103 ، وفي الأحلام بين العلم والعقيدة : 68 « وصارت النظرية تعرف بنظرية الحافز الحسي ، ومعناها أن الحلم ينشأ في النائم من جراء إحساس مادي يطرأ عليه ، وهذا الإحساس قد ينبعث من داخل البدن أو من خارجه » .
(2) تفسير الأحلام : 110 .
(3) فجنر :
(4) تفسير الأحلام : 111 عن كتاب عناصر النفس الفيزيائي لفجنر .
(5) أبسن : ( Ibsen). 25
(6) تفسير الأحلام : 117 .
(7) رادتشوك :
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 128

وتتصل الأفكار دون أقل التفات إلى التدبير أو العقل أو الذوق الجمالي أو الحلم الخلقي ، فملكة الحلم ضعيفة غاية الضعف والانصراف عن القيم الخلقية في الغالب » (1) .
ويقول فولكت (2) :« الأحلام مطلقة الجماح فيما تتصل بالأمور الجنسية بنوع خاص فالحالم تغيب عنده كل قطرة من الحياء ويهجره كل شعور أو حكم خلقي ، ثم هو فيما يتعلق بالآخرين كذلك يراهم جميعا في أحوال يرتاع في يقظته من التقريب بينهم وبينها ولو بالفكر » (3) .
وفي الحقيقة إنها أفكار متحيزة إلى جانب واحد فإن الرؤيا قد تكون كذلك وربما عندما من تكون حقيقته كذلك تبرز في النوم تلك الحقيقة التي كان العقل مكبلها ، وهناك العكس تماماً فلا يمكن وصف الرؤيا بأنه يطلق الجماح الأمور الجنسية فقط ، بل الأفضل وصفها في الإطار الذي قيل بأن حقيقة الإنسان تنجلي كما أرادوا أن يعرفوه وسيأتي الحديث عن ذلك في العقل .
وأما شوبنهاور (4) فكلامها أكثر واقعية حيث تقول :« إن كلا منا يسلك في الحلم ويتحدث بما يتفق وطبعه كل الاتفاق »(5).
وكذلك ذهب فيشر (6)إذ يقول :« إن المشاعر الذاتية أو الرغبات الوجدانية والانفعالات تكشف عن نفسها في انطلاق الحياة الحالمة وإن الأحلام مرايا تعكس الخواص الخفية للناس » .
ونحى هافنر(7)المنحى ذاته حين يقول :« وفيما خلا شواذ نادرة يبقى

(1) تفسير الأحلام : 117 .
(2 فولكت :
(3) تفسير الأحلام : 117 .
(4) شوبنهاور : هي Schopenhauer وهي غير شوبنهاور آرثور الفيلسوف الألماني صاحب مذهب التشاؤم وتعليله وجود التناقص بين عالم الإرادة والعقل ولد في دانتزيغ عام ( 1788 م ) وتوفي عام ( 1860 م ) .
(5) تفسير الأحلام : 117 .
(6) فيشر : Fischer.
(7) هافنر :
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 129

الفاضلاً في حلمه فيقاوم الإغراء وينأى بنفسه عن الكراهية والحسد والغضب وسائر الرذائل ، وأما السليم فلا يرى في أحلامه عادة سوى صور سبق أن خطرت له في يقظته » .
وأما شولتس (1) فيرى أن في الأحلام الحقيقة ، حيث نرى أنفسنا على ماهي عليه بالرغم من كل قناع فقد نتخذه للملا بالنبالة أو بالذلة ، فالكريم لايرتكب جرماً شائناً ولو في الحلم ، فإن فعل استفظع فعله كأنه شيء غريب عن طبيعته ، والامبراطور الروماني الذي أمر بموت أحد رعاياه لأنه رأى في المنام أنه يطوح برأس ألإمبراطور لم يجانب الصواب كثيرا حين برزعمله استناداً إلى أن مثل هذه الرؤيا لاتأتي إلا من كانت له في يقظته مثل هذه الخواطر .
وعلى هذه الخلفية استند فاب(2) في مقولته : خبرني بأحلامك أخبرك ما دخيلتك » (3)وهناك من يرى أن الحياة النفسية لاتجد في الحلم إعراباً إلا عن جزء منها فقد شلها النوم (4).
ويقول سوللي (5) :« إن الحلم يستعيد ما تعقب نموه من سابق شخصياتنا ويستعيد أساليبنا القديمة في النظر إلى الأشياء والإحساس بها كما يستعيد أندفاعات وأساليب في الاستجابة كانت تسيطر علينا منذ زمن بعيد » (6) .
ومن الواضح أن هذين الاتجاهين سواء السلبي منهما أو الواقعي تقعان في جانب واحد من الرؤيا وهو أن مصدر الرؤيا هو المعلومات المكتسبة في حال اليقظة وقد غفلا عن المصادر الأخرى للرؤيا .

(1) شولتس :
(2) فاب :
(3) تفسير الأحلام : 118 .
(4) تفسير الأحلام : 123 .
(5) سوللي : الظاهر هو سول ( suIIy-prudhomme) المولود عام ( 1839 م ) وتوفي عام 1325 هـ ( 1907 م ) أهتم بالناحية الفلسفية للإنسان ، شاعر فرنسي له كتاب الخلوات ، المصائر ، نال جائزة نوبل عام 1901 م .
(6) تفسير الأحلام : 132 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 130

ويقول برجسون (1):« إن الحواس لاتتعطل عن أداء وظيفتها أثناء النوم ، وكل أثر يقع عليها يؤدي بالنائم الى رؤية حلم مستمد منه ، فاذا كانت قدماه مثلا غير مستقرتين على نقطة ارتكاز، بأى كأنه طائر في الفضاء ، واذا أضيأت أمام عينيه شمعة تحول الضوء في حلمه الى حريق يتبعه صراخ وعويل ويأتي رجال المطافئ ورجال الاسعاف ، واذا انطلقت حوله اصوات شجار ، حلم كأنه يرى ثورة ومظاهرات ، وصداماً مع رجال الشرطة » (2) .
ويقول الكسندر (3) : « ان الحلم المؤلم هو محاولة لتخفيف التوتر الناتج من تبكيت الضمير والضمير لا يرتاح الا بالتألم » (4) .
وتوصل راين (5)بعد تجارت مختبرية الى : ان الانسان يملك في اعماق نفسه مقدرة على اختراق حجاب الزمان والمكان , هذه المقدرة تختلف في قوتها باختلاف الاشخاص وهي قد تكون لدى الشخص الواحد قوية في بعض الاحيان وضعيفة في الاحيان الاخرى ، وقد اطلق راين على هذه المقدرة الخارقة اسم « الادراك من غير حاسة » .
ويقول كريك(7) وميتشيسون (8) : « اننا نحلم لننسى » اي ان عملية الرؤيا هي الخلاص عما لا جدوى له من المعلومات فهي عملية بيولوجية (علم الاحياء) هدفها تنظيف الاجهزة لإمكانية استقبال معلومات جديدة جديرة بالاهتمام والتخزين ، وعلى هذا الاساس بنى روبرت (9) قوله :

(1) هنري بريجسون : فيلسوف فرنسي كان حيا عام 1901 م .
(2) ألأحلام بين العلم والعقيدة : 69 عن ألأحلام : 71.
(3) ألكسندر(Elxender) .
(4) ألأحلام بين العلم والعقيدة : 101 عن Fundamentals of psychoanalysis 150.
(5) راين (Rhine): باحث أمريكي، أسس قسما خاصا بالرؤيا في جامعة ديوك ألأمريكية بإسم قسم الباراسيكولوجي.
(6) ألأحلام بين العلم والعقيدة : 159 عن Extra - sensory perception لـ راين.
(7) فرانسيس كريك : (Franciss crick).
(8) گرام ميتشيسون: (Graeme Mitchison).
(9) روبرت : (Robert).
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 131

« إن الرجل حين يحرم من القدرة على رؤية الأحلام لابد من أن ينتهي أمره في النهاية إلى الخبل ، وذلك لأن قدراً هائلاً كبيراً من الأفكار التي لم تكتمل والتي لم يتم التعرف بشانها ، ومن ألأنطباعات السطحية ، سوف تتجمع وتتراكم في مخه ، وسوف تبلغ هذه من الضخامة حداً يترتب عليه أن تختنق الأفكار التي ينبغي أن تمتص وتستوعب في الذاكرة بوصفها أشياء كلية مكتملة »(1). إلا أنها بقيت نظرية ولم تصل درجة الحقيقة .
تصورات ناقصة :



إن الرؤيا التي يحكي المستقبل وتتحقق وبالأخص الرؤى في حق الآخرين هي الأهم ، وهي التي لابد من إجراء البحوث عليها حيث إن الرؤى عن الماضي لها مخارج قد لاتوصلنا إلى الاعتراف بتحققه مجردة من المعلومات ، وحتى التي تحكي المستقبل عن نفس صاحب الرؤيا قد ينسب إلى خلفية إيحائية أو نفسية أو تعتمد على البنية الجسمية والفكرية بل النفسية والتي تتبلور في الرؤيا ، وأما تحقق رؤية مستقبل شخص آخر فهذا هو الأهم إذ يحتاج إلى تفسيرأعمق من تلك التفاسير .
وتصورنا عن الرؤيا المستقبلي والذي لم يحدث هو إما أنه مأخوذ من مساجلات عالم الذر الذي حدثت فيها كل ما نمارسه في حياتنا هذه على شكل صورة سريعة ومصغرة وسجلت على شريط الجينات أو ماشابه ذلك .
أو أن تفسيرنا للزمان يكون على الشكل التالي : إن الزمان ثابت وإنما نحن السائرون وهو من قبيل الخطأ في النظر كما في حركة الشمس والأرض (2) إذاً فالزمان شيء بعيد لايمكن أن نراه ، أو انه على شكل منحن كما في الكرة الأرضية مثلاً لانرى إلا ما هو مسطح أمامنا حيث لا يمكننا معرفتة الماوراء كما لايمكننا رؤية الأكثر من البعد البصري هذه ، فكلما تقدمنا ستر عنا الماضي ، ومع هذا لايمكننا النظر إلى المستقبل لأنه

(1) اسرار النوم : 86 .
(2) حيث إن الأرض تتحرك ولكننا نشاهد خطأ أن الشمس تتحرك .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 132

تحت خط الأفق أي كلما ابتعدنا عن الشيء لا نعود نراه وكلما لم نصل إليه لايمكن رؤيته (1) ، إذاً فمن الذي يرينا المستقبل في الرؤى إنه الروح التي بإمكانها رؤية المستقبل بل الماضي لشفافيتها وتمكنها من إقامة الاتصالات عبر الأثير مثلاً (2).
وتصور أولي لحركة رؤيا المستقبل بل وحتى رؤيا الماضي والحاضر الغائب عنا .
ونود الإشارة هنا إلى أن الحواص لانتحصر بالخمس ولعل في الإنسان أكثر من هذه الحواس إلا أنها غير ظاهرة أو مكشوفة ، بل لغير الإنسان حواس تختلف عن تلك ، ولعل لهم حواس أخرى لايشاركهم الإنسان كما لايشارك كل الحيونات الإنسان بكل حواسه ، كما هو ثابت عند علماء الأحياء والحيوان .
وأخيراً فالرؤى في نظر الشريعة ينقسم إلى قسمين :
1ـ الرؤى الصادقة :



ولا شك أن رؤى الأنبياء والأئمة والأولياء من هذا النوع لما ورد في القرآن الكريم عن رؤيا يوسف الصديق عليه السلام ورؤيا إبراهيم عليه السلام ، ولما رواه الكليني (3) بإسناده عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله : « وكان رسولاً نبياً» (4)النبي : الذي يرى في منامه (5).

(1) هذا هو مجرد مثال تقريبي يوصلنا إلى الهدف المنشود .
(2) وهذا لايوجب كما تصور البعض الإيمان بالجبر وإن الإنسان عير مخير حيث أن مستقبله ثابت مفروض عليه ، والجواب هوالجواب عن علم الله بما يفعله وما سيحدث لكل واحد منا ، وهذا لايعنى أنه مجبرعلى فعله بل سيختاره بملء إرادته .
(3) الكليني : هو محمد بن بعقوب بن أسحاق الرازي المتوفى عام 329 هـ ، من أعلام الإمامية وفقهائها الرواة ، ولد بالري في ( طهران ) وسكن بغداد وتولى الزعامة بها حتى توفي بها ، له كتاب رسائل الأئمة ، الرد على القرامطة وغيرهما .
(4) سورة مريم ، الآية : 51 و 54 .
(5) الكافي : 1 / 176 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 133

ولما رواه ابن الطوسي(1) بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : رؤيا الأنبياء وحي (2).
ولما ورد عن الرضا عليه السلام أن الرسول : الذي ينزل عليه حبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي ، وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام (3).
ولما ورد عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام أن الأنبياء والمرسلين أربع طبقات : فنبي منبأ في نفسه لايعدو غيرها ، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ، ولايعانيه في اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثل ما كان أبراهيم على لوط عليه السلام ، ونبي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك ، وقد أرسل إلى طائفة قلوا أو كثروا .. الحديث (4).
ولما روي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام في قوله : « وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي» (5) قال النبي هو الذي يرى في منامه ... الحديث (6) .
ويتبعها رؤى الصالحين والصالحات والتي عبرعنها بالمبشرات فهي تتلو تلك في المنزلة ، وقد ورد في الحديث عن الأئمة المعصومين عليهم السلام : أنقطع الوحي وبقي المبشرات ألا وهي نوم الصالحين والصالحات (7) وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لا نبوة بعدي إلا المبشرات قالوا : يارسول الله ما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له (8)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم

(1) ابن الطوسي : هو الحسن بن محمد بن الحسن بن علي المكنى بأبي علي ، كان من العلماء الأجلاء تولى الشؤون العلمية بعد وفاة أبيه عام 460 هـ ، له من المؤلفات : شرح النهاية ، المرشد إلى سبيل التعبد ، وينسب إليه الأمالي . (2) دار السلام : 1 / 9 عن أمالي الطوسي .
(3) الكافي : 1 / 176 .
(4) الكافي : 1 / 174 .
(5) سورة الحج ، الآية : 52 .
(6) الكافي : 1 / 177 .
(7) دار السلام : 1 / 16 عن جامع الأخبار .
(8) دار السلام : 1 / 16 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 134

أيضاً يروى في قوله تعالى : « لهم البشرى في الحياة الدنيا» (1) قال : هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له فهي بشراه في الحياة الدنيا (2)، وروى البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل في مسنده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة (3).
فعليه أن رؤيا الصالحين والصالحات تعتبر من الرؤيا الصادقة أيضاً كما تبين من الأحاديث التي ذكرناها ولكن بالشروط التي ذكرها العلماء الأجلاء في هذا المورد .
2ـ أضغاث الأحلام :



وهي الرؤى التي لاتدخل في العنوان السابق فلا بد اعتبارها من أضغاث الأحلام وهي التي لم يكن صاحب الرؤيا نبياً أو وصياً ، ولا يكون من الأولياء أيضاً ، كما أن رؤيا الصلحاء التي أنطبقت عليهم الشروط فما دون ذلك لاعبرة به إلا إذا رأى الرسول أو الإمام في رؤياه فإن الروايات تعتبرها من الرؤى الصادقة حيث ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي »(4) وروي أيضا عن ألإمام أمير المؤمنين عليه السلام :« من رآى رسول ألله صلى ألله عليه وآله وسلم فقد رآه في اليقظة » (5) وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم :« لايتمثل بي في النوم ولا اليقظة ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة » (6) مما يدل على أن من يرى المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم لابد وأن تكون رؤياه صالحة وصادقة .
ومما تجدر الإشارة إليه أن الرؤيا في الأحكام الشرعية ليست حجة

(1) سورة يونس ، الآية : 64 .
(2) دار السلام : 1 / 16 عن الدر المنثور للسيوطي : 3 / 559 .
(3) دار السلام : 1 / 18 ، صحيح البخاري : 9 / 39 ، صحيح مسلم : 7/ 53 ، وهناك روايات احتوت مضامينها نسبة أكبر من التي أوردناها ومنها كما في صحيح مسلم : 7/ 54 وغيره وقال : جزء من سبعين جزءاً من النبوة ـ راجع مسند أحمد بن حنبل : 2/ 122 .
(4) دار السلام : 1/ 19 .
(5) دار السلام : 1/ 59 .
(6) دار السلام : 1 / 59 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 135

شرعية رغم ما نقلناه من الاحاديث في هذا الصدد ، ولكنها تكون لنا رصيداً في غير ذلك من الأمورالمرتبطة بالسلوكية مما يضاهي مقام التسامح في أدلة السنن بما لا يخالف الشرع ولا ينافي العقل والتاريخ المعتمد ، وقد ورد في الصحيح عن الصادق عليه السلام « إن دين الله تبارك وتعالى أعز من أن يرى في النوم » (1).
ومن جهة أخرى فإن الرؤيا التي تحققت فلا شبهة في كونها من الرؤيا الصادقة وإلا لما تحققت بالإضافة إلى أن ما طابق منها الواقع فلا ضير به .
هذا والرؤيا الصادقة هي التي لم تكن خلفيتها المخزون الفكري أو أعمال النهار أو حالة مرضية أو الأمور التي سبق وتحدثنا عنها وذلك فإن أرباب هذا العلم وضعوا شروطاً للرؤيا الصادق منها :
1ـ راحة المعدة بمعنى عدم امتلائها أو فراغها ، وعدم أكل أوشرب ماله تأثيرات مباشرة كالأدوية ونحوها .
2ـ راحة النفس بمعنى عدم انشغالها وقلقها وأضطرابها .
3ـ راحة الجسد بمعنى عدم إراهاقه .
4ـ خلو الجسم من الأمراض وبالأخص الحمى .
5ـ النوم المتوسط ، بمعنى عدم كثرة النوم أو قلته ، للاختلال بالتوازن البيولوجي للأجهزة المختصة .
6ـ أن لا يسبق النوم عوامل من شأنها الإثارة سواء ممارسة ـ عبر الحواس الظاهرة ـ أو تفكيراً ـ عبر الحواس الباطنة ـ .
7ـ عدم استخدام الوسائل غير المعتاد عليه في نومه حالة النوم من الفراش والضوء والصوت وما شابه .
8 ـ صلاح السريرة ، والتوجه نحو الخير وطلبه وتقديمه بما يريح خاطره من الأدعية وغيرها .

(1) الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الجزء الأول من باب الحسين والتشريع من الموسوعة فليراجع .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 136

9ـ النوم في الوقت المعتاد والاعتماد على آخر أوقات النوم والذي عبر عنه في الروايات بوقت السحر .
10 ـ الطهارة وبالأخص من الحدث الأكبر .
ومن أراد التفاصيل فليراجع مظانها .
وينقل الشيخ ناصر مكارم (1) عن بعض الثقات أن الشيخ التبريزي (2) كان قد أصيب نجله بألم في يده اليمنى مما عجز الأطباء في إيران من معالجته فسافر إلى ألمانيا للعلاج وفي طريقه إليها وهو على سطح الباخرة التي تقله رقد وإذا به يرى أن والدته قد توفيت فلما استيقظ من رقدته قيد رؤياه في مذكرته باليوم والساعة ولما رجع إلى بلده وجد أن والدته قد توفيت بالفعل فتذكر رؤياه ولما حقق عن ساعة وفاتها وجدها مطابقة تماماً (3) .
وينقل علي الوردي (4) عن أحد طلابه أنه رأى عام 1374 هـ ( 1953 م ) : حيث رأى في منامه ذات ليلة أن الدار قد أنهدمت عليه فاستيقظ مرعوباً ، ونظر فلم يجد هناك ما يلفت النظر ونام مرة ثانية فرأى الحلم نفسه فاستيقظ ونام مرة ثالثة وإذا به ينهض قلقاً فيوقظ زوجته قائلاً لها : بأن الدار ستنهدم وأنه يسمع أصواتاً غير اعتيادية من السقف والجدران ، وأسرع إلى الشبابيك يفتحها ويتطلع من خلالها نحو الخارج

(1) ناصر مكارم : هو ناصر بن علي محمد بن عبدالكريم الشيرازي ولد في شيراز عام 1345 هـ ، درس على أعلام قم والنجف ، من علماء الإمامية وفقهائها ومتكلميها له مؤلفات جمة منها : القواعد الفقهية ، كتاب التجارة ، رسالة توضيع المسائل ، وله مؤسسات دينية واجتماعية .
(2) الشيخ التبريزي : هو الشيخ محمد بن علي بن محمد طاهر المدرس التبريزي المولود عام 1296 هـ والمتوفى عام 1373 هـ ، من مؤلفاته : كتاب ريحانة الأدب في ثمانية أجزاء ، حياض الزلائل ، قاموس المعارف .
(3) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : 7 / 121 .
(4) علي الوردي : هو ابن حسين ( 1331 ـ 1417 هـ ) ولد وتوفي بالكاظمية ـ العراق ، نال درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة تكساس ، له عدد من المؤلفات منها : لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ، منطق ابن خلدون ، فوارق اللاشعور .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 137

فلم يرشيئاً غير مألوف وتحسس الجدران فلم يجد فيها ما يشير إلى تصدع أو تضعضع ، وبعد أن أطمأنت نفسه نام ثم استيقظ في الصباح كعادته ، وما هي إلا لحظات حتى سمع صراخاً وصوت أنهدام شديد في دار مجاورة ليس بينها وبينه سوى مسافة قصيرة ، وقد مات لسوء الحظ تحت أنقاض الدار المنهدمة شخصان (1) .
ويذكر سيد قطب عما حدث له في هذا المجال قائلاً :« وقع لي وأنا في أمريكا وأهلي في القاهرة وقد رأيت فيما يرى النائم ابن أخت لي شاباً وفي عينيه دم يحجبها عن الرؤية ، فكتبت إلى أهلي أستفسرعن عينه بالذات ، فجاءني الرد بأن عينيه قد اصيبتا بنزيف داخلي أنه يعالج (2) .
ويعلق سيد قطب على هذا بما مضمونه : ويلاحظ أن النزف الداخلي لايرى بالعين المجردة وإنما بالآلات المعدة لذلك ، وأما الرؤيا فقد كشفت عن هذا النزف الداخلي ثم يضيف قائلاً : واستطيع أن أكذب كل شيء قبل أن أكذب هذا الحادث الذي وقع لي .
وفي مجلة المقتطف المصرية (3) مقال تحت عنوان غرائب الأحلام ينقل الكاتب عدداً من الرؤى والأحلام أي من التي طابقت ومن التي عاكست الواقع من بعض الغربيين رغم أن المجيب على أسئلة السائلين يرى أنها من باب الصدفة حيث يقول :« إن رأينا في الأحلام معروف وهو أنها كلها هواجس وأضغاث غير منتظمة ، إن صدق شيء منها فمن قبيل الاتفاق ، والذين يدعون أنهم حلموا أحلاماً صحت تماماً لو كتبوا ما حلموا به وقابلوا بينه وبين ما يحدث لوجدوا بينهما بوناً شاسعاً لايصح معه أن يقال إن ماحدث دل الحلم عليه ، ولكن من الناس من يبقى الحلم في ذهنه صورة غير واضحة فإذا حدث له حادث بينه وبين الحلم أقل علاقة عادت صورة الحلم إلى ذهنه على شكل جديد منطبق على ما حدث ولو

(1) الأحلام بين العلم والعقيدة 144 وفيه يذكر المؤلف عدداً من الرؤى التي تحققت فليراجع .
(2) في ظلال القرآن : 4 / 1972 الهامش « سورة يوسف في ظل رؤيا يوسف » .
(3) راجع المجلة العدد : 28 / 570 ـ 576 ، شهر يوليو 1903 م ( جمادى الأولى 1321 هـ ) .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 138

بعض الانطباق فيحسب أن ما تصوره في اليقظة هو نفس الحلم الذي حلم به في المنام (1) .
وينقل :« أن سيدة من سكان لندن كان لها ولد غائب عنها ، وقد سافر الولد مع رفيق له في رحلة إلى غابات الأمزون في أمريكا الجنوبية ، وفي صباح أحد الأيام خرجت السيدة من دارها وهي في أشد حالات الذعر والهلع وقالت إنها رأت حلماً مروعاً خيل إليها فيه أن ولدها أو رفيقه افترسه وحش من وحوش الغابة وبعد مدة غير قصيرة وصل الولد وحده إلى لندن وأخذ يحدث عن رحلته ، فتبين من حديثه أن نمراً هجم عليه وعلى رفيقه في نفس الساعة التي رأت أمه الحلم المروع فيها ، وقد قتل الرفيق من جراء ذلك بينما أصيب هو بجراح غير مميته » (2) واحتمال الصدفة وارد ـ حيث كانت الأم تعلم بسفرهما إلى ألأمزون ـ ولكنه بعيد جدا .
وكان راين (3) ينسب كل هذه إلى الصدفة إلا أن رؤيا عجيبة قادته إلى التحقيق والبحث إلى أن توصل إلى النظرية التالية «ألإدراك من غير حاسة»وآمن بأن هناك رؤيا لها حقيقة وبالفعل تتحقق ، وهذه هي الرؤيا التي قادته إلى تلك النظرية : نقل له أحد أساتذته قصة حلم كان فيها شاهد عيان إذ يقول : أن سيدة من جيرانه كانت قد رأت في المنام ذات ليلة أن أخاها يموت منتحراً ، فاستيقظت مرعوبة وأبقظت زوجها حيث أصرت عليه أن يحضرعربة لكي يذهبا بها معاً إلى بيت أخيها الذي كان بعيداً عن بيتها بمسافة تسعة أميال ، ونهض الزوج تحت إلحاح زوجته فذهب إلى عائلة جاره أستاذ الجامعة ـ الراوي للقصة ـ يطرق عليها الباب ويطلب منها عربتها ، وبعد الحصول على العربة ذهب هو وزوجته إلى بيت أخيها فوجداه منتحراً بالفعل ، والغريب أن الأخ المنتحر كان مطروحاً في المكان عينه والوضع نفسه اللذين رأته أخته فيهما أثناء الحلم(4).

(1) مجلة المقتطف القاهرية : 28 / 570 .
(2) الأحلام بين العلم والعقيدة : 155 عن الحاسة السادسة : 75 لسينل . وقد نقل المودودي عدداً من الرؤيا في هذا الاتجاه .
(3) سبقت ترجمته .
(4) الأحلام بين العلم والعقيدة : 158 عن 14 : New Frontiers of Mindلراين .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 139

من وراء الرؤى والأحلام

هناك مقولة سادت بين الناس قديماً ولعلها كانت جزء من المعتقدات في بعض العقائد بأن الآلهة وراء الرؤى الميمونة بينما الشياطين وراء الرؤى المشؤومة (1)، ولكن العلم ينكر ذلك إنكارا شديداً حيث لاتوجد الأدلة على هذا الأمر وأنه مجرد خيالات من صنع الحدس ولاتمت إلى الواقع بصلة وهي من جملة ما كان يقال بأن للخير إليهاً وللشر إلهاً .
هذا وقد نجد في بعض الروايات التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهارمن آله عليهم السلام بعض المفاهيم التي قد يتصورالبعض أنها في هذا القبيل إلا إن ما صح منها لها تفسير يختلف عن هذه الشائعة ، ومن تلك الروايات قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الرؤيا من الله والحلم من الشيطان »(2) وهي من قبيل قولنا المحبة عمل رحماني والكراهية عمل شيطاني أو كقولنا في من توصل إلى الخبرإنه إلهام إلهي في قبال من نوى الشرأنه وسوسة شيطانية ، وجاء في رواية عبدالله بن عمرعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير قوله تعالى : « لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة» (3) قال الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزاءاً من النبوة فمن رأى ذلك فليخبربها واداً ، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه » (4).
لقد سبق وذكرنا أن من أمعن النظر في الآيات والروايات يجد أن الحلم اصطلح على ما لا واقعية له ، والرؤيا اصطلح على ماله واقعية ، أي

(1) راجع كيف تفسرين أحلامك : 82 .
(2) بحار الأنوار : 58 / 191 .
(3) سورة يونس ، الآية : 64 .
(4) بحار الأنوار : 58 / 191 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 140

أن الرؤى هي الصادقة والأحلام هي الكاذبة ، ومن جهة أخرى فإن من مصطلحات القرآن والحديث أن كلمة الشيطان تطلق على الشر سواء كان إبليساً أو إنساناً شريراً أو ميكروباً أوغير ذلك ، ويمكن استخدام هذا المصطلح أيضاً في باب الرؤيا فما كان منها ما يحمل الشؤم والتعاسة والقلق كان حلماً شيطانياً أي شراً وما كان منها يحمل الخير والبشرى واليمن كان رؤيا رحمانية ، وقد ورد في بعض الروايات مضمون هذه المقولة « أن الله إذا أراد بعبد خيراً ألهمه عمل الخير» ، وقد وردت بهذا الشأن روايات عديدة ذكرها المحدثون في مصنفاتهم تؤكد بأن مصدر ما يراه الإنسان في منامه ان كان موثوقاً قيل له الرؤيا ، وإن كان مصدره غير مؤثوق قيل له حلماً سواء كان المصدر هلوسة أوغير ذلك ، فما دام ليس بصادق فهو حلم شيطاني حيث ذكرنا أن من مصادر الرؤيا الاتصالات الروحية ولا يخفى بأن ألأرواح ليست كلها تنقل ما يوثق به من ألأخبار فما لم توثق فهي حلم كاذب وما وثق فهي رؤيا صادقة ، والحاصل أن الكذب شر والصدق خير ، ويعبر عن الشر بالشيطان وله مصاديق مختلفة .

السابق السابق الفهرس التالي التالي