دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 141

يجوز في الرؤيا مالا يجوز في اليقظة

إن عالم الرؤيا يختلف عن عالم اليقظة في أبعاد مختلفة وأمور كثيرة فيجوز فيها مالا يجوز في اليقظة ومن أهم هذه :
1ـ البعد الزماني ( سرعة الزمان ):



إنك في الرؤيا تجوب خلال لحظات ما تجوب في عالم اليقظة في سنوات مما يظهر بأن التعامل مع الزمان في الرؤيا يكون بوحدات تختلف عن وحدات الزمن في حالة اليقظة وربما فاقت سرعة الصوت أو الضوء.
2ـ الاتجاه الزمني ( الماضي والمستقبل ):



إن الحواجز التي نعيشها في اليقظة نحو الماضي أو المستقبل تبدو أنها معدومة في الرؤيا فلا شيء يمنعك من أن تعيش الماضي بحقيقته وخصوصيته ، كما أن السفر نحو المستقبل يتحقق في الرؤيا بسهولة (1) .
3ـ تناسخ الأرواح :



للفلاسفة القدامى أربع مصطلحات علمية حول حركة الروح الانتقالية :
أ ـ النسخ : وهو عودة الروح الإنسانية بعد مفارقتها البدن الأول إلى بدن إنسان آخر .
ب ـ المسخ : وهو الرجوع إلى بدن حيواني فإن كان محسناً فإلى

(1) لقد صدرت تصريحات أخيراً من قبل علماء الفيزياء الفضائية أمثال ستيفن هو كينج بإمكانية السفر إلى الماضي في عالم اليقظة ـ راجع جريدة الشرق اللندنية ، العدد : 6152 / الصفحة الأخيرة ، السنة : 18 ، التاريخ : 20 / 10 / 1995 م ، كما ورد بأن السفر نحو المستقبل أصبح محتملاً من الناحية النظرية باتفاق العلماء .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 142

حيوان سعيد ، وإن كان مسيئاً فإلى حيوان شقي .
جـ ـ الفسخ : وهو الانتقال إلى شجر ونبات .
د ـ الرسخ : وهو الانتقال إلى حجر وجماد (1).
ولسنا هنا بصدد البحث عن تناسخ الأرواح وتحققها أم لا ، إذ أن أئمة أهل البيت عليهم السلام رفضوا القول بالتناسخ ، ولكن الذي نريد قوله أن ذلك يجوز في الرؤيا دون أي حزازة ، ولعل القائلون بالتناسخ في عالم الوجود المادي أعتمدوا على عالم الرؤيا في أصل الفكرة .
ويرى كولن ويلسون الأمريكي ( CoIin WiIson) أن التناسخ واقع ولكنه يقول : من النادر أن تحتفظ هذه الأرواح بقوة ذاكرتها لأنه من الملاحظ أن الأرواح التي تحتفظ بذاكرتها تكون عادة قد ماتت في ظروف عنيفة (2).
4ـ الحلول :



ليس المراد بالحلول هنا ما ذهب إليه الحلولية حيث إن تلك كفر ، ولكن المراد به حلول شيء في آخر بشكل عام ، فإنه مما تستوعبه المساحة الفكرية في الرؤيا ولا تستغربه .
5ـ الاختزال:



الاختزال طريقة مألوفة في اليقظة أيضاً كما هو الحال في الأفلام ، وهي من أركان الرؤيا ، وربما كانت إحدى أسباب السرعة الزمنية التي سبق الحديث عنها .
6ـ خفة الحركة :



هناك نوع من الخفة تنسب إلى المشعوذين إلا أنها من الأمور التي تحدث في عالم الرؤيا بلا مؤونة وكلفة ، وأما النوع الآخر فهو ما تشبه حالاته حالات فقدان الجاذبية وهو ما نشاهده في رواد الفضاء إذ أن تعامل الإنسان في الرؤيا يختلف عنه في اليقظة .

(1) راجع الأسفار الأربعة : 9 / 4 .
(2) التنويم المغناطيسي : 53 عن 523 : The Occult p.
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 143

7ـ العمل بالمستحيل :


ففي الرؤيا يباح ماكان يتسحيل في اليقظة ، مثل الطيران المجرد للإنسان ، نطق الحيوانات ـ تجسيد الأرواح وتكلمها وما إلى ذلك كلها من الأمور المستحيلة إلا أنك تشاهد جميعها في الرؤيا ولم تستغرب .
8ـ الدمج :



قد تستخدم في الرؤيا حركة اليقظة وتدمج مع صورة النوم ، انه أشبه بعالم الأفلام من جهة وعالم تصرف العقل الآلي ( الكمبيوتر ) ، ولم يعد بعد تطور هذين الاختراعين شيئاً مستبعداً على المخيلة الإنسانية في نسجها ما تشاء فيما تشاء إلى ماتشاء في إطار دمج المعلومات .
والسؤال بالنسبة إلى ما يجوز في الرؤيا مما لا يجوز في اليقظة ، أكله خيال في خيال ؟ ويعد من التفوق في عالم الخيال ومثله مثل مانشاهده في الأفلام الخيالية الذي يصنعه مخيلة الإنسان الواسعة ـ والذي لعله مستفاد من خيال الرؤيا ـ ..؟ كلا لايمكن أن يكون كله خيال ..
فهل كله تصرف روحي غير محدود اليقظة وارتباط الجسم ، فتأخذ الروح حريتها عندما تتخلى عن خدمة صاحبها خدمة كاملة فيحصل على مساحة واسعة من الحرية .. ؟ كلا لايمكن ايضاً أن يكون جميع ذلك من تصرف الروح ..
إنه أمر بين الأمرين ، أو خليط من أمرين ، بل من أمور أخرى أيضاً لها علاقة بعمل الإنسان في اليقظة ، وهذا ما يجب كشفه للوصول إلى حقيقة الرؤيا ، ولعل تقسيم الرؤيا يعود إلى هذه الخلفية فما كان منها من حركة الروح كان رؤيا صادقة في الأغلب وما كان منها من تصرف الخيال فهو أضغاث أحلام ، وما كان من غيرها فهو عمل آلي جمع بين المخزون الفكري والممارسات العملية للإنسان فجائت النتائج خليطة ، ولها حالات مختلفة ، وعليه فلابد لمفسر الأحلام من أن يكون عالماً يمكنه التميز بين هذه الحالات وهي مهمة صعبة ، وقد ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ضمن بيان أقسام الرؤيا

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 144

« والذي يحدث به الإنسان لنفسه فيراه في منامه » (1) .
إن حقائق الرؤيا لاتختلف عن حقائق اليقظة إلا أن متعلقاتها تختلف فلم يؤت في الرؤيا حقيقة لم نعرفها في اليقظة بل إن الحقائق تتبادل على أرضية متعلقاتها ، فالطيران مثلاً موجود في اليقظة إلا أن الإنسان لايطير بل الحمام هوالذي يطير والنطق خاص بالإنسان على الظاهر فربما تجد في الرؤيا إن الإنسان يطير والحمام ينطق ، وربما يكون الحي ميتاً والميت حياً ، وقد يموت الأحياء ولكن ليس بالضرورة أن يقع ذلك في حالة اليقظة أو قد يرجع بك الزمان إلى شخص آخر كان فيه حياً أو يأخذك إلى زمان يكون فيه الحي ميتاً ، وقد تتكلم بلاصوت ، وتصرخ بلاصياح ، وقد تتكلم بصوتك وبصوت غيرك وقد تستخدم صوت اليقظة بغير صوتك وقد تأتي بكلام مفهوم وقد لاتستخدم الكلام المفهوم في اليقظة .
إنه فيلم رائع سريع الحركة بعض مسلسلاته عن الماضي الذي عشته أو لم تعشه ، وبعضه الآخر من المستقبل الذي تتوقعه ، وقد لاتتوقعه ، وبعضه عن الحاضر المعاش أو الغائب عنك ، وقد تقوم بعملية الدمج فتأخذ من عشرات السنين الماضية لتدمجها مع عشرات السنين الآتية أو تسلب خصوبات شخص أو قضية لتلصقها بآخر أو أخر لتخرج فيلماً عن قضية أو شخصية متكاملة الأطرف من منظور خاص دون أي صعوبة .
فهل هو قراءة عن شخصية يحضر لك ماضيه ومستقبله لتحكم تصرفات حاضرة وتقرره على نتائج تصرفاته ، أم أنه مسألة فنية المقصود منها صناعة فيلم من مخيلتك لمجرد خبط في آلة الكمبيوتر الذي ضعف فيه التيار الكهربائي مثلاً ، أو هو لمجرد التسلية وتنشيط حركة المخ .

(1) بحار الأنوار : 58 / 191 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 145

الروح

المقصود بالروح هي الروح التي من وراء الحياة ، والروح كلي مشكك وأفراده لايتساوون في امتلاكهم لتلك الحيقيقة التي شملها جوهر المعنى ، فكلمة الروح وردت في القرآن الكريم على سبيل المثال لتعني أموراً عديدة ولو حصرناها بكلفة لكانت اثنتين الأولى بمعنى الروح الحياتية والثانية بمعنى الروح الإرسالية ، فقوله تعالى في سورة القدر : « تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر» (1) ربما تفسر كتعديل للملائكة ، وربما تفسر بالروح الحياتية بالاستفادة من بعض الروايات الدالة على أن ليلة القدر تقدر فيها مقدرات الخلق فإذا نزلت الملائكة بهذه المقدرات وحددت الميزانيات المادية والمعنوية كان منها الروح الموجدة للحياة وإنما فصلها عن تلك لأهميتها ، فعليه فإن في ليلة القدر أيضاً تقدر وجود الخلق ، بمعنى أن الملائكة تأخذ العلم بها لتقوم بواجباتها إلى جانب سائر الأمور .
ومسألة الأمر في آية : « ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» (2) تدل بضميمة آيات آخرى على أن المراد بها هي كلمة الإيجاد التي فسرها الله جل وعلا في قوله : « إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» (3) وعلى أية حال فإن المتابع للآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة الروح وكلمة الأمر يتوصل إلى معان سامية قد لا يتوصل إليها فيما إذا تدبر كل واحدة بمفردها.
ونحن هنا لسنا بصدد ذكر تفسير الروح حيث يطول بنا المقام والحديث ، إذ أن أمر الروح بنفسه شائك يحتاج إلى الكثير من الدارسات

(1) سورة القدرة ، الآية : 4 .
(2) سورة الإسراء ، الآية : 85 .
(3) سورة يس ، الآية : 82 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 146

والمناقشات ، ولكن حتى نقصر الحديث حول الروح الحياتية التي هي من وراء وجود الإنسان بل سائر المخلوقات النامية أو الحية على الأقل باختلاف نوعياتها ، فنقول : مما لاشك فيه أن من وراء وجود الإنسان قوة دبت فيه الحياة ، وهي ذات علاقة بالجسم والأعضاء بالمباشرة أو بالواسطة ،ولا يختلف في ذلك ـ في تصوري ـ إثنان وإذا ما أمعنا النظر في الأمر بدقة وبغض النظر عن الأسماء والمسميات فهي من المسلمات التي اعترف بها الماديون أيضاً .
وقد سأل أبو بصير أحد الباقرين (1) عليهما السلام عن الروح في سورة الإسراء فقال عليه السلام :« التي هي في الدواب والناس » فقال أو بصير : وما هي ؟ قال : « هي من الملكوت ، من القدرة » (2)أي أنه من أمر الله الإيجادي الذي هو من خواص الملكية والقدرة المطلقة .
وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام قال :« إن الأرواح لاتمازج البدن ولا تواكله وإنما هي كلل للبدن محيطة به » (3)مما يفهم منه أن الروح ليست كما يصورها البعض أنه موجود داخل الإنسان في قلبه أو مخه .
وفي حديث الصادق عليه السلام أيضاً : سأله السائل أخبرني عن الروح أغيرالدم ؟ فقال عليه السلام : « نعم .... إذا جمد الدم فارق الروح البدن » (4) أي خرج من طيفه المحيط به .
ويظهر في عدد من الروايات أن الأرواح كل الأشياء تتصف بصفات بل لها جوانب متعددة كل جانب منها لها تخصص ومهام ، ولعل فيها درجات وبها يقاس كمال الإنسان وربما كان هذا من أختصاص النفس كما سيأتي .

(1) الباقران : هما الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام ونجله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ويقال لهما أيضاً الصادقان وهو من باب الغلبة كقولك في الشمس والقمر شمسان ، أو قمران .
(2) بحار الأنوار : 58 / 42 .
(3) بحار الأنوار : 58 / 40 .
(4) بحار الأنوار : 58 / 34 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 147

وما يهمنا في الروح هنا أن الأرواح لها أن تلتقي سواء في عالم الذر أو في عالم الدنيا ، ولكن كل بطريقته الخاصة وتتفاهم بأسلوبها الخاص وربما كانت عبرالأمواج والإشعاعات ، وقد ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :« إن الأرواح كانت تتلاقى في الهواء فتشام ماتعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف » (1)وقد سأل أبو بصير الإمام الصادق عليه السلام عن تلاقي الأرواح في حالة النوم وكيفية تلاقيها حيث قال : « الرجل قائم هنا والمرأة النائمة يريان أنهما بمكة أو بمصر من الأمصار ، أرواحهما خارج من أبدانهما ؟ قال : لا يا أبا بصير ، فإن الروح إذا فارقت البدن لم تعد إليه غير أنها بمنزلة عين الشمس هي مركبة ( أو مركوزة ) السماء في كبدها وشعاعها في الدنيا » (2) .
ويظهر من هذه الرواية وغيرها أن الأرواح عندما يغلب النوم على الإنسان تتمتع بمساحة أكبر من الحرية إذ أن انشغالاتها تهبط وتقل من حالة اليقظة ، فلها أن تبث ببعض أمواجها وإشعاعاتها وتتصل بأرواح أخرى وتبقى هي في مركزها المحيط بالإنسان ، بل يظهر من بعض الروايات أن لها اتصالات بمركز القرار البشري الذي خصه الله ووظف فيه رعيلاً من الملائكة لإدارة شؤونه ، وإن ارتباط الروح في حالة النوم لاينقطع عن الجسم بل هي لاتفارقه ، وإنما تخف مهامها بالنسبة إليه فيمكنه أن يمارس بعض الأعمال الأخرى ، وأما انفصالها عن الجسم بمعنى قطع العلاقة معه فهو الموت بعينه ، وما يفسر الآية التالية « الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى» (3) بأن الروح تخرج عند النوم من البدن فيمسك الله ما حان أجلها ويترك مالم يحن أجلها خلاف الظاهر ، حيث أن المراد من الآية مع ضميمة بقية الآيات :أن قرار الموت في الأساس بيد الله دون غيره وإنما ملك الموت هو الوسيط في ذلك كالموظف المسؤول المنفذ للأمر ، فمن الناس من تقبض روحه في اليقظة ومنهم من تقبض روحه في النوم ، ولعلها

(1) كنز العمال : 9 / 172 .
(2) بحار الأنوار : 58 / 43 .
(3) سورة الزمر ، الآية : 42 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 148

تكون في الثانية كثيرة (1) ولذلك خصها بالذكر فيمسك الله إمداده لتلك العلاقة التي بين الروح والجسم في الحالتين اليقظة والنوم ، أو أنه سبحانه يزاول أرسالها بالإمداد إلى أن يأتي أجله ..
وللتقريب فإن من يشترك مع محطة فضائية أو هاتف نقال فإن الشركة تتحكم في الشفرة التي بيدها مقاليدها لوقف الإرسال متى ما انتهى عقد المشترك ، فعندها لايمكن للمشترك مشاهدة القناة الفضائية ولا استخدام الهاتف النقال إذ يفصل بين هذه الأدوات وأرواحها التي كانت تحركها وإن شاءت أرسلتها فتعمل الأمواج والإشعاعات إلى أجلها المسمى .
والحديث عن الروح يجرنا إلى بعض التساؤلات والتي منها أن الروح لايمكن إدراكها بالعقل إلا من خلال آثارها ، بمعنى أن مرتبتها متقدمة على العقل فلايمكن أن يتعقله ، بمعنى لايمكن له درك كل حقائقها ولكنه يمكنه أن يلمس آثارها التي تدل على وجودها فقط .
وإذا ماعدت الروح من مصاديق الآية الكريمة « يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا» (2)فإن هذا لايعني عدم القدرة على الاطلاع من قبل البشر مطلقاً بل هناك من يمكنه الأطلاع عليها كما على غيرها فقد قال سبحانه وتعالى : « عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً» (3) وليس في عدم الاطلاع عيب ، بل لعل فيه لطف من الله تعالى لراحة الإنسان ، وتعمة من نعمه كما هو الحال في جهل الإنسان بوقت موته مثلاً .
ومن جهة أخرى فإن حقيقة الروح أصبحت من الأمور التي لا يمكن إنكارها لمجرد أنها ليست من الماديات الملموسة بل هو من الغيب الذي عد الله الإيمان به من خصائص المتقين في قوله تعالى : « الذين يؤمنون بالغيب» (4)وقد أكدت الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار

(1) وهو من باب اللطف ، أي لطف الخالق بالمخلوق .
(2) سورة الروم ، الآية : 7 .
(3) سورة الجن ، الآيتان : 26 ـ 27 .
(4) سورة البقرة ، الآية : 2 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 149

على وجوده وحقيقته بينما شهد عدد من المحققين الغربيين من أرباب العلم بوجوده منهم : السيد بيو (1) عند بحثه عن التنويم المغناطيسي حيث يقول : « النوم المغناطيسي يثبت وجود الروح وخلودها » (2).
السيد دولن (3) الذي قام بتحقيقات علمية حول التنويم المغناطيسي . فقال : هذه الخوارق الطبيعية التي يقول عنها العلامة شاركو(4) تثبت بطريقة محسوسة لاتحتمل الشك وجود الروح(5).
ويؤكد ويلسون (6) : أن بداخل الإنسان قوى خفية لايدركها الإنسان وإنها تؤدي إلى حوادث روحية متنوعة وإنها على اتصال بقوى أخرى وبأرواح غير منظورة (7) ، ويرى :أن الطاقات الروحية تمثل مستوى جديداً من الطاقات الغريبة المتحررة التي تطلق العنان للحاسة السادسة أوللرادار الروحي ، وبمقدار مايعني الإنسان بتنقيتها فإنه تنمو أيضاً لديه حاسة الجلاء البصري (8).
ويعترف أوليفر لودج (9) بوجود الروح قائلاً : ولنذكر .. أننا لسنا أجساماً فقط ، بل كل منا مركب من عقل وروح فضلاً عن الجسم ، ويتصل الإنسان بهذه الكائنات العليا ويناجيها بغير حواسه البدنية ، ويرتاح إلى الاتصال بها أكثر مما يرتاح إلى اتصاله بهذا العالم المادي الذي قضى عليه

(1) بيو :
(2) دائرة معارف القرن العشرين : 1 / 412 عن المخاطبات على المغناطيسي الحيوي لبيو .
(3) دولن :
(4) شاركو : ( Charcot) لعله جان مرتان شاركو الطبيب الفرنسي الذي اشتهر بأبحاثه على الأمراض العصبية والذي ولد عام ( 1825 م ) وتوفي عام 1311 هـ ( 18903 م ).
(5) دائرة معارف القرن العشرين : 10 / 411 عن المذهب الروحي إمام العلم لـ ج . دولن .
(6) ويلسون كولن CoIin wiIsonعالم أمريكي له كتاب الطاقات الغريبة ( Strange powers) وله اهتمامات في مسائل الروح بدأت عام 1371 هـ ( 1951م ) ولد عام 1350 هـ ( 1931 م ) .
(7) النتويم الغناطيسي : 54 .
(8) التنويم المغناطيسي : 56 .
(9) اوليفرلودج :
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 150

أن يعيش فيه إلى حين (1).
ومما تجدر الإشارة إليه أن محمد فريد وجدي (2) خصص عشرات الصفحات من دائرة معارفه في الحديث عن الروح واعترافات العلماء الغربيين بذلك وحتى الماديون منهم ممن لم يكونوا من قبل يعترفون به ، وحتى لانطيل الحديث فلا بأس لمن أراد المزيد مراجعته تحت مادة « روح » من مؤلفه هذا (3).
هذا ويظهر من العديد من الروايات ، ومن تفسير هذه الآية : « ألست بربكم قالوا بلى» (4) وآية « إنا عرضنا الأمانة» (5) إن مجموع الأرواح خلقت قبل الأجسام(6) وإنما تتم عملية خلق الأجسام في الأرحام ثم بعد فترة تتم عملية ربط كل واحدة منها بروحها المخلوق قبل عالم الذر .
وإذا كان الجن مخلوقاَ مكلفاً بالأحكام الشرعية كما هو الحال في الإنسان بدليل قوله تعالى : « وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» (7) بضميمة آيات أخرى وروايات هذا الباب ، فالظاهر وجود السنخية بين الروحين رغم اختلافهما ببعض الخصوصيات سواء فيها أو في الأجسام ، ولذلك يمكن القول بإمكانية إقامة اتصالات بين هذين الجنسين من الأرواح ،

(1) التنويم الغناطيسي : 152 اختزل من محاضرة ألقاها عام 1915 م ( 1334 هـ ) .
(2) محمد فريد وجدي : هو ابن مصطفى ( 1292 ـ 1373 هـ) ولد في الإسكندرية وتوفي في القاهرة ، كاتب صحافي ، أنشأ مجلة الحياة ، وصحف أخرى ، له مؤلفات منها : على أطلال المذهب المادي ، الفلسفة الحقة ، صفوة العرفان .
(3) دائرة معارف القرن العشرين : 4 / 334 ـ 400 .
(4) سورة الأعراف ، الآية : 172 .
(5) سورة الأحزاب ، الآية : 72 .
(6) لقد اختلف الفلاسفة في مسألة خلقة الروح إلى أقوال : فمنهم من ذهب إلى أنها ليست مخلوقة ، ومنهم من قال بأنها مخلوقة ، ومنهم من توقف عن ذلك ـ راجع كتاب التوازن بين الروح والعقل والجسد : 50 ـ وكتب الفلسفة ، ولكن الصحيح أنها مخلوقة إلا أنها لاتخلق مع كل مولود بل إنه سبحانه خلقها دفعة وأحدة وإنما يولجها في جسم من خلقه في الأرحام .
(7) سورة الذاريات ، الآية : 56 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 151

لابد أن يكون لاتصالاتهم دور في بعض أجزاء الرؤيا ، وبالأخص ما احتوى على بعض الحقائق الغائبة عنا ، وقد جاء في حديث علي عليه السلام أن نصرانيين سألاه ، وكان فيما سألاه عن الرؤيا الصاقة والكاذبة فقال عليه السلام :« إن الله تعالى خلق الروح وجعل لها سلطانا فسلطانها النفس ، فإذا نام العبد خرج الروح وبقي سلطانه فيمر به جيل من الملائكة وجيل من الجن ... » (1) مما يظهرأن الاتصال يتم بين روح الإنس وروح الجن عبر قنواتها الخاصة ولها تأثير في المعلومات التي يتلقاها الإنسان في الرؤيا .
ومن جهة أخرى فإن الأرواح لاتموت بل الأجسام هي التي تتعرض للموت بالعنى المألوف وذلك بفصلها عن الأجسام بمعنى فك الارتباط المعروف ، فتبقى للأرواح القدرة على الاتصال بعضها ببعض بالأساليب الخاصة بها عبر الأثير، يقول ابن عباس في ظل تفسير « الله يتوفى الأنفس» (2) قال :« سبب ممدود مابين المشرق والمغراب بين السماء والأرض فأرواح الموتى وأرواح الأحياء تأوي إلى ذلك السبب فتعلق النفس الميته بالنفس الحية ... » الحديث (3).
والأثير هي المادة الفضفاضة التي تسهل عملية الاتصال والحركة لشفافيتها وانعدام صفات المادة المرئية فيها كمسألة الوزن مثلاً ، وهي بالتالي مركب من الكثير من الحقائق اللامرئية كالجاذبية والمغناطيسية والضوء والكهربة وأضرابها .
ومن الجدير ذكره أن الأثير له علاقة كبيرة بتماسك الأجسام وصناعة الهيكلية لها ولولاها لتفسخت وانهارت إذ أنها كتلة من الأمواج والإشعاعات التي خلقها الله جل وعلا تحت ضوابط دقيقة ومعقدة خافظت على كيان الوجود .
ومن هنا تأتي أهمية أتصالات الروح حيث أنها تنسجم مع عالم

(1) بحار الأنوار : 58/ 41 .
(2) سورة الزمر ، الآية : 42 .
(3) بحار الأنوار : 58 / 63 ، راجع الدر المنثور : 5 / 329 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 152

الأثير(1)ضمن الحدود المرسوم لها ، ومن هنا أيضاً تستمد طاقتها الكبيرة التي تفوق جميع الأجسام المحكومة بقيود ثقيلة وحدود ضيقة فإذا ما قورنت طاقة الروح بطاقة الجسم المستمدة منها نجد أن حدود الأولى واسعة جداً حيث لاتحدد ولاتقيد بالحدود والقيود التي كبلت الجسم كما لاتحدد بالزمان والمكان اللذين طوقا الجسم فلا تقتصر إذا بالمساحة التي اقتصرت عليها الأجسام .
ومما قدمناه يمكن فهم الحديث الذي روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكرمنها اختلفت» (2) وقد سبق ما يشبه هذا .
وهنا لابد من بيان أن الأتصالات الروحية تتم عبر الأمواج والإشعاعات وغيرها ، وهذا هو الذي حدا بعلماء الغرب إلى القول بأن عالم الروح لايرى ولايسمع ولايلمس لأنه أثير يتردد ويهتز (3) بسرعة تتجاوز سرعة الضوء (4) ، يقول السير وليم كروكس (5) : إن حوادث الكون متصلة بعضها ببعض على نوع ما ويمكن تعليلها علمياً باهتزاز الأثير ولو كانت من قبيل انتقال الأفكار فلا داعي لنسبتها إلى قوة أخرى مادام اهتزاز الأثير كافياً لها ، ويذهب بعض الفسيولوجيين إلى أن الدقائق العصبية في الدماغ غير متصلة بعضها ببعض ، بل يفصل بينها فواصل ضيقة تتسع وقت النوم وتتضيق وقت اليقظة والعمل ، ومن المحتمل أن يكون في الدماغ دقائق وظيفتها الانفعال بأمواج الأثير الآتية من الخارج ، ولا سيما بعد أن

(1) الأثير : عرفه بعضهم بما يقابل عالم المادة ، وقال بعضهم الأثير هو صلة الوصل بين العقل والمادة ـ راجع التنويم المغناطيسي : 83 .
(2) راجع كنز العمال : 9/ 22 ففيه عدد من الروايات تحمل هذه المضامين ، بحار الأنوار : 58 / 63 عن شهاب الأخبار .
(3) يذكر أن من الماديات ماقد يتجاوز في اهتزازه مستوى معيناً هو مستوى 64000 موجة في البوصة فلايشعر به الإنسان فكيف بالاهتزازات الأثيرية ، ولعلنا لانشعر بها بل نشعر بآثارها عبر أمواج أخرى لها ارتباط بالعقل .
(4) راجع التنويم المغناطيسي : 88 .
(5) السير وليم كروكس : رئيس مجمع ترقية العلوم البريطاني .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 153

أرانا رنتجن (1) أمواجاً من أمواج الأثير أصغر كثيراً من الأمواج التي نعرفها وهي تماثل في سعتها الأبعاد التي بين مراكز الجواهر المفردة المؤلفة منها المواد ، ومعلوم أن كل فكر تتبعه حركة في دقائق الدماغ فهنا اهتزازات طبيعية صغيرة في الأثيرتؤثر في الجواهر مباشرة لصغرها وسرعتها تشبه سرعة حركة الجواهر نفسها (2) .
هذا وأراد بعض علماء الغرب تحديد وزن الروح فوزن إنساناً قبل الموت ثم وزنه بعد الموت فكان الفارق 18 غراماً فاعتقد ان وزنه 18 غراماً ، ولكن العلم والتجارب الأخرى دحضت حجته .
ومما تجدر الإشارة إليه هنا بما يناسب الرؤيا حديث الإمام الصادق عليه السلام عن خلفية الرؤيا ( الصادقة ) والأحلام ( أضغاث ) حيث يقول :« إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء » ثم يقرب الأمر بالمثال حيث يقول :« أماترى الشمس في السماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الأرض ، فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة » كما يبين خلفية الرؤيا التي تتم عبر ما يشبه الإشعاعات أو الذبذبات في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير ويذكر بأنها من وراء الرؤيا ، وما يتم في المجال الأرضي فهو من وراء الأحلام (3)

(1) مجلة المقتطف القاهرية ، العدد : 12 / الصفحة : 912 / التاريخ : أيلول : 1898 م ( جمادى الأولى 1317 هـ ) .
(2) راجع الأمالي للصدوق : 125 .
(3) ومنه الذات .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 154

النفس

هناك شيء يحدث بعد ارتباط الروح بالجسم يسمى بالنفس ، أي أن النفس أمر رابع أوله الروح وثانيه الجسم (1)وثالثه العلاقة بين الروح والجسم ، فالنفس لها شفافية خاصة بعالم اللاماديات ، والمثال التقريبي للنفس إنك لو صنعت لمبة ( الجسم ) وأو صلت بها القوة الكهربائية ( الروح ) بواسطة أسلاك ( العلاقة ) فعلى ما تحصل ؟ على الضوء (النفس) ، وربما كانت العلاقة اللاسلك هذا المثال التقريبي يرشدنا إلى الصورة الأولية للنفس ، وبما أن للنفس مظاهر وحالات وألواناً وتقسيمات فلنطور المثال للحصول على لون آخر من النتائج : «التبارالكهربائي ( الروح ) + السلك ( العلاقة ) + الملف النحاسي العازل ( الجسم ) = المغنطة ( النفس ) » إذاً فالضوء المغنطة ، الحركة ، أو ما شابه ذلك لم تحصل إلا بالأمورالثلاثة ، وهذه أمثلة مادية يمكن تحويلها إلى أمور غير مادية كما في الأمواج التي يربط جهاز الهاتف بالمركز أو أشباهها ، ولنتابع مسألة النفس ونتحدث عن خصائصها ،فإن النفس لها ظواهر مختلفة نفس لوامة ونفس أمارة و... فهي نتائج مختلفة لارتباط الروح بالجسم كما هو الحال في مسألة اتصال التيار الكهربائي بالأجسام لحصول الضوء والمغنطة والحركة وما إلى ذلك .
ومن جهة أخرى فإن النفس تنمو وتكثر وتتضاءل ويمكن تنميتها إلى الأحسن وتتضاءل نحو الأسوأ ، فإنك في مثال الضوء أو المغنطة أو الحركة بإمكانك أن تضاعف الضوء أو المغناطيسية أو الحركة أو تعطيها صوراً مختلفة من الإشعاع بما يناسب عملك في مجالات مختلفة حيث

(1) سورة الزمر ، الآية : 6 ( الروح ) .


السابق السابق الفهرس التالي التالي