دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 170

صياغة الرؤيا ، وللإرادة التي هي إحدى ظواهر النفس دور في نسبة خضوع الأجهزة المعنية لصياغة الرؤيا .
3ـ دور العقل في الرؤيا :



بما أن الخيال ناتج عن القوة المفكرة ، وبما أن العقل يرتبط بأجهزة الدماغ التي فيها الذاكرة والحافظة والموجهة وما إلى ذلك ، فإن الكثير من المعلومات التي نشاهدها في الرؤيا يرتبط بهذه الأجهزة وبالعقل في النهاية ، وبالأخص قسم اللاوعي منه ، وقسم من مشاهد الرؤيا هو من نسيج هذه الأجهزة .
4ـ دور الزمن في الرؤيا :



بما أن الزمن ظرف من ظروف الرؤيا ويختلف وحداته اختلافاً كلياً عن تكامل اليقظة وذلك حسب مقتضيات المتعامل في طيفه مثل الروح مثلاً في حال النوم والجسم في حال اليقظة ، فإن مثل هذه الأرضية لها تأثير في تحققه وصناعته وحركته .
يقول سيد قطب عن دورالزمان والمكان في تحقق الرؤيا : إن حواجز الزمان والمكان هي التي تحول بين هذا المخلوق البشري وبين رؤية ما نسميه الماضي أو المستقبل أو الحاضر المحجوب ، وإن مانسميه ماضياً أو مستقبلاً إنما يحجبه عنا عامل الزمان ، كما يحجب الحاضر البعيد عنا عامل المكان ، وإن حاسة ما في الإنسان لانعرف كنهها تستيقظ أو تقوى في بعض الأحيان فتغلب على حاجز الزمان وترى ما وراءه في صورة مبهمة ، ليست علماً ولكنها استشفاف ، كالذي يقع في اليقظة لبعض الناس وفي الرؤى لبعضهم ، فيتغلب على حاجز المكان أو حاجز الزمان أو هما معاً في بعض الأحيان ، وإن كنا في نفس الوقت لانعلم شيئاً عن حقيقة الزمان كما أن حقيقة المكان ذاتها ـ وهي مايسمى بالمادة ـ ليست معلومة لنا على وجه التحقيق (1)
ويقول دن (2) :إن الزمن المقبل بجميع أحداثه موجود أمامنا كوجود

(1) في ظلال القرآن : 4 / 1972 « سورة يوسف » .
(2) دان ( Dunne ) ، إنگليزي .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 171

الماضي وراءنا ، ونحن قادرون بأحلامنا أن ننظر إلى المستقبل كما ننظر إلى الماضي ، غير أننا أعتدنا في دراسة أحلامنا أن نتطلع إلى جهة الوراء من خط الزمن دون أن نحاول التطلع إلى جهة الإمام (1).

(1) الأحلام بين العلم العقيدة : 151 عن تجرية مع الزمن An Experiment withTime.
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 172

الحاسة السادسة

إن الحاسة السادسة كالسرطان ـ في جهل حقيقتها ـ حيث يمكن القول عن كل واحد منهما بأنه أصبح كلياً مشككاً يجمع في طياته العديد من المفردات ، فكل مرض عفوني لم يكشفوا حقيقته قالوا عنه إنه سرطان رغم اختلاف العوامل والمؤثرات والعلاج ، وكذلك الحاسة السادسة فإن كل إدراك يحصل خارج دائرة الحواس الخمس الظاهرة (1) أو الباطنة (2) يقال له حاسة سادسة ، ولذا جاء بعضهم ليكتشف حاسة سابعة وأطلق عليها اسم ( Psychometry) ، وقد اختلفوا حول ماإذا كانت جزء من الحاسة السادسة أم هي حاسة جديدة .
هذا ومن الخطأ حصر الحواس بالعدد إذ أن الاكتشافات قائمة على قدم وساق ، ولعل المستقبل يكشف لنا العديد من الحواس التي لم نكن نعلم بحقيقتها .
وعلى أية حال فإن الحاسة السادسة كان يطلق عليها تارة الإدراك وأخرى الإلهام(3) ، وفي الحقيقة إن الجسم البشري بل الجسم الحيواني وإن شئت توسعت قليلاً وقلت إن الأجسام الحية بل نستبعد أن تكون ثمة أجسام غير حية بالمفهوم العلمي ، تملك حواساً متعددة ولايعلم عددها إلا

(1) الحواس الظاهرة : هي الباصرة والسامعة والشامة والذائقة واللامسة .
(2) الحواس الباطنة على ما ذكره القدامى هي الحس المشترك والخيال والواهمة والمتصرفة والحافظة .
(3) وقد جاء في كتاب أسرار المخ والأعصاب : 1 ، التعبير عنه بالبصيرة ورغم أن البصيرة تختلف عن هذا الأمر إلا أن الكل لايختلف على وجود شيء يحسه الإنسان عبر قنوات غير متعارف عليها وظاهرة وإن اختلفوا في تسميتها .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 173

الله جل وعلا ، تختلف إحداها عن الأخرى في إدراكاتها ومجالاتها سعة وضيقاً ، وقد يمتلك بعض الأحياء بعضاً منها دون أن يمتلكها البعض الآخر .
ومما لاشك فيه أن الإنسان يمتلك بعض هذه الحواس لا جميعها ـ حسب الاكتشافات الحالية ـ ولا نستبعد ان تكون لهذه الحواس دور فاعل في مسألة تكوين الرؤيا أو إمداد أبطالها بالمعلومات التي قد يسهل استحصالها عن طريق تلك الحواس والتي يعتبر الحصول عليها مستعصياً عادة عبرالحواس الخمس، ويذكر علماء الأحياء ان الحيوانات تمتلك أجهزة كبدائل عن الحواس الظاهرة وعبرها تتمكن من إنجاز حوائجها وتتعامل بواسطتها مع الكثير من الأشياء الموجودة في هذه الحياة .
وهناك نماذج من البشر يمتلكون مثل هذه الحاسة ويمكن تحليل هذه الظاهرة بأن إهمالاً ما يقع على بقية الحواس فيستخدم هذه الحاسة كبديل عن تلك وذلك بعد الزيادة في مقدرتها وفعاليتها ، ولذلك نجد في الغالب أن مثل هؤلاء إما هم من أولئك الذين لهم طاقة خارقة في الذكاء والنباهة ، أو ممن يمتلكون حيزاً كبيراً من السذاجة ، بمعنى آخر إما بالتفوق يمكن استخدام أجهزة هذه الحاسة أو بإهمال بقية أوبعض الحواس الأخرى طبيعياً كما في السذج حتى لايشوش على هذه الحاسة ، لذا نرى أن بعضهم عبرعن ذلك بأن هذه الشخصيات لها قابلية للتنويم الذاتي أي الإهمال لحواسهم المعروفة وبذلك يوقفون حركة تفكيرهم ويسمحون لهذه الحاسة لأن تقوم بعملها من غير تشويش .
يقول سينل (1) : بعدما أجرى تجاربه على فتاة مدة ثماني سنوات : إن الفتاة قد تكون في بدء التجربة مشغولة الذهن بأمرها وهي لذلك تعجز عن القيام بالتجربة ولكنها تقول له اصبر قليلاً لابد من إخلاء فكري ، وبعد أن تتمكن من تصفية ذهنها وإعداده تقول : والآن أنا على استعداد ، ثم تقوم بالتجربة وتنجح فيها نجاحاً كبيراً .

(1) سينل :
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 174

ويعتقد سينل :بأن بعض الذين يستخدمون التحديق في الماء أو في الكرة البلورية يمكن أن يكون يستخدمون طريقة وقف حركة التفكير في أذهانهم وبذلك يساعدون حاستهم السادسة على العمل (1).
ويعزو سينل : مركز هذه الحاسة إلى الغدة الصنوبرية الموجودة في المخ والتي تكون كبيرة عند الأطفال ثم تتقلص عند الكبار .
ولعل الطفل بحاجة إلى الحاسة السادسة أكثر من الكبار ، حيث إن في البالغين تكون حركة الحواس الظاهرة بل والباطنة أكثر فعالية فلا حاجة له بالحاسة السادسة كما هو الحال عند بعض الحيوانات أيضاً حيث هي الأخرى تتعامل مع الحاسة السادسة لفقدانها لبعض الحواس الظاهرة كما في الخفاش وبعض الأسماك بل غيرهما ، وهذا مايمكن أن يعبر عنه الإنسان عندما يجد أن ذكاء مفرطاً يتمتع به من فقد بصره أو إحدى حواسه الأخرى فإن الله يعوضه بإحساس مرهف ، ومما شاهدته بنفسي أربعة ممن فقدوا بصرهم وتعرفت عليهم وكان لي مع بعضهم صداقات وطيدة : إن أحدهم كان إذا التقى بأحد مرة واحدة فشخصه ، فإذا مر ثانية على مقربة منه عرفه بكل مشخصاته من دون لمس أوكلام رغم أنه مكفوف البصر ، وآخر كان يصلح الساعات التي يعجز عن تصليحها أرباب الفن في العاصمة بغداد فيؤتى له بها ليصلحها وهومكفوف البصر (2)، وآخر يحدد لك الوقت بالدقائق دون زيادة ونقيصة والحال إنه محروم من حاسة البصر ، وآخر كاد أن لايجيبك إلا بالقرآن ويستشهد بكل عمل بآية مناسبة ، كلهم حصلواعلى هذه القدرات بعد فقدانهم للحاسة الباصرة ، وهناك العديد من الصم والبكم شاهدتهم ولهم قدرات هائلة مما يؤيد المقولة المعروفة :« إذ فقد عضو عوضه الله بآخر »(3) ، فإن إهمال هذه الحواس الظاهرة يوجب اعمالاً للحاسة السادسة .

(1) الأحلام بين العلم والعقيدة : 213 عن الحساسة السادسة لسينل : 57 .
(2) وللانصاف أقول : تعلمت تصليح الساعات الصغيرة والكبيرة الدقاقة منه .
(3) رغم أن الله سبحانه وتعالى ميز كل شيء بخواص متعددة يمكن الإنسان الوصول إلى حقيقته عبر الحواس جميعاً حيث يمكن أن يميز بالصوت الحيوان دون النظر إليه ، كما يمكنه تمييز طعم الشيء باستشمامه وهكذا فإنه يمكنه أن يسمع عبر القوة اللامسة الصوت إذا لم يكن الخلل نابعاً من أصوله ، ومهما قلنا بأن هذه الأحاسيس ليست =
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 175

وهناك عدد كبير من التجارب والقصص تثبت حقيقة واحدة وهي أن الإنسان قد يتوصل إلى بعض الحقائق قبل حدوثها من قبل الإحساس ، ولا بد أن كلا منا سمع بعضاً من هذه الأحاسيس الصادقة ممن يثق بكلامهم ، بل لعل البعض جربها في حياته ولو لمرة واحدة دون أية مقدمة ، وهذا يدلنا أن هذه الحساة لها وجود في كيان كل إنسان لايستخدم إلا لدى تعطيل أو إهمال ماهو متعارف ، وربما لأمور أخرى كما قلنا لتفوق بعض الأشخاص في الذكاء أو ماشبه ، وقد كتب عن هذه المشاهدات عدد من الكتاب في الشرق والغرب بما لايمكن إلا الرضوخ إلى هذه الحقيقة وكشف أسرارها ، وقد حدث معي ومع والدتي مرات وكان البعض قد فسرها بالصدفة وآخرون بأحاسيس الأمومة والبنوة ذات الشفرة المتقاربة في نقل المعلومات عبر الأمواج والذبذبات التي تحيط بنا بل والتي تبعثها الأجهزة المرتبطة بالمخ الإنساني ، وبما أنها ثابتة ولو بالإجمال فلا حاجة إلى المثال .
إن هذه الأمواج والذبذبات قد تكون فاعلة في حالة النوم أكثر عنها في حالة اليقظة لأن مستوى التشويش الداخلي والخارجي أقل بكثير من فترة اليقظة ، وربما كان للآلات الحديثة المولدة للأمواج والذبذبات تأثير أيضاً في تشويش تلك الأمواج والذبذبات الطبيعية أيضاً .
وعلى أية حال فإن سنخية الذبذبة والموج ومداها في القصر والطول لها تأثير في الاتصال والترابط سواء في حالة اليقظة والنوم ، وغالباً ما يتم بين الأقارب أوالأصدقاء ممن لهم علاقات مميزة ، وغالباً مايتم فيما تمت العلاقة معه سواء في الأجواء المحيطة به من دار ومدينة أو أشخاص يكون قد تعامل معهم ، وقد يحصل نادراً في بعض النماذج البشرية .
والحاصل : فإن هذه الارتباطات تضاف إلى مصادر تحقيق الرؤيا الصادقة ولعل هذه الحاسة هي التي كان يعبرعنها بالإلهام سابقاً .

= بالمباشرة لأنها جاءت من باب المقارنة والمطابقة حيث أنها صفات ملازمة فمن التلازم تكتشف حقيقتها دون المباشرة ، فإنها موصولة إلى الحقيقة المطلوبة إن لم يكن تماماً فبنسبة عالية على الأقل .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 176

ولقد أورد علي الوردي (1) عدداً من الحوادث التي ترتبط بالمقام من عدد من الشخصيات العربية والغربية ، ثم أنهى قصصه هذه برؤية أثنين من أساتذة جامعة أوكسفورد الإنگليزية وهما السيدتان موبرلي (2) وجوردين (3) حينما زارتا باريس عام (1319 هـ) 1901 م فعرجتا على قصور فرساي فبينما كانتا تتجولان بين القصور التاريخية شعرتا بحالة الكآبة ثم تراءى لهما كأنهما تبصران ماري انطوانيت (4) زوجة لويس السادس عشر (5) بملابسها التقليدية وهي جالسة على شرفة أحد القصور ، ثم بدأت بعض المناظر التاريخية تظهر لهما وكانهما تعيشان فيها ولم تنحصر رؤيتهما لمرة واحدة بل تعددت(6) إلى غيرها من الوقائع التي ذكرها في كتابه فإن صحت فلها دلالتها على أن البعض يمكنه الرؤية بغير هذه العين الباصرة أو أن زوايا عيونهم تختلف بحيث يمكنهم رؤية ما لا يراه الآخرون ، كما هو الحال في بعض الحيوانات حيث إن بعضها ترى الأمواج وأخرى ترى الجن ، وقد وردت بذلك ألأحاديث كما أيدها العلم الحديث ، ولعل في الرؤيا تنشط حركة تلك الحواس الكامنة في الإنسان بشكل عام أو عند البعض فيساعد ذلك على صناعة الرؤيا الصادقة في بعض الأحيان .

(1) علي الوردي : سبقت ترجمته .
(2) موبرلي .
(3) جوردين .
(4) ماري أنطوانيت : ابنة ماري تيريزامبواطورة النمسا ، ولدت عام 1168 هـ ( 1755 م ) وقتلت عام 1208 هـ ( 1793 م ) مع زوجها حيث كانت قد تزوجت لويس السادس عشر ملك فرنسا عام 1184 هـ ( 1770 م ) وكات قد دفعت زوجها إلى الوقوف في وجه الثورة فحوكمت وقطع رأسها على المقصلة .
(5) لويس السادس عشر : من ملوك فرنسا ، ولد في فرساي عام 1168 هـ ( 1754 م ) تولى السلطة عام 1157 هـ ( 1774 م ) اتهم بعد محاولة هربه عام 1205 هـ ( 1791 م ) بالتعامل مع الأجنبي وبالخيانة ، عزل عام 1206 هـ ( 1792 م ) وقتل عام 1208 هـ ( 1793 م ) .
(6) الأحلام بين العلم والعقيدة : 251 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 177

جانب من الدماغ وتظهر فيه الغدة الصنوبرية
جانب من الدماغ وتظهر فيه الغدة الصنوبرية


دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 178

نسيان الرؤيا

كثيراً ما يتعرض الإنسان لنسيان ما رآه في النوم بمجرد أن يستيقظ من النوم أو بعدها بقليل بينما تبقى بعض الرؤى عالقة بذهنه لاتفارقه بدرجات ، فيا ترى ماهو العامل في نسيان بعضها وترسيخ بعضها الآخر، وهنا نحاول طرح بعض الأسباب لعلها تكون قريبة من الواقع .
1ـ استيقاظ النائم بصورة مفاجئة :



وهذا أمر طبيعي مادي يدركه الإنسان حتى في الأمور الآلية .
2ـ ضعف الجهاز التخزيني :



وعادة مايكون صاحب الرؤيا ممن ينسون أمورهم في اليقظة ، فإن الذي ينسى كثيراً في حالة اليقظة يتعرض للنسيان أيضاً في حالة النوم وللرؤيا ، وهذا أمر طبيعي .
3ـ عدم التفاعل مع الرؤيا بصورة شديدة :



إن الإثارة والتفاعل من الأمورالتي توجب الاهتمام بالأمر ، وحاله حال اليقظة فإن من يشاهد فيلماً مثيراً قلما ينساه .
4ـ انشغال البال :



إن لانشغال بال المرء بأمور لها أهميتها في حياته أثراً كبيراً في عدم استقبال المزيد من المعلومات التي يعدها من الدرجة الثانية والثالثة ، وهذا الأمر لايختصر على حالة النوم والرؤيا فقط بل يحصل حتى في حالة اليقظة .
5ـ كثرة المعلومات المودعة :



إن القوة الخازن إذا كانت مليئة بالمعلومات فإن استقبالها المزيد لأجل التخزين مما لا ضمانة له .

دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 179

6ـ كثرة الرؤيا :


هناك أفراد كثيرو الرؤيا في حياتهم ، فقد يكون مصدر هذه الكثرة تشويش البال وقد يكون غير ذلك فإنها توجب الخلط بين الرؤى وفي التالي تكون الرؤى غير موزونة وحفظ غير الموزون أصعب عادة من الموزون .
7ـ المرض :



قد يكون صاحب الرؤيا مريضاً بأمراض لها أرتباط بعمل المخ كالهلوسة والتشويش الفكري والحمى وما إلى ذلك فإن ذلك يؤثر في عملية الحفظ وعدمه ، وتشير كال التقارير التي تبين عدم القدرة على تذكر الحلم بعد فترة نوم ( REM ) مرتبطة بحوادث نفسية معينة إلى أن مادة الحلم تنقصها الحدة والعاطفية ، فالأحلام التي تنسى هي الأقل تشويقاً في مادتها عن الأحلام التي لاتنسى (1).
8ـ الأجواء غير المناسبة :



إن لمكان النوم وظروفه وملابساته ومقدماته من الطعام والشراب والتعب وبالأخض النفسي منه والأجواء الأخرى تأثيراً سلبياً وإيجابياً في أصل الرؤيا كما في ترسيخها ومحوها .
وأخيراً فإن النسيان قد يصاب به الإنسان في رؤيا رآها ولكن آثار تلك الرؤيا إذا كانت صادقة قد تتحقق ولا ارتباط بين عدم النسيان والتحقق ، كما أن النسيان قد يكون في مصادر الرؤيا إذ قد ينسى الإنسان ماعمله في النهار أو قبل سنوات إلا ان المخزون الفكري محتفظ بتلك الذكريات فلما يراها في الرؤيا يتصور أنها غريب وأنها من الغيب ، وبالأخص فإنه إذا سأل من له علاقة بالقصة فيراها قد وقعت بالفعل ولكنه غفل عن أن نسيانه لمصدر الرؤيا هو من وراء هذا الغيب الوهمي .
ومما يتربط بهذا المقطع أو ببعض ما تقدم أنني كنت على موعد مع الشهيد السيد حسن الشيرازي (2) لنذهب إلى لقاء شخصية في مدينة صيدا

(1) راجع كتاب مدخل علم النفس : 307 . (2) حسن الشيرازي : هو ابن مهدي بن حبيب الحسيني ( 1354 ـ 1400 هـ ) ولد في النجف ونشأ في كربلاء واغتيل في بيروت ، من علماء الإمامية ومفكريها ، له عدد من المؤلفات منها : كلمة الله ، كلمة الإسلام ، الاقتصاد .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 180

فجئت على الموعد في الصباح الباكر فوجدته نائماً وكان قد أكد علي في الليل على أيقاظه بأية وسيلة كانت (1) وقد حاولت شقيقته ايقاظه فلم تفلح وطلبت مني أن أباشر بذلك فحاولت إفهامه بأن الموعد قد ينقضي إلا أنه لم يتمكن من مقاومة النوم ولكنه أعظاني مواصفات تلك الشخصية وعنوانها وتفاصيل عما يريد التحدث إليه وطلب مني أن أقوم بالمهمة لوحدي ، وفي الحقيقة انني التقطت منه المعلومات التقاطاً إذ لم يكن في حالة الوعي تماماً فكان يتفوه بكلمة ويسكت فأعرف أنه نائم ، وبما أن الوقت كان ضيقاً والموضوع مهماً بالنسبة لنا ، فقد سافرت إلى صيدا من بيروت ووجدت الرجل بكل المواصفات التي ذكرها لي السيد الشهيد في عنوانه الموصوف لي ، وجلست مع الرجل وأنهيت المهمة ورجعت ، وقد استغرقت المهمة نحو ثلاث ساعات فلما رجعت وجدته ما يزال نائماً ، ولما استيقظ تذكر الموعد فعاتبني على عدم أيقاظه ، فقلت له كلما حاولنا لم نفلح ولكنه لم يقتنع ، واستمر في عتابه ، وكتب أحاول أن أؤخرعنه حقيقة ماجرى لأكتشف شيئاً وهو هل أنه استيقظ وأعطاني المعلومات ؟ أم كان نائما وقوة اللاوعي هي التي كانت من وراء إعطاء المعلومات؟ ولكنني ما تحملت أن أشاهد أسفه على عدن الإلتقاء بذلك الرجل حيث كان على أهبة السفر ، فعندها شرحت له ما حدث مؤكدا له أنني أنجزت المهمة بنجاج فلم يكد يصدق حيث لاتوجد معي التفاصيل والعنوان حتى أعطيته الدلائل المادية إحداها تلو الأخرى فعندها ارتاح وشكرني على ذلك ، إلا أنه لم يتذكر شيئاً مماجرى بيني وبينه ، والغريب أنه لم يكن يحفظ مواصفات العنوان وكان قد سجلها على ورقة فلما قرأناها كان الأمر كما ذكره لي(2).

(1) كان رحمه الله يسهر في الغالب حتى الفجر ثم ينام بعد صلاة الفجرغالباً ، ولذلك أسباب مختلفة أهمها أمنية فكان يستغله في التأليف وماشابه ذلك ، ولعلنا نكتب عن ذلك في مكان آخر .
(2) كان ذلك في حدود عام 1394 ـ 1395 هـ .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 181

أمور لابأس بمعرفتها

1ـ اكتشف أوجين أسيرنسكي(1) وناثانيل كليتمان(2) :أن حركة العين السريعة تحدث طبقاً لنظام محدد أثناء النوم وتبدأ هذه الحركة حوالي 90 دقيقة بعد بدء النوم ، وتستمر 10 دقائق ثم تظهر بشكل أوضح كل 90 دقيقة تقريباً خلال فترة النوم ، وهذه الحركات ترتبط بنوع من الموجات المخية مما تكشف عن حالة عقلية منتبهة (3) .
2ـ يعتقد دانيل كريبكي (4) ودايفيد سونسكين (5) :أن التوتر العاطفي والخيالات غيرالواقعية يمكن أن تتحدث على فترات مقدار كل منها نحو 90 دقيقة أثناء النهار أيضاً سواء في العمل أو في الحياة العادية(6).
3ـ قام كالفين هل (7) بأبحاث واسعة لدارسة محتوى الأحلام وأكتشف :أن معظم المشتركين حلم بالقيام بنشاط عادي في ظروف طبيعية مع أناس يعرفونهم ، وأكتشف أن الأحلام كانت تميل إلى السلبية عاطفياً ، وكانت نسبة الأفعال العدائية إلى ألأفعال الوردية هي الضعف ، وتميز 64 % من الأحلام بظهور الغضب والوجل والخوف ، أما الأحلام السارة فحدثت بنسبة 18 % فقط في نفس الوقت (8) .

(1) أوجين أسيرنسكي (Eugene Aserinsky) باحث أميركي في جامعة شيكاغو .
(2) ناثانيل كليتمان ( NathanieI kIeitman) باحث أميركي في جامعة شيكاغو .
(3) راجع مدخل علم النفس : 305 .
(4) دانيل كريبكي ( DanieI kripke) .
(5) دايفيد سونسكين ( David Sonenschein) . 20
(6) راجع مدخل علم النفس : 306 .
(7) كالفين هل ( CaIvin HaII) .
(8) راجع مدخل علم النفس : 309 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 182

4 ـ أظهرت الدراسات التي قام بها فولكس (1) : أن الكثيرين يتذكرون نشاطاً عقلياً جزئياً بنسبة 75 % حين يتم إيقاظهم من نوم NREM) ) ، ومادة الأحلام أوشبه الأحلام هنا تتميز بأنها أقل وضوحاً وأقل صفاء في الرؤية وأقل عاطفية ، ويمكن التحكم فيها أكثر وهي يبعث على السرور بدرجة أكبر وأكثر قربا ؟ُ من التفكير عن تلك الأحلام التي تظهر خلال فترات نوم (REM ) ، ومن الطبيعي أن يحدث لدى الأفراد بعض النشاط العقلي خلال الليل كله ، وفي حين تتميز الأحلام في مرحلة خصوصاً في بداية النوم ، وتظهر خيالات غريبة خلال فترات ( REM) أو نوم ( NREM ) ، ويبدو أنها مرتبطة بنشاط كهربي ذي جهد عال في كثير من مناطق المخ (2) .
5ـ راقب فريق من العلماء بإشراف دايفيد فولكس : 26 طفلاً على مدى خمس سنوات متوالية ثمان أوتسع مرات سنوياً فوجدوا أن أحلام السن المبكرة بسيطة وغير عاطفية : وأما أحلام الأطفال مابين سني 3ـ 4 سنوات فتمتلىء بصور الحيوانات وبالدوافع غير الشخصية كالجوع والأمن والراحة ، وكلما كبرالأطفال أصبحت أحلامهم أكثر نضجاً وخايلاً ورعباً ، ويتماشى هذا مع نمو التفكير عندهم ، وعند بلوغهم سن الخامسة أو السادسة تظهر بوضوح الدوافع والاختلافات التقليدية عن دور الجنس (3) .
6 ـ قام ويليم تديمنت (4) مع مجموعة من زملائه : بتعريض بعض الأفراد إلى مثيرات مختلفة عند بداية دورة ( REM)مثل الضوء الباهرأو رذاذ خفيف من الماء البارد ، وحاول عدم إيقاظ النائمين أثناء التجربة إلا أن هذا لم ينجح دائماً ، وأورد أن 25 % من هؤلاء الأفراد ذكروا هذه المثيرات في تقاريرهم عن أحلامهم (5).
7ـ ذكروا : أن الأفراد لايستطيعون التحكم كثيراً في وعيهم النائم

(1) دايفيد فولكس (David FouIkes) .
(2) راجع مدخل علم النفس : 306 ـ 307 .
(3) راجع مدخل علم النفس : 310 .
(4) ويليم ديمنت ( WiIIiam Dement) . 25
(5) راجع مدخل علم النفس : 310 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 183

بمثل مايتحكمون في وعيهم المتنبه ، إلا أن هناك دلائل على أنه يمكن التحكم في الأحلام بدرجة ما ، وممن تطرق لهذا الأمر روزاليند كارترايت (1) حيث ترى :أن للممارسات قبل النوم أثراً كبيراً في الرؤيا والحلم (2) ، ومن هنا فإن الأحاديث حثت الإنسان على قراءة مجموعة من الأدعية والآيات القرآنية قبل النوم حيث إن مضامينها الداعية إلى الخير تلقن الإنسان تلك المفاهيم الطيبة وتظهر آثارها الحسنة في النوم وتبعد الإنسان عن الأحلام المزعجة على الأقل .
8 ـ ذكروا : أن بعض الباحثين في هذا المجال أرسلوا أفراداً ليناموا في المعمل ـ المخصص لذلك ـ وهم في حالة الجوع والعطش أو متخمين بطعام متبل وذلك لبحث تأثير هذه الحالات البدنية ، وقد ظهرت أيضاً إشارات إلى الجوع والعطش في تقرير الأفراد عن أحلامهم (3).
ومن هنا يعلم كراهة النوم على الجوع أو التخمة أو محصور بالخبثين ، ليس لأجل الصحة فحسب بل لأجل الأحلام المزعجة كذلك ، وقد اعتبرأهل الفن أعتدال الأكل والشرب ودفع الأخبثين قبل النوم من شرائط الرؤيا الصادقة فتأمل ذلك .
9ـ يقول الدكتور ألكسيس كارل (4): أن الروح برغم من أنها حقيقة في أعضائنا فإنها تتمدد خارج الأبعاد الأربعة للزمن والمسافة (5)، والأبعاد الأربع هي الطول والعرض والعمق والزمن .
10 ـ لقد أثبت الأطباء : ان الدماغ يموت بعد القلب بدقائق ، كما ثبت أيضاً أن الإنسان في الموت الطبيعي آخر ما يفقده من الحواس هو

(1) راجع مدخل علم النفس : 310 .
(2) راجع مدخل علم النفس : 310 .
(3) كارل : هو ألكسيس كارل AIexis CarreI. ولد عام 1290 هـ ( 1873 م ) في سالت فوا بفرنسا ، درس الطب وعلم النفس وتخصص بهما ، له اكتشافات في علم الأنسجة وتطعيم العضلات ، نال جائزة نوبل عام 1330 هـ ( 1912 م) ، من مؤلفاته : إلانسان ذلك المجهول ، تأملات في سبيل زيارة لورد . توفي عام 1363 هـ ( 1944 م) .
(4) كتاب الدعاء : 80 .
(5) لعل التسمية جاءت منسوبة إلى منطقة السرير في المخ .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 184

السمع ، وما يذكر أن الإنسان قد يموت موتاً سريرياً (1)أي يموت دماغه قبل قلبه ولو جزئياً .
11 ـ تقول الخبيرة بالأعصاب السيدة جرينفيلد(2) لدى حديثها عن دور الأعصاب : أن الإدراك لايستقر في مكان واحد من المخ وليس هناك عصب واحد أو جزء واحد مسؤول على الإدراك ، وليس من الضروري أن يسير الإدراك جنباً إلى جنب مع تنبيه الحواس ، ولكن كل تجربة واعية عبارة عن تجربة إدراك منفردة وقت حدوثها .
وتقول عن الأعصاب : إن هذه الأعصاب تميل إلى ردود أفعال معينة ، لأن سلوك تلك الأعصاب قائم على التجارب السابقة حتى أنه يمكن القول إن الأعصاب لها ذاكرة .
وتقول عن تزايد القوة المدركة وتضاؤلها : إن نافورات الأمينات (3)ترتفع إلى أعلى وإلى الخارج منطلقة من الأعصاب في بقية أجزاء المخ ، وتؤثر هذه الأمينات أو المواد الكيميائية على مستوى نشاط الأعصاب في بقية أجزاء المخ ، حتى في القشرة الخارجية الأكثر تعقيداً في تكوينها ، وعندما يتم ذلك تحدد هذه الأمينات عدد الأعصاب التي ستدخل في كل تشكيل ، وبذلك تحدد أيضاً عمق الإدراك الناتج عن ذلك ، وبهذه الطريقة نجد أن كل تجربة واعية فريدة في نوعها .
وبالنتيجة فإن إمكانات التحرك وتشغيل خلية معينة نتيجة لعوامل منشطة يمكن أن تشكل عملية إجمالية لاينفصل فيها عنصرعن الآخر، ولكن يمكن بالتدريح زيادة أو تخفيض المستوى الذي يرسل فيه العصب إشارة كهربائية إلى أعضاء الجسم ، ويتحدد مستوى الإثارة بدوره بالامينات (4) .

(1) لعل التسمية جاءت منسوبة إلى منطقة السرير في المخ .
(2) جرينفيلد : هي سوزان بنت جرينفيد ، لها كتاب : رحلة إلى مراكز العقل .
(3) الأمينات : مواد كيميائية يتم إنناجها في أكثر الأجزاء بداية مع المخ .
(4) راجع جريدة الشرق الأوسط العدد : 481 العام : 10 / الصفحة : 31 / التاريخ : 18 ـ 24 ربيع الثاني / 1416 هـ (13/19 أيلول 1995 م ) ، وجاء فيها أيضاً « أن =


السابق السابق الفهرس التالي التالي