دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 232

(15)
رؤيا أم أيمن في ولادة الحسين
صفر عام 4 هـ (1)
( آب 625 م )

روى(2)الصدوق ، بأسناده إلى الصادق عليه السلام : أنه أقبل جيران أم أيمن(3)إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يارسول الله إن أم أيمن لم تنم البارحة من البكاء ، لم تزل تبكي حتى أصبحت .

(1) إمالي الصدوق : 82 وعنه دار السلام : 1/ 206 ، وأيضاً عنه أعيان الشيعة : 3/ 555 ، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : 4/ 70 عن التعبير للقيرواني وفضائل الصحابة للسمعاني : وعن المناقب بحار الأنوار : 43 / 242 .
(2) روى الشيخ الصدوق محمد بن علي القمي : عن أبيه علي بن الحسين عن سعد بن عبدالله ، عن البرقي أحمد بن محمد ، عن محمد بن عيسى و أبي إسحاق النهاوندي ، عن عبيدالله بن حماد ، عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله ـ الصادق ـ عليه السلام قال : ... » .
ورواه ابن شهرآشوب محمد بن علي السروي المازندراني عن الصادق عليه السلام وعن ابن عباس ، وقال : أخرجه القيرواني وصاحب فضائل الصحابة ـ عبدالكريم بن محمد السمعاني المتوفى عام 562 هـ ورواه المجلسي عن أبن شهر آشوب .
(3) أم أيمن : هي بكرة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن ، قيل أنها توفيت عام 11 هـ وقيل بعد عام 24 هـ كانت مولاة لعبدالله بن عبدالمطلب فأصبحت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالإرث فكانت حاضنته فتزوجت عن عبيد بن زيد الحارثي الخزرجي وولدت له أيمن وقد صحب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأستشهد في حنين ثم أن خديجة كانت قد وهبت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة الكلبي فأعتقه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأعتق بركة وزوجهما بعد النبوة فولدت له أسامة بن زيد ، روت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خمسة أحاديث ، وهي التي شهدت لصالح فاطمة الزهراء عليه السلام في أمر فدك .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 233

فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أم أيمن فجاءته ، فقال لها : يا أم أيمن لا أبكى الله عينيك إن جيرانك آتوني وأخبروني أنك لم تزل الليلة تبكين أجمع ، فلا أبكى الله عينيك ، ما الذي أبكاك ؟
قالت : يارسول الله رآيت رؤيا عظيمة شديدة(1) فلم أزل أبكي الليل أجمع .
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فقصيها على رسول الله ، فإن الله ورسوله أعلم(2).
فقالت : تعظم علي أن أتكلم بها .
فقال لها : إن الرؤيا ليست على ماترى(3) فقصيها على رسول الله .
قالت : رأيت في ليلتي هذه كأن بعض أعضائك ملقاة(4) في بيتي .
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نامت(5)عيناك يا أم أيمن تلد فاطمة الحسين ، فتربينه(6)وتلينه(7)فيكون بعض أعضائي في بيتك .
فلما ولدت فاطمة عليهم السلام فكان يوم السابع أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحلق رأسه وتصدق بوزن شعره فضة(8)وعق عنه(9)ثم هيأته أم أيمن ولفته في

(1) شديدة : أي شديدة الوقع علي .
(2) أعلم : أي أعلم بتأويل الرؤيا وتفسيرها .
(3) سبق وتحدثنا عن ذلك في المقدمة مستدلين بهذه الرؤيا وغيرها في أن الرؤيا لا تحقق غالباً بجزئياتها .
(4) في المناقب : « ملقى » .
(5) نامت عيناك : أي قرت ، مصطلح يقال عندما تكون العين مضطربة بالبكاء أو الانتظار وغلب استعمال نامت في الأول بينما غلب استعمال قرت في الثاني .
(6) في المناقب :« تربينه » .
(7) في البحار :« تلبينه » أي تسقينه لبناً .
(8) من الأعمال التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة للمولود الذكر هو حلق رأسه في اليوم السابع من ولادته والتصدق بوزن شعره فضة للفقير والعقيقة وهي الذبيحة .
(9) عق عنه : عقيقة ، أي ذبح عنه ذبيحة ، والأفضل أن تكون شاة وأصل العق هو الشق .
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 234

برد(1)رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبلت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2) .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : مرحباً بالحامل والمحمول ، يا أم أيمن هذا تأويل رؤياك (3) .
  • رؤيا شبه صريحة استخدم فيها المعنى المجازي كما في سابقتها ، ولعلها متحدة مع قبلها .

    (1) البرد : الثوب المخطط ، كساء من الصوف الأسود يلتحف به .
    (2) في المناقب : فلما كان اليوم السابع من ولادة الحسين أقبلت به إلى رسول الله فقال : مرحباً ...
    (3) من الجدير بالذكر أن انعقاد نطفة الإمام الحسين عليه السلام كانت في ليلة الاثنين : 17 / 2/ 4 هـ ( 29 / 7/ 625 م ) وولادته ليلة الجمعة 5/ 8 / 4 هـ(10/ 1/ 626 م ) أي مساء الخميس .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 235

    (16)
    رؤيا فاطمة في حملها بالحسين
    مساء 4 / شعبان / 4 هـ (1)
    ( الخميس : 9 / 1/ 626 م )

    روى(2)الراوندي(3)بإسناده عن المقداد الكندي(4)عن فاطمة الزهراء عليهم السلام ـ في حديث طويل طويل(5) عن حمل الزهراء بالحسين عليه السلام ـ

    (1) دار السلام : 1/ 69 عن الخرائج للراوندي : لكن جاء في هامش دار السلام لم نجد في الخرائج أثراً للرواية ، بحار الأنوار : 43 / 273 عن الخرائج أيضاً ، ولا يخفى أن المختار هو أن الإمام الحسين عليه السلام ولد في الخامس من شهر شعبان عام أربعة للهجرة لمزيد التفاصيل راجع باب السيرة ، وباب التحقيق وباب التأريخ من هذه الموسوعة .
    (2) ذكر النوري والمجلسي : روى الراوندي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن الحسين بن الحسن عن يحيى بن عبدالحميد عن شريك بن حماد عن أبي ثوبان الأسدي عن الصلت بن المنذر عن المقداد بن الأسواد الكندي عن فاطمة عليها السلام .
    (3) الراوندي : هو قطب الدين أبو الحسن سعيد بن هبة الله عن أعلام المحدثين الامامية ، توفي عام 573 هـ ، وله من المؤلفات : الخرائدج ، ولب اللباب ، وشرح نهج البلاغة وغيرها .
    (4) المقداد بن عمروبن ثعلبة الكندي . كان من المبادرين الأول لاعتناق الإسلام ولد عام 43 ق . هـ وتوفي عام 33 هـ كان صحابياً جليلاً موالياً لأهل البيت عليهم السلام .
    (5) الحديث طويل : نذكر مورد الحاجة منها ، قالت فاطمة عيلها السلام : فلما صارت ـ الأشهر ـ الستة كنت لاأحتاج في الليلة الظلماء إلى مصباح وجعلت أسمع إذا خلوت بنفسي في مصلاي التسبيح والتقديس في باطني ، فلما مضى فوق ذلك ـ أيام ـ تسع أزددت قوة فذكرت ذلك لأم سلمة فشد الله بها ازري ، فلما زادت العشر ـ من الأيام ـ غلبتني عيني ..
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 236

    قالت : فلما زادت العشر(1)غلبتني عيني وآتاني آت فمسح جناحه على ظهري فقمت وأسبغت (2)الوضوء وصليت ركعتين ثم غلبتني عيني ، فآتاني آت في منامي وعليه ثياب بيض فجلس عند رأسي ونفخ في وجهي وفي قفاي(3)فقمت وأنا خائفة ، فقمت وأسبغت الوضوء وأديت أربعا(4)ثم غلبتني عيني ، فأتاني آت في منامي فأقعدني ورقاني(5)وعوذني فأصبحت وكان يوم أم سلمة (6) فدخلت في ثوب حمامة(7)ثم أتيت أم سلمة فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى وجهي ، فرأيت أثر السرور في وجهه ، فذهب عني ماكنت أجد ، وحكيت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
    فقال : أبشري ، أما الأول فخليلي عزرائيل(8)الموكل بأرحام النساء ، وأما الثاني فخليلي ميكائيل(9)الموكل بأرحام أهل بيتي ، فنفخ فيك .
    قلت : نعم .
    فبكى ثم ضمني إليه . وقال : وأما الثالث فذاك حبيبي جبرئيل(10) يخدمه الله ولدك .
    فرجعت فنزل تمام الستة .
  • رؤيا صريحة إلا أنها لم تحدد من رأت في رؤياها ، ويبدو أنها رأت ما هو واقع عن الحاضر وليست عما مضى أو سيأتي .

    (1) العشر : ظاهر العبارة أنها أرادت اليوم العاشر ، زيد عشر أيام على التسعة فيكون حينئذ اليوم الخامس من شهر شعبان .
    (2) أسبغ : أتم .
    (3) القفا : مؤخر العنق .
    (4) أربعاً : أرادت ، أديت أربع ركعات .
    (5) الرقية : العوذة « وهو قراءة الدعاء عن الآخر » .
    (6) يوم أم سلمة : كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقسم لياليه بين نساءه كما هو شرع الإسلام .
    (7) حمامة : اسم امرأة لعلها كانت تخدم فاطمة الزهراء عليها السلام أو كانت قد وردت عليها آنذاك على ما يظهر من مقدمة الرؤيا ، وكانت من التي عذبن في اعتناقها الإسلام ـ راجع باب السيرة ـ.
    (8) عزرائيل : ملك مقرب مكلف من قبله تعالى بأمور العباد أهمها قبض الأرواح ويلقب بملك الموت .
    (9) ميكائيل : ملك مقرب من أبرز مسؤولياته أنه موكل بأرزاق العباد .
    (10) جبرائيل : ويخفف فيقال جبرئيل وجبريل أيضاً ملك مقرب أبرز مسؤولياته إنزال الوحي على الأنبياء .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 237

    (17)
    رؤيا فاطمة في الحسنين
    العام السادس للهجرة (1)
    ( عام 627 م )

    روى(2)العياشي(3)بإسناده عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : رأت فاطمة عليها السلام في النوم كأن الحسن والحسين عليه السلام ذبحا أو قتلا ، فأحزنها ذلك ، فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
    فقال : يا رؤيا(4)فتمثلت بين يديه ، قال : أنت أريت فاطمة عليها السلام هذا البلاء ؟ قالت : لا ، فقال : يا أضغاث (5):أنت أريت فاطمة عليها السلام هذا البلاء ؟

    (1) دار السلام : 1/ 64 عن تفسير العياشي القسم المفقود في تفسير « إنما النجوى من الشيطان» .
    (2) رواه العياشي بإسناده عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام .
    (3) العياشي : هو محمد بن مسعود بن محمد بن العياش التميمي الكوفي السمرقندي ، من أعلام الإمامية في القرن الثالث الهجري توفي في أواخره ، كان من علماء العامة فاستبصر ، ضليع بعلم التفسير والحديث والفقه والطب والنجوم والقيافة وغيرها ، بلغت مؤلفاته مئتي كتاب .
    (4) الرؤيا : الظاهر أنه بحذف المضاف « أي المسؤول عن الرؤيا » حيث يظهر من الأحاديث أن الأدوار موزعة بين الملائكة ، وربما كان من قبيل قولنا لعزرائيل ملك الموت لإختصاصه به ، وفي بعض ألحاديث أن من وراء الرؤيا أي الصادقة ملك من الملائكة .
    (5) الأضغاث : وحالها كحال الرؤيا هو بحذف المضاف وقد ورد أن من وراء الأضغاث والذي لاحقيقة له هو الشيطان ، والله العالم ، ولعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سأل أحد الملائكة الذين مكلفون بمعرفة هذه الأمور وليسوا هم من وراء أحدهما بل اختصاصهم التحقيق عن ذلك .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 238

    قالت : نعم يارسول الله .
    قال : ما أردت ذلك ؟
    قالت : أردت أحزنها .
    فقال صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام : إسمعي ليس هذا بشيء (1) .
  • ويظهر من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد لم يكن يطلب من الله جل وعلا أن لا يتعرض أهل بيته المعصومين عليهم السلام للأضغاث كما سيأتي (2).

    (1) ويبدو أن هذا الحلم كان قبل ولادة السيدة زينب عليها السلام حيث لم يرد لها ذكر أي في أولئك عام 6 للهجرة حيث أن ولادتها كانت في شهر جمادى الأولى من عام 6 هـ .
    (2) وقد ورد بذلك روايات بأن المعصومين عليهم السلام والمؤمنين بعيدون عن الاضغاث والأحلام .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 239

    (18)
    رؤيا فاطمة في أهل البيت
    السنة السادسة للهجرة(1)
    (عام 627 م )

    روى علي بن إبراهيم ـ القمي ـ (2) في نفسير قوله « إنما النجوى من الشيطان» (3)بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كان سبب نزول هذه الآية ، أن فاطمة عليهم السلام رأت في منامها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أن يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام من المدينة ، فخرجوا حتى جازوا حيطان المدينة فعرض لهم طريقان فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات اليمين حتى انتهى بهم إلى موضع فيه نخل وماء ، فاشترى رسول الله شاة كبراء(4)وهي التي في ( أحد ) أذنيها نقط بيض ، فأمر بذبحها فلما أكلوا ماتوا في مكانهم .

    (1) دار السلام : 1/ 36 عن تفسير القمي : 2 / 355 ، بحار الأنوار : 58 / 187 ، تفسير الصافي : 5 / 46 ، البرهان : 4/ 304 عن تفسير القمي .
    (2) علي بن إبراهيم بن هاشم القمي : هو المفسر المعروف أحد أعلام اللإمامية في القرن الثالث والرابع الهجري ، حيث كان حياً حتى عام 307 هـ ، كان في عصر الإمام العسكري عليه السلام ، له مؤلفات جليلة منها : كتاب الناسخ والمنسوخ ، كتاب قرب الإسناد ، وكتاب فضائل أمير المؤمنين .
    (3) سورة المجادلة ، آية : 10 .
    (4) وفي نسخة : شاة كنزاء : أي كثيرة اللحم صلبة ، ولا يخفى أن كبراء بالباء الموحدة والراء ، لم يرد في اللغة كصيغة وكمعنى كما هو في المتن ، وهذه الصيغة بفتح الأول وسكون الثاني ، وكذلك بضم الأول وفتح الثاني جاءت وصفاً فالأول كصفراء والثاني كخيلاء وجاء في تفسير الصافي : « ذراء » ولعلها المنقطة التي نقاطها كالذرة ، إلا أننا لم نعثر عليها في اشتقاقاتها ومعانيها .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 240

    فانتبهت فاطمة عليها السلام باكية ذعرة ، فلم تخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فلما أصبحت جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمار فأركب عليه فاطمة ، وأمر أن يخرج أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام من المدينة كما رأت فاطمة عليها السلام في نومها ، فلما خرجوا من حيطان المدينة عرض لهم طريقان وأخذ رسول ذات اليمين كما رأت فاطمة عليها السلام حتى إنتهوا إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاة كبراء كما رأت فاطمة عليها السلام ، فأمر بذبحها فذبحت وشويت فلما أرادوا أكلها قامت فاطمة عليها السلام وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة أن يموتوا .
    فقام رسول الله صلى الله عليه السلام حتى وقع عليها وهي تبكي .
    فقال : ما شأنك يابنية ؟
    قالت : يارسول الله إني رأيت البارحة كذا وكذا في نومي وقد فعلت أنت كما رأيته فتنحيت عنكم لئلا أراكم تموتون .
    فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصلى ركعتين ثم ناجى ربه ، فنزل عليه جبرئيل فقال يامحمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا شيطان يقال له ألدها(1) وهو الذي أرى فاطمة عليها السلام هذه الرؤيا ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به ، فأمر جبرئيل فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أنت أريت فاطمة هذه الرؤيا ؟
    فقال : نعم يامحمد فبزق(2)عليه ثلاث بزقات فشجه في ثلاثة مواضع .
    ثم قال جبرئيل لمحمد : يامحمد إذا رأيت في منامك شيئاً تكرهه أو رأى أحد من المؤمنين فليقل : « أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياءه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت من رؤياي » ويقرأ الحمد والمعوذتين(3)وقل هو الله أحد ، ويتفل عن يساره ثلاث تفلات ، فإنه لايضره ما رأى فأنزل الله عزوجل على رسوله : « إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله وعلى الله

    (1) وفي نسخة : الزها ، وفي أخرى الرها بالراء المهملة .
    (2) بزق : بصق .
    (3) المعوذتان : هما سورة الفلق وسورة الناس .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 241

    فليتوكل المؤمنون»(1) .
  • يظهر أن هذا النوع من الحلم لما تكررعلى ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الله أن يجنب أهل بيته من الأحلام والأضغاث وكذلك المؤمنين ، كما يظهر من روايات أخرى في هذا الباب سنأتي عليها .

    (1) سورة المجادلة ، الآية : 10 .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 242

    (19)
    رؤيا فاطمة في أبنيها وبعلها
    العام السابع للهجرة(1)
    ( عام 628 م )

    روت(2)أسماء بنت عميس(3)أنها قالت : أهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عناق(4)مشوية فبعث إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام فأجلسهم معه ليأكلوا ، فأول من ضرب بيده إلى العناق الحسن عليه السلام فجذبت فاطمة عليها السلام يده وبكت .
    فقال رسول الله صلى الله وسلم وآله وسلم فداك ، وما شأنك ، لم تبكين ؟
    قالت : يارسول الله ! رأيت في منامي البارحة كأنه أهدي إليك هذه العناق ، وكأنك جمعتنا فأول من ضرب بيده إليها الحسن عليه السلام فأكل ومات .

    (1) دار السلام : 1/ 66 عن حاشية تكملة غرر الفوائد للسيد مرتضى .
    (2) روى السيد المرتضى بإسناده عن فاطمة بنت الحسين عليها السلام عن عمتها زينب بنت علي عليهما السلام عن أسماء بنت عميس .
    (3) أسماء بنت عميس : هي حفيدة معدبن تيم بن الحارث الخثعمي ، ولدت في حدود العقد الثالث قبل الهجرة ، وتوفيت نحو عام 40 هـ ، أسلمت في السنة الأولى من بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزوجت جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة عام 5 ق . هـ ثم هاجرت إلى المدينة في محرم عام 7 هـ ، وفي عام 8 هـ مات عنها زوجها فتزوجها أبو بكر وبعد وفاته عام 13 هـ تزوجها علي عليه السلام ، كانت عالمة بتفسييرالرؤيا وكان عمر بن الخطاب يسألها في ذلك .
    (4) العناق : الأنثى من أولاد المعز .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 243

    فقال صلى الله عيه وآله وسلم : كفوا .
    ثم قال :يا رؤيا فأجابه شيء لبيك يارسول الله .
    قال : هل أريت حبيبتي شيئاً ؟
    قالت : لا والذي بعثك بالحق .
    قال : يا أحلام .
    فأجابة شيء لبيك يارسول الله .
    قال : أريت حبيبتي شيئاً ؟
    قال : لا والذي بعثك بالحق نبياً .
    قال : يا ... (1) .
    فأجابه شيء لبيك يارسول الله .
    قال هل أريت حبيبتي شيئاً ؟
    قال : لا والذي بعثك بالحق نبياً .
    قال : ياشيطان الأحلام .
    فأجابه شيء لبيك يارسول الله .
    قال هل أريت حبييبتي شيئاً ؟
    قال : نعم أريتها كذا .
    قال : ماحملك على ذلك ؟
    قال : العبث .
    قال : لا تعد إليها ، ثم تفل عن يساره ثلاثا ، وقال : « أعوذ بالله من شر مارأيت » ثم قال : كلوا بسم الله .
  • ورغم اختلاف النص والموقع إلا أن احتمال اتحادها مع قبلها

    (1) في الأصل بياض ، واحتمل في هامش المصدر أن يكون السقط كلمة « اضغاث » وإن كان يؤيده الحديث السابق إلا أن في تلك أن الاضغاث كانت من وراء هذه .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 244

    وارد ، ولكن يرجح أن تكون هذه مغايرة عن تلكما للاختلاف الكبير بين هذه وتلكما ، ويبقى شيئاً وهو أن هذا القلق لم يكن أعتباطاً من السيدة فاطمة عليه السلام حيث ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان معرضا للاغتيال من قبل اليهود حسب الروايات الواردة في هذا الباب وقد حاولوااغتياله عبر السم مراراً وأخيراً تمكنوا من ذلك وعبر إهداء كتف شاة مسمومة التي قدمتها له اليهودية في الطعام (1) بعد فتح خيبر، وربما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأجل ذلك يحقق في الموضوع ولكن الأجل هو الأجل ، ولذلك نحتمل أن هذا القلق كان يساور فاطمة الزهراء عليها السلام في كل مرة وتعددت الرؤيا في ذلك عند كل مرة يقدم له شاة ، إذاً فالرؤيا صادقة في تحقق كل فصولها إلا في قصة السم والاغتيال والذي كان من مصادرها القلق .
    هذا وقد علق النوري بعد ذكره لهذه الرؤيا : أن بعض الأعاظم نقل أصل هذه الرؤيا باختصار ولكن جاء فيها ذكرما سقط من الرؤيا السابقة فقال ما نصه : « إنها عليها السلام رأت أن أباها وبعلها وابنيها عليهم السلام خرجوا إلى حديقة بعض الأنصار ، فذبح لهم عناقاً وطبخ واجتمعوا عليه ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه لقمة فوقع ميتاً ، وأخذ علي عليه السلام لقمة فوقع ميتا ،وأخذ الحسن عليه السلام لقمة فوقع ميتا ، وأخذ الحسين عليه السلام لقمة فوقع ميتاً ، فانتبهت محزونة كاتمة أمرها ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرج بهم أجمعين إلى الحديقة المعلومة فذبح لهم عناقاً ووضع بين أيديهم وفاطمة عليها السلام معهم ، فلما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه لقمة بكت فاطمة عليها السلام ، فقال لها : ما يبكيك ؟ فأخبرته برؤياها ، فاغتم لذلك (2) فنزل جبرئيل وأتى بذلك الشيطان وقال ، يامحمد هذا موكل بالرؤيا واسمه الرها ، فإن شئت أن تذبحه فافعل ، فأعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العهد والميثاق أنه لايتصور في صورته ولا في صورة أحد من خلفائه المعصومين ولا في صورة أحد من شيعتهم (3) .
    وعلى أية حال : ففي هذه الأحاديث التي رويناها إشكال من حيث إن الشيطان كيف له أن يتمثل للمعصومين وبالمعصومين ، وقد نقلنا سابقاً أن

    (1) راجع الأنوار البهية : 33 عن تهذيب الأحكام .
    (2) والظاهر أن غمه كان لغمها .
    (3) دار السلام : 1/ 66 .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 245

    منامهم بمنزلة الوحي وأن الشيطان لايتمثل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام إلا إذا قيل بأن تلك الروايات وردت بعد هذه الرؤيا التي رأتها فاطمة عليها السلام حيث أخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العهد من الشيطان بأن لايتمثل بهم صلوات الله عليهم أجمعين ، ويمكن القول بأن منامها مؤول بما سيحدث من المكاره من هذه الأمة عليهم ( صلوات الله عليهم ) ولو بالتدريج ، أو بعد خمسين عاماً ؟ كما في رواية الصادق عليه السلام بالنسبة إلى رؤيا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شمر ابن ذي الجوشن قاتل الإمام الحسين عليه السلام ، وتكون الرؤيا حينئذ ليست بصريحة في جانب منها ، وعليه فتكون الرؤيا من الرؤى الصادقة إلا أن الشيطان أراد حزن فاطمة عليها السلام لعلمه بأن حزنها يحزن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسائر أهل بيته عليهم السلام فبادر بتمثيله هذا الدور وتطبيقة على هذه النزهة كي يبعد عنها الفرح والسرور، ولكن فيكل هذا تكلف ، ولعل القول بعدم صحتها أولى كما ذهب إليه النوري بالنسبة إلى هاتين الروايتين الأخيرتين حيث قال : « لم أجد مسنداً فيهما عندي في الكتب المعتبرة » هذا والمراد بالشيطان في لسان الروايات ومصطلح الأحاديث كل مصدر شر كما هو محقق في محله .
    ولا يخفى أن أسماء بنت عميس قد روت ما شاهدته وبما أن أسماء كانت مع زوجها جعفر الطيار في الحبشة والذي وصل إلى المدينة في محرم عام 7 هـ (1) .

    (1) انجبت أسماء لجعفر في الحبشة : عبدالله عام 1 هـ وعون عام 4 هـ وما بينهما محمد .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 246

    (20)
    رؤيا زينب في الحسين
    حدود السنة العاشرة للهجرة(1)
    ( نحو عام 631 م )

    روي أن السيدة زينب(2) عليها السلام التفتت إلى جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي آنذاك صغيرة : وقالت : « يا جداه رأيت البارحة رؤيا ، إنها انبعثت ريح عاصفة اسودت الدنيا وما فيها وأظلمتها وحركتني من جانب إلى جانب ، فرأيت شجرة عظيمة فتعلقت بها من شدة الريح فإذا قد قطعتها وألقتها على الأرض ، ثم تعلقت على غضن قوي من أغصان تلك الشجرة فقطعتها أيضاً ، فتعلقت بفرع آخر فكسرته أيضاً ، فتعلقت بأحد الفرعين من فروعها فكسرته أيضاً ، وأبعد مني ، فاستيقظت من نومتي هذه » .
    عندما سمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مقالتها بكى بكاء شديداً وقال : « الشجرة جدك والغصن الأول الذي تعلقت به هو أمك فاطمة عليها السلام والغصن الآخرأبوك علي ، والغصنان الآخران أخواك الحسنان » .
  • التعبير : 1ـ الريح العاصفة = حوادث الزمان .

    (1) زينب وليدة النبوة والامامة : 46 عن ناسخ التواريخ ( حياة السيدة زينب ) : 342 ( الطبعة القديمة ) ، وقد رجحنا أن تكون رؤياها في هذه السنة بمقتضى إمكان حديثها وهي في الخامسة من عمرها .
    (2) هي زينب بنت علي بن أبي طالب ، وزوجها عبدالله بن جعفرالطيار، شاركت الحسين عليه السلام في محنته ، وقادت النساء والأطفال في مرحلة السبي بعد واقعة الطف ، وقد استشهد أولادها مع الحسين عليه السلام ، ولدت في الخامس من جمادى الأولى عام 5 هـ وتوفيت عام 62 هـ .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 247

    2ـ اسوداد الدنيا = مصائب الدنيا .

    3 ـ الشجرة العظيمة = رب الأسرة ( الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ) .

    4 ـ الأغصان = سائر أعضاء الأسرة ( علي وفاطمة والحسنين ) .
    ومجمل الرؤيا عبر بأن السيدة زينب عليها السلام ستعاني مصائب جمة بسبب فقد الجد والوالدين والشقيقين .

    السابق السابق الفهرس التالي التالي