دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 329

(47)
رؤيا هند زوجة يزيد
8/ 2/ 61 هـ(1)
( الخميس : 8/ 11/ 680 م )

روى المجلسي (2) : أن هند (3) زوجة يزيد قالت : كنت أخذت مضجعي (4) ، فرأيت باباً من السماء وقد فتح ، والملائكة ينزلون كتائب كتائب (5) إلى رأس الحسين(6) ، وهم يقولون : السلام عليك يا أبا عبدالله ،

(1) بحار الأنور : 45 / 196 وعنه أسرار الشهادة : 531 ، ودار السلام : 1 / 198 عن مدينة المعاجز : 4 / 137 .
(2) رواه المجلسي مرسلاً عن بعض مؤلفات الامامية أن نصرانياً أتى رسولاً من ملك الورم إلى يزيد وقد حضر في مجلسه الذي أتي إليه فيه برأس الحسين عليه السلام ... إلى أن أشار إلى دخول هند على يزيد وسردها الرؤيا .
(3) هند : على الأكثر أنها هند بنت عبدالله بن عامر بن كريز .
(4) مضجع : موضع الاضطجاع ، وهو وضع الجنب على الأرض .
(5) في دار السلام : وردت كلمة « كتائب » مرة واحدة .
(6) في مقتل أبي مخنف : 200 ، أنه لما جيء بالرؤوس دعت هند بنت عبدالله زوجة يزيد برداء ، فتردت به ووقفت من وراء الستر وقالت ليزيد : هل معك أحد؟ قال: أجل ، فأمر من كانت عنده بالانصراف وقال : أدخلي فدخلت ، فنظرت إلى رأس الحسين عليه السلام فصرخت : وقالت ما هذا الذي معك؟ فقال : رأس الحسين بن علي عليه السلام ، قال فبكت وقالت يعز والله على فاطمة أن ترى رأس ولدها بين يديك لقد فعلت فعلاً استوجبت به اللعن من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم واله ما أنا لك بزوجة ولا أنت لي ببعل ، فقال لها : ما أنت وفاطمة ، فقالت : بأبيها وبعلها وبنيها هدانا الله وألبسنا هذا القميص ، ويلك يا يزيد بأي وجه تلقى الله ورسوله ، فقال لها : يا هند دعي هذا الكلام فما أخترت قتله ، فخرجت باكية ودخل عليه شمر ...
دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 330

السلام عليك يابن رسول الله ، فبينما أنا كذلك ، إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء وفيها رجال كثيرون (1) وفيهم رجل دري (2) اللون ، قمري (3) الوجه ، فأقبل يسعى حتى انكب على ثنايا الحسين عليه السلام وقبلها ، وهو يقول : ولدي قتلوك ، أتراهم ما عرفوك ، ومن شرب الماء منعوك ، يا ولدي أنا جدك محمد المصطفى ، وهذا أبوك : علي المرتضى ، وهذا أخوك الحسن ، وهذا عمك جعفر ، وهذا عقيل ، وهذان حمزة والعباس ، ثم جعل يعد أهل بيته ، واحداً بعد واحد .
قالت هند : فانتبهت من منامي فزعة، مذعورة ، وإذا بنور قد انتشر على رأس الحسين عليه السلام فجعلت أطلب يزيد ، وهو قد دخل إلى بيت مظلم ، وقد أدار وجهه إلى الحائط ، وهو يقول مالي وللحسين ؟ وقد وقعت عليه الهموم (4) . فقصصت عليه المنام وهو منكس الرأس (5) .
  • رؤيا معالمها واضحة ، وكرامتها ظاهرة .

    (1) في دار السلام : «رجال كثير » .
    (2) دري : المضيء كالدر .
    (3) قمري : تشبيها بالقمر عند اكتماله واستدارته وإضاءته .
    (4) في المصادر :« الغمومات » والصحيح ماأثبتناه ...
    (5) جاء في مقتل الحسين للخوارزمي : 73 أنه لما أمر يزيد يصلب رأس الحسين الشريف على باب داره : « خرجت هند بنت عبد الله بن عامر امرأة يزيد وكانت قبل ذلك تحت الحسين بن علي عليه السلام فشقت الستر وهي حاسرة فوثبت على يزيد وقالت أرأس ابن فاطمة مصلوب على باب داري ؟ فغطاها يزيد وقال : نعم ! فأعولي عليه يا هند وابكي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش ، عجل عليه ابن زياد فقتله قتله » .
    إنما اعتذر يزيد بذلك عندما انتقد من بلاطه وخارجه فألقى اللوم على عبيدالله بن زياد ، وتظاهر بالندم إلا أنه يتخل عن نهجه .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 331

    (48)
    رؤيا خديجة زوجة يحيى
    ليلة 19 / 2/ عام 61 هـ(1)
    ( الاثنين : 19 / 11/ 680 م )

    نقل(2) المقدس الأردبيلي(3) بإسناده إلى يحيى (4) قال كنت في خدمة جابر بن عبدالله الأنصاري (5) في طريقنا إلى زيارة أبي عبدالله الحسين عليه السلام فلما كانت ليلة لتاسع عشر من صفر نزلنا قبيل كربلاء

    (1) مفتاح الجنة للنارجنة : 241 .
    (2) لم يحدد من أي مؤلفات المقدس الأردبيلي نقل الخبر .
    (3) المقدس الأردبيلي : هو أحمد بن محمد الأردبيلي المتوفى عام 993 هـ ، ولدفي أردبيل إيران ، وتوفي في كربلاء ، ودفن في النجف ، من أعلام الإمامية وفقهائها ، من مؤلفاته : زبدة البيان ، حديقة الشيعة ، مجمع الفائدة .
    (4) لعله يحيى ابن أم طويل المطعمي الذي قال فيه الإمام الصادق عليه السلام : أرتدالناس بعد قتل الحسين عليه السلام إلا ثلاثة : أبو خالد الكابلي ويحيى ابن أم الطويل وجبير بن مطعم ثم إن الناس لحقوا وكثروا « معجم رجال الحديث » : ./ 34 و 35 ، وزاد غيره جابر بن عبدالله الأنصاري ، وكان يحيى هذا باب الإمام السجاد عليه السلام وهو ابن دايته ، قتله الحجاج الثقفي مابين عام 86 و 95 هـ ، وقبره بواسط ـ العراق ، والمطعمي نسبة إلى جده مطعم الذي كان من أشراف قريش بن عدي بن نوفل .
    (5) جابر بن عبدالله الأنصاري : هو حفيد عمرو بن حرام الخزرجي السلمي (16 ق . هـ ـ 78 هـ ) من كبار الصحابة والرواة ، من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة علي والحسن والحسين والسجاد والباقر عليه السلام ، شهد بدراً وثمانية عشر غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع علي عليه السلام في حربي البصرة وصفين ، وهو من النقباء الاثنى عشر ، كان له حلقة درس في المسجد النبوي بالمدينة ، له في صحيح البخاري ومسلم وبعض كتب العامة 1540 حديثاً .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 332

    وكانت معي زوجتي خديجة فضربت لها بيتاً وكنت جالساً مع جابر يتحدث لنا عن زيارة سيدي الحسين عليه السلام فإذا بزوجتي خديجة تصيح ، فأسرعت إلى خيمتها فإذا بها تبكي فأقبلت إليها وقد أرسلت شعرها وكشفت عنه وتلطم على رأسها ووجهها فسألتها عن سبب ذلك .
    قالت : كنت نائمة فرأيت سيدتي فاطمة الزهراء عليها السلام وعليها وشاح أسود وقد أرسلت شعرها ومعها أربعة آلاف حورية فدخلوا أرض كربلاء ، فلما نظرت إلى قبر ابنها الحسين وقعت عليه وأخذت تبكي وتنوح وتقول نور عيني ، ياغريب ، يا عطشان ، فداك أمك قتلوك عطشاناً ولم يرحموك ، ما هابوا جدك المصطفى ولاأبيك المرتضى ولاأمك الزهراء ، فقتلوك وأخوتك وأبناءك وابناء إخوتك عطاشى ولارحموا أطفالك الصغار .
    ثم التفتت إلى إحدى الحور التي كانت تسمى بطيبة فأرسلتها إلى المدينة لتعلم أباها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها على قبر أبنها الحسين عليه السلام لتقيم العزاء على قبره في أربعينه وإني أنتظرك هنا وأرسلت واحدة أخرى إلى النجف لتعلم بعلها علي بن أبي طالب بذلك .
    ثم إنها طرحت نفسها على قبر الحسين عليه السلام وجعلت تبكي وإذا بشيخ ذي لحية بيضاء عليه آثار الحزن يسرع إلى قبر الحسين عليه السلام ويعقبه آخر ومعه فتى عليه ثياب خضر فسألت إحدى الحور عنهم فقالت : هذا محمد المصطفى وذاك على المرتضى والذي عليه ثياب خضر هو الحسن المجتبى .
    فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو فاطمة فرآها على تلك الحال فقال لها : لا تبكي فوالله لقد أبكيت سكان الملأ الأعلى ، فلم تنتبه إلى كلامه صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : أذهب وقل لها : ألا تبكي فالتفت علي إلى ابنه الحسن وقال له : أذهب إلى أمك فاطمة قول لها كفى بكاءً.
    فأتى الحسن عليه السلام إلى أمه فاطمة عليها السلام وقال : السلام عليك يا أماه أنا ابنك الحسن .
    وكانت بيدها قنينة فأعطتها للحسن وقالت : هذه دموع من بكى على ابني الحسين ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ملكاً أن يحضر أرواح أمته الذين

    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 333

    بكوا على الحسين فما كانت إلا ساعة إلا وأتاه بأرواح الأنبياء والأولياء وكلهم شاركوا الزهراء في العزاء .
  • رؤيا معالمها واضحة وصريحة ولاحاجة إلي بيان ، والمراد باللأربعين التي كررت في الخبر هو أربعون الإمام الحسين عليه السلام والذي هو يوم العشرين من صفر الذي التقى جابر بن عبدالله الأنصاري مع ر ركب الإمام السجاد عليه السلام عندما زاروا قبر الإمام الحسين عليه السلام عام 61 هـ .

    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 334

    (49)
    رؤيا الشعبي في قتلة الحسين
    عام 61 هـ (1)
    ( سنة 681 م )

    روى (2) المجلسي عن عامر(3) أنه قال : الشيعة يتهموني ببغض علي عليه السلام ، ولقد رأيت في النوم بعد مقتل الحسين عليه السلام كأن رجالاً نزلوا من السماء ، عليهم ثياب خضر ، معهم حراب يتبعون قتلة الحسين عيله السلام فما (4) لبث (5)أن خرج المختار(6) فقتلهم .
    لو كانت رؤياه حقيقة واقعة ولم تكن فيها مسايسة فإنها من باب «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» (7) فقد شاء الله أن يقتل القاتل ولو بعد حين وينصر المظلوم .

    (1) بحار الأنوار : 54 / 384 .
    (2) رواه المجلسي مرفوعاً إلى أبي السائب عن أحمد بن بشير ، عن مجالد عن عامر .
    (3) عامر : هو أبو عمر عامر بن شراحيل الكوفي الشعبي وكان قاضياً في الكوفة ومات فيها عام 104 هـ ، جاء في معجم رجال الحديث : 9 / 193 في ترجمته : « وهو الخبيث الفاجر الكذاب المعلن بعدائه لأمير المؤمنين عليه السلام » ، ولعل رؤياه كان لدرء التهمة والله العالم .
    (4) فما : في الأصل ( فلما ) والصحيح ما ثبتناه .
    (5) لبث : أقام في المكان ، ويقال « ما لبث أن فعل كذا » أي ما أبطأ أو تأخر عن فعله .
    (6) المختار : هو المختار بن أ[ي عبيدة الثقفي خرج على حكومة بني أمية عام 66 هـ ، واقتص من قاتلي الحسين عليه السلام ،قتل عام 67 هـ .
    (7) سورة الأنفال ، الآية : 17 .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 335

    (50)
    رؤيا أبو الحصين لحضوره مقتل الحسين
    عام 61 هـ (1)
    ( سنة 681 م )

    روى (2) أبو الحصين (3) قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ، وبين يديه طست وفيه دم عظيم من دم الحسين عليه السلام ، وأهل الكوفة كلهم يعرضون عليه فيلطخهم بدم الحسين عليه السلام ، حتى انتهيت إليه وعرضت عليه ، فقلت : يا رسول الله ، والله ما ضربت بسيف ولارميت بسهم ولا كثرت السواد عليه .

    (1) دار السلام : 1 / 251 عن بستان الواعظين ، مدينة المعاجز : 4 / 100 عن المنتخب للطريحي : 320 .
    (2) رواه الطبري مرسلاً عن أبي الحصين .
    (3) أبو الحصين : إن الشخص المعروف بأبي الحصين في هذه الفترة الزمنية هو عثمان ابن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي ، وقد بلغ من شهرته بالكنية حتى شك البعض فقال هو زيد بن كثير بن زيد بن مرة ، توفي أبو الحصين على بعض الروايات عام 109 هـ ، كان من الرواة حيث روى عن أنس وجابر بن سمرة ، وابن الزبير وعامر الشعبي وغيرهم ، كان من أصحاب الأعمش رغم أنه كان أكبر منه سناً ، ويذكر أن الفرق بين سنة وسن عاصم بن أبي النجود سنة واحدة ، وعلى أية حال كان عثمانياً ، قرء عليه العسكري خمسون سنة في مسجد الكوفة ، ويذكر أن بني أمية ضايقوه في بعض الوقت فاختفى منهم وسئل عن سبب ذلك ، فقال: إن هؤلاء يراودوني عن ديني ، والله لاأعطيهم إياه أبداً ، ولو صح أنه هو المقصود بهذه الرؤيا لعل تراجعهم عنه كان بسبب هذه الرؤيا ، ولكن ابن حجر في تهذيب التهذيب : 4 / 82 لم يذكر أنه كان ضريراً ، وربما لا يتقيد بذكر ذلك في ترجمة مترجميه ، او لم يشأ ذكر مثل هذا الحدث ، واله العالم .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 336

    فقال لي : صدقت ، ولكنك هويت قتل الحسين ، وكنت مع حزب ابن زياد . ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أومأ إلي بإصبعه ، فأصبحت أعمى ، فوالله ما يسرني أن يكون لي حمر النعم (1) ووددت أن أكون شهيداً بين يدي الحسين عليه السلام .
  • وظاهر الرواية ـ رغم اتحاد بعض مضامينها مع رؤيا عبدالله القاضي ـ أن مثل هذه الرؤيا تكررت مع عدة أشخاص ممن حضر كربلاء ، بل إن في الرؤيا ما يدل على ذلك أيضاً حيث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ألقى اللوم على أكثر أهل الكوفة ممن شارك الحضور ، بل سمع داعية الحسين عليه السلام ولم يستجبها ، ويظهر أيضاً ان كثرة السواد أيضاً من السلوك الذي له تأثير في النتائج إن سلباً أو إيجاباً (2) ويظهر من هذه الرؤيا والتي سبقتها أن مجموعة من الذين حضروا كربلاء مع المعسكر الأموي ، لم يكونوا على قناعة في قتال الإمام الحسين عليه السلام وقد بحثنا ذلك في محله (3).
    وأما الرؤيا فإن معالمها واضحة ويبدوأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسم كل واحد منهم بوسام وعلامة يأتي يوم القيامة شاخصاً ولايخفى أنها حملت كرامة نبوية حسينية (4) .

    (1) حمر النعم: بالضم ثم السكون ، الإبل الحمر ، وهي أنفس الإبل وأقواها وأجلدها ، فاستخدمت الكلمة كناية عن خير الدنيا كله .
    (2) ومما يذكره الفقهاء على سبيل المثال مسألة عدالة امام الجماعة واستظهارها من اقتداء المؤمنين بها حيث يعدونها كافية في تحققها ، أو استظهارها .
    (3) راجع الحالة الاجتماعية والسياسية من هذه الموسوعة
    (4) راجع باب الكرامات من هذه الموسوعة
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 337

    (51)
    رؤيا النصراني لواقعة الطف
    نحو عام 61 هـ(1)
    ( نحو سنة : 681 م )

    ذكر النوري (2) أنه جاء في بعض المجاميع للمتأخرين(3) ما لفظه روي : عن علي بن الحسين عليه السلام أنه ذات يوم من الأيام وضع بين يديه شيء من الطعام والشراب ، فذكر جوع أبيه الحسين عليه السلام وعطشه يوم طف كربلاء فخنقته العبرة وبكى بكاء شديداً حتى بلت أثوابه من شدة البكاء والحزن والوجد الغرام (4) على أبيه الحسين عليه السلام ، ثم أمر برفع الطعام من بين يديه ، وإذا هو برجل نصراني فدخل وسلم عليه .
    فقال النصراني ، يابن رسول الله مد يدك فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأن علياً أمير المؤمنين ولي الله وحجته على خلقه: وإنك ياموالاي حجة الله على خلقه ، وأن الحق فيكم ومعكم و إليكم .
    فقال علي بن الحسين عليه السلام :وما الذي أزعجك وأخرجك عن دينك ومذهبك وفطرة أبائك وملة أصحابك ؟
    فقال : يا سيدي ومولاي لرؤيا رأيتها في منامي !

    (1) دار السلام : 2/ 175 عن بعض المجاميع .
    (2) النوري : هو حسين الطبرسي المتوفى عام 1320 هـ صاحب مستدرك الوسائل والذي مضت ترجمته .
    (3) المصدر الذي اعتمد عليه النوري مجهول من جهة ، والخبر مرسل لايمكن الركون إليه مع وجود مبالغات غير معهودة .
    (4) الغرام : الهلاك والعذاب .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 338

    فقال له علي بن الحسين : وما الذي رأيته يا أخا النصارى ؟(1)
    قال : رأيت (2) ياسيدي كأني خرجت من بيتي قاصداً لزيارة بعض الأخوان ، وإذا بي قد تهت عن طريقي فحار فكري وضاع ذهني وانسدت الطرق في وجهي ، ولم أدر أين أتوجه .
    فبينما أنا في حيرة من أمري وإذا بي اسمع من خلفي زعقات (3) وصرخات ، وتكبير وتهليل وأصوات عالية قد ارتفعت ، فالتفت إلى ورائي وإذا بخيل وعسكر واعلام منشورة ، ورؤوس على رؤوس الرماح مشهورة ، ومن وراءالخيل والعسكر عجاف من الجمال (4) عليها نساء مسلبات وأطفال موثوقات ، وأثاث بيوت محملات ، وبين تلك النساء والأطفال غلام شاب راكب على جمل أضلع(5) وهو في غاية الضر والعناء ، ورأسه ويداه مغلولتان إلى عنقه بجامعة من حديد ، وفخذاه يشخبان دماً ، ودموعه تجري على خديه ، وكأنه أنت ياسيدي ياعلي بن الحسين ، وكل من تلك النساء والأطفال تلطم وجهها وخديها وتصيح بأعلى صوتها ، وتقول : وامحمداه واعلياه وافاطمتاه وا حسناه واحسيناه وامقتولاه وامذبوحاه واغريباه واضيعتاه وا ... (6) كرباه .
    فخنقتني العبرة ورق قلبي ودمعت عيناي لحال تلك النساء ، فأنست وحشتي بهم ، وجعلت أبكي لبكائهم وأسير لمسيرهم ، فبينماهم سائرون إذ لاحت لهم قبة بيضاء من صدر البرية كأنها شمسس مضيئة وكان أمام القفل (7) ثلاثة من النساء ، فلما رأين القبة البيضاء وقعن من ظهور الجمل إلى الأرض ، فحثين التراب على رؤوسهن ولطمن على خدودهن وقلن :

    (1) فيه مسامحة ولأنه لازال يتكلم الإمام عليه السلام عن حالته السابقة .
    (2) رأيت : الظاهر المراد به في النوم فيكون مؤداه الرؤيا لا الرؤية .
    (3) الزعقة : الصيحة .
    (4) العجاف :جمع الأعجف وهي الإبل الهزال .
    (5) جمل أضلع : أي شديد غليظ .
    (6) في الأصل بياض ولعله : « واقلة ناصراء » كما جاء فيما بعد .
    (7) القفل : بفتح القاف ، اسم جمع بمعنى القافلة .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 339

    واحسناه واحسيناه واضيعتاه واقلة ناصراه .
    فلحق بهن رجل كوسج اللحية أزرق العينين وضربهن وركبهن كرهاً ، فرأيت ياسيدي ومولاي واحدة منهن وأظنها أكبر سناً يتقاطر الدم من تحت قناعها من شدة وجدها وحزنها على ماهي فيه، وكان يا سيدي أمام الرؤوس رأس له نور يزهر يغلب على شعاع الشمس والقمر ، ولما قربوا من تلك القبة البيضاء وقف الرجل الذي هو حامل الرأس الشريف فزجروه وأصحابه وضربوه وأخذوا الرأس الشريف منه ،وقالوا له : يالكع (1)الرجل ، لقد عجزت عنه حمله ، قال : ولكن لم أر رجلاً يساعفني (2) عن المسير فضربوه وأخذوا الرأس من عنده وناولوه رجلاً آخر ، فوقف كذلك فجعلوا يتناولونه واحد بعد واحد حتى نقله ثلاثون رجلاً والله أعلم ياسيدي والكل منهم لم يجد رجلاً تساعفه على المسير .
    فأخبروا بذلك أمير القوم فنزل عن فرسه وباقي القوم نزلوا كذلك وضربوا له خيمة أزهى (3) من ثلاثين ذراع ، وجلس أمير القوم في وسط الخيمة والباقي من حوله ، وأتوا بتلك النساء والأطفال ورموهم على وجه الأرض بغير مهاد ولافراش تصهرهم الشمس (4)وتلفح وجوههم الريح ، ونصبوا الرماح التي عليها الرؤوس أمام تلك النساء والأطفال عمداً وقصداً لكسر خواطرهم وزيادة لما هم فيه من حرقة قلوبهم وتفتت أكبادهم .
    قال النصراني :يا سيدي ومولاي ، فجزعت لذلك جزعاً شديداً ولطمت على وجهي ومزقت أطماري(5) لما شفني (6)وشجاني ، وجلست قريباً من النساء والأطفال وأنا حزين القلب باكي العين ، وإذا بالرمح الذي

    (1) اللكع : اللثيم .
    (2) أسعفه : عاونه .
    (3) أزهي أطول .
    (4) صهوته الشمس : أي أصابته وحميت عليه .
    (5) الأطمار : جمع الطمر بكسر الطاء وهو الثوب .
    (6) الشفى : الوهن .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 340

    عليه الرأس الشريف قد مال مما يلي القبة البيضاء ونطق بلسان طلق ذلق(1) : يا أبتاه يا أمير المؤمنين يعز عليك ماأصابني وجرى علينا من القتل والذبح ، يا أبتاه قتلوني والله عطشاناً ، ظمآناً غريباً ، وحيداً ذبيحاً كذبح الكبش ، يا أبتاه ياأمير المؤمنين رضوا جسمي بسنابك الخيل ، با ابتاه ذبحوا أطفالي وسبوا عيالي ولم يرحموا حالي ، وسمعت أيضاً الرأس الشريف يوحد الله ويتلوآيات من القرآن ، فزاد على جزعي وقلت في نفسي : إن صاحب هذا الرأس الشريف لذو قدر عند الله وشأن عظيم ، فمال قلبي إلى محبته والموالاة به ، فبينما أنا أفكر في نفسي وأخيرها بني الكفر والإسلام وإذا بالنساء قد علا صراخهن وقمن على الأقدام وشخصن بأبصارهن مما يلي القبة البيضاء ، فقمت على قدمي وشخصت بصري وإذا بنساء خرجن من تلك القبة ، وأمام تلك النساء جارية حسناء ، وفي يديها ثوب مصبوغ بالدم وشعرها منشور وجيبها ممزوق ، وهي تعثر بأذيالها وتلطم خدها وتستغيث بالانبياء وبأبيها رسول الله وبأمير المؤمنين من قلب مفجوع وفؤاد بالحزن مشلوع ، وهي تصرخ وتنادي بأعلى صوتها واولداه واثمرة فؤاداه ، واحبيب قلباه ، واذبيحاه واقتيلاه واغريباه واعباساه واعطشاناه .
    ولما قربت ياسيدي ومولاي تلك الجارية من الرؤوس والأطفال ، وقعت مغشية عليها ساعة طويلة ، ثم أفاقت من غشوتها وأومت بعينها إلى الرأس الشريف ، فانحنى ذلك الرمح الذي عليه الرأس الشريف بقدرة الله تعالى وسقط في حجر الجارية ، فأخذته وضمته إلى صدرها واعتقته وقبلته ، وقالت : يابني قتلوك كأنهم ماعوفوك وما عرفوا من جدك وأبوك ؟ يا ويلهم ، ومن الماء منعوك ، على وجهك قلبوك: ومن قفاك ذبحوك ياولدي ياحسين من الذي جز رأسك من قفاك ؟ ومن الذي هشم صدرك ورضه ، وهد قواك، ومن الذي يا أبا عبدالله سبى عيالك ونهب أموالك ومن الذي ذبحك وذبح أطفالك ؟! فما أجرءهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله ؟ !
    قال الراوي : لما سمع علي بن الحسين سقوط الرأس في حجر

    (1) ذلق اللسان : حاده ، والذليق هو البليغ الفصيح .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 341

    الجارية الحسناء ، قام على طوله ونطح جدار البيت بوجهه ، فكسر أنفه وشج رأسه (1) وسال دمه على صدره ؟، وخر مغشياً عليه من شدة الحزن والبكاء .
    فلما أفاق من غشوته صرخ صرخةعالية حتى سمعها أهل المدينة (2) ، فماجت المدينة بأهلها كما تموج السفينة في البحر (3)، فخرجن نساؤه وبناته وأهل بيته وكلهن كن حاضرات وأتين إليه يتعثرن بأذيالهن لما سمعوا تلك الصيحة العالية من علي بن الحسين فرأينه في بكاء دائم وعزاء قائم ، فتصارخن في وجهه وتباكين لبكائه ونعين لنعائه .
    قال النصراني : وقد ظنت النساءبأن سبب هذا البكاء وتجديد هذا العزاء مني ، فأتتني واحدة من تلك النساءوقالت : يا ويلك ياهذا ! قد هيجت على هذا العبد الصالح أحزاناً كامنة في قلبه ، وعبرة منكسرة في صدره ، وأرادت تخرجني من البيت ، فمنعها الإمام ، فبينما الإمام في بكائه وحنينه على ماذكرت له ، وإذا بصبي قد أتى إليه وجلس إلى جانبه ، وقال : يا أبتاه على من هذا البكاء ؟ ولمن هذا العزاء ؟ قال : نعم يا بني هذا الرجل النصراني يذكر أنه رأى في منامه رأس جدك الحسين ورؤوس أولاده وأهل بيته ورؤس أخوته وبني أخيه ونسائه وأطفاله يدار بهم من بلد إلى بلد ، ومن مكان إلى مكان ، ومن سكة إلى سكة ، فبكى الصبي ولطم على خده وصاح بأعلى صوته : يا جداه واحسيناه واغريباه وامظلوماه ، ياليتني قد قتلت بين يديك يا جداه ياليتني قد جرعت كأس الردى دونك ؟ يا جداه يا ليتني كنت لك الفداء وروحي لروحك الوقاء .
    وإذا بجارية أتت إليه وحملته على صدرها وجلست ناحية عن أبيه من شفقتها عليه ، وجعلت تمسح الدم من وجهه وتعزيه فلا يتعز ، وتسليه فلا يتسلى ، ورأيت أيضاً شخصاً كبيراً وقد جلس على البيت من خارج الباب وهو يلطم على خديه ويصيح ويندب بأعلى صوته واقوماه وا أهلاه واحسناه

    (1) لعل في كسر الأنف وشج الرأس مبالغة حيث لم يرد في الروايات شيء من هذا القبيل ، وإذا صح فإن فيه دلالات .
    (2) ليس المراد كل أهل المدينة إذ يصح ان يطلق على البعض أهل المدينة أيضاً .
    (3) لعله أراد أهل الدار .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 342

    واحسيناه واجعفراه واعقيلاه واحمزتاه ، وجعل يقول ويجلس وينتحب ويبكي .
    قال النصراني : فرأيت علي بن الحسين قد تغيرت أحواله ، فأمسكت عن الكلام فالتفت إلي الإمام صلوات الله عليه وقال لي : تمم المنام يرحمك الله .
    قلت : يا سيدي وأما ما كان من الجارية الحسناء ، فإنها أخذت الرأس الشريف ووضعته في حجرها وهي تشمه تارة وتلثمه أخرى ، والنساء تعزونها على ما أصابها وجرى عليها ، وإذا بشخص قد أقبل عليهن من صدر البرية وهو جثة بلا رأس والدم يجري من نحره على جميع بدنه ،ولما قرب ياسيدي ذلك الشخص من النساء والجارية الحسناء ، فقمن على أقدامهن ولطمن على خدودهن وشققن جيوبهن وتصارخن في وجهه ، فأخذت الجارية الحسناء ذلك الرأس ورفعته على كلتي يديها وإذا بهاتف نسمع صوته ولانرى شخصه وهو يقول ـ البسيط ـ :
    زهراء يافاطم جئناك بالراس كالبدر يزهو بجنح الليل للناس(1)
    مضمخ شيبه من دم منحره من فعل قوم ملاعين وأرجاس (2)
    قد قده الشمر بالعضب السنين على حقد بقلب مشوم جاسر قاس (3)
    يقول : يا أم قدي للجيوب ثرى يزيدهم هدمت يمناه أضراس (4)
    ثم أتت بالرأس الشريف إلى ذلك الجسد المبارك الذي هو من غير رأس ، فركبته فاستوى بقدرة الله تعالى وقام على أقدامه فاعتنقته واعتنقها فسقطا إلى الأرض مغشياً عليهما فلما أفاقا من غشوتهما جعلت تمسح الدم من منحره وجميع بدنه وأنشأت تقول ـ البسيط ـ :
    ياراس ياراس قد جددت أحزاني لما جرى لك ياروحي وجثماني


    (1) الجنح : بكسر الجيم وضمها طائفة من الليل ، في الأصل : « يا فاطم الزهراء » إلا أن الوزن لايستقيم .
    (2) ضمخ : لطخ ، في الأصل : « بالدم » إلا أن الوزن لايستقيم .
    (3) العضب : السيف القاطع ، والسنين بمعنى المسنون من سن السكين شحذه وحده .
    (4) ثرى : من ثار بمعنى هاج .
    دائرة المعارف الحسينية ـ الرؤيا مشاهدات وتأويل ـ 1 343

    أيا قتيلاً بلاذنب ولاسبب وياغريباً بعيد الدار مهتاني (1)
    والـجن والإنس قد ناحت لمصرعكم مصابكم أحرق الأحشاء نيراني (2)

    قال : ثم إنها صلوات الله عليها نادت : السلام عليك ياولدي ، السلام عليك ياقرة عيني ، ويا ثمرة فؤادي ، وياحبيب قلبي ، وجعلت تأخذ الدم من نحره الشريف وتصبغ به جبينها وناصيتها ومفرق رأسها ، وتقول: هكذا ألقى ربي يوم القيامة وأنا مخضبة بدمك ياولدي ياحسين .
    قال النصراني فدنوت من النساء وأشرت إلى جارية سوداء ، فأتت إلي فقلت لها: بالله عليك يا جارية أخبريني عن هذا المصاب ، فقد أذاب قلبي وأحرق فؤادي وشب نيراني .
    فقالت لي: يا ويلك انت نائم أم يقظان ؟ وإن خبر هذا المصاب في أهوال بلغت إلي عنان السماء ، وإلى أسفل الأرضين السفلى ، وتضعضعت منها الأطوار(3) وتفتت منها الأكباد ، وبكى لها الإنس والجان ، والحور والولدان، والملائكة في السماء ، والجنة والنار ، والطيورعلى الأشجار ، والحيتان في البحار ، والأحجار والأثمار .
    فقلت لها : أنا رجل ذمي مغمور في غمرات النصارى ولم أعلم بذلك، لكن أخبريني لمن هذه الخيل والعسكر ، وعن هذه الرؤوس المشهورة وعن هذه النساء والأطفال المحملين على الجمال المربقين بالأحبال وهم في أذل الأحوال ، وعن الرأس الذي يتكلم من غير جثة ، وعن الجسد الذي يمشي بغير رأس ، وعن الجارية التي ركبت الرأس على الجسد .
    فقالت :يا ويلك أما الخيل والعسكر فهي لعبيدالله بن زياد لعين أهل السموات والأرض ، واما الرؤوس المشهورة على الرماح فهي لأولاد الحسين وأخوته وبني عمه والنساء والأطفال له ، وأما الرأس الذي يتكلم بغير جثة فهو رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ، وهذا الجسد الذي

    (1) هتن الدمع : قطر ، وهتنت السماء تتابع مطرها وانصب .
    (2) قوله :«( نيراني » بتقدير : « بنيراني » .
    (3) الأطوال : واحده الطور وهو المغدر والحد ، والهيئة والحال .


    السابق السابق الفهرس التالي التالي