دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 20

تمهيد

في أثناء مطالعاتي لعدد من المصنفات والأبحاث التي تطرقت أو خصصت في هذا الموضوع وجدت الكثير من الحيف والميل من قبل أصحاب تلك المؤلفات والمقالات مما تصورت نفسي في ساحة حرب حقيقية تبدأ بالمهاترات والتهم والتصريحات الخطيرة من أطراف مختلفة دون مبرر اللهم إلا كون الباحث أو الكاتب ينتمي إلى هذه الجهة أو تلك ويرى بأن الحق معه أينما دار معتمداً على خياله الخصب في جرح وتعديل هذه الطريقة أو تلك دون أن يقدم دليلاً واحداً بل يستند في ذلك إلى القيل والقال ، ويؤيد كلامه بالنقل عن فلان وعلان وكأنه مقلد حتى في البديهيات وكأن على عينه وقلبه غشاوة كالذي يصفه الله جل وعلا في قوله : « ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة »(1) ناسياً بأن من أصول البحث أن يكون الطرف محايداً أولا ، وأن يكون الباحث من أتباع الدليل ثانياً ، وأن يستند في الرد على قول الطرف الآخر لا على التقول عليه ثالثاً ، وإلا فإنه إلى الجهل أقرب منه إلى العلم ومن الجدل إلى المناقشة .
لذا نتمنى على القارئ الكريم والباحث الفاضل أن يتعامل مع المسائل العلمية والبحث العلمي بروح رياضية عالية بعيدة عن طابع الانتماء فيكون موضوعياً قدر الإمكان .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن محور حديثنا في هذا الكتاب يدور حول استنباط الحكم الشرعي من تصرفات الإمام الحسين عليه السلام بشكل عام ، وهذا يتوقف على القول بأن كلامه وفعله وتقريره حجة شرعية كما ذهبت

(1) سورة البقرة ، الآية : 7 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 21

إليه الإمامية ، وقد سبق بيان ذلك عند الحديث عن إمامته وعصمته(1) ورغم أن عصره وحياته كانت مليئة بالأحداث والفتن بحيث مورس في حق آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعهم أشد أنواع الظلم والاضطهاد مما صرف القادة عن ممارسة التعليم بشكل واسع وانشغلوا وأتباعهم بالعمل السياسي للدفاع عن حقوقهم المشروعة وخلاص الشعوب من نير الظلم والاضطهاد فقد تمكن الإمام الحسين عليه السلام في ظل تلك الظروف القاسية أن يترك الكثير من آرائه الفقهية ولكن من الطبيعي لم تكن بالقدر الذي تركه حفيديه الباقر(2) والصادق(3) عليهما السلام حيث كانت ظروفهما السياسية والأمنية أفضل من ظروف جدهم الحسين عليه السلام ، وهذا هو الذي حدا ببعض العلماء(4) القول بأن الإمام الحسين عليه السلام لم يترك لنا شيئاً يذكر من آرائه في الفقه والشريعة ، ولكن بعد التتبع في تاريخه وسيرته وجدنا أنه عليه السلام كان يلقي بمحاضراته العلمية في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويستمع إليه العلماء والرواة وذلك في عقد من الزمن يمكن تحديده بالعقد الخامس من السنة الهجرية حيث عبر معاوية(5) عن ذلك لبعض أتباعه حين أراد التوجه إلى المدينة بقوله : إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله(6) .
وإذا ما انتقلنا إلى جانب آخر من حركته العلمية نجد أنه عليه السلام عندما انتقل من المدينة إلى مكة في ظل تلك الظروف الأمنية الصعبة بعدما

(1) راجع فصل الإمامة من باب الأحاديث من هذه الموسوعة .
(2) الباقر : هو محمد بن علي بن الحسين الشهيد (57 ـ 114هـ) ، وهو الإمام الخامس من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
(3) الصادق : هو جعفر بن محمد بن علي السجاد (83 ـ 148هـ) ، وهو الإمام السادس من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
(4) هو السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب الميزان في تفسير القرآن حيث ذكر في بعض كتبه التي لم تحضرني أسماؤها .
(5) معاوية : هو ابن صخر (أبو سفيان) بن حرب الأموي (20 ق.هـ ـ 60هـ) مؤسس الدولة الأموية .
(6) ترجمة ريحانة الرسول المستل من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر : 147 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 22

طُلب منه مبايعة يزيد(1) قهراً ووصل مكة في 3/شعبان/60هـ توافد عليه الناس لطرح مسائلهم العقائدية والفقهية ، وكان بعضهم يستعرض ممارساته الدينية ليصححها وفي ذلك يقول الرواة : أنه عندما كان في مكة اتجهت إليه الأنظار واجتمع حوله الصحابة والتابعون ورجال العلم والحديث وكانوا يسمعون إلى حديثه(2) .
ورغم أن الظروف الأمنية والسياسية ما كانت لتسمح للناس بأن يحاوروه أو يكاتبوه بحرية تامة إلا أن عينات من الأسئلة والمكاتبات بشأن المسائل الفقهية قد وصلتنا مما تدل على نشاطه العلمي ولو بشكل ضئيل في تلك الظروف .
وإذا ما أضيفت إلى تلك المسائل الفقهية ذات الصغبة السياسية التي يمكن استخلاصها من حركة الإمام الحسين عليه السلام والتي ادت إلى مواجهة دموية فإنها تشكل مجموعة كبيرة من آراء الإمام في الفقه فكانت تلك ، هو هذا الجزء الذي بين يديك .
ونلحق بهذا الباب المسائل الأصولية المستخرجة من أقوال الإمام الحسين عليه السلام أيضاً .
كما استثنينا في هذا الباب الاستفادة من الشعر المنسوب إلى الإمام الحسين عليه السلام وذلك لأمرين :
الاول : أن الشعر لا زال في مرحلة النسبة ولم يصل إلى درجة الثبوت وصحة النسبة إليه .
الثاني : أن الشعر بني على المبالغة والمجاز والاستعارة بل وربما

(1) يزيد : هو ابن معاوية بن أبي سفيان الأموي (25 ـ 64هـ) ، تولى الحكم بعد أبيه عام 60 ، وفي عهده قتل الإمام الحسين عليه السلام واستباح المدينة المنورة وضرب الكعبة بالمنجنيق .
(2) راجع سيرة الإمام الحسين عليه السلام من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 23

الخيال ولأجل ذلك فلا يمكنه أن يكون بمثابة النص الصادر عنه أو تقريره أو سلوكيته .
وحتى نجمع بين الحقين فقد أوردنا بعض الاستنتاجات من الأشعار في نهاية كل مقطوعة فليراجع(1) .



(1) راجع ديوان الإمام الحسين ـ من الشعر المنسوب إليه ، من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 24

حقيقة التشريع

التشريع في اللغة :

التشريع مصدر باب التفعيل من الفعل الثلاثي المجرد المفتوح العين في الماضي والمضارع ، والمتعدي في أصله إلى مفعول واحد والذي مصدره الشرع(1) ، والاشتقاق من التشريع : شرّع يشرّع ، وعندها يتعدى لمفعولين .
ولأصل المادة معان مختلفة ولعل أساسه هو تناول الماء بالفم يقال : شرع الوارد الماء شروعاً وشرعاً فهو شارع والماء مشروع فيه ، والشريعة والمشرعة موضع على شاطئ النهر أو في النهر يهيأ لشرب الدواب والجمع : الشرائع والمشارع(2) ثم استخدم فيها سنّة الله لعباده ، فإذا قيل شرّع زيدٌ بكراً الماء يعني أورده الشريعة ليشرب وإذا ما قيل : شرع الله الشرائع لعباده أي أنه سبحانه وضع السنن لعباده .
والتشريع : هو إيراد الإبل شريعة لا يحتاج معها السقي له ، ومنه المثل : «إن أهون السقي التشريع» يقال لمن لا يتعب نفسه في أمر كما هو الحال في سقي الإبل التي لا يحتاج إلى سقي الماء أو نزعه بل يسقي نفسه بنفسه دون الحاجة إلى مساعدته ، ويقال : شرعت الدابة أي صارت على شريعة الماء ، ومنه قول الشماخ(3) ـ من الوافر ـ :

(1) الشرع : بفتح أوله وسكون ثانيه مصدر ، واسم مصدر ، والفرق بينهما أن الأول هو عملية التشريع وجعل الحكم ، والثاني هي النتيجة المجهولة أي الحكم نفسه إذاً فالفرق بينهما هو الفرق بين العمل ونتيجته . وكذلك التشريع فهو مصدر واسم مصدر .
(2) راجع العين : 3/272 ، وتاج العروس : 21/267 ، ولسان العرب : 7/86 .
(3) الشماخ : هو معقل بن ضرار بن حرملة الذبياني الغطفاني ، ولد في الجاهلية وقتل في غزوة موقان عام 22هـ ، وهو من طبقة لبيد والنابغة في الشعر .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 25

فلما شرَّعتْ قَصَعتْ(1) غَليلا فأعجَلها وقد شَرِبَتْ غِمارا(2) (3)

والتشريع أيضاً : هو وضع السنن والمناهج للأخذ بها والعمل على مؤداها والشريعة : هو مورد الإبل الشاربة ، والجمع الشرائع ومنه قول ذو الرمة(4) ـ من البسيط ـ :
وفي الشرائِع مِن جِلاّنَ(5) مُقتَنِصٌ رَثُّ الثياب خفيُّ الشخص مُنزَرِبُ(6) (7)

والشريعة أيضاً : المنهاج والسنن أو الطريقة التي يعمل بها .
والشارع : هو الطريق إلى المشرعة ، أو الطريق الأعظم وهو الذي شرع فيه الناس عامة(8) .
والشارع أيضاً الطريق الذي يسلكه الناس نحو الهدف المقصود ومنه القول المنسوب إلى الرياحي(9) ـ من الطويل ـ :
لقد خابَ قوم خالفوا الله ربَّهُم يريدون هَدْمَ الدين والدينُ شارعُ(10)

والشارع أيضاً : واضع المنهاج .
ولا يخفى أن باب التفعيل يأتي للتكثير والمبالغة فتقول : فتح الباب

(1) قصَعَ : ابتلع جُرع الماء ، وقصَّع الماء عطشه : سكَّنه .
(2) غمار : الماء الكثير .
(3) ديوان الشماخ : 445 .
(4) ذو الرمة : هو غيلان بن عقبة بن نهيس العدوي المضري (77 ـ 117هـ) ، سكن البادية واشتهر بإجادة التشبيه ، وأكثر شعره في التشبيب وبكاء الأطلال .
(5) جلاّن : جاء في العين بالكسر وفي التاج جاء بفتح الجيم وقال إنه حي من أحياء العرب ينسب إلى جلان بن العتيك بن أسلم .
(6) مُنزرب : دخل في الزريبة ، بمعنى بئر يحتفرها الصائد يكمن فيها للصَّيْد .
(7) العين : 3/272 ، كذا في العين وجاء في تاج العروس : 28/222 «وبالشمائل من جَلاّن مقتنص رذل الثياب...» .
(8) راجع تاج العروس : 21/269 .
(9) الرياحي : هو الحر بن يزيد بن ناجية التميمي ، ولد في الجاهلية ، واستشهد مع الإمام الحسين عليه السلام عام 61هـ ، بعد أن انحاز من معسكر يزيد بن معاوية إلى معسكر الحسين عليه السلام .
(10) ديوان القرن الأول : 2/15 : من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 26

وفتحت الأبواب(1) .
والمشرِّع أيضاً : الواضع للمنهاج ولكنه من باب التفعيل .
والمتشرع والمتشرعة : من ليس بمشرع ، أو من عمل بالشريعة .

التشريع في الاصطلاح :

لقد اختار الفقهاء والأصوليون للتشريع معنىً سبق وتحدثنا عنه بالإجمال وهو وضع السنن والمناهج ، وقد وردت مادة التشريع في القرآن الكريم في خمس آيات بتفاعيل مختلفة وهي :
1 ـ شرع فعل ماضي مفرد في قوله تعالى « شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك... »(2) .
2 ـ شرعوا فعل ماضي جمع في قوله تعالى : « لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله »(3) .
3 ـ شرّع صفة في قوله تعالى : « إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرّعا»(4).
4 ـ شرعة مصدر كما في قوله تعالى:«لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً»(5).
5 ـ شريعة مصدر كما في قوله تعالى : « ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها »(6) .
فالأول والثاني بمعنى واحد أي وضع لكم ديناً وطريقة ومنهجاً ، والرابع والخامس بمعنى واحد أي الطريقة والمنهاج والدين ، وأما الثالث فشرَّع بالتشديد جمع الشارع وهو الأمر ، ويقال إنما أطلقت كلمة الشريعة

(1) كتاب الصرف : 50 .
(2) سورة الشورى ، الآية : 13 .
(3) سورة الشورى ، الآية : 21 .
(4) سورة الأعراف ، الآية : 163 .
(5) سورة المائدة ، الآية : 48 .
(6) سورة الجاثية ، الآية : 18 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 27

والمشرعة على الطريق الواردة لكونها في مكان ظاهر ، كما سمي الدين بالشريعة لأنه الطريق الظاهر ولذلك يقال : شرع الله لنا كذا أي أظهره وأوضحه .
ومن الآيات يتبين أن المصطلح الفقهي نبع من القرآن الكريم كما وردت روايات كثيرة استخدمت مادة الشريعة في المنهاج والدين والفرائض والسنن والأحكام ومن تلك النصوص : «أن الله نسخ بشريعته سائر الشرائع»(1) «فكل نبي جاء بعد إبراهيم بشريعة»(2) إلى غيرها .

(1) بحار الأنوار : 16/336 .
(2) بحار الأنوار : 64/326 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 28

آراء ونظريات في التشريع

قال الزلمي(1) : الشريعة هنا الأحكام التي سنها الله لعباده ليكونوا مؤمنين عاملين على ما يسعدهم في الدنيا والآخرة ، وهذه الأحكام منها عقائدية ومنها أخلاقية ومنها فقهية عملية(2) .
وجاء في الموسوعة العربية الميسرة أن الفقه أطلق أولاً على علم الشريعة أصولاً وفروعاً ثم خصّ بعلم الفروع(3) .
ومن تعريفهما ودراسة تاريخ التشريع وتطوره يظهر أن كلمة التشريع كانت تطلق على مسائل العقائد والأحكام إلى أن خصص لكل واحد منهما اسماً خاصاً به وذلك في أوائل القرن الثالث الهجري حيث أطلق على الأحكام العملية بالفقه وعلى الأحكام العقائدية بالكلام وما شابهه كالتجريد والتوحيد(4) .
وعليه فبين الشريعة والفقه من النسب الأربعة عموم وخصوص من وجه أي إن كل فقه شريعة وليس العكس .
كما ميز أخيراً بين تشريع الأحكام السماوية (الإلهية) والأحكام الوضعية (المدنية)(5) فعرف الأول بالفقه بينما عرف الثاني بالقانون ، وفي

(1) الزلمي : هو مصطفى بن إبراهيم ، كان في عام 1399هـ أُستاذاً في كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد .
(2) فلسفة التشريع : 1 .
(3) الموسوعة العربية الميسرة : 2/1304 ، مادة الفقه .
(4) راجع تاريخ التشريع الإسلامي للفضلي : 8 .
(5) ولا يخفى أن القانون المدني جزء من القانون الوضعي ، ويطلق على ما ينظم روابط الأحوال الشخصية والمعاملات المالية ، وقد يرادفه أحياناً .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 29

الحقيقة انه يختلف باختلاف المشرع وهو ما سنبحثه في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى .
ومما تقدم يتبين أن إطلاق كلمة (المشرع)(1) على الله هو الأفضل لما في الكلمة من حركة ديناميكية وهو في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي وعليه فاستعمالها في غيره من المجاز وقد قال سبحانه وتعالى : « ألا له الخلق والأمر »(2) .

(1) وسيأتي أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام استخدم كلمة المشرع على الله جل جلاله .
(2) سورة الأعراف ، الآية : 54 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 30

التشريع والمشرع

المشرع : اسم فاعل من شرّع يشرّع بتشديد الراء فهو مشرّع بالكسر والتشديد وذاك مشرَّع بالفتح والتشديد ، ويعادله المقنن كما يعادل الشرع القانون ، والفرق بينهما أن مادة الشرع عربية ومادة القانون يونانية دخيلة على العربية ، بالإضافة إلى أن الأول اختص بالشرائع السماوية (الالهيّة) والثاني اختص بالشرائع الأرضية (البشرية) .
والمشرِّع بالكسر حسب التقسيم العقلي والعادي وحسب الواقع أحد ثلاث :
1 ـ الله
2 ـ الفرد
3 ـ الشعب

1 ـ الله :

إن أصحاب الديانات السماوية ومن في فلكها وبالأخص الموحدة منها ترى أن التشريع يتم من قبل الله سبحانه وتعالى ، ولا ننكر الخلاف الواقع بين فقهاء المذاهب من إمكانية تشريع بعض الأحكام من قبل المرسل من قبل الله أو الذين أوتوا العلم فيما لا نص فيه وسيأتي مناقشته بالإجمال عن البحث عن الاجتهاد ولكن استنباطهم للحكم يأتي في ضوء الأسس السماوية التي انتهجها وشرعها الله جل وعلا للبشرية .
ولا يخفى أن الشرائع السماوية قد تختلف في الكثير من الأحكام إلا أن جوهر التشريع فيها واحد وسيأتي الحديث عنها .
ولعل الفارق الأساسي بين الشريعة الإلهية والبشرية أن الأول يعالج العقيدة والنظام والثاني يعالج النظام فحسب .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 31

ومن ناحية أخرى فإن الإنسان مركب من الفكر (العقل) والنفس والجوارح ، فالشريعة الإلهية ترى من الضروري تنظيم العلاقات في الاتجاهات الثلاثة ليتزن الإنسان في تصرفاته ويصل لحد الكمال فلذلك عالج الفكر بالعقيدة وعالج النفس بالأخلاق ، بينما عالج عمل الجوارح بالأحكام .
ومن هنا يمكن تنظيم العلاقات على الشكل التالي :
1 ـ علاقة الفرد بخالقه .
2 ـ علاقة الفرد بنفسه .
3 ـ علاقة الفرد بفرد آخر .
4 ـ علاقة الفرد بالمجتمع .
5 ـ علاقة الفرد بالدولة(1) .
وهذه العلاقات الخمس وغيرها عالجها الإسلام على سبيل المثال ضمن أنظمة مختلفة اختير لها عناوين رئيسية وهي : العقائد ، الأخلاق ، العبادات ، الأحكام ، المعاملات والإيقاعات . والعلاقات الثلاث الأخيرة تسمى بالفقه عند المتشرعة بالشريعة الإلهية ، وتسمى بالقانون (النظام) عند المتشرعة بالشريعة البشرية .
وفي الحقيقة فإن مورد البحث في هذا الموجز حول ما يسمى بالفقه وهنا نتساءل ؛ فمن يا ترى شرح الأحكام الفقهية الله جل وعلا أو رسله أو العلماء (الفقهاء) ام جميعهم ؟ ولا خلاف بين الشرائع السماوية في أن الله سبحانه وتعالى هو المشرع الأول والأساس لتلك الشرائع ، ولكن الحديث يدور هل للرسل ـ أولي العزم(2) ـ الحق في التشريع ليصل الدور إلى الفقهاء .

(1) وهناك علاقات أخرى كعلاقة الفرد بالمخلوقات التي يعايشها من الحيوان والنبات والجماد والبيئة والفضاء إلى ما لا نهاية ، ولكنا ذكرنا أبرزها .
(2) أولو العزم : هم : نوح ، إبراهيم ، موسى ، عيسى ، ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، وقد بعثوا إلى الانس والجن كافة ، وقيل أنهم أصحاب العزائم والشرائع وذلك أن كل نبي كان بعد نوح عليه السلام ـ مثلاً ـ على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم عليه السلام ومنه إلى موسى عليه السلام ومنه إلى عيسى عليه السلام ومنه إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 32

ومما لا خلاف فيه أيضاً أن الأنبياء مهما علا قدرهم لا يحق لهم التصرف فيما أنزل حكمه من قبل الله بزيادة أو نقيصة ، وقد قال الله تبارك وتعالى عن لسان نبيه « ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي أن أتبع إلا ما يوحى إليّ »(1) ولا يختلف اثنان في أن هذه الآية وردت فيما أوحي إليه من الأحكام ولكن الخلاف فيما لم يوح إليه فقيل إنه صلى الله عليه وآله وسلم له الحق في وضع الأحكام ، كما ذكروا أن للفقهاء ذلك وسيأتي البحث عنه ولكن الذي نريد تسجيله هنا أن الله هو المشرع الحقيقي وأما الرسل ثم الأئمة ثم الفقهاء فهم وإن صدر عنهم بعض الأحكام الجزئية فلا يمكن تسميتهم بالمشرعة إلا مجازاً .
وقد جاء التصريح بذلك في عدد من الروايات منها في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان : «فأمر الأمر وشرع الدين وقسم القسمَ على ذلك وهو فاعله وجاعله وهو الخالق وهو المصطفي وهو المُشرِّعُ وهو القاسم وهو الفاعل لما يشاء...»(2) .
وإنما يعبر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بصاحب الشريعة كما يعبر عن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى . باعتبار أن الشريعة نزلت عليهم وسيأتي الكلام عن هذا في باب الشرائع إن شاء الله تعالى ، وإلى جانب ذلك فقد ورد التصريح بأن الأنبياء والأئمة عليهم صلوات الله كانوا حفظة للشرائع السماوية والتي سنّها الله للبشرية وقد ورد في زيارة الأئمة عليهم السلام «ثم مننت عليهم باستنابة أنبيائك لحفظ شرائعك وأحكامك»(3) وفي أخرى مخاطباً الإمامين العسكريين(4) «السلام عليكما يا حافظي الشريعة»(5) .

(1) سورة يونس ، الآية : 15 ، وفي سورة الأعراف ، الآية 203 : « قل إنما اتبع ما يوحى إليّ من ربي » .
(2) بحار الأنوار : 33/133 عن كتاب الغارات : 90 .
(3) بحار الأنوار : 99/115 .
(4) العسكريان : هما الإمام علي بن محمد بن علي الهادي (212 ـ 254هـ) الإمام العاشر من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، والإمام حسن بن علي بن محمد العسكري (232 ـ 260هـ) ، الإمام الحادي عشر من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
(5) بحار الأنوار : 99/73 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 33

نعم تنسب الشريعة إلى من أنزلت عليه فيقال شريعة نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى أو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ففي حديث طويل رواه سماعة(1) عن الصادق عليه السلام : «سأله عن قول الله عز وجل : « فاصبر كما صبر أولوا العزم »(2) فقال عليه السلام : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال سماعة : كيف صاروا أولوا العزم فقال عليه السلام : لأن نوحاً بعث بكتاب وشريعة ، وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم عليه السلام بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح عليه السلام لا كفراً به فكل نبي جاء بعد إبراهيم عليه السلام أخذ بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى عليه السلام بالتوراة وشريعته ومنهاجه وبعزيمة ترك الصحف ، فكل نبي جاء بعد موسى عليه السلام أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح عليه السلام بالإنجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى عليه السلام ومنهاجه فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»(3).
إذاً فالمشرع هو الله تبارك وتعالى ، وإذا ما نسب التشريع إلى الأنبياء وقيل بأنهم مشرعون فهو على المجاز ، وذلك لأنهم عرفوا الناس عليها ونقلوها بأمانة إليهم وللمثال فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام بإبلاغ رسالة السماء وشريعته إلى الناس كافة وعرفهم أسسها التي أوحى الله إليه عبر القرآن وغيره وطبق الوحي على مواردها وبيَّنَ عامها من خاصها ومطلقها من مقيدها ومجملها من مفصلها كما بين ناسخها عن منسوخها ، وقد بين حكم ما لم يصرح القرآن بحكمه وذلك بتتبع العلل وتطبيقها على مصاديقها أو ما شابه ذلك ، وبين أيضاً سائر الأحكام التي بينها الله له عبر جبرائيل والتي

(1) سماعة : هو ابن مهران بن عبد الرحمان الحضرمي (85 ـ 145هـ) كان من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وقيل أنه كان من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام وعليه ذهب بعضهم إلى أن وفاته كانت في حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام الذي تولى الأمر بعد أبيه عام 148هـ وتوفي عام 183هـ .
(2) سورة الأحقاف ، الآية : 35 .
(3) بحار الأنوار : 16/353 عن الكافي : 2/17 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 34

عرفت بالأحاديث القدسية والتي هي مبيّنة للقرآن الكريم .
وعلى ما قدمناه فالله سبحانه وتعالى هو المشرع ، وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم دوران رئيسيان :
الأول : تبليغ الرسالة من قبل الله جل وعلا .
الثاني : بيان الرسالة وتطبيقها على موضوعاتها ورد الفروع إلى الأصول والحفاظ عليها .
ومن المسلم أن الدور الأول لا يمكن نقله إلى غيره وإنما التبليغ يحصل عبر النقل عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما الدور الثاني فهو القابل للانتقال إلى غيره وهذا ما وقع بالفعل حيث تواتر الحديث عنه : «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي...»(1) ومن هذا المنطلق وغيره ذهبت الإمامية إلى القول بإمامة أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم امتداد له صلى الله عليه وآله وسلم ولهم الولاية بعده صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى أن الشريعة السمحاء شرعها الله وأنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقام ببيانها وحفظها ثم أودعها عند أهل بيته ليكونوا قواماً وحفظه كما كان هو صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا ما روى أحدهم فقد روى عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يروي إلا عن جبرئيل الأمين عن الله عز وجل فهم أمناء الله على وحيه .
ولا بأس بإيراد بعض النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام :
1 ـ روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : «إن الله علم رسول الله الحلال والحرام والتأويل وعلم رسول الله علمه كله علياً»(2) .
2 ـ وسأل رجلٌ الإمام الصادق عليه السلام أيضاً مسألة فأجابه فيها ، فقال الرجل : أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ فقـال له : «مَه مـا أجبتك فيـه من شيء فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسنا من أرأيت في شيء»(3) .

(1) راجع كنز العمال : 8/44 ، مسند أحمد بن حنبل : 3/17 ـ 26 و5/182 و189 ، المستدرك على الصحيحين للحاكم : 3/109 و148 باختلاف يسير في اللفظ .
(2) بصائر الدرجات : 290 .
(3) الكافي : 1/58 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 35

3 ـ وقال الصادق عليه السلام في حديث آخر : «مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسنا نقول برأينا من شيء»(1) .
4 ـ وكان أحمد بن حنبل إذا روى عن الامام الكاظم عليه السلام قال : حدثني موسى بن جعفر ، قال : حدثني أبي جعفر بن محمد ، قال : حدثني أبي محمد بن علي قال : حدثني أبي علي بن الحسين ، قال : حدثني أبي الحسين بن علي ، قال : حدثني أبي علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم قال أحمد : وهذا إسناد لو قرئ على مجنون لأفاق(2) .
5 ـ واشتهر الإمام الرضا عليه السلام بحديث سلسلة الذهب الذي يسنده إلى رب العزة ، فلما وافى أبو الحسن الرضا عليه السلام نيسابور(3) وأراد أن يخرج إلى المأمون(4) اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له : يابن رسول الله ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك ؟
وكان قد قعد في العمارية(5) فأطلع رأسه وقال : سمعت أبي موسى بن جعفر(6) ، يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين(7) يقول : سمعت أبي الحسين بن علي(8) يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي

(1) بصائر الدرجات : 301 .
(2) مناقب آل أبي طالب : 4/316 .
(3) نيسابور : ويطلق عليها (نيشابور) : أيضاً . وهي من مدن مقاطعة خراسان بإيران وخرج منها الكثير من العلماء والشعراء .
(4) المأمون : عبد الله بن هارون بن المهدي العباسي (170 ـ 218هـ) سابع ملوك بني العباس ، وفي عهده ظهرت فتنة خلق القرآن .
(5) العمارية : العَمار هو الياسمين والرياحين ، وكان الهودج الذي فيه الإمام الرضا قد غطاهُ الناس بالرياحين والورود احتراماً للإمام عليه السلام .
(6) موسى : هو الإمام موسى بن جعفر بن محمد الكاظم (128 ـ 183هـ) ، وهو الإمام السابع من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
(7) علي : هو الإمام علي بن الحسين بن علي السجاد (38 ـ 95هـ) ، وهو الإمام الرابع من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
(8) الحسين : هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (4 ـ 61هـ) وهو الإمام الثالث من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية .

السابق السابق الفهرس التالي التالي