دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 36

ابن أبي طالب(1) عليهم السلام يقول سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول سمعت الله عزّ وجل يقول : لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي ، قال(2) فلما مرت الراحلة نادانا بشروطها وأنا من شروطها(3) .
وأخيراً فإن القول بأن التشريع بيد الله إلتزمه الموحدون من أصحاب الديانات السماوية ويُعَدُّ أقدم النظريات في التشريع حيث يعود تاريخه إلى عام هبوط آدم على الأرض أي عام 6880 ق.هـ وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى .

2 ـ الفرد :

لا يستحيل من حيث العقل أو العادة أن يتولى شخص كالملك أو الحكيم أو رئيس القبيلة وضع قوانين وأنظمة للبلاد والعباد ، وهو أمر قد حدث بالفعل في كثير من البلاد وغالباً ما يلتزمه الحكام المتفردون بالرأي وربما حصلت بعض الاستشارات إلا أنها تتم في إطار الملك ويبقى الرأي رأيه في النهاية ، وربما كان الحاكم مغايراً مع المشرّع وربما يكون متحداً . وغالباً ما يأخذ الطابع الاستبدادي على هذا الصنف من الحكم أكثر من غيره حيث أن الفرد إذا أملى رأيه على الرعية دون إقناع أو قبول فهو حكم استبدادي المعبر عنه حسب المصطلح الغربي بالدكتاتوري(4) ولكن هناك صوراً أخرى من حكم الفرد والذي يتم الوصول إليه عبر الاستشارات

(1) علي : هو الإمام علي بن عبد مناف (أبو طالب) بن عبد المطلب (23ق.هـ ـ 40هـ) وهو الإمام الأول من أئمة الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
(2) قال : الفاعل فيه هو إسحاق بن راهوية (161 ـ 238هـ) الذي إليه ينتهي سند الحديث عن الإمام الرضا عليه السلام وهو من علماء أهل السنّة ، قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (6/345) : كان أحد أئمة المسلمين وعلماً من أعلام الدين ، اجتمع له الحديث والفقه ، والحفظ والصدق ، والورع والزهد ، وهو من أقران أحمد ابن حنبل .
(3) عيون أخبار الرضا : 1/144 .
(4) الدكتاتور : كلمة لاتينية ، وفي الأصل حاكم روماني معين لحكم ولاية في وقت الأزمة ، وترمز اليوم إلى الحاكم المطلق الذي يحصر في نفسه كل السلطات ويضرب معارضيه .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 37

الفردية التي يقوم بها ذلك الحاكم لتطبيق ما هو أمثل وهذا ما كان يعبر عنه بالحاكم العادل حيث يضع الأمور في موضعها ويدير شؤون البلاد والعباد بموازين عقلائية ترتقيها الأكثرية(1) .
وربما يكون الفرد حكماً أكثر منه حاكماً أي يطبق قانوناً ارتضاه هو بنفسه أو تقبله الشعب فيسهر على تطبيقه او على حسن تطبيقه ويترك في الحقيقة أمر النظام والقانون إلى اخصائيين وربما كان هو أحدهم فهذا يدخل في هذا القسم حسب التصنيفات التي صنفوها إلا أنه في الواقع هو إلى القسم الآخر أقرب منه إلى هذا القسم .
وقد سجل التاريخ منذ عهده الأول إلى يومنا هذا نماذج من حكم الفرد يعرفها الجمع فلا حاجة إلى ذكرها ، ولا يخفى أن الأمور نسبية أيضاً إذ لا يمكن الحكم على شخص بالدقة ، نعم قد يصبح أحدهم علماً في نوعية من نوعيات الحكم فيتلازمان كما في قولهم زيد عدل .
وعلى أية حال فإن حكم الفرد يختلف باختلاف البيئة الجغرافية والقومية والعقائدية كما يختلف باختلاف شخصية الحاكم ونفسيته ، ويبقى في النهاية رأياً فردياً يتبع حكمة وسياسة شخص الحاكم .

3 ـ الشعب :

ومن الواضح أن الشعب بأكمله لا يمكنه وضع القوانين والأحكام والأنظمة وإنما يتولاه مجموعة لا ترفضها أغلبية الشعب وهذا عادة ما يتم عبر المؤتمرات واللجان أو المجالس النيابية ، أو تضعه مجموعة ويختاره

(1) جاء في كتاب العقيدة والسياسة : 175 عن النظام القبلي عند قريش قبل الإسلام وقال ما موجزه «تذكر المصادر التاريخية أن بطون قريش الرئيسية تقاسمت الوظائف العامة أو السلطات الخمس التي أنيطت بها وهي : 1 ـ الحجابة ، 2 ـ الوفادة ، 3 ـ السقاية ، 4 ـ اللواء ، 5 ـ دار الندوة ، تختص الوظائف الثلاثة الأولى بإدارة الحج ، بينما تختص الوظيفتين الأخريين بقيادة الجيش واتخاذ القرارات المتعلقة بأمور قريش العامة» إن هذا التقسيم الاقتصادي المركز على الجهات الثلاث العسكري والإداري ثم التفاهم على تحمل الأدوار مما يوحي أن حالة الشوروية يمكن أن تمارس في كل أشكال الأنظمة ، القديمة والحديثة فالمهم هو الجوهر لا الهيكلة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 38

الشعب ضمن عملية الاستفتاء العام ، فكلما كان النظام حراً كلما كانت نسبة شعبيته أكثر وأقوى ، وأينما وجدت الحرية الموزونة كان الوعي أكثر انتشاراً وكلما كان الشعب واعياً كلما كانت قراراته ناضجة .
ويغلب في مثل هذا النوع من الحُكم الصبغة الشوروية المصطلح عليه بما يعني الديموقراطية(1) فإن طبقت بالشكل الصحيح كانت الحقوق بشكل عام غير مهدورة وخفت معاناة الشعوب وقلت نسبة الانتفاضات والثورات .
ومع الأسف قد تستغل هذه الظاهرة من قبل الانتفاعيين سواء الشعوب أو الحكام فتتخذ ذريعة للوصول إلى مآربهم فيُساء استخدام الكلمات والقوانين لمصلحة شخصية أو مجموعة بل قد تستغل بساطة أو سذاجة بعض الشعوب من خلال الاعلام المضلل والوعود الكاذبة والقدرات الكبيرة التي تمتلكها للوصول إلى سدة الحكم أو تسيير دفة الحكم عبر قنوات ملتوية وأساليب خادعة لا تخدم مصالح الشعوب فعندها تحكم الأقلية بعناوين معسولة وتضطهد الأكثرية بحقنات مخدرة تدريجياً أو لموت بطيء تسلم إليها تلك الشعوب . وربما استخدمت هذا النوع من النظام نفوس شريفة وعملت لأجل تحقيقها بأيادٍ أمينة إلا أن يد الجريمة تغيبه من الوجود السياسي أو الحياتي بأساليبها الوحشية الترهيبية منها والترغيبية .
وربما لا توصل هذه الطريقة الشعوبَ إلى سعادتها المنشودة حتى ولو كانت بأيدٍ نزيهة وذلك لعدم وجود القدرة الكافية في بعض الشعوب إلى فهم واقع الامور لتتصرف على ضوئه وتدرك السعادة الحقيقية لها ، نعم يبقى أنها على أقل التقادير قانعة بما اتخذت لنفسها من القرارات حيث جاءت بملئ إرادتها ، وربما تعلمت الصحيح من ارتكابها الأخطاء .
ويترتب على كون المشرع هو الله جل وعلا على أقل التقادير فائدتان :

(1) الديمقراطية : كلمة يونانية مركبة من كلمتين ، ديموس ، أي الشعب ، وكراتوس ، أي الحكم ، وهي تعني حكم الشعب أو حكومة الشعب ، أو حكم الشعب بالشعب للشعب ، وهناك تعريفات مختلفة لا تخرج عن هذا الإطار .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 39

الأول : الثقة بالشريعة الإلهية واحترامها بشكل يخف معها الاختراقات حيث أن مطبقها والسائر عليها لا يمكنه التنصل عنها باعتبار أن الرقيب عليه ذو قدرة جبارة لا تغيب عنه تلك الاختراقات .
الثاني : ثبات الشريعة واستقرارها لأنها صدرت على أساسين شمولية معرفة الواضع بكل أطراف القضية من جهة ، ومراعاة مصلحة جميع الأطراف في القضية من جهة أخرى ، مضافاً إلى الحالة التطورية في الحياة والإنسان ، فكل هذه لم تغب على الخالق القادر كما هو الحال فيما لو كان الواضع لها مخلوقاً عاجزاً .
وإذا ما أضيف إليها مسألة الاعتقاد بالعقاب الدنيوي والأخروي إلى جانب الجزاء الدنيوي والاخروي ضمن سياسة الثواب والعقاب(1) نجد أنه يسعى إلى تطبيق الشريعة بحذافيرها وهذا ما لامسناه في حياتنا اليومية .
وقد تطرح المسألة للنقاش من الزاوية التالية وهي ما هو دور الإنسان في سن القوانين ، واختيار ما يراه مناسباً .
ولعل الجواب يختزل في نقطتين :
الاولى : أن القوانين على قسمين وذي اتجاهين :
1 ـ قوانين تعتبر من الدرجة الاولى .
2 ـ قوانين تعد من الدرجة الثانية .
فالأولى بدرجة من الأهمية بحيث جعلت في المصاف الأول مما لا تصنف الأخرى إلا في المرتبة الثانية ، ومن جهة أخرى فإن القوانين التي تُأطر بالدرجة الأولى قد يلحظ إليها من الإطار العام وقد يلحظ إليها من الإطار الخاص فعندها نجد أن الشارع ربط أمرها باللحاظ العالم إلى نفسه

(1) إن كثيراً من المفاهيم صفات حسنة لله تعالى بينما تعد صفات قبيحة للإنسان كالتكبر ومجال مناقشته كتب العقائد ، فما نحن بصدده فإن سياسة الترغيب والترهيب قد تكون ممارستها مقيتة للإنسان أما سياسة الثواب والعقاب تعتبر من قوانين اللطف الذي يتصف به الخالق ، بغض النظر عن المؤدى والهدف والأسلوب ، والمسألة بحاجة إلى تفصيل ليس هنا محله .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 40

بينما ربط أمرها باللحاظ الخاص إلى المتشرع كما هو الحال بالنسبة إلى القوانين من الدرجة الثـانية والتي ترك الشـارع أمرهـا إلى المتشرع فالواجبات(1) و المحرمات(2) حسب التقسيم الفقهي تدخل في إطار الدرجة الأولى بينما المستحبات(3) والمكروهـات(4) والمباحات(5) تدخل في إطار الدرجة الثانية ، كما أن الشارع يتحكم في الإطار العام للأحكام أو فيما وجدت ضرورة لتجديده بينما يترك للمتشرع سائر الاختيارات كما هو الحال في التعزيرات(6) أو يترك المتشرع أمام أكثر من خيار كما هو الحال في الكفارات(7) .
وأما النقطة الثانية : فإن مجرد إعطاء الشارع الخيار للمتشرع فهو تطبيق لشريعة الشارع حيث أن شرعية الخيار جاءت منه ، فتبقى مسألة التشريع إلهية رغم الاختيارات المعطاة للإنسان .
كما يترتب على كون المشرع هو الفرد أن النظام يحاك في إطار مصلحته وحتى لو روعي مصلحة الشعب فالمنظور إليه في النهاية مصلحة الحاكم كدوام سلطته أو مزيد الطاعة وعندها لا بد من إبراز قدرته لدى التطبيق وعند الاختراق .

(1) الواجبات : ما كان الإتيان بها على نحو الالزام ، يعاقب على تركها .
(2) المحرمات : ما كان الامتناع عنها على نحو الالزام ، يعاقب على فعلها .
(3) المستحبات : ما كان الإتيان بها على نحو الأفضلية ، يثاب على فعلها ، ولا يعاقب على تركها .
(4) المكروهات : ما كان الامتناع عنها على نحو الأفضيلة ، يثاب على تركها ، ولا يعاقب على فعلها .
(5) المباحات :ما كان الإتيان بها والامتناع عنها متساوي الطرفين ، وليس على تركها أو فعلها عقاب أو ثواب .
(6) التعزيرات : التعزير . ضرب دون الحد ، ويطلق التعزير على ما ليس فيه مقدر شرعاً ويؤخذ فيه المصلحة في الشخص أو التطبيق أو غيرهما مما يكون مؤثراً للدرع ، ولا يحق فيها إلا الدرجة الأولى من الدرع .
(7) الكفارات : واحدها الكفارة وهي فعالة من الكفر وهي التغطية لأنها تكفر الذنب عن الإنسان ، وفي الاصطلاح هي الأعمال التي تأتي لرفع آثار الذنب الذي حصل من ترك واجب أو فعل محرم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 41

بينما يترتب على كون المشرع هو الشعب وفي أعلى منازله حصول قناعة الأكثرية المؤدية إلى الاستقرار فيما لو لوحظ حقوق الأقلية وأخذ بعين الاعتبار لدى التطبيق والاختراق وهي أمنية الشعوب وذلك لأنه من أهم عوامل السعادة .
ومما أوجزناه يتضح مراتب الانظمة ومدى فاعليتها ولكن تبقى مسألة الوعي التي هي أساس كل شيء فلو لم يع الشعب لم تحصل له قناعة بنوعية الحكم والنظام ، حتى ولو كان الحكم منزلاً من السماء ، فلا بد إذاً أن تصله الحقائق دون تلاعب بالألفاظ أو التعبير لكي يتفهم الواقع ولا يكفيه فهمه جانباً دون آخر أو دراسة نظام دون آخر إذ من الوعي استيعابه للتناقضات ليكون خياره سليماً .
وفي نهاية المطاف عن المشرع قد نسمع من هنا وهناك عن عيوب الشريعة الربانية واختلاف الأحكام وتناقضها ، وقد يذكر أيضاً بأن الشريعة سببت المزيد من الخلاف .
وفي جواب عابر وموجز للغاية بأن هذا ليس خاصاً بالشريعة الربانية أولاً ، وأن الفهم البشري وتفسيراته ومصالحه هي التي خلقت هذا النوع من الخلاف ثانياً ومع هذا فهو ضرورة الحياة إذ قد تختلف النظريات في الطب والكيمياء والفيزياء وغيرها ولا يدعي أحد بأنه يخلق جواً من العداء والخلاف ، مع العلم ورغم كل الخلافات يبقى الجوهر في الشريعة واحداً يمكن التقليل من الخلافات لولا السياسات التي لها ضلع في توسعة رقعتها ، ومن هنا يتبين أيضاً أن رأي الشريعة واحد إلا أن الاجتهادات متعددة لفهم ذلك الرأي والذي قد يتطابق مع أحدهم ، وما دام المكلِف وضع للإنسان أكثر من خيار وترك له مساحة واسعة من التسامح فلماذا هذا الإصرار على العسر والحرج ، وهذا بمثابة أنك لو خيرت كل من ابنيك بين الأخذ برأي أمهما أو أخيهما الأكبر في حال غيابك ، أو خيرتهما في حضور مكان ما بين الساعة الواحدة والثامنة ، او تركت له حرية اختيار الطريق الأنسب للوصول إلى المقصد الذي طلبت منها الحضور إليه ، فلو جاء أحدهما من طريق وفي ساعة متقدمة واستشار والدته ، وجاء الآخر من طريق آخر وفي ساعة متأخرة وأخذ بمشورة أخيه أما كان قد أخذ برأيك

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 42

ولم يختلف الإخوان في تلبية نداء والدها ولم يحصل بينهما شجار .
وما نجده من الشجار بين المذاهب أو الأديان إنما هو من الجهل والأيادي الخفية ، كما أن ما نشاهده من التفرقة بين الأنظمة القومية هي أكثر بكثير من الأنظمة التي كانت قائمة على العقيدة ، إذ العقيدة وحدت عشرات القوميات في ظل حكم واحد ، وفرقت الأنظمة القومية الدولة الإسلامية العظمى ، وما خلفت تلك الدولة الإسلامية من الاضطهاد والخلاف إنما هو من سوء التصرف والتطبيق ، إذ الشريعة الربانية لا تعارض التقاليد والأعراف القومية إلا ما تؤول إلى الفساد وهي بحسب الممارسة قليلة جداً .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 43

هدف التشريع

الهدف ويرادفه الغرض ، والمقصود هنا بيان الأهداف العامة للتشريع دون الأهداف الخاصة بأنظمة التشريع من الأحكام والقوانين ، ولا أظن أن أحداً لا يمكنه درك الغرض من التشريع وإلا لما سعت إليه كل المجتمعات سواء المتمثلة في السلطة أو القبيلة أو الأسرة أو ما شابه ذلك بألوانها المختلفة الاشتراكية والرأسمالية والإسلامية منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا ، نعم قد يجهل البعض تطبيقاتها أو لا يعرف أساليبها ، ومع ذلك فلا بأس من بيان الرأي الإسلامي بل الإلهي في هذا المجال ، ولعله هو العامل المشترك بين كل التشريعات الإلهية والإنسانية وهي تتلخص في النقطتين التاليتين :

1 ـ السعادة :

إن كل مشرع لا بد وأن يضع نصب عينيه إسعاد من يلتزم بشريعته إن كان تشريعه لأجل الشعوب ، ولا شك أن التشريع الفردي إن لم يصدر عن الحكماء فإنه لا يراعي عادة إلا مصالح الفرد الشخصية وهذا هو الطغيان بعينه .
إن الغرض الأساس من التشريع هو إسعاد الشعوب وإلى هذا المعنى أشارت الآيات القرآنية في كثير من الموارد حيث يقول جل وعلا بعد بيان التعاليم الإلهية « لعلكم تفلحون » وما الفلاح إلا السعادة إذ الفوز بالنعيم سواء في الدنيا او الآخرة هو من السعادة إن لم تكن غايتها أو قمتها وبها نادت الأنبياء والرسل لدى تبليغهم رسالة السماء ، ومن أسس السعادة تطبيق العدالة(1) .

(1) قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم » [الأنفال : 24] ، وقال تعالى في وصف من يتقيد بتعاليم السماء : « ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض » [الأعراف : 96] .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 44


2 ـ النظام

إن الهرج والمرج والفوضى مرفوضة من قبل العقل والعقلاء فلا أحد في العالم يستسيغ حالة الفوضى ولا يمكن سدّها إلا بالنظام والالتزام به ليعرف كل مسؤوليته وواجباته تجاه نفسه والآخرين ، وبتنظيم العلاقات الفردية والاجتماعية يستتب الأمن وينتعش الاقتصاد وتستأصل الأمراض وتسود الحرية وتتحقق المساواة والتي مآل جميعها السعادة ، والنظام من الأمور التي حث الإسلام عليه وقد وردت بذلك الروايات والأحاديث وقال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للإمامين الحسن والحسين : «أوصيكما ، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي ، بتقوى الله ونظم أمرِكُم..»(1) .
ومن شأن النظام الإصلاح وإزالة الفساد وعلى أثره بعث الله الرسل وسن الشرائع فقد جاء في قصة شعيب عليه السلام « إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت »(2) وجاء أيضاً في قصة موسى عليه السلام : « وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين »(3) وقال جل وعلا : « ولا تعثوا في الأرض مفسدين »(4)وقال أيضاً : « ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها »(5) وقال : « والله لا يحب الفساد »(6) ، هذا وقد حدد الإمام الحسين عليه السلام هدفه للخروج على حكومة يزيد بالإصلاح حيث قال في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية(7) «وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم...»(8) .

(1) نهج البلاغة : كتاب 47/421 .
(2) سورة هود ، الآية : 88 .
(3) سورة الأعراف ، الآية : 142 .
(4) سورة البقرة ، الآية : 60 .
(5) سورة الأعراف ، الآية : 85 .
(6) سورة البقرة ، الآية : 205 .
(7) محمد : هو ابن علي بن أبي طالب ، (16 ـ 81هـ) لقب بالحنفية نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية .
(8) مقتل الحسين لبحر العلوم : 138 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 45

وبالنظام يتحقق التوازن بين الإنسان كفرد وبين سائر المخلوقات ، وبين الإنسان كمجتمع وبين سائر الأنظمة الطبيعية ، وعملية التوازن لها آثارها الطبيعية والبيئية والاجتماعية والصحية والسياسية إلى غيرها من المعادلات التي تعد ضرورة في الحياة بشكل عام والحياة البشرية بشكل خاص .
ويقول أبو يحيى(1) عن الشريعة الإسلامية : «بأنها تهدف ممثلة في عقيدتها وتشريعاتها المختلفة إلى إيجاد توازن بين الجانب المادي والروحي والعقلي عند الإنسان بحيث لا يطغى جانب على آخر»(2) .
وقد دلت الآيات والروايات على ضرورة العمل بمقتضى التوازن ومن تلك ما ورد حول الإسراف ، وما النهي عن الإسراف إلا لخلق هذا التوازن سواء في المجال الصحي أو المجال الاجتماعي أو الروحي أو البيئي أو ما شابه ذلك ولذلك ورد في الحديث «خير الأمور أوسطها»(3) ويمتدح الله أمة الإسلام بكونها الوسطى حيث يقول : « وكذلك جعلناكم أمة وسطاً »(4) .
وهناك جوانب أخرى يهدف إليها التشريع إلا أنها لا تتعدى الهدفين الرئيسيين اللذين ذكرناهما وهما السعادة والنظام .
وهنا سؤال يطرح نفسه ويقول : إذا كان الهدف من وراء التشريع هو إسعاد الإنسان ونظم أمره فلماذا هذا التغيير في الشرائع والأنظمة .
والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال يتطلب مجالاً أوسع من هذا الموجز إلا أن إمكانية إيجازه في نقاط وارد حيث تتلخص في الأمور التالية :

(1) أبو يحيى : هو محمد حسن... ، كان في عام 1405هـ ، أستاذاً في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية .
(2) أهداف التشريع الإسلامي : 255 .
(3) بحار الأنوار : 48/154 ، وقد وردت العبارة في سياق حديث الإمام السابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ، وكذلك على لسان عدد من المعصومين ، وجرى الحديث مجرى الأمثال .
(4) سورة البقرة ، الآية : 143 ، ولا يخفى أنه أكدها بقوله : « لتكونوا شهداء على الناس » .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 46

1 ـ التطوير

إن من سنن الحياة التطوير ، والعقل البشري يبني أسسه الفكرية والعلمية على مشاهداته ، فالإنسان البدائي بنى حضارته على القواعد الطبيعية التي لمسها وأخذ يطور نفسه لتأتي الأجيال من بعده وتتخذ من تلك التطورات قاعدة يرتكز عليها في تعاملاته ويقوم بتطويرها وهكذا ، فكان لا بد للشريعة أن تواكب تطوره فلذلك كان التبديل في الشرائع .
وأما لماذا توقف بالإسلام وأصبحت شريعته خاتمة الشرائع فليس لأن التطوير توقف بل لأن هناك نقلة نوعية في التطوير يستحيل معها التراجع إلى ما قبل الحضارة ووصل بالإنسان مرحلة يمكنه درك ما يريد ولا مجال معه في التنصل عن الحقائق إذا شاء وذلك بفضل التطور الجذري للحركة الفكرية ، وللتقريب لو شبهنا البشرية بشخص وصورنا له مراحل كمراحله فيمكن القول بأنها تجاوزت مرحلة الطفولة والمراهقة ليصل سن الرشد منذ العهد الإسلامي فاستحق أن يتلقى التعاليم العالية ويعتمد عليها رويداً رويداً في فهم ما يحيط به على تحاليله ومناقشاته في ظل تلك التعاليم .
ولا يخفى ما للتدوين من الأثر البالغ في حفظ الحضارات من الاندراس والتعاليم من التحريف وقد حث الإسلام على ذلك عبر الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام ويعتبر التدوين من أسباب هذه النقلة الحضارية المهمة في مثل تلك الحقبة الزمنية ، كما كان له الأثر البالغ في رفع مستوى التعليم ، وقد وقف سداً منيعاً أمام تراجع الحضارات واندراسها التي أصيبت بها الحضارات السابقة وبذلك خف التحريف والانحراف ، ولعل من عوامل عدم تحريف القرآن(1) هو التدوين والحفظ اللذان لم يحظ بهما التوراة والإنجيل حيث انحصرت نسختاهما عند أيادي غير أمينة فلعبت بهم الأهواء فحرفوها كما حلى لهم ، كما ضاع الكثير من العلوم بسبب عدم التدوين ، قال تعالى في وصف المحرفين من أهل الكتاب « وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد

(1) وقد تعهد الله تعالى حفظ القرآن من أي تغيير في قوله جل وعلا : « إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون » [الحجر : 9] .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 47

ما عقلوهُ وهم يعلمون »(1) ، وقال تعالى : « من الذين هادوا يحرفون الكلِمَ عن مواضعه... »(2) ، وقال تعالى : « يُحرفون الكلم عن مواضعه »(3) .

2 ـ المقارنة

إن المقارنة بين الشرائع السابقة على الإسلام والإسلام يوصلنا إلى أن الشرائع السابقة عليه ، تناولت جانبين من جوانب الحياة وهي المسائل العقائدية إلى جانب المسائل الأخلاقية ، أي التزمت مسألة علاقة الفرد بخالقه ، ومسألة علاقة الفرد مع نفسه والتي قد يتجاوزها ليصل إلى غيره في أمور خاصة بالمعاشرة فقط دون تنظيم حياته ، بينما جاء الإسلام ليكون دين عقيدة ونظام ويراعي العلاقات الخمس التي سبق وذكرناها ، حيث أصبحت أرضية المجتمع البشري قادرة لاستيعاب مثل ذلك .

3 ـ التمهيد

التمهيد للمرحلة الأخيرة من حياة هذا المخلوق البشري من باب قاعدة اللطف أولاً ومن باب تحقيق الغرض الخلقي ثانياً فقد ادخر حجته العظمى الإمام المهدي(4) عجل الله تعالى فرجه الشريف (المخلص)(5) وادخر معه عدداً من أنبيائه ممن لهم صلة بالأديان السماوية كالنبي خضر(6) الذي رافق النبي موسى(7) عليه السلام صاحب الشريعة الموسوية ، والنبي

(1) سورة البقرة ، الآية : 75 .
(2) سورة النساء ، الآية : 46 .
(3) سورة المائدة ، الآية : 13 .
(4) المهدي : هو محمد بن الحسن بن علي ، ولد عام 255هـ ، وهو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام غاب الغيبة الصغرى عام 260هـ بعد رحيل والده مباشرة ، ثم غاب الغيبة الكبرى سنة 329هـ .
(5) المخلص : إن الديانات كلها تعتقد بظهور مخلص البشرية من الظلم إلى العدالة .
(6) خضر : هو إلياس بن ملكان بن عامر بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام ، قيل سُمي بالخضر لأنه إذا جلس على أرض بيضاء اهتزت واخضرت ، وهو حيٌّ إلى يومنا هذا .
(7) موسى : هو ابن عمران بن وهيب بن لاوي بن النبي يعقوب ، ولد في عهد فرعون مصر الوليد بن مصعب بن معاوية ، مات عن 240 عاماً .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 48

عيسى(1) صاحب الشريعة العيسوية(2) فالأمة لا تجتمع في غيبته على ضلال كما سيقيم في النهاية دولة الحق التي وعد الله بها عباده في قوله جل وعلا : « ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين »(3) التي ستقوم على نظام الحكم الواقعي دون الظاهري وذلك بمؤازرة من ادخرهم الله من أنبيائه لتختزل الديانات الثلاث في عصره وتطبق الشريعة الربانية دون رادع أو مانع ، وينتشر العدل ويضمحل الظلم .
وربما قيل بأن اختلاف الشرائع الإلهية هي من وراء الكثير من الحروب والخلافات التي يعيشها الإنسان على وجه الأرض كما تروج لها دعاة العلمانية .
وفي الحقيقة إن الأديان السماوية الثلاثة بطبيعتها تدعو إلى السلم والسلام وليس في التاريخ ما يدل بأن الأنبياء الثلاثة موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوا الناس إلى القتال والحرب والخلاف ، كما لم يذكروا بأنهم بدؤوا الأطراف الأخرى بالقتال بل العكس هو الصحيح حيث كانوا دعاة سلام حيث يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم : « يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة »(4) ويخاطب رسوله الكريم بقوله : « وإن جنحوا للسلم فاجنح لها »(5) كما يدعو إلى المناقشة الحرة والحضارية في قوله تعالى : « وجادلهم بالتي هي أحسن »(6) ويبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم السبب من

(1) عيسى : وأمه مريم بنت عمران بن ماثان ، ظل 33 عاماً يبلغ في قومه ، حتى رفعه الله إليه .
(2) جاء في الجامع الصحيح (صحيح مسلم) : 2/94 في باب نزول عيسى عليه السلام من كتاب الإيمان «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» . ومثله في صحيح البخاري : 4/205 باب : واذكر في الكتاب مريم من كتاب بدء الخلق ، وفي كنز العمال : 14/334 رقم 38845 : «كيف بكم إذا نزل ابنُ مريم فيكم وإمامكم منكم» .
(3) سورة القصص ، الآية : 5 .
(4) سورة البقرة ، الآية : 208 .
(5) سورة الانفال ، الآية : 61 .
(6) سورة النمل ، الآية : 125 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 49

وراء بعثته ورسالته بقوله : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(1) واشتهر لدى أتباع النبي عيسى عليه السلام : «وما الدين إلا المحبة» وقد ورد مثله عن أئمة أهل البيت عليهم السلام(2) ، كما اشتهر عن السيد المسيح القول : ما لا تحب أن يفعل بك فلا تفعله بأحد وإن لطم أحد خدك الأيمن فاعط الأيسر(3) ، وجاء في القرآن الكريم : « لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك »(4) .
وورد في الكتاب المقدس : «إن كل الناموس والانبياء يتوقف على المحبة»(5) .

(1) مجمع البيان للطبرسي : المجلد الخامس : 500 (الجزء العاشر) [القلم : 4] .
(2) عن أبي عبيدة الحذّاء ، عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في حديث لَهُ قال : يا زياد ويحك وهل الدين إلا الحب ؟ ألا ترى إلى قول الله : « وإن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ذنوبكم » أو لا ترى قول الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم : «حبّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم» وقال : «يحبّون مَن هاجر إليكم» فقال : الدين هو الحب والحب هو الدين . بحار الأنوار : 66/238 عن المحاسن : 263 ، وقد ورد الحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وفيه : «هل الدين إلا الحب والبغض في الله» تفسير ابن كثير : 2/25 ، الدر المنثور : 2/17 ، العلل المتناهية : 2/339 ، وهو المعبر عنه بالتولي والتبري ، وفي حديث المحاسن للبرقي : 208 عن الإمام الباقر عليه السلام : الدين هو الحب والحب هو الدين .
(3) الأمالي للصدوق : 366 .
(4) سورة المائدة ، الآية : 28 .
(5) الكتاب المقدس ، متى : 22/40 ، ومرقس : 12/28 ـ 34 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي