دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 50

قيمة التشريع

إن التشريع أياً كان مشرعه له قيمة ذاتية نسبية وقيمة جعلية محصورة فما بالك إذا كان مصدر التشريع الخالق العليم واللطيف الحكيم فتزداد تلك القيمة الذاتية ويتوسع معها قيمتها الجعلية ، وبما أن حديثنا عن الشريعة الإلهية فالبحث ينصب في هذا الاتجاه .
ومما يمكن أن نسجله في هذا الباب هو مشروعية السلوك الذي ينتهجه الانسان حين يجد نفسه معتدلاً سوي السلوك ولا ينظر إلى نفسه بل لا ينظر إليه الآخرون بأنه خارج عن القانون أو عليه .
ومنها أن الإنسان يطوي حياته على بصيرة من أمره ويسلك على هدى دون أن يتخبط يميناً أو شمالاً لا يدري إلى أين يتجه وكيف يتجه وقد قال سبحانه وتعالى : « قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني »(1) .
ومنها القناعة بهذه السلوكية بحيث يعلم بأنه يعتمد على قاعدة وسيعة جداً من الشرعية والأدلة التي تؤيد صحة مسيرته وسلوكيته على شكل يمكنه مناقشة الأمر مع خصمه أو وحتى مع المشككين في أمره .
ومنها اختصار الطريق للوصول إلى الحقائق فإن هناك فئة تحب أن تجرب الحياة بنفسها ولكنها تنسى بأنها ستظل تراوح مكانها(2) إذ على المرء أن يستعين بتجارب غيره أو بالثوابت ليمهد الطريق إلى الأفضل فلو أن البشرية أرادت أن تتعلم الأمور بنفسها من العدم لما وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم ولذلك فإن الله « علم الإنسان ما لم يعلم »(3) ومهد له

(1) سورة يوسف ، الآية : 108 .
(2) وفي المثل : «من جرب المجرب فهو أحمق» .
(3) سورة العلق ، الآية : 4 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 51

الطريق فقال : « الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى »(1) ، ولقد اغنت الشريعة الإنسان الكثير من المعلومات فبينت له مضار الأشياء ومنافعها فحرمت ما كان منها ضاراً وحللت ما كان منها نافعاً واختصرت له الطريق بذلك .
ومنها أن الشريعة ميزان للسلوكية يميز بها الانحرافات وتحدد بها درجة الكمال.
والحديث في هذا الشأن قد يطول وقد يتداخل في الأهداف أو في غيرها ، ولم يكن المقصود الإطالة بل الغرض هو الإشارة إلى بعض الجوانب التي قد يكون من المفيد التعرض لها بحكم الحديث عن الشريعة وذلك لأنها جزء من الوجود الذي له قيمته في حياة الإنسان .

(1) سورة الأعلى ، الآية : 2 ـ 3 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 52

تاريخ التشريع

اقتضت حكمة الباري جل وعلا ولطفه اللامتناهي على كل مخلوق عاقل من عالمنا(1) هذا أن يضع لهم شريعة يمكنهم تصريف شؤونهم بمقتضاها ويرشدهم إلى طريق الخير والسعادة ، وذلك منذ أن حطت قدمي آدم على الأرض ، وشرف الإنسان بأن جعل رسله من بني جلدته واختار أول خلقه البشري ليكون خليفته على الكرة الأرضية وما في مجالها ويكون مرسلاً من قبله إلى كل من تتحكم فيه القوة العقلية ، ولم يترك ذلك المخلوق الذي فضله بالعقل على سائر مخلوقاته هائماً حائراً بل شرع له ما يناسبه من الشرائع والأحكام التي فيها سعادته ، وقد واكب كل مراحله وأدواره وتطوراته .
ومن الجدير ذكره أن المؤرخين اتخذوا من الاحداث التاريخية مبدأً للتاريخ إلى أن يحدث حدث آخر فكانت بدايتها بهبوط آدم ثم بطوفان نوح ، ونار نمرود ، وغرق فرعون ، وميلاد المسيح وعام الفيل والهجرة النبوية ولكنا في مسألة التشريع صنفنا المراحل بالشكل الذي يتناسب والتشريع فجاءت كالتالي :
المرحلة الأولى تبدأ بهبوط آدم وتنتهي ببعثة نوح
المرحلة الثانية تبدأ ببعثة نوح وتنتهي ببعثة إبراهيم
المرحلة الثالثة تبدأ ببعثة إبراهيم وتنتهي ببعثة موسى
المرحلة الرابعة تبدأ ببعثة موسى وتنتهي بميلاد المسيح
المرحلة الخامسة تبدأ بميلاد المسيح وتنتهي ببعثة الرسول

(1) في إشارة إلى إمكانية وجود تشريع آخر قبل ذلك في إحدى الكرات (الكواكب) الأخرى أو على وجه الأرض وإلى ذلك تشير بعض الروايات .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 53

المرحلة السادسة تبدأ ببعثة الرسول وتنتهي بانتهاء العالم

وهذه المرحلة تنقسم إلى ثلاث فترات :
1 ـ فترة النبوة وتبدأ من البعثة النبوية 17/7/13 ق.هـ وتنتهي في 28/2/11هـ(1) .
2 ـ فترة الإمامة وتبدأ من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى غيبة الإمام المهدي الكبرى عام 329هـ(2) .
3 ـ فترة المرجعية وتبدأ من الغيبة الكبرى وحتى ظهور الإمام المهدي عليه السلام حيث تعود الإمامة إلى الواجهة .

(1) يوم رحيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بارئه تعالى .
(2) وذلك في 15/ شعبان .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 54

شريعة آدم

خلق الله آدم عام الهبوط(1) على الأكثر(2) (6880 ق.هـ)(3) وتوفي عام 930(4) من الهبوط (5950 ق.هـ)(5) والظاهر أنه هبط إلى الأرض وهو مبعوث من قبل الله تعالى إلى نسله ، وكان آدم نبياً رسولاً(6) أنزل الله

(1) اختلفوا في مكان هبوط آدم من الأرض ، وفي الأكثر أنه هبط في جزيرة سرانديب والتي عرفت فيما بعد بسيلان وتعريف اليوم بسريلانكا ثم رحل منها إلى مكة ، وكان بها نسله ووفاته ، واختلفوا أيضاً في الجنة التي كان بها قبل الهبوط إلى الأرض والظاهر من بعض الروايات انها كانت في إحدى الكرات من المجموعة الشمسية هذه والقريبة من الأرض بحيث كانت الشمس والقمر تطلعان عليها راجع بشأنه بحار الأنوار : 11/143 ، وكان هبوطه إلى الأرض في شهر كانون ـ الأنبياء حياتهم وقصصهم : 45 .
(2) وقيل أنه خلق قبل الهبوط بسنوات ويظهر من بعض المصادر أنها كانت ست سنوات ثم هبط إلى الأرض فيكون عمره 936 سنة . 930 منها على الأرض . راجع تواريخ الأنبياء : 15 ـ وفي الأنبياء حياتهم وقصصهم : 73 عن السيد ابن طاووس أن عمر آدم عليه السلام 1030 سنة من وقت نفخ الروح إلى وفاته وعليه فإنه عاش في الجنة مائة سنة ، والله العالم .
(3) الموافق لعام (6052 ق.م) .
(4) توفي آدم يوم الجمعة في السادس من نيسان في مكة في الساعة التي خلق ودفنه ابنه شيث في منى بمكان مسجد خيف ثم ان نوح استخرجه ودفنه بالنجف الأشرف في مكان مرقد الإمام علي عليه السلام ، على رواية الإمامية .
(5) الموافق لعام (5150 ق.م) ، وكان وفاة حواء بعد سنة من وفاة آدم .
(6) قيل أن الفرق بين النبي والرسول أن الرسول هو الذي ينزل عليه الوحي من قبل الله تعالى برسالته أو بكتاب أو صحيفة أو أمر أو نهي أو غير ذلك ويكون بسبب ذلك مبلغاً عن الله تعالى ويهديه وينكت في قلبه ما يهديه الله تعالى منه على صفة اليقين من غير شك ولا حدس ولا خيال ـ راجع الأنبياء حياتهم وقصصهم : 10 ـ وعدد الأنبياء (124000) نبياً وعدد المرسلين منهم (330) رسولاً ، ويتبين من ذلك أن بين الرسول والنبي عموم وخصوص من وجه فكل رسول نبي ولا عكس .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 55

عليه أول شريعة سماوية ويذكر أن عدد الصحف التي نزلت عليه كانت إحدى وعشرين صحيفة(1) ورغم ذلك لم يكن من أولي العزم .
ومن الجدير ذكره أن الحضارة والثقافة بدأت مع الأنبياء حيث كان جبرئيل(2) يعلمهم وهم بدورهم يعلمون الناس بالإضافة إلى تعاليم دينهم من عقيدة وشريعة(3) .
وكانت شريعة آدم بدائية حيث لم يكن بعد على وجه الأرض ذلك الكم الهائل من الإنس(4) وكانت الأحكام تنزل على الأنبياء حسب حاجة الناس إليها مواكبة التطور البشري إلى أن اكتملت صورتها الأولى في عهد نوح عليه السلام وكانت شريعته من الشرائع التي يمكن تطبيقها في كل المجالات في تلك العهود ، ثم تطورت في عهد النبي إبراهيم عليه السلام والذي أضيف إلى شخصه صفة أخرى بالإضافة إلى النبوة والرسالة ، أنه إمام وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى . وجاء في الحديث : في صحف آدم دلائل الله وفروضه وأحكامه وشرائعه وسننه وحدوده(5) .
وقد بينت شريعة آدم معظم الأسس العقائدية والأخلاقية ومعاملة الناس فيما بينهم وهي في الحقيقة لا تعد شريعة مستقلة عن شريعة نوح بل

(1) وقد ورد في الحديث أن الكتب المنزلة من قبل الله سبحانه وتعالى إلى رسله (104) صحيفة نزل (21) منها على آدم و(50) على شيث بن آدم ، و(29) على إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم وانزل على إبراهيم بن تارخ بن ناحور (20) صحيفة منها وانزل على موسى بن عمران التوراة ، وعلى عيسى بن مريم الانجيل وعلى داود بن إيشا من ولد يهوذا الزبور ، وانزل القرآن على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن هنا يظهر أن الشرائع السماوية بل الكتب المنزلة على الأنبياء والرسل جاءت احداها لتكمل الأخرى وتطورها .
(2) جبريل : من الملائكة المقربين ، وهو ملك الوحي ، وكان الرابط بين الخالق وأنبيائه ، ولَهُ دور كبير في نقل الشريعة .
(3) نذكر على سبيل المثال : تعليم الدفن لابن آدم ، والغسل والكفن والصلاة لشيث والخياطة والكتابة لإدريس واستخدام الحديد لداود وصناعة السفن لنوح وغيرها .
(4) جاء في تاريخ الأنبياء : 15 «إن عدد أبناء آدم وأحفاده بلغ في عصره أربعون ألفاً» .
(5) سعد السعود : 37 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 56

تمهيداً لها كما سيأتي الكلام عنها(1) .
لقد أنزل الله تلك الألواح(2) عليه ليلة الجمعة في السابع والعشرين من رمضان باللغة السريانية(3) وأهم ما ورد فيها أبجدية الحياة وأسماء المسميات بالإضافة إلى فكرة التوحيد وضرورة العبادة لله ومن مظاهر العبادة آنذاك أداء الصلاة إليه جل وعلا ، ثم الطواف حول الكعبة(4) سبعاً ، كما كلف بالصلاة على الميت ودفنه ، إلى غيرها من الأعمال والأحكام ، وكان في جملة ما نزل عليه بيان أسس العلاقات .
1 ـ علاقة الفرد بخالقه .
2 ـ علافة الفرد بنفسه .
3 ـ علاقة الفرد بغيره .
فقد روى محمد بن قيس(5) عن الإمام الباقر عليه السلام قال : أوحى الله تبارك وتعالى إلى آدم عليه السلام يا آدم إني أجمع لك الخير كله في أربع كلمات : واحدة منهن لي ، وواحدة لك ، وواحدة فيما بيني وبينك ، وواحدة فيما بينك وبين الناس ، فأما التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فأجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه ، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة ، وأما التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك(6) .

(1) المصادر : بحار الأنوار الجزء الحادي عشر ، قصص الأنبياء للجزائري ، سلسلة آباء النبي ، تاريخ الأنبياء ، الأنبياء حياتهم ـ قصصهم .
(2) الألواح كانت 21 لوحاً وقد حملت كل صفحة حرفاً من الحروف السريانية (ولعلها رقم كل صفحة بحرف من تلك الحروف) والتي كانت تحتوي على 21 حرفاً ، راجع معجم المصنفات : 1/27 (من هذه الموسوعة) .
(3) راجع الأنبياء حياتهم ـ وقصصهم : 33 ، بحار الأنوار : 11/257 .
(4) لقد بنيت الكعبة في عهد آدم ثم أمر بالطواف حولها .
(5) محمد بن قيس : أبو عبد الله البجلي ، كوفي من رواة الإمامين الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام ، له كتاب قضايا أمير المؤمنين ولَهُ أصل مات سنة 151هـ .
(6) بحار الأنوار : 11/257 عن أمالي الصدوق : 608 ، كلمة الله : 347 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 57

ولما دنى أجله أوحى الله له ببعض التعاليم وفيها :
أن يا آدم قد قُضيت نبوتك واستكملت أيامك ، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك ، عند هبة الله(1) فإني لن أقطع العلم والإيمان ، وآثار النبوة من العقب من ذريتك إلى يوم القيامة ولن ادع الأرض ، إلا وفيها عالم يعرف به ديني وتُعرفُ به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح(2) .
وهناك الكثير من شريعة آدم وردت متفرقة في كتب الحديث وكلها تركز على أبجدية الحياة وعلاقة الإنسان مع نفسه وربه والناس ومن أراد التفصيل فليراجع مظانه(3) .

(1) هبة الله : هو شيث بن آدم عليه السلام ووصيّه من بعده ، روي عن الإمام الباقر عليه السلام ، قال رسول الله : إنّ أول وصيّ كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم ، وما من نبي مضى إلاّ ولَهُ وصي ، كان عدد جميع الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي ، خمسة منهم أولو العزم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن علي ابن أبي طالب عليه السلام كان هبة الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله ، أما إنَّ محمداً ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين . بصائر الدرجات : 141 ، وفي البحار : 11/44 ، أن آدم عليه السلام بعد مقتل ابنه هابيل على يد قابيل سأل ربه عز وجل أن يهب لهُ ولداً فولد لَهُ غلامٌ فسمّاه هبة الله ، لأن الله عز وجل وهبه لَهُ .
(2) كلمة الله : 103 .
(3) راجع الأحاديث القدسية للحر العاملي ، وكلمة الله ، وبحار الأنوار ، وقصص الأنبياء .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 58

شريعة نوح

ولد نوح(1) بن لمك(2) بن متوشلخ بن إدريس(3) عام 1056 من الهبوط(4) (5824 ق.هـ)(5) ونشأ على حب الخير وكان نجاراً كثير الشكر لله وكان قد قرأ في الصحف التي نزلت على آبائه ، والتي بلغت ثمانين صحيفة(6) وكان نوح يعمل بها ويرشد الناس حتى بعثه الله على أدائها للناس والعمل بها وذلك عام 1906 من الهبوط(7) (4974 ق.هـ)(8) ودعا قومه مدة 950 عاماً(9) فلم يستجيبوا له وأمهلهم الله 200 سنة(10) فعمل فيها نوح سفينته حتى إذا كان عام 3056 من الهبوط (3824 ق.هـ)(11) عاقبهم الله بالطوفان(12) وعاش بعدها نوح 500 سنة فكانت وفاته عام

(1) نوح : قيل اسمه عبد الغفار وقيل عبد الملك ، وقيل عبد الأعلى .
(2) لمك : ويكتب لامك بإشباع فتح اللام كما هو الحال في جده «يرد» يكتب «يارد» .
(3) ادريس النبي هو ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام .
(4) كانت ولادته في الكوفة وصنعه للسفينة في الكوفة وكان جده إدريس يسكن السهلة .
(5) الموافق لعام (5028 ق.م) .
(6) سبق وذكرنا أن الصحف التي نزلت على آدم كانت (21) صحيفة والتي نزلت على شيث (29) صحيفة وعلى إدريس (30) صحيفة ومجموعها تكون ثمانين صحيفة .
(7) كان عمره عند البعثة 850 عاماً .
(8) الموافق لعام (4203 ق.م) .
(9) وكان عمره آنذاك 1800 عاماً .
(10) أصبح عمره عند الطوفان 2000 عام .
(11) الموافق لعام (3088 ق.م) ، وجاء في الأنوار النعمانية : 1/360 إن ما بين الهبوط والطوفان (2250) عاماً .
(12) وكان ذلك في العاشر من رجب الموافق للتاسع عشر من شهر آذار .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 59

3556(1) من الهبوط(2) (3324 ق.هـ)(3) وكانت شريعته سارية إلى أن بعث الله النبي إبراهيم عليه السلام . إذاً فكان كتابه يحتوي على ثمانين صحيفة نزلت على آبائه الكرام بالسريانية وشريعته كانت أولي الشرائع العامة(4) .
لقد تبنت شريعته التوحيد ، فبدأ يستدل على وجود الله ووحدانيته بالدلائل العقلية حيث قال : « مالكم لا ترجون لله وقاراً ، وقد خلقكم أطواراً ، ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً ، وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً ، والله أنبتكم من الأرض نباتاً ، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ، والله جعل لكم الأرض بساطاً ، لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً »(5) .
وكان يحث قومه على مكارم الأخلاق ويؤكد على وحدانية الله حيث يقول : «أمسيت أشهد أنه ما أمسي بي من نعمة في دين أو دنيا فإنها من الله وحده لا شريك له ، له الحمد علي بها كثيراً والشكر كثيراً»(6) .
وجاء فيما أوحى إليه : «لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك واعتصموا بفضل نبوتك بأن استخلفهم في الأرض وأمكن لهم دينهم وأبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشرك من قلوبهم»(7) .
وجاء فيما أوحى إليه عند دنو أجله :

(1) توفي نوح في الكوفة ودفن في النجف الأشرف في مكان مرقد الامام أمير المؤمنين عليه السلام .
(2) عاش نوح 2500 عاماً كما وردت بذلك روايات مستفيضة .
(3) الموافق لعام (2828 ق.م) .
(4) المصادر : سلسلة آباء النبي ، تواريخ الأنبياء ، بحار الأنوار الجزء 11 ، الأنبياء قصصهم وحياتهم ، قصص الأنبياء للجزائري .
(5) سورة نوح ، الآيات : 13 ـ 20 .
(6) تفسير القمي : 2/13 ، في تفسير قوله تعالى : « ذرية من حملنا مع نوح أنه كان عبداً شكوراً » [الإسراء : 3] .
(7) كلمة الله : 62 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 60

يا نوح قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فإجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك فإني لن أقطعها كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين آدم ، ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني وتُعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيها بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر(1) .
وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : «كانت شريعة أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد وهي الفطرة التي فطر الناس عليها وأخذ ميثاقه على نوح والنبيين أن يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً وأمره بالصلاة والأمر والنهي والحرام والحلال ، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرض مواريث فهذه شريعته»(2) .

(1) كلمة الله : 104 ، راجع أيضاً تواريخ الأنبياء : 39 .
(2) تفسير العياشي : 2/144 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 61

الشريعة الحنيفية (الإبراهيمية)

نسبة إلى الحنيف وهو المايل عن الباطل أي الشرك بالله وقد قال تبارك وتعالى : « إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين »(1) وترتبط هذه الشريعة بالنبي إبراهيم عليه السلام وهو ابن تارخ بن ناحور(2) الذي ولد في الكوفة(3) عام 4637 من الهبوط(4) (2243 ق.هـ)(5) ونشأ على التوحيد في حضن امه في غار بعيداً عن أنظار السلطات الحاكمة وبعد أن تجاوزه عمره الثالثة عشر بُعث إلى الناس ليكون نبياً رسولاً .
وهاجر إلى بلاد الشام ثم إلى الحجاز وبنى الكعبة ثم رجع إلى فلسطين وتوفي بها عام 4812 من الهبوط(6) (2068 ق.هـ)(7) وليس في العالم للنبي إبراهيم عليه السلام من أتباع بشكل مستقل(8) نعم إن شريعته تعد مبدأ الشرائع الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلامية ولكن الله خص المسلمين بشرف الاتباع له عليه السلام ولشريعته حين قال : « ما كان إبراهيم

(1) سورة النحل ، الآية : 120 .
(2) ناحور : هو ابن ساروغ بن ارغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام .
(3) كانت ولادته في قرية كوتاربا أو كوثار أو فدان آرام من قرى المنطقة التي بنيت عليها الكوفة فيما بعد في العراق .
(4) وذلك في أول يوم من شهر ذي الحجة .
(5) الموافق لعام (1554 ق.م) .
(6) كانت وفاته في فلسطين ودفن في المكان المعروف باسمه اليوم «الخليل» .
(7) الموافق لعام (1384 ق.م) .
(8) المصادر : تواريخ الأنبياء ، سلسلة آباء النبي ، الانبياء حياتهم وقصصهم ، بحار الانوار الجزء 12 قصص الأنبياء للجزائري ، دائرة المعارف الشيعية العامة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 62

يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين »(1) وقال سبحانه أيضاً : « ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً »(2) وقال تعالى : « فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ، وما كان من المشركين »(3) كما قال جل شأنه : « ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين »(4) . لقد توج دعوته كغيره من الأنبياء بعبادة الله وتوحيده ، وعرفت شريعته بالسنن العشر والتي لم تنسخ إلى يوم القيامة وهي :
1 ـ حلق الرأس ، 2 ـ قص الشارب ، 3 ـ إعفاء اللحية ، 4 ـ السواك ، 5 ـ تخليل الأسنان ، 6 ـ الغسل من الجنابة ، 7 ـ تقليم الأظافر ، 8 ـ إزالة الشعر من العورة والبدن ، 9 ـ الختان ، 10 ـ الطهور بالماء(5) .
وهو الذي جاء بمناسك الحج على تفصيل ذكره المؤرخون والعلماء في مصنفاتهم(6) كما سن فريضة الخمس(7) .
وهذه السنن قد أخذ بها نبي الإسلام بأمر من الله تعالى وجاءت التسمية بالمسلمين من عنده حيث يقول الله تعالى : « ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل »(8) وسئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن صحف إبراهيم عليه السلام وما فيها فقال : كانت أمثالاً كلها وكان فيها : «أيها الملك المبتلى المغرور إني ما بعثتك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة

(1) سورة آل عمران ، الآيتان : 67 و68 .
(2) سورة النساء ، الآية : 125 .
(3) سورة آل عمران ، الآية : 95 .
(4) سورة النحل ، الآية : 123 .
(5) تواريخ الأنبياء : 66 ، بحار الأنوار : 12/7 ، راجع تفسير القمي : 1/391 ، في ذيل تفسير قوله تعالى : « ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً » [النحل : 123] .
(6) راجع علل الشرائع وتواريخ الأنبياء : 83 .
(7) تواريخ الأنبياء : 87 .
(8) سورة الحج ، الآية : 78 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 63

المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر ، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً(1) أن يكون له ثلاث ساعات : فساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر فيها صنع الله عز وجل إليه ، وساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال فإن هذه الساعة عون لتلك الساعات ، وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث : مرمّة لمعاش أو تزوّداً لمعاد ، أو تلذذاً في غير محرم... الحديث(2) .
هذه الشرائع وغيرها هي المعروفة من شرعة إبراهيم عليه السلام (3) .
ويروى أن جبرئيل(4) نزل على النبي إبراهيم عليه السلام خمسين مرة (5) .
ومن الجدير ذكره أن الشرائع السماوية العامة تأتي لتحل مكان التي سبقتها وعلى الناس اتباع اللاحق منها كما أشارت الآيات والروايات إلى ذلك ، وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة إلى شريعة نوح وإبراهيم ، وإما بالنسبة إلى اليهودية فقد استكبروا ذلك حين جاءهم النبي عيسى عليه السلام بشريعة جديدة والتي عرفت بالنصرانية وظل عدد منهم متمسكاً بشريعته بل وحاولوا القضاء على النصرانية واغتيال النبي عيسى عليه السلام فظلت الشريعة اليهودية قائمة في إطارها المحدود إلى يومنا هذا وطقوسها لا زالت منحصرة بالعبادات وقليل من الأحكام كالختان والذبح وما إلى ذلك وليست بالشكل الذي يمكنها لتكون نظام دولة وقانون حياة بغض النظر عن التحريف الذي أصابها عند وفاة نبيهم .

(1) أي مريضاً وصاحب علة .
(2) الأنبياء حياتهم وقصصهم : 131 .
(3) ولعل حمورابي أخذ شرعته كلها أو بعضها من شريعة نوح أو إبراهيم عليهما السلام على اختلاف في تاريخ ولادة ووفاة حمورابي ، حيث كانوا في منطقة واحدة ، وما جاء به حمورابي يتطابق الكثير منه مع الشرائع السماوية ، وفي العادة يستبعد أن تكون منه شخصياً في ظل تلك العصور ، والله العالم .
(4) جبرئيل : أو جبرائيل في الأصل كلمتان «جبر + ايل» وهي غير عربية وايل بمعنى الله ، وهو ملك اختص بالوحي .
(5) مجمع البحرين : 3/240 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 64

الشريعة اليهودية (الموسوية)

نسبة إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام ونبيهم المرسل هو موسى بن عمران بن وهيب بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام .
ولد موسى عليه السلام في مصر عام 5312 من الهبوط(1) (1568 ق.هـ)(2) وما أن بلغ الأربعين(3) من عمره بعثه الله تبارك وتعالى ليكون نبياً رسولاً وأنزل عليه ألواح التوراة بالعبرانية وأنقذ بني إسرائيل من فرعون مصر(4) .
وتوفي في التيه(5) عام 5438 من الهبوط(6) (1442 ق.هـ)(7) ودفن في جبل مِرانْ(8) وتطلق على شريعته باليهودية والموسوية ، واتباع النبي موسى عليه السلام لا زالوا منتشرين في العالم(9) .
وكانت شريعته على التوحيد ، وسئل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن صحف

(1) أي بعد وفاة إبراهيم بـ 500 سنة .
(2) الموافق لعام (899 ق.م) .
(3) بحار الأنوار : 13/17 .
(4) في البحار : 13/369 ، أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قبر موسى عليه السلام فقال : عند الطريق الأعظم ، عند الكثيب الأحمر .
(5) التيه : يقع في قرية يقال لها سيحان ، وهي قرية من قرى مدينة مآب في البلقاء وقصبتها عمان ، تقع في أطراف الشام الكبرى .
(6) وقد عاش كما في الروايات المستفيضة 126 سنة .
(7) الموافق لعام (777 ق.م) .
(8) مِران : جبل يقرب من جبل الشراء مما يلي الطور وقبره في مغارة .
(9) المصادر : حياة موسى ، بحار الأنوار الجزء الثالث عشر ، تواريخ الأنبياء ، الأنبياء حياتهم ـ قصصهم ، قصص الأنبياء للجزائري ، دائرة المعارف الشيعية العامة ، الموسوعة العربية الميسرة ، المنجد في الأعلام .

السابق السابق الفهرس التالي التالي