دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 91

القائمة حالياً هو أن اليهود هم شعب الله المختار وأفضليتهم على سائر العشوب ، وأما شريعتها فتعالج بعض الأحكام الفردية والطقوس الدينية .
وأما الفلسفة الفكرية من وراء الشريعة المسيحية القائمة حالياً كامنة في التسامح المطلق والغفران بلا حدود لكل أبنائها ، وأما شريعتها فتعالج الطقوس الدينية فحسب .
بينما الفلسفة الفكرية من وراء الشريعة الإسلامية قائمة على سواسية الإنسان بشكل عام وتميزه بما يحمله من فكر وعقيدة ، ونظام الإسلام قائم على المصالح والمفاسد بالنسبة إلى الفرد والمجتمع ، وشريعته تشمل كل مجالات الحياة (الفردية والاجتماعية) ، كما لا يختص بقوم أو بآخر ولا بمحيط جغرافي أو قومي محدد بل جاء ليكون نبراساً لكل البشرية .
وقد اشتهر بأن المسلمين منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تفرقوا إلى 73 فرقة(1) بعضها مذاهب عقائدية وبعضها الآخر مذاهب فقهية إلا أنها انحسرت بمرور الزمان أو خرجت من ربقة الإسلام وبما أن الحديث منصب على الشريعة الإسلامية فسنأتي على ذكر الفرق والمذاهب إن شاء الله تعالى .
وأما عن مصادر التشريع فهي موزعة على الفصول التي تتحدث عن المذاهب الفقهية التي سنأتي على تفصيلها .
وقد روي أن جبرئيل نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أربعة وعشرين ألف مرة(2) ، ولعل في ذلك دلالة على الأكملية .

(1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ستفترق أمّتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمّتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام . بحار الأنوار : 2/312 .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : تفرَّقت أمة موسى عليه السلام على إحدى وسبعين ملّة سبعون منها في النار ، وواحدة في الجنة ، وتفرقت أمّة عيسى عليه السلام على اثنتين وسبعين فرقة إحدى وسبعون فرقة في النار ، وواحدة في الجنّة ، وتعلو أمّتي على الفرقتين جميعاً بملة واحدة في الجنّة ، وثنتان وسبعون في النار . قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال : الجماعات الجماعات ، راجع بحار الأنوار : 28/3 .
(2) مجمع البحرين : 3/240 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 92

شرائع أخرى

هناك شرائع أخرى تدعي ارتباطها بالسماء أو بالعالم الروحاني ولكنها ليست مما يشملها بحثنا ولذلك سنوجز الحديث عنها وهي :

1 ـ المجوسية :

عرفوا بأنهم أتباع زرادشت(1) الذي كان في القرن 13 ق.هـ (6 ق.م)(2) وعرف عن عقائدهم أنهم يؤمنون بمبدأين النور والظلمة المعبّر عنهما بيزدان (الأزلي القديم) واهرمن (المحدث المخلوق)(3) كما عرفوا أنهم يعبدون النار باعتبارها مصدر الخير حيث يتقربون بها إلى الله « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى »(4) ومن احكامهم المنحرفة عن أصولها جواز نكاح المحارم كالأمهات والأخوات والبنات والخالات والعمات(5) .
آمنوا بالنبي آدم عليه السلام واعترفوا بالنبي إبراهيم عليه السلام واختلف في كونهم من أهل الكتاب على قولين ففي الحديث أن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب فحرقوه(6) .

(1) زرادشت : هو ابن پوردشسب بن قيدارست بن اربكردشت بن هجنددست بن حجيس ويرجع بنسبه إلى منوجهر الملك ، ولد في أذربيجان ، وقيل أنه من أهل فلسطين وكان خادماً لبعض تلامذة النبي إرميا ثم ذهب إلى أذربيجان وبلغ للمجوسية . وكانت مدة نبوته لدى الفرس 35 سنة ومات عن 77 سنة ظهر في عهد الملك لهراسب . دائرة المعارف : 9/198 ، راجع تاريخ الطبري : 1/317 .
(2) فرهنك فارسي : 5/648 .
(3) الملل والنحل : 1/278 .
(4) سورة الزمر ، الآية : 3 .
(5) مجمع البحرين : 4/105 ، معارف ومعاريف : 5/1988 .
(6) سفينة البحار : 2/537 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 93

أكثر أتباعها الفرس وذلك بعد أن آمن بها الملك كشتاسب بن لهراسب(1) ويطلقون على علمائهم بالموبذ أو الموبذان(2) وأشهر طوائفهم الكيومرثية نسبة إلى كيومرث (آدم عليه السلام) ، والزروانية اتباع زروان والزردشتية أتباع زردشت(3) ، بدأ انحسار المجوس بظهور الإسلام وتعد اليوم من الأقليات في إيران .

2 ـ الصابئة :

قيل هم من أتباع صابئ بن شيث بن آدم عليه السلام ويدعون أنهم على دين نوح عليه السلام ثم انحرفوا إلى عبادة النجوم والكواكب أو الملائكة(4) وقيل إنهم طائفة بين اليهودية والنصرانية في العقيدة ، تواجدوا في شمال العراق وأجزاء من سوريا المجاورة للعراق وفي جنوب إيران(5) أنكروا دور الأنبياء باعتبارهم بشر ولا بد للرسول أن يكون روحانياً ، ومن أحكام شريعتهم الغسل من الجنابة ومس الميت وحرموا أكل لحم الخنزير والجزور والكلب والطيور ذات المخالب والحمام ، ونهوا عن شرب المسكر والخمر والجمع بين الأختين في النكاح ووضعوا شروطاً قاسية للطلاق ، كما نهوا عن الختان(6) وقالوا بالحلول ولهم صلوات وصوم ، ومن أشهر طوائفهم

(1) كشتاسب بن لهراسب : قيل أن هذا هو نفس هستاسب والد دارا الأول من نسل أخيمينيذة وقد ملك دارا الأول أو (داريوس) ما بين 1180 ـ 1144 ق.هـ (521 ـ 486 ق.م) ، وفي لغت نامه : 39/327 : أنه گشتاسب بن لهراسب بن أروندشاه بن يشين بن كي قباد خامس ملوك الدولة الكيانية ، وفي تاريخ الطبري : 1/316 أنه بشتاسب وأنه حكم مدة 112 عاماً .
(2) دائرة المعارف الشيعية العامة : 16/121 ، وفي لغت نامه : 45/27 بالدال ، ورئيس الموبدان بمقام بابا المسيح ، وهو قاضي قضاة المجوس ، وللموبد نفوذ كبير في الدولة وهو بعنوان المستشار الروحي ولَهُ أن يقيم محكمة خاصة بمحاكمة أعداء السلطان أو الملك .
(3) دائرة معارف القرن العشرين : 8/450 ، الملل والنحل : 1/278 ، أديان ومذاهب : 2/852 .
(4) مجمع البحرين : 1/259 .
(5) معارف ومعاريف : 3/1378 .
(6) دائرة المعارف الشيعية العامة : 11/205 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 94

الخربانية(1) ولغة دينهم السريانية(2) ولا زالت تجمعاتهم قائمة في العراق إلى يومنا هذا وقد انتقلوا إلى جنوب العراق .
وكتابهم المقدس يعرف بـ (الكنزا)(3) ويدعون أنه الصحف التي نزلت على آدم عليه السلام ، ويرون بأن يحيى نبي غير مرسل جاء لتخليص الدين من الأمور الدخيلة(4) ويعتقدون أنه دفن في تستر بإيران ويقدسونه ويعتبرونه المسيح ، ولهم كتب أخرى يعتمدونها في التشريع بالإضافة إلى كنزا وهو كتاب «سدرة» المنسوب إلى النبي يحيى عليه السلام ، وكتاب القلستا ، وكتاب سدرا ، كتاب الديونان وكتاب اسفرملواشتة ، وكتاب الأنيابي ، وكتاب تفسير بعزة ، إلى غيرها من الكتب ، ولهم فرق وطوائف .

3 ـ البوذية :

نسبة إلى بوذا معرب بودا وهي كلمة سنسكريتية تعني العالم الكامل أو العاقل النبيه اتصف بها مؤسس البوذية سيدرثا(5) عندما نفر الماديات والتجأ إلى المعنويات فاعتزل القصر الملكي والناس ، وبعد رياضة روحية . توصل إلى القول بتناسخ الأرواح ، وقال : إن الإنسان لا بد وأن يطهر نفسه من الرذائل فإن لم يفعل فسوف تعاد روحه بعد موت جسده إلى جسد آخر

(1) دائرة معارف القرن العشرين : 5/431 .
(2) معارف ومعاريف : 3/1378 ، إلى جانب اللغة المندائية راجع كتاب أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية لعزير سباهي .
(3) جاء في أصول الصابئة المندائيين : 19 ، «كنزاربّا» ويذكر أن من أهم كتبهم كتاب «حرّان گويتا» ، كما لهم ستة مجموعات تحتوي على طقوسهم وأدبهم الديني ـ راجع أصول الصابئة المندائيين : 13 ـ 16 .
(4) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 1/121 عن (الصابئون) : 55 .
(5) سيدرثا : هو ابن سودورنا ساكيا ولد في القرن 15 ق.هـ (أواخر القرن الثامن ق.م وقال بعضهم أن ولادته كانت عام 561 ق.م) وذلك في مدينة كابيلا فاستو الهندية وكان والده ملكاً لتلك الأصقاع وأمه مايادوما بنت الملك سوبرا . وفي الموسوعة العربية الميسرة : 1/426 : أن بوذا تعني المتنور . أنه ولد حوالي 1224 ق.هـ (564 ق.م) وتوفي حوالي 1148 ق.هـ (483 ق.م) ، وهو ينتسب إلى أسرة عريقة تسمى جوتاما من طبقة الكشاتريا .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 95

ليكابد حتى تتطهر وألا أعيد ثانية وثالثة حتى يتطهر ، وبنى عقيدته هذه على أربعة أمور :
1 ـ أن الألم من لوازم الوجود ، ويعبر عندهم بـ «دوكا» أي الألم .
2 ـ أن الرجوع إلى هذه الدنيا سببه عدم التخلص من الشهوات والذنب في حياته السابقة ويعبر عندهم بـ «سمودايا» أي الشهوات .
3 ـ أن الخلاص من أثر الشهوات هي الوسيلة الوحيدة للنجاة من العودة إلى الحياة ثانية ويعبر عندهم بـ «ناكا» أي التخلص من الشهوات .
4 ـ وجوب حيولة النفس عن العقبات التي تحول بينه وبين الخلاص من شهواته ويعبر عندهم بـ «مرگا» أي طريق الإصلاح(1) .
ومن مقولاته أن على الإنسان أن ينظم نفسه من خلال ثمانية أمور : الإيمان الطاهر ، الإرادة الطاهرة ، الكلام الطاهر ، العمل الطاهر ، المعاش الطاهر ، السعي الطاهر ، الخاطر الطاهر والفكر الطاهر .
ومن أحكامهم عدم جواز القتل ، عدم إيذاء الإنسان والحيوان ، النهي عن السرقة والحسد والزنا والرشوة والسكر .
ولهم كتاب مقدس باسم پي تاكاس(2) إلا أنه ليس منزلاً ، وأخذ سيدرثا ينشر دعوته التي ما زالت شائعة في بلاد الصين الكبرى وبعض بلاد الهند الكبرى والتي انحسرت عن الاخيرة بشكل عام ، ويعزى نشر عقيدته إلى أمرين ، الأول : انغماس الناس في الماديات إلى حد النفور منها ، والثاني التزامه بما يدعو إليه حتى لم يعهد أنه حاد عنها يوماً ولكن بمرور الأيام دخل الكثير من التحريفات على العقيدة الأولى كما هو الحال في أغلب الأديان والأنظمة .
ومن أشهر فرقهم :
1 ـ هينايانا أكثر تواجدهم في سيلان وبورما ، وهم أقلية وترى أن مصير الإنسان إلى العدم المطلق .

(1) راجع دائرة معارف القرن العشرين : 2/384 ، وأديان ومذاهب : 2/1178 .
(2) أديان ومذاهب : 2/1187 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 96

2 ـ ماهايانا وهي أكثر شيوعاً من بقية الفرق ، وترى أن مصير الإنسان إلى النعيم أعني الجنة .
3 ـ لاما وأكثر تواجدهم في التبت ويقال إن من أحكامهم أن كلا الجنسين يحق لهم التعدد في الزواج(1) إلى غيرها من الأديان والمذاهب والتي حكمت العالم ولا زالت لها وجود منها :
الهندوس(2) والسيخ(3) في الهند ، ومن أديان أهل الصين القديمة والحديثة وبما أنها لا ترتبط بمباحثنا تركنا الحديث عنها جملة وتفصيلاً ، ولكن الذي يستحق ولو بإيجاز دراسته أو استعراضه هو شريعة حمورابي .
تحتوي شريعة حمورابي(4) على 285 بنداً وهي مجموعة قوانين لتنظيم الحياة الاجتماعية في مملكته ، ففيها عن الحرب ، الأحوال الشخصية ، القضاء ، المعاملات ، العمل ، والرق .
وجاء في شريعته(5) أن الناس ثلاثة أصناف ، أما حر أو متحرر (معتوق) أو عبد ، كما قسَّم الشعب البابلي إلى أربع طبقات .

(1) أديان ومذاهب جهان : 2/1189 .
(2) الهندوس : أو الهندوك ، نسبة إلى الهندوس المنطقة والنهر ، أتت ديانتهم مع اوائل الآريين الذين جاؤوا قبل الهجرة بحدود 2700 عاماً أي مع بدء تاريخ الهند الحقيقي ، وليست لهم قوانين ثابتة ، ولهم بعض الكتب القديمة مثل الفيدا والبرهمانا والبجفادجيتا ، وهي مجموعة شروح دينية ، وآلهتهم كثيرة منها فاروتا (إله السماء) واجنى (إله النار) وسوريا (إله الشمس) ولا كشمى (إله الحظ) إلى غيرها ، ومسلمو الهند أكثرهم من أصول هندوسية .
(3) السيخ : أو السيك ومعناه في الأصل التلميذ ، وهم طائفة انفصلت عن الهندوسية اتبعت تعاليم كردنانك (771 ـ 945هـ) المؤسس للسيخية . وأكثر تواجدهم في اقليم پنجاب ، وتولى المؤسس وخلفاؤه الثمانية رئاسة الطائفة ولقبوا بالكور ومعناه المعلم ، أخذوا تعاليمهم من الإسلام والهندوسية والبوذية ، اعلنوا عن محاربتهم للطبقية التي كانت تمارسه الهندوسية .
(4) حمورابي : سادس من حكم من السلالة البابلية الأولى ، ما بين 2425 ـ 2382 ق.هـ (1728 ـ 1886 ق.م) اعتماداً على كتاب دليل المتحف العراقي حيث أن هناك اختلافاً في تعيين فترة حكمه ، جاء بعد «سن مبلط» وخلفه «سمسو إيلدنا» .
(5) راجع لغت نامه : 18/173 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 97

1 ـ العلماء ، 2 ـ التجار ، 3 ـ الجيش ، 4 ـ موظفو الدولة .
وعدَّ في شريعته من الجريمة : السرقة ، الرشوة ، كما سنَّ المقاضاة لكل من التهمة والحلف الكاذب ورشوة القاضي وشراء شاهد الزور .
ومن سننه في الأحكام القصاص وفيه : العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص .
كما ذكر بأن الناس سواسية أمام القانون ، وأن المولى لا يحق له مجازاة عبده إلا أمام القضاء .
وورد في الأحوال الشخصية : أن المهر من سنن الزواج ، ولا بد من تدوينه بالدوائر الخاصة ، وإذا طلق الرجل المرأة عليه أن يرد المهر إليها ، كما منع تعدد الزوجات إلا إذا كانت الأولى عاقراً ، ومع ذلك فالزواج الثاني يعد عرفياً .
وإذا خانت المرأة زوجها يحق لَهُ طردها أو أن يستعبدها ، وإذا أُسر الزوج في الحرب فلها الحق بأن تتزوج .
ومن شريعته في التجاة أجاز بيع العين بالعين والعين بالنقد(1) .

(1) ويفهم من ذلك منعه لبيع النقد بالنقد ، وهي تشمل عدداً من المعاملات منها ما هي محظورة وأخرى جائزة شرعاً في الإسلام .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 98

نظرة فقهاء القانون إلى مصدر التشريع

بعد الجدل الصاخب الذي أثير بين الفلاسفة من جهة وبين أرباب القانون من جهة أخرى حول المصادر المادية للقانون التي اعتمدتها الأنظمة الحاكمة منذ أن نشأت وحتى يومنا هذا حاول بعض الأخصائيين بالقانون (النظام) تحديد المصادر المادية للقانون بشكل رئيسي في ثلاث فلسفات أو مدارس :

المدرسة المثالية

وتسمى بالقانون الطبيعي أيضاً وهي تستند على الاعتقاد بوجود قيمة عليا تسمو على جميع القيم وتحتويها وهي قيمة العدل ومن شأن القانون إقامة العدل بين الناس وتطبيق ما يوجب ذلك ونبذ ما لا يوجب خلافه مصنفوا بعض الشرائع السماوية منها وتعتبر هذه المدرسة من أقدم المدارس التشريعية .
ورغم اتفاق أنصار هذه المدرسة على الفكرة الأساسية إلا أنهم اختلفوا حول كيفية التعرف على القانون اختلافاً يتبع في الواقع من نظرتهم الشاملة للكون (الخلق) فالبعض يرى أن العقل هو الطريق الموصل إليه والبعض الآخر يرى أن الوحي هو الطريق الموصل إليه ، وثالث يرى أن الفطرة هي الطريق الموصل إليه .
فاتباع الاتجاه العقلي يَرَوْنَ أن العقل الإنساني إذا ما تجرد عن الهوى والمصلحة قادر على كشف وصنع القانون للسلوك البشري وهذا الاتجاه يجد دعاته الأوائل في فلاسفة اليونان وقد تأثر بهم فلاسفة الرومان عند غزوهم لبلاد اليونان .
وقد وجدت فكرة القانون الطبيعي العقلي طريقها إلى إلى الظهور والانتشار مرة أخرى في القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجري (17 و

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 99

18 م) وذلك عندما اتخذ الفيلسوف الهولندي جروسيوس(1) (991 ـ 1055 هـ) منها أداة لمحاربة طغيان الدولة في عصره وعرف هذا القانون بأنه «القاعدة التي يوحي بها العقل القديم والتي بمقتضاها تحكم بالضرورة أن عملاً يعتبر ظلماً أو عدلاً وفقاً لمخالفته أو موافقته للمعقول» وقد انتصر لهذا الاتجاه الألماني «عمانويل كانت»(2) (1137 ـ 1219 هـ) .
بينما الاتجاه الوحيي نشأ عن الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق الطبيعة وخالق قوانينها المادية والاجتماعية والوسيلة الوحيدة للوصول إليه هو الوحي الذي يتم عبر الأنبياء والرسل ونزول الكتب السماوية ، ومن أنصار هذه النظرية أرباب الكنائس في القرون الوسطى 2 ـ 9 هـ (5 ـ 15 م) غير أن بعضهم كالفيلسوف المسيحي سانت تومات الأكويني(3) (622 ـ 673 هـ) حاول التوفيق بين فكرة القانون السماوي وفكرة القانون العقلي الموروثة عن فلاسفة اليونان فقسم القانون إلى ثلاث : القانون الإلهي ، القانون الطبيعي (العقلي) والقانون الوضعي أو الإنساني ـ أي من وضع الإنسان ـ فالإلهي يتم عن طريق الوحي والشعور ، والطبيعي ما يدركه العقل من نصوص القانون الإلهي ، والوضعي ما يضعه الإنسان مستلهماً من القانون الطبيعي (العقلي) .
وأما أنصار الاتجاه الفطري فيرون أن الإنسان عاش على ظهر البسيطة عصرين عصر الفطرة وعصر المجتمع المنظم ، ففي الأولى عاش في حالة حرية كاملة (مطلقة) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ولدى الانتقال

(1) جروسيوس : هو هوجو جروسيوس أو (جروشيوس) (1583 ـ 1645م) ، تزعم مدرسة القانون الطبيعي وقانون الشعوب في الأزمنة الحديثة ، ويعتبره الكثيرون أب القانون الدولي العام ، له كتاب (قانون الحرب والسلام) .
(2) عمانويل : ويلفظ عمانوئيل أيضاً واسمه كانت 1137 ـ 1219هـ (1724 ـ 1804م) ، وهو فيلسوف ، من مصنفاته نقد العقل النظري ونقد العقل العملي ونقد الحكم العقلي .
(3) سانت : وهو قديس وفيلسوف لاهوتي (1225 ـ 1274م) ولد في إيطاليا ويطلق عليه توما أيضاً ، اطلع على آراء ابن سينا والغزالي وابن رشد ، من مصنفاته : الخلاصة اللاهوتية والخلاصة ضد الأمم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 100

إلى عصر المجتمع المنظم تم بمقتضاه تنازل كل فرد عن جزء من حريته للحاكم الذي ملك السلطة على الجميع بغية الخروج من فوضى الحرية المطلقة ، وعليه فالقانون في النهاية ليس إلا تعبيراً عن إرادة أفراد المجتمع في صورتها الكلية والالزام به ليس إلا إلزاماً بهذه الإرادة .
ومن المعروف أن الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثاني عشر الهجري (18 م) قد اتخذت من فكر مدرسة العقد الاجتماعي عقيدة لها فجاءت مواثيقها المختلفة وتشريعاتها مصطبغة بهذه الفلسفة معبّرة عنها .
وكل هذه الاتجاهات الثلاثة والتي تنضم تحت لواء المدرسة المثالية (الطبيعية) تتخذ من العدل والمساواة شعاراً لها ، ولكن يختلف مفهومها باختلاف أطرافها فتتأرجح بين العدل المطلق والعدل المتغير ، وبين المساواة المطلقة والمساواة النسبية حسب متطلبات العصر وذلك لأن العدل ـ ناموس القانون المثالي (الطبيعي) قبل القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجري (17 و18 م) ـ كان متصفاً بالخلود الزماني ووحدوية المكان والمعبر عنه بالعدل المطلق ، ولكنها بعد ذلك تعارضت مع مقتضيات الحياة الاجتماعية التي لا تثبت على حال ولا تتماثل في المجتمعات مما جعل أرباب القانون في ألمانيا كـ«ستاملر»(1) وفي فرنسا كـ«سالي»(2) إلى القول : بأن «القانون قانون ثابت واحد في فكرته متغير متعدد في مضمونه» وعرفت هذه النظرية بنظرية القانون الطبيعي ذي المضمون المتغير ومع هذا فلم يلقَ قبولاً لدى الآخرين .
وأما بالنسبة إلى المساواة بين الناس والذي مبدؤه العدل فإنهم لدى التطبيق في ظل المجتمع واجهوا مشكلة في كيفية تعامل الفرد مع الفرد أولاً ، والفرد مع المجتمع ثانياً . وذلك لأن الإنسان في المجتمع يكون كعامل أصيل في الحياة الاجتماعية بجانب أفراد هذا المجتمع فتكون لهم حقوق قِبَلَهُ ويكون له حقوق قِبَلهم وينتج من ذلك صور ثلاث :
1 ـ حقوق الإنسان الفرد قِبَل الإنسان الفرد الآخر .

(1) ستاملر :
(2) سالي :
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 101

2 ـ حقوق الإنسان الفرد قِبَل الإنسان المجتمع .
3 ـ حقوق الإنسان المجتمع قِبل الإنسان الفرد .
وفي تحديد كل هذه الحقوق على مبدأ المساواة اختلف أنصار المدرسة المثالية إلى نظريات وأقوال : فذهب معظمهم إلى أن العدل يختلف مفهومه باختلاف أطرافه : «من يجب له الحق ومن يجب عليه ؟» تأسيساً على أن مفهوم المساواة ذاتها يتغير بتغيير الأطراف وقالوا بالعدل التبادلي والعدل التوزيعي والعدل الاجتماعي .
فالعدل التبادلي يقوم على فكرة التقابل كلما كان الحق واجباً للإنسان الفرد على الإنسان الفرد الآخر .
والعدل التوزيعي يقوم على فكرة المنح أو العطاء كلما كان الحق واجباً للإنسان الفرد قِبَل الإنسان المجتمع ذاته بعدما يملكه من منافع .
والعدل الاجتماعي يقوم على فكرة الإسهام في الأعباء الجماعية كلما كان الحق واجباً للمجتمع على الإنسان الفرد بصدد ما يحتاجه المجتمع من إسهام من قبل أفراده .
وذهب القلة من أنصار المدرسة المثالية (القانون الطبيعي) إلى تحديد مفاهيم العدل ليس انبعاثاً من ثلاثية الحقوق ـ كما سبق ـ وإنما انبعاثاً من ثنائية العلاقات التي تقوم فيها هذه الحقوق وثنائية المساواة التي تقوم عليها ، فالعدل يقوم بين الفرد والفرد ، وبين الفرد والمجتمع .
فالعدل الذي يقوم بين الفرد والفرد أساسه المساواة الحسابية المطلقة بينما العدل الذي يقوم بين الفرد والمجتمع فأساسه المساواة النسبية سواء تعلق الأمر بحقوق الفرد قبل المجتمع أو تعلق بحقوق المجتمع قبل الفرد .
وعليه فالعدل عدلان لا ثلاثة : العدل التبادلي ، والعدل التوزيعي والذي يشمل العدل الاجتماعي السابق الذكر ، ويسمى الأول بالعدل الخاص لأنه يقوم بين فردين ، والثاني يسمى بالعدل العام لأنه يقوم بين الفرد والمجتمع .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 102

المدرسة الواقعية

وتسمى أيضاً بالمدرسة التجريبية وفلسفتها تكمن في الاعتراف بالواقع الملموس(1) وتنكر كل تصور فكري مجرد لا يكون له وجود في العالم المادي الملموس وترفض كلما يمت إلى المعنويات بصلة وتبحث عن مادة القانون (النظام) في الواقع الملموس عن طريق المشاهدة والتجربة ويصنف المذهب الاشتراكي والشيوعي منها ، ويعود تاريخها إلى أيام الثورة الصناعية ونزعتها المادية العلمية في القرن الثالث عشر الهجري (19 م)(2) ورغم اتفاق أتباع هذه المدرسة في أن القوانين الوضعية في المجتمعات خاضعة للتطور نتيجة لتطور واختلاف القيم السائدة في تلك المجتمعات وبالتالي فإن القانون هو وليد البيئة الاجتماعية وتعبير عنها إلا أنهم اختلفوا في مدى مصداقية تلك النتائج إلى مذاهب ثلاث .
المذهب الأول (الحتمية) وهو المذهب الذي اختاره الماركسيون في تعاملهم مع النتائج الحاصلة من البيئة حيث يرون بأن القانون الوضعي هو نتيجة حتمية للبيئة الاجتماعية ويبنون فلسفتهم في وضع القانون على :
1 ـ ان القانون تابع للبنية الاقتصادية المتمثلة في الأساليب الاقتصادية وقوى الإنتاج التي تستخدم هذه الأساليب وعلاقات الإنتاج الناشئة عنها .
2 ـ أن أساليب الإنتاج تتغير وتتطور عبر التاريخ مما تتغير معها قوى الإنتاج من جهة وعلاقات الإنتاج من جهة أخرى وعليه فيتغير القانون الذي هو تابع للبنية الاقتصادية .
3 ـ أن التغيير إنما يحدث بالتناقض بين أساليب الإنتاج القائمة وبين أساليب الإنتاج المستحدثة ومن الطبيعي أن الغلبة للأساليب المستحدثة باعتبارها أساليب متقدمة ومتطورة .

(1) راجع فلسفتنا : 66 .
(2) يقول الصدر في كتابه فلسفتنا : 85 «أما المدرسة الوضعية في الفلسفة فقد اختمرت بذرتها خلال القرن التاسع عشر الذي ساد فيه الاتجاه التجريبي فنشأت في ظله ، ولذلك شنت هجوماً عنيفاً على الفلسفة بالتهم ومواضيعها الميتافيزيقية...» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 103

4 ـ أن الصراع يبدأ بين أنصار الأساليب القديمة المستفيدة من العلاقات التي تقوم عليها وبين أنصار الأساليب الحديثة المستفيدة من التغيير وهذا الخلاف يُكوَّن طبقتين في المجتمع ومآله إلى صراع اجتماعي والذي ينتج عنه صياغة للقانون ووضعه .
وحاصل هذا الاتجاه يعود إلى شيئين :
الأول : وجود علاقة بين القانون وبين البنية التحتية .
الثاني : أسبقية المادة على الفكر .
المذهب الثاني (التلقائي) بدأ هذا الاتجاه بالقول بأنّ القانون يرتبط بالبيئة الاجتماعية وتبلور شيئاً فشيئاً إلى أن جاء سافيني(1) الألماني خلال القرن الثالث عشر الهجري (19 م) الذي قام بمحاربة القانون الطبيعي العقلي الذي طبق في فرنسا فذهب إلى أن القوانين ينبغي أن تتناسب وطبيعة البلاد ومركزها واتساعها ونوع الحياة التي تحياها الشعوب ودين السكان وميولهم وأخلاقهم وعاداتهم .
وقد ادعى بعضهم بأن الأصول البدائية لهذا الاتجاه والذي يعرف بالمذهب التاريخ أيضاً ترجع إلى ابن خلدون(2) المتوفى عام 808هـ(3) وقد تبلور على يد الفرنسي منتسكيو(4) ثم بورتاليس(5) الفرنسي وبما أن

(1) سافيني : هو فردرك كارل فون 1193 ـ 1278هـ (1779 ـ 1861م) ، فقيه ومؤرخ قانوني ، يعتبر مؤسس المدرسة التاريخية في القانون ، من مصنفاته تاريخ القانون الروماني في العصور الوسطى .
(2) ابن خلدون : هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون (732 ـ 808هـ) ، تونسي المولد والمنشأ ، تولى قضاء المالكية في مصر ، من مصنفاته ، العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر في سبعة مجلدات أولها مقدمة ابن خلدون المشهور ، شرح البردة وكتاب الحساب .
(3) النظرية العامة للقانون : 148 .
(4) منتسكيو : ويلفظ مونتسكيو وهو شارل لوي دي سكوندا 1101 ـ 1169هـ (1689 ـ 1755م) كاتب وفيلسوف ، من مصنفاته : روح القوانين والرسائل الفارسية ، وهو ممن نادى بالفصل بين السلطات والديمقراطية النيابية .
(5)بورتاليس
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 104

سافيني الألماني المتأخر عنهما هو الذي أشاعه ، فقد عرف به .
وانطلاقاً من القول بأن القانون ينبع من البيئة الاجتماعية ذاتها ويتطور بتطورها ويختلف باختلافها فقد قرر أنصار هذا الاتجاه التاريخي أن القانون يتكون تلقائياً في ضمير المجتمع نتيجة تفاعل العوامل المختلفة التي تؤثر فيه على مر الزمان لا نتيجة للتدخل الواعي المحسوب على الإرادة البشرية ، وعليه فقد اعتمدوا على أمور أربعة :
1 ـ عدم الأخذ بتطور ضمير الجماعة ذاته وما يفرزه من قيم ، وعدم التدخل الصناعي من الإرادة الإنسانية كي لا يفسد سيرها الطبيعي التلقائي .
2 ـ سيادة العرف كطريق لتكوين قواعد القانون وذلك لأن العرف يتمثل في سنن يجري الناس تلقائياً على اتباعها .
3 ـ اقتصار دور المشرِّع على تسجيل الضمير الجماعي ومتابعة تطوره بهدف إيضاح ما يفرزه من قواعد وضبطها .
4 ـ اختصاص كل جماعة بقانونها الخاص وصبغتها نتيجة لاختلاف ما يتفاعل في ضمير كل جماعة من عوامل .
والاعتماد على هذه الأمور الأربعة يعني أن تكوين القانون ووضعه لا بد وأن يكون تلقائياً ويكون بطبيعة الحال متطابقاً مع معطيات الحياة الاجتماعية .
المذهب الثالث (الغائي) ويقال له الكفاح أيضاً وقد برز هذا الاتجاه المعتدل إثر تطرف المذهب الحتمي والذي يعتمد على البنية الاقتصادية والمذهب التلقائي والذي يعتمد البيئة الاجتماعية وذلك عندما أعلن الألماني اهرنج(1) من أن «القانون وليد إرادة البشر وتدبيره في دأبه على تحقيق التقدم في كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وأن تاريخ القانون ليس إلا تاريخ التفكير الإنساني عاكفاً على توفير أسباب الحياة الاجتماعية توفيراً علمياً وأن كل قانون من قوانين البشر يصنع صنعاً أو يخلق خلقاً» ، إذاً فإنه يرى بأن القانون له ارتباط وثيق بالبيئة الاجتماعية إلا

(1) اهرنج :

السابق السابق الفهرس التالي التالي