دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 105

أنه أيضاً يرى بأنه يتطور بفعل الإرادة البشرية الواعية المدبرة التي تستهدف غايات محددة لحفظ المجتمع وتقدمه ومن هنا جاءت التسمية بمذهب العامة .
وفي الحقيقة فإن هذا الاتجاه هو وليد الاتجاه الثاني (التلقائي) ولكن يرى أن صناعة القانون لا يتم بمعزل عن الإرادة الإنسانية كما في الاتجاه الثاني الذي يلغي دور الإرادة الإنسانية تماماً .
وهذه الاتجاهات الثلاثة رغم أنها تستظل بظلل المدرسة التجريبية (الواقعية) إلا أن الدراسات تشير إلى وجود آراء ثلاثة حول الظواهر المؤثرة في تكوين القانون .
الأول التضامن الاجتماعي : ويعتمد هذا الرأي على شيئين هما وجود المجتمع وقيامه على التضامن بين أفراده وقد نادى بذلك الفرنسي ليون ديجي(1) الذي هو من أنصار المدرسة الواقعية التجريبية وأضاف أخيراً إلى وجود المجتمع وقيامه على التضامن أمراً آخر وهو شعور الناس بالعدل .
وظاهرة التضامن هذه هي منشأ معظم القواعد الاجتماعية أياً ما كانت نوعية هذه القواعد فضرورة التضامن تخلق القواعد التي تكفل تحقيقه وتنميته فهي تقتضي الامتناع عما يعوق تحقيقه وتنميته كما تقتضي إتيان ما يساهم في هذا التحقيق وهذه التنمية . إذاً فالقواعد الاجتماعية تكفل الحفاظ على التضامن فالناهية منها مانعة عما يعيق التضامن ، والآمرة منها موجبة لما يحقق التضامن .
الثاني الصراع الطبقي : ان من ظواهر المذهب التجريبي الحتمي هو خلق الصراع الطبقي الذي سبق وأشرنا إلى هذه الظاهرة عند التحدث عن الفكر الماركسي حول مصدر القانون وأنه يعتمد على البنية الاقتصادية ، وقد سبق وقلنا إن الصراع يبدأ من التناقض بين أساليب الإنتاج القائمة وأساليب الإنتاج المستحدثة ، ومن ثم يحدث الصراع والطبقية بين القديم والمتقدم ومن هنا فالماركسية ترى في القانون أداة في يد الطبقة المستغلة وحدها

(1) ليون ديجي :
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 106

تستخدمها للاحتفاظ بالعلاقات الاجتماعية التي تُمكِّنها من الاستغلال والسيطرة ، ومن هنا فالقانون يكون دائماً وسيلة الطبقة الاجتماعية التي ينتصر أسلوبها في الإنتاج في فرض سيطرتها على غيرها من الطبقات وتحقيق مصالحها ضد هذه الطبقات ، وعليه فالقيم التي يحملها القانون ليست فيها عليا تتمتع بالوحدة والخلود وليست هي قيم المجتمع بأجمعه وإنما هي قيم الطبقة المنتصرة .
الثالث التنازع الاجتماعي : وهذا الاتجاه يقيم القانون على أساس فكرة النزاع بين البشر إذ لو لم يكن في الوجود إلا شخص واحد ، أو كان هناك عدداً من الأشخاص متباعدين بعضهم عن البعض الآخر بحيث لا يحتكان معاً لما كان حاجة للقانون إذ أن رغبة الإنسان لما في العالم من أشياء تعجز عن الوفاء بحاجات جميع الأشخاص بالنظر إلى ندرتها يفتح المجال أمام التضارب بين الأشخاص في محاولة للاستغلال أو الاستئثار بهذه الأشياء ، فعندها يشعر بالحاجة للقانون ويسعى إلى وضعه .

المدرسة التعادلية

هذه التسمية أحدثها الجمّالان(1) لدى بحثهما عن المدرستين المثالية والواقعية وأرادا تصوير محطة وسطى بين المدرستين المتطرفتين الاولى والتي حصرت مصدر القانون والتشريع بالمثاليات ، والمدرسة الثانية والتي حصرته بالواقع التجريبي وقد صنفا الإسلام في هذه المدرسة حيث قالا : «يقتضي منا أن نبدأ ببيان كيف يتم التسليم بدور كل من حقائق الواقع(2) والمثل العليا(3) في تكوين القيم التي يحملها القانون فإذا ما تم لنا ذلك

(1) الجمالان : هما الدكتوران مصطفى وعبد الحميد ابنا محمد الجمّال ، وهما من المعاصرين فالأول أستاذ ورئيس لقسم القانون المدني بكلية الحقوق في جامعة الاسكندرية بمصر وجامعة بيروت العربية بلبنان ، والثاني مدرس القانون المدني بكلية الحقوق في جامعة الاسكندرية بمصر ، وكلاهما شاركا في وضع كتاب النظرية العامة للقانون .
(2) أراد المباني العامة للمدرسة التجريبية .
(3) أراد المباني العامة للمدرسة المثالية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 107

كان علينا أن نوضح المثل العليا التي تسود العالم الحديث والتي تتفاوت باختلاف مذهبين متطرفين يسودان العالم هما المذهب الفردي والمذهب الاجتماعي ، وإذا ما تم لنا ذلك صار من اليسير علينا تفهم ما عمد إليه الفقه الإسلامي من تجسيد المثل العليا للقانون في مجموعة محددة ومنضبطة من المصالح ووضع ترتيب محدد لهذه المصالح(1) .
ثم إنهما وزعا البحث على ثلاثة محاور :
1 ـ تضايق حقائق الواقع والمثل العليا .
2 ـ المثل العليا بين المذهب الفردي والمذهب الاجتماعي .
3 ـ المثل العليا ونظرية المصالح في الفقه الإسلامي .
وبالنسبة إلى المحور الأول فقد نسبا التقريب بين الأمرين إلى الفرنسي جيني(2) حيث قال : «إن وظيفة القانون هي تحديد ما يجب أن يكون لا ما هو كائن فعلاً» . ومن هنا فتحديد القيم التي يحملها القانون لا يمكن أن يتم عن طريق منهج واقعي بحت أو منهج عقلي خالص ، إذاً فالمنهج الواقعي وظيفته تسجيل حقائق الحياة الواقعية بالفعل دون تحديد ما يجب ان يكون أوْ لا يكون ، وإنما هو وظيفة المنهج العقلي .
ومن ازدواجية المنهج الذي انتهجه «جيني» نكتشف أربعة أنواع من الحقائق والتي بمجموعها تشكل القيم التي يحملها القانون .
1 ـ الحقائق الواقعية أو الطبيعية : وهي ظروف الواقع التي تحيط بالناس في الجماعة سواء المادية منها أو المعنوية ، كالمناخ مثلاً والنزعات النفسانية .
2 ـ الحقائق التاريخية : وهي ما يكونه المجتمع على مر الزمن في بقاع مختلفة ومنها التجارب في الحياة العملية (التطبيقية) .

(1) النظرية العامة للقانون : 164 .
(2) جيني : وهو فرانسوا جيني ، أستاذ قانون ، كان حياً عام 1343هـ (1924م) حيث ألف كتاب العلم والصياغة ، ومن مصنفاته : مناهج تفسير ومصادر القانون الخاص الوضعي ألفه عام 1317هـ (1899م) .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 108

3 ـ الحقائق العقلية : وهي الأصول التي يستخلصها العقل كقبح الظلم .
4 ـ الحقائق المثالية : وتتمثل في آمال الناس وتطلعاتهم .
ورغم إمكانية الفصل بين هذه الحقائق لدى المناقشة والدراسة إلا أنها في الواقع العملي لا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر لأنها تبقى حقيقة واحدة ذات جوانب متعددة ومثّل الجمّالان لذلك بالترابط الزوجي حيث أنه حقيقة واحدة ذات أربعة أبعاد فالبعد الواقعي يتمثل في اختلاف الجنسين الذي خلق أرضيه لهذا الترابط ، والبعد التاريخي يتمثل في العادات والتقاليد التي فرضت وجود مثل هذا الترابط ، والبعد العقلي يتمثل في الالتزام بهذا الترابط وثوبته لكي تستمر الحياة ، والبعد المثالي يتمثل في خلق أجواء تتناسب مع هذا الترابط ومناخ يتلاءم مع هذه الزوجية .
كل هذه الحقائق تؤخذ بعين الاعتبار لخلق نظام الزوجية وصنعه ضمن خلق النظام العام .
هذا وقد لخص الفرنسي «جيني» الحقائق الأربع إلى حقيقتين الأولى : التجريبية والتي تضم الحقيقتين الواقعية والتاريخية ، والثانية : الفكرية والتي تضم الحقيقتين العقلية والمثالية وذلك لقرب مخارج كل عدل منهما مع العدل الآخر منه ، فالاوليتان من سنخ واحد كما أن الأخرويتين من سنخ واحد .
وأما بالنسبة إلى المحور الثاني فقد ذكرا بأن الحد المثالي لتكوين القيم القانونية في العصر الحديث يتجه نحو مذهبين : الفردي والاجتماعي .
فالأول يقوم على الفرد وهو المقوم الأساسي والحقيقي في الوجود وأن المجتمع ليس حقيقة موضوعية ، وعليه فإن الفرد لا يستمد وجوده وحقوقه من المجتمع وإنما المجتمع هو الذي يستمد وجوده وكيانه من الأفراد ، وهو ليس مجرد جزء من المجتمع بل قائم بذاته يتمتع بالسيادة والإرادة والحرية وله حقوقه الطبيعية تقررها الطبيعية لا المجتمع ، ويقتصر دور المجتمع على حماية حقوق الفرد والمواءمة بينها و بين حقوق الآخرين ، وعليه فالمجتمع يجب أن يكون في خدمة الفرد وليس العكس .
ومن هذا المنطلق فقد ذهب أنصار هذا المذهب إلى أن الفرد هو

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 109

غاية القانون لا المجتمع ، وأن على القانون تحقيق أكبر قدر ممكن من الحرية للفرد ، وبما أن كل فرد لا بد أن يتمتع بحُريتِهِ كاملةً تأتي قضية المساواة ، فالقانون بمقتضى هذه الفلسفة يقوم على مبدأ الحرية للفرد بالأصالة ومساواته مع الآخرين بالتعارض .
ويترتب على هذا أن وظيفة الدولة هي حماية حقوق الأفراد فلا يحق لها مثلاً ممارسة أي نشاط اقتصادي لأن عليها أن تتركها للفرد ولا تزاحمه في حقوقه ، وقد اعتمد هذا المذهب النظام الرأسمالي ومن في فلكه .
والثاني أي المذهب الاجتماعي فيرى أن الفرد ليس إلا جزءاً من المجتمع (الدولة) ويرى في المجتمع (الدولة) كائناً جماعياً عضوياً يرتبط به أفراده ارتباط الأجزاء بالكل والذي فيه تتجسد الأفراد ومن أجله تعمل ، بل إن المجتمع هو الغاية ، إذاً فمؤدى هذا المذهب هو عكس مؤدى المذهب الفردي تماماً سواء فيما يتعلق بنشاط الفرد أو المجتمع ، فعلى الفرد العمل لصالح المجتمع وعليه فلا تتساوى الأفراد في الحقوق كما لا تمتلك الحرية الشخصية إلا في إطار المجتمع ولو تناقضت مصلحة المجتمع والفرد يقدم مصلحة المجتمع بالطبع ، على العكس تماماً في المذهب الأول ، وقد اعتمد المذهب الثاني النظام الاشتراكي ومن في فلكه .
وأما بالنسبة إلى المحور الثالث وهو المصالح في الفقه الإسلامي والمثل العليا فقد استعرضا : أولاً مذهب الظاهرية القائم على أن الأحكام الشرعية (القوانين) إنما شرعها الله لمحض مشيئته بمعزل عن المصالح والمفاسد .
ثم ذكرا أن عامة فقهاء المسلمين على أن الأحكام الشرعية تابعة لدى التشريع للمصالح والمفاسد فحرم ما يضر الإنسان وكلِّف بما فيه مصلحته ، وعليه فالأحكام تدور وجوداً وعدماً مع المصالح التي شرعت من أجلها «فإذا كانت المصلحة التي شرع لها الحكم دائمة لا يتغير الحكم أبداً لعدم وجود ما يقتضي التغيير وإذا ثبت أنها تتغير تبعاً لتغيير الظروف والأحوال تغيَّر الحكم معها وإلا لم تكن ثمة فائدة من شرعيته»(1) هذا ومصالح الناس

(1) المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه : 94 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 110

ليست على درجة واحدة من الأهمية فمنها ما هو ضروري ومنها ما هو حاجيّ ومنها ما هو تحسيني . ومثّلا للأول بالنَفْس والعِرض وللثاني بالطلاق ، وللثالث بالغش والتدليس ، وفيما لو تعارضت المصالح فيؤخذ بالمرجحات(1) وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى .

(1) النظرية العامة للقانون : 131 ـ 177 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 111

الأنظمة السائدة

هناك نظامان يحكمان العالم بشكل عام النظام الرأسمالي الأقوى والأكثر انتشاراً ويقابله النظام الاشتراكي الذي يأتي في الدرجة الثانية من حيث القوة والانتشار وكلما سقط نظام رأسمالي حل مكانه الاشتراكي وبالعكس .
وقد سبق وتحدثنا بإيجاز أن النظامين بشكل عام اختارا من العلاقات الخمس ، ثلاث : وهي علاقة الفرد بالفرد ، وعلاقة الفرد بالمجتمع ، وعلاقة الفرد بالدولة ، وأهملت العلاقتين الأخرويتين وهما علاقة الفرد بالخالق وعلاقة الفرد بنفسه . وعلى هذا الأساس جاء التشريع الرأسمالي والاشتراكي .
وإلى جانب هذين النظامين توجد نظم إسلامية بل ممارسات على طريق تطبيق النظام الإسلامي إلا أنها أخذت تتأقلم مع أحد النظامين الرأسمالي او الاشتراكي متناسية بأن النظام الإسلامي نظام مستقل لا يصح تجزأته حتى أن بعض القيادات حاولت إدخال بعض المصطلحات الغربية في النظام الإسلامي بل أدخلت بعض الجزئيات من النظام الرأسمالي والاشتراكي في جسم النظام الإسلامي فسلبت من الأخير بهاءه وواقعه .
وقبل البدء بالحديث عن مميزات الأنظمة الثلاثة لا بأس بالحديث عن تطبيق هذه الأنظمة على أرض الواقع وبيان تقسيماتها من حيث الممارسة وذلك لأن كلاً من النظامين الرأسمالي والاشتراكي قد يكون ملكياً أو جمهورياً وكل منهما قد يكون شوروياً (ديموقرطياً) أو استبدادياً (دكتاتوريا)(1) .

(1) وربما نسب البعض النظام العشائري إلى الاستبداد مع العلم أنه قد يكون استبدادياً وقد يكون شوروياً فإن في بعض المناطق القبلية نجد بأن للعشائر مجلس يضم عدداً
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 112

فالنظام الملكي : يتشكل من قمة يتمثل في شخص الملك ، وهو قد يكون حاكماً مطلقاً ومصدرا للتشريع وقد يكون ملكاً دستورياً يقوم نظامه على الانتخابات ومجالس الشورى ولا ينفرد بالرأي والحكم وإنما يبقى هو الحَكَمْ ، والعادة جرت بأن يكون الملك في مثل هذا النظام وراثياً حيث يتم اختيار الخلف من قبل السلف وعادة ما يحدد بشخص ولي العهد ، وقد تنتخبه العائلة المالكة ، ويمكن أيضاً من باب الإمكان بالقوة لا بالفعل بالنسبة إلى النظام الملكي أن ينتخب الملك من قبل الشعب مباشرة أو من قبل مجلس الشورى .
وأما النظام الجمهوري فيقوم على الانتخابات من قبل الشعب مباشرة أو من قبل المجالس المحلية أو مجلس الشورى حسب الدستور القائم ، وقد يتربع الرئيس المنتخب أو الرئيس الثائر(1) طيلة حياته ويتفرد بالصلاحيات دون أية مشورة أو انتخابات أو قد تتم الانتخابات بل الاستفتاءات لصالحه بالقوة والإكراه أو الترغيب والتطميع ، وهذا هو الاستبداد بعينه ، ولا نريد ضرب الأمثلة بالأنظمة القائمة للأقسام الأربعة لأن الحابل اختلط بالنابل وكل يدعي الوصل بليلى الديمقراطية فلم تجد طاغية يعترف باستبداده .
وفي الحقيقة أن النظام الملكي والجمهوري لا يختلفان في إدارة الحكم إلا من خلال التطبيق والممارسة فالمستبد الملكي والجمهوري كلاهما واحد كما أن الشورى الملكي والجمهوري واحد أيضاً ، ولذلك نرجع بالكلام إلى النظام الشوروي (الديمقراطي) ، والنظام المستبد (الدكتاتوري) وهما لا يرتبطان بالدستور الذي تنتهجه الدولة من الرأسمالية

= من رؤساء القبائل لتبادل الرأي وهذا الشكل من النظام لا يمكن عده استبدادياً بل هو نوع من أنواع النظام الشوروي إذ أن رئيس كل قبيلة يمثل في الحقيقة قبيلته في هذا المجلس وبالتالي يمكن عد التصنيف القبلي هذا كنوع من التعددية التي ينادي بها الشوريون ، نعم إذا كان رئيس القبيلة يحكم أبناء قبيلته برأيه دون مشاركة الآخرين فهو نوع من أنواع الاستبداد .
(1) المراد بالرئيس الثائر ذلك الذي أطاح بالنظام السابق وتولى رئاسة الحكم على شاكلة النظام الجمهوري .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 113

أو الاشتراكية ، إذ أنّ كل منهما يدعي أنه ينبذ الاستبداد وينتهج الشورى .
ولا نستبعد الأنظمة الإسلامية التي حكمت البلاد أو التي ما زالت تحكم الأمة عن هذا التقسيم إذْ أنّ النظام الإسلامي المطبق على يد الحاكم الإسلامي قد يكون على شكل استبدادي وقد يكون على شكل شوروي ، وعلى أثره ظهرت النظريتان نظرية ولاية الفقيه الوحدوية (الفردية) ، وولاية الفقيه الشورية(1) .
وعلى أيّة حال فإن لنا مآخذ على جوهر النظامين الرأسمالي والاشتراكي وعلى النظام التطبيقي للإسلام أوردناها في محله(2) وأما هنا فنحاول أن نبين قدر المستطاع مميزات الأنظمة الثلاثة ثم نعرج على النظريتين الإسلاميتين القائمتين في ظل النظام المرجعي من الفقه الإمامي .
وقبل الانتقال إلى بيان فكرة التشريع لدى الأنظمة الثلاثة لا بأس بالتمهيد ولو بإيجاز إلى الفلسفة من وراء هذه الأنظمة حيث لها الدور الأساسي في منهجية التشريع ومصادره ، وفي الحقيقة فإن فلسفتها تعود إلى أمرين لا ثالث لهما الأول أصل المعرفة ، والثاني الحكم بمقتضاها ، وهذا ما يعبر عنهما المنطقيون بالتصور والتصديق(3) ، وأن هناك تقسيمات أخرى لسنا بصددها إذ الغرض بيان الفلسفة من وراء الأنظمة الثلاثة القائمة دون غيرها من الفلسفات وتشعباتها ، وفي الحقيقة أن وراء كل واحدة منها نظرية خاصة أوصلتهم إلى النظام الذي التزموه وهي :

(1) لقد أطلق على الأول مجازاً بولاية الفقيه كما اطلق على الثاني بشورى الفقهاء مجازاً ، وإلا فإن القائل بشورى الفقهاء يقول لا محالة بولاية الفقيه ، ولكن إذا أنيطت الصلاحيات بالمرجع الواحد أو بأكثر من مرجع عندها تختلف النظريتان .
(2) راجع باب العامل السياسي لنهضة الحسين عليه السلام من هذه الموسوعة .
(3) ولا يخفى أن كل منهما ينقسم إلى قسمين ضروري ومكتسب أي بديهي ونظري ، فالتصور البديهي كتصور النار أو الحرارة والتصديق البديهي كتصديق أن النار حارة ، والتصور النظري كتصور العقل ، والتصديق النظري كتصديق وجود العقل .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 114


النظرية الأولى :

لقد اختار جمع من فلاسفة الغرب إلى أن معرفة الأشياء يستند قسم منها إلى الحواس الظاهرة والقسم الآخر يستند على الذهن البشري المستودع فيه عدد من المعلومات بفطرته حيث الاستنساخ الجيني وذلك فيما لا يدركه الإنسان عن طريق الحواس الخارجية فيستعين بمخزونه الفطري ، وهذه الفلسفة تبناها الرأسماليون وعرفت بالنظرية العقلية .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفلاسفة المسلمين يعتقدون بدور الفطرة حيث ورد في الحديث : «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه»(1) وقوله تعالى : « فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها »(2) ولكنهم يقصدون بالفطرة المكتسبة من الطبيعة الإلهية المودعة في المخلوقات مما ترشدها إلى الحقيقة شرط أن لا يتدخل في أمرها أحد ، ومن المعلوم أن المولود البشري عند ولادته لا يحمل في مخزونه الذهني شيئاً إذ يقول الله سبحانه وتعالى « والله الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون »(3) .
وأما الحديث عن مرحلة التصديق فيختارون المذهب التجريبي والتحليلي معاً وفي الحقيقة ، فإنه برزخ بين المذهب العقلي والتجريبي .

النظرية الثانية :

ذهب جمع من الفلاسفة إلى أن المعرفة تتم في صورتها البدائية عبر الإحساس بالطرق الحسية المعروفة وهو المصدر الوحيد للذهن البشري ثم يأتي دور الذهن ليحولها إلى أحكام وقوانين يعتمد عليها في حياته دون التصرف فيها ، وقد اعتمدت هذه النظرية بشكل عام بجزأيها ـ التصوري والتصديقي ـ الاشتراكية والماركسية ومن في فلكهم ، وعرفت هذه النظرية في مرحلتها الأولى بالنظرية الحسية المجردة(4) .

(1) بحار الأنوار : 3/81 ، عن أمالي الصدوق .
(2) سورة الروم ، الآية : 30 .
(3) سورة النحل ، الآية : 78 .
(4) راجع المختارات للينين : 4/181 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 115

وإلى هذه النظرية يشير ماو(1) بقوله : «الخطوة الأولى في عملية اكتساب المعرفة هي الاتصال الأولي بالمحيط الخارجي مرحلة الأحاسيس ، والخطوة الثانية هي جمع المعلومات التي تحصل عليها من الإدراكات الحسية وتنسيقها وترتيبها»(2) .
إذاً ففي مجال التصديق فإن أرباب هذه النظرية لا يجدون حرجاً من القول بأن التصديق منوط بالتجربة فما خضع من الأمور إلى التجربة فهي ثابتة ومصدقة وبذلك يرفضون ما ذهب إليه الرأسماليون في هذا الاتجاه بأن قسماً من المعلومات التصورية حصلنا عليها من المخزون الفطري للذهن حيث يرون بأن الإنسان ولد فارغ الذهن وإنما الحواس غذته بهذه المعلومات ، والتجربة هي التي توصله إلى التصديق بالأحكام ، كما أنكروا على الإسلاميين طريق النظرية العقلية إذ أنهم يرون بأن الأمور العقلية إذا ما خضعت للمقاييس التجريبية فهي مورد التصديق والاعتراف عندهم ، وما لم يخضع فمردود ، وطريقتهم إذاً في الوصول إلى الحقائق هو الاستقراء من الجزئيات للوصول إلى الكليات ومن الخاص إلى العام على خلاف الطريقة العقلية ولكنها سرعان ما تصبح قاعدة كلية تعمم على الجزئيات من جديد ، وهذه النظرية في صورتها التصديقية تسمى بالنظرية التجريبية ، وإلى هذا يشير «ماو» في تتمة مقولته السابقة : «وبالحصول على معلومات كافية كاملة من الإدراكات الحسية ومطابقة هذه المعلومات للوضع الحقيقي عند هذا فقد يصبح في المستطاع أن نصوغ على أساس هذه المعلومات مفهوماً ومنطقاً صحيحين»(3) .
ولا يخفى أن فلاسفة المسلمين لا ينكرون دور التجربة في الحصول على الكثير من المعارف ولكنهم ينكرون دورهما التفردي كما يدعونه

(1) ماو : هو ماوتسي تونغ 1311 ـ 1396هـ (1893 ـ 1976م) ، ترأس الحزب الشيوعي وقاد الحرب على النظام السابق وانتصر عليه عام 1369هـ (1949م) وأعلن جمهورية الصين الشعبية ، وكان رئيسها ما بين 1374 ـ 1379هـ (1954 ـ 1959م) نادى بالثورة الثقافية .
(2) حول التطبيق : 14 .
(3) حول التطبيق : 14 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 116

التجريبيون بل ترى الفلسفة الإسلامية أن المقياس الأول هي المعلومات العقلية الأولية وهي التي ساعدت في الكشف عبر التجربة عن حقائق علمية وأسس المعرفة .

النظرية الثالثة :

وقد توصل فلاسفة آخرون إلى أن المعرفة تتم في صورتها الأولية عبر الإحساس بالحواس الظاهرة وهي مجرد درك الأمور ثم تتولد من دركها صور أخرى لا تدرك بالحس رغم وقوعها في طريقه وتسمى هذه النظرية بالنظرية الانتزاعية باعتبار انتزاع التصوير الثانوي عن التصور الأولي فللمثال أننا نتصور الشمس ونتصور الحديد و نتصور المد فهذه تصورات أولية ندركها عن الطريق العين ولكن الارتباط بين هذه الظواهر الثلاث لا يمكن دركها بالحس الظاهري بل إن الذهن البشري هو الآخر يدرك بالعليّة ، وهذا الترابط كما هو الحال أيضاً في علة مد وجزر الماء بسبب نور القمر فإن التصوير الثاني العلية انتزع من التصور الأول .
وفي مجال الأمر الثاني «التصديق» فإن أصحاب هذه النظرية يعتمدون على العقل حيث لا تصديق بدون عقل ولكن التصديق كما هو معروف ومبين في محله له صورتان صورة بديهية وصورة نظرية ومما لا شك فيه أن الصورة الثانية تعتمد على الأولى باعتبارها بديهية والثانية كسبية والأولى لا تحتاج في تصديقها إلى إقامة الدليل عليها ، ومن هنا يأتي وضع الصغرى والكبرى للوصول إلى النتيجة المطلوبة فإن النتيجة في أية قضية عقلية تتوقف على تصديقين بديهيين تسمى الأولى عند المنطقيين بالصغرى والثانية بالكبرى فقولهم مثلاً : العالم متغير وكل متغير حادث ، هما تصديقان بديهيان يستنتج منهما العالم حادث ، وهذه النظرية هي التي اختارها الإسلاميون ، ولذلك تجدهم في أصل التشريع يعتمدون على العقل دون غيره فمتى ما ثبت لديهم بالعقل ضرورة وجود الله وضرورة أن لا يترك الخلق سدى حكموا بضرورة الإبلاغ وحتى ما ثبت لديهم ذلك وثبت بضرورة صدق المبلغ مثلاً حكموا بضرورة الالتزام بقوله ، وهكذا .
وفي نهاية المطاف عن هذه المرحلة وقبل البدء بعرض أسس التشريع

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 117

عند الأنظمة الثلاثة لا بأس بعرض هذه الخاتمة لما سبق والممهدة لما يأتي : لقد بحث فقهاء الشريعة الإسلامية مسألة التشريع بشيء من الدقة تحت عنوان الجعل تارة في علم الأصول وأخرى في علم الكلام وجاءت مناقشاتهم على الشكل التالي بإيجاز : هل التشريع قائم على أساس حقائق ومصالح وتقديرات وحسابات علميّة قائمة في ذات الفعل المشرع له ، أو أن التشريع عبارة عن اعتبار المشرِّعَ من غير أخذ هذه العناصر بنظر الاعتبار ، وقد جاءت مناقشة مسألة الحسن والقبح لهذا الغرض ، فقد ذهبت الإمامية إلى أن الحسن والقبح عقليان بمعنى أنهما ذاتيان لا حاجة إلى من يحكم بهما وعليه فليسا شرعيان ، بمعنى أن الشارع لا يمكنه أن يحسّن القبيح ويقبّح الحسن بينما ذهبت الأشاعرة إلى خلاف ذلك .
أما فقهاء القانون الوضعي فقد بحثوا مسألة التشريع والجعل تحت عنوان تكوين القاعدة القانونية وجاءت مناقشاتهم على أساس أن القاعدة القانونية قاعدة تقويمية أي أنها قاعدة لتنظيم السلوك والعلاقات البشرية هدفها تقويم السلوك الإنساني ، فكانت الحصيلة أن القاعدة القانونية تتكون من أمرين :
1 ـ المادة وربما يعبر عنها بالمضمون والإسلاميون سموه بالمِلاك ، وجميعها تعني محتوى القاعدة القانونية .
2 ـ الشكل وربما عبروا عنه بالصياغة وقد سماه الإسلاميون بالاعتبار وهي تؤدي إلى معنى واحد وهو كيفية تحديد المادة وضبطها عن طريق الصياغة الفنية لذلك المضمون ليأخذ دوره في التفعيل والتطبيق .
وقد فكر علماء القانون بأن المادة تتكون من عنصرين : الواقع والمثال ، فالأول يستمد من التجربة والمشاهدة ، في الجماعة كعنصر الطبيعة البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والدينية ، والثاني يستخلص في العدل الذي يتعين السير بمقتضاه في جميع القوانين الوضعية(1) . غير أن الواقع أثبت عدم قدرة القانون الوضعي على تحقيق

(1) راجع المبادئ القانونية العامة : 67 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 118

ذلك لا في عنصر الواقع ولا في عنصر المثال فالقانون الوضعي لم يلتزم بنتائج البحث العلمي ولا بالتجربة الواقعية فهناك الكثير من المفاسد كالخمر مثلاً الذي أثبتت الدراسات العلمية والتجارب العملية أنها مادة ضارة إلا أنها ما زالت تعتبر من الحقوق والحريات بينما الإسلام تعامل معها بواقعية ومثالية .
وفي الحقيقة فإن دراسات وأبحاث القانون الوضعي جاءت متأخرة في تحديد المبادئ التي تتقوّم بها القاعدة القانونية ، فإن التشريع الإسلامي والأحكام الشرعية تتقوم ذاتياً بتلك الحقائق فهو تشريع قائم بطبيعته على أساس العلم والعدل وذلك كما سبق ونبهنا إلى ذلك بأن التشريع الإلهي يراعي طبيعة الإنسان النفسية والفردية والاجتماعية وحوائجه المادية وقيمه الأخلاقية(1) وتراعي كل مجالاته وتعاملاته مع الحياة الحيوانية والنباتية والمائية والترابية ، والفضائية والبيئية وو... وهذه الارتباطات والعلاقات لها آثار عملية على مجرى أمور الإنسان الفرد والإنسان والمجتمع ، إذ أن الشرع أو القانون ، عليه أن ينظم جميع العلاقات التي سبق وذكرناها لتلبي حاجة الإنسان .

(1) راجع الثابت والمتغير في التشريع الإسلامي : 25 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 119

1 ـ النظام الرأسمالي

النظام الرأسمالي الديمقراطي(1) هو من أكبر الأنظمة التي تحكم العالم في هذا الوقت ، ولا شك أنه يتمتع بفلسفته الخاصة وبنظرته إلى الحياة من زاوية معينة ، والتي ترتكز على تحقيق مصالح الفرد الذي هو نواة المجتمع فيرى أن ذلك من أفضل السبل لتحقيق المجتمع المتعادل وحمايته من الانهيار ، وعليه فإنه يؤمن بإطلاق حريته فكرياً وسياسياً واقتصادياً ليكوِّن الدولة التي يشاءها لتقوم بالنيابة عنه في تحقيق أهدافه ، وذلك على العكس من النظام الاشتراكي الماركسي تماماً ، وفي المآل فإن الدولة في النظام الرأسمالي الديمقراطي تكون في خدمة الشعب بينما الشعب يكون في خدمة الدولة في النظام الاشتراكي .
لقد نشأ هذا النظام على أطراف الكنيسة في الغرب كرد فعل لما قامت به من الاضطهاد والتعذيب للشعوب المسيحية التي كانت تتحكم بها الكنيسة فاتجهت نحو الحرية وجعلت رويداً رويداً تنادي بها في كل الاتجاهات من دون تحديد حتى توصلت إلى الإباحية التي اعتبرتها من الحرية الشخصية أو الحرية في السلوك الشخصي لتضيف بذلك إلى الحريات الثلاث هذه الحرية لتصبح أربعة حريات رئيسية .
إذاً فالرأسمالية الديمقراطية هي ردة فعل للاضطهاد الكنسي كما أن الاشتراكية الماركسية جاءت بدورها رد فعل للنظام الرأسمالي الديمقراطي .

(1) جاء في كتاب الاتجاهات الفكرية المعاصرة : 133 «كان ميلاد الديمقراطية مصاحباً لميلاد الرأسمالية . ولقد كانتا في الواقع تفرعاً على المذهب الفردي ، وهو وإن كان في أساسه اقتصادياً لكنه سرى إلى الجانب السياسي ليكون أساساً هاماً للديمقراطية» .

السابق السابق الفهرس التالي التالي