دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 120

ومما يذكر عن تاريخ الرأسمالية والدافع لظهورها : «بدأت معالم الرأسمالية في الظهور على أثر اضمحلال النظام الإقطاعي ، وتدهور النفوذ الاقتصادي والسياسي للملاك الزارعين ، وصعود الطبقة الوسطى في مجالات الصناعة والتجارة والمهن الحرة ، والرأسمالية وثيقة الصلة بالثورة الصناعية التي حدثت في إنكلترا وبلاد أوروبا الغربية منذ أواخر القرن 18 م (القرن 12 هـ) فقد تركت هذه الثورة أثراً عميقاً في أساليب الإنتاج مما أدى إلى قيام الإنتاج الآلي في مشروعات ضخمة مقام الإنتاج اليدوي في مشروعات صغيرة ، وساعد هذا على تأكيد معالم الرأسمالية ، وقد تطور النظام الرأسمالي تطوراً بعيد المدى واقترن بسياسة الحرية وابتعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية ، ويعرف ذلك بسياسة ـ دع الأمور تجري في أعنتها ـ التي بلغت أوجها حوالي منتصف القرن 19 م (القرن 13 هـ) وكان من نتيجتها : انخفاض الأجور ، سوء ظروف العمل ، تشغيل النساء والأطفال دون رقابة ، تكديس الثروات ، سوء توزيع الدخل ، وسيطرة المشروعات الكبيرة التي تتمتع بسلطة احتكارية أو شبه احتكارية ، وتغيرت هذه الأوضاع تدريجياً في النصف الثاني من القرن 19 والقرن 20 م (14 هـ) فتدخلت الدولة لحماية الطبقة العاملة بتشريعات خاصة واعترفت بالنقابات العمالية ، وحق العمال في الإضراب لتحسين ظروف العمل ، وأقرت حداً أدنى للأجور ، وأقامت نظماً للضمان الاجتماعي ضد البطالة والعجز والشيخوخة ، وعملت على حسن توزيع الدخل ، وأخضعت المشروعات الكبيرة لنوع من الرقابة ، كما عملت بعض الدول على اتباع سياسة التخطيط بغية زيادة الناتج الكلي والحد من مساوئ الرأسمالية»(1) .

البداية

كانت الكنيسة مسيطرة على زمام الأمور في العصور الوسطى المسيحية وقد اصطبغ التفكير بالصبغة الدينية في الفلسفة السياسية وقد قام النزاع بين الدولة والكنيسة ، وقد انتصرت الكنيسة في كثير من الأحوال والأحيان ، ثم حدثت ظروف أدت إلى بروز حركتين عامتين في

(1) الموسوعة العربية الميسرة : 1/853 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 121

أوروبا وهما حركة الإصلاح الديني وحركة النهضة ، ومن أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور هاتين الحركتين هو أمرين الأول : طغيان الكنيسة والتي أدت إلى نوع من كبت العقول والشعور ، والثاني : الحروب الصليبية على الشرق والتي أدت بالغربيين إلى الاتصال بالثقافة الإسلامية حيث الحرية والانفتاح والحركة العلمية والعقلية ، مضافاً إلى تعرفهم على الثقافة اليونانية وبذلك بدؤوا يميلون إلى التفكير الحر والجرأة في الرأي .
وقد عدوا من العوامل التي أدت إلى ظهور حركتي الإصلاح والنهضة استيلاء العثمانيين على القسطنطنية عام 857 هـ (1453 م) وإنشاء المسلمين امبراطورية في جنوب غرب أوروبا (93 ـ 875 هـ)(1) وما صحبه من ترجمة الكتب اليونانية القديمة والأفكار الإسلامية إلى غيرها مما حدى بـ «مارتن لوثر»(2) وأتباعه بالمناداة إلى ضرورة الرجوع إلى بساطة الدين المسيحي فعرفت حركته هذه بالإصلاح الديني ويقابلها حركة النهضة التي بدأت في إيطاليا في أواخر القرن التاسع الهجري (15 م) ، وفي فرنسا في القرن العاشر الهجري (16 م) ، ثم في غيرها من الدول الأوروبية بعد ذلك بحوالي نصف قرن ، ونادت حركة النهضة بأن الإنسان هو أهم ما في الوجود وأن التفكير في إسعاده خير من التفكير في الدين وأن صلته بأقرانه وأفراد المجتمع أهم من صلته بالدين والملائكة ، وبدلاً من ضياع الوقت في التفكير في العالم الآخر وفي كيفية خلاص الإنسان من عذابه وفي

(1) الموافق لعام (711 ـ 1470م) .
مارتن لوثر : ولد عام 888هـ (1483م) وتوفي عام 953هـ (1546م) زعيم الإصلاح البروتستانتي نال شهادة أستاذ في العلوم من جامعة ايرفورت عام 911هـ (1505م) وبدأ يدرس القانون ثم تحول عنه والتحق بدير الرهبان الأوغسطينيين وعين قسيساً عام 913هـ (1507م) ثم عين لرعاية كنيسة فتنبرج بالمانيا زار بعدها روما عام 916هـ (1510م) ولما رجع إلى المانيا بدأ يخطط لإصلاح عقيدة الكنيسة ، وعلى أثر خروجه على قوانين الكنيسة صدر القرار بإلقاء القبض عليه إلا أنه هرب من قبضتهم ، وعندها ترجم الكتاب المقدس إلى الالمانية ، عرف مذهبه باللوثورية ، ومن ارشاداته : الصفة الإلهية لكل سلطة قائمة ، والانفصال الجذري بين الإيمان والقانون .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 122

دخول الجنة ، نادى أرباب النهضة بضرورة البحث عن مستقبل الإنسان على الأرض وفق بحوث علمية سليمة لا فلسفية روحية ، ونادوا أيضاً بالتمتع بالجمال وتحقيق الغنى و السعادة للإنسان في الدنيا إلى غيرها ، وسمي رجال النهضة باسم الإنسانيين لأنهم اهتموا بالإنسان بدلاً من اهتمامهم بالإله والدين وكان من زعمائهم نيقولو(1) ماكيافلي(2) .
ومن ناحية أخرى حدث في القرن الحادي عشر الهجري (17 م) أن اضمحل المذهب العقلي الطبيعي عندما برز المذهب الفردي إلى الواجهة حيث أن اكتشافات هذا القرن أدت إلى انتشار الشك الذي هز اعتقاد الشعب الأوروبي في القانون الطبيعي المطلق وضربت ضربتها في صميم وجوهر العقائد الروحية القديمة والتي منها أن كل شيء في الوجود آلة ما عدا الله والإنسان لأن كل منهما مزود بعقل وتفكير ، بل ذهب بعض الفلاسفة والمفكرين أمثال ديكارت(3) وهوبز(4) إلى أن الإنسان أيضاً آلةٌ فعلية لا يخرج من نطاق الطبيعة إلا الإله ، والسبب في التخلي عن العقائد

(1) نيقولو ماكيافلي (Niccolo Machiavelli) : ولد عام 874هـ (1469م) في ولاية فلورنسا الإيطالية ، اشترك في تدبير سياسة ولايته ثم اودع السجن عام 918هـ (1512م) بسبب انقلاب سياسي ، وعلى أثره سجن وعذب ، وما اطلق سراحه إلا ليعيش في مزرعته منقطعاً للتأليف وقد ألف آنذاك كتابه الأمير (The Prince) .
(2) راجع أساطين الفكر السياسي والمدارس السياسية : 177 ، وتاريخ الفكر السياسي : 214 .
(3) ديكارت رينيه : ولد عام 1004هـ (1596م) وتوفي عام 1060هـ (1650م) فيلسوف فرنسي وعالم ورياضي ، تعلم في المدرسة اليسوعية بلافليش وغيرها ، أقام في هولندا للبحث والتأمل ، لبى دعوة الملكة كريستينا ملكة السويد عام 1059هـ (1649م) لكنه مات بعد وصوله إلى السويد بقليل ، له عدد من النظريات في الرياضة كما في غيرها ، أقام فلسفته على الشك المنهجي وانتهى أخيراً إلى المقولة المأثورة عنه : «أنا أفكر أذاً فأنا موجود» . ومن هذه البداية اليقينية انتقل إلى إثبات وجود الله .
(4) هوبز : هو توماس هوبز (Thomas Hobbes) ولد عام 996هـ (1588م) وتوفي عام 1090هـ (1679م) كان أبوه قِساً ، درس في جامعة اكسفورد البريطانية ، وعندما شبت الحرب الأهلية في انكلترا عام 1050هـ (1640م) انتقل إلى پاريس ، له مؤلفات منها : «في المواطن» ، «العملاق الكبير» و«في الإنسان» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 123

القديمة أن في القرن الحادي عشر الهجري (17 م) يعود إلى بدء العصر الآلي والصناعي بالزحف حتى أصبح الناس يتحدثون عن القوة المادية وقَلَّ حديثهم عن الروح أو الحياة ، وأصبح العقل عند علماء هذا القرن قوة يلاحظ بها الإنسان ويشاهد الحوادث والوقائع ويستنتج من ذلك القواعد والقوانين ولم يعد العقل كما كان عند القدامى القوة التي تبين للإنسان ما ينبغي أن يكون سلوكه وفق نظام طبيعي يسود العالم ، بل أصبح أداة تُحَقِّقُ له ما يريد ، حيث يقول بيكن(1) : «لكي نخضع الطبيعة علينا أن نفهمها» بينما يقول هيوم(2) في القرن الثاني عشر الهجري (18 م) : «إن العقل يجب أن يكون عبداً لرغبات الإنسان» ، ولأجل هذه الأسباب لجأ المفكرون إلى تصوير الدولة على أنها نتيجة للإرادة والاصطناع فبدؤوا يبحثون في حقيقة الإنسان والذي هو منشئ الدولة وذلك كضرورة لفهم الدولة نفسها .
إن معظم العلماء المنتمين إلى هذا المذهب الآلي ذهبوا إلى أن الدولة نشأت كنتيجة العقد الذي وضع بين الأفراد والدولة لتنظيم شؤونهم ، ويعتبر هوبز من عمالقة الفكر الذي يعزى إليه فضل السبق في مطالبة الأفراد بمساعدة الدولة حتى تنجح في شؤون الحكم فالدولة عنده ليست إلا آلة أو

(1) بيكن فرنسيس : ولد عام 968هـ (1561م) وتوفي عام 1035هـ (1626م) فيلسوف وأديب انكليزي كانت ولادته في لندن ودراسته في كامبرج ، ترك جامعة كامبرج ناقماً على مادة التدريس وطريقته ، عين بالسفارة البريطانية في فرنسا ثم عاد إلى لندن بعد وفاة أبيه ، وانتخب عضواً بمجلس العموم ، ترك آثاراً أدبية رائعة ، إلا أن دوره العظيم كان في المنهج التجريبي الجديد الذي به انتهى عهد الفلسفة الاسكولائية الوسيطة . وبدأ عهد العلم الطبيعي الحديث ، ومذهبه قائم على الملاحظة والتجربة ويبدأ ببيان مواطن الخطأ في التفكير البشري التي يسميها بالأوهام الأربعة : أوهام الجنس ، أوهام الكهف ، أوهام السوق ، أوهام المسرح ، من أهم مؤلفاته : اطلنطس الجديدة ، ترقية العلوم ، الأورغانون الجديد .
(2) هيوم ديفد : ولد عام 1123هـ (1711م) وتوفي عام 1186هـ (1772م) فيلسوف ومؤرخ اسكتلندي مذهبه نتيجة منطقية لفلسفة لوك دباركلي ، ومما ذهب إليه أن كل شيء بما في ذلك الإنسان سلسلة حالات متتابعة وليس لشيء ، ذاتية قائمة دائمة فمعرفتنا سلسلة انطباعات حسية تجتمع وفق قوانين للترابط إلى غيرها ، من أهم مؤلفاته رسالة في الطبيعة البشرية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 124

أداة كوّنها الأفراد بناءً على عقد أُبرم بين الحاكم والمحكومين ، ويأتي بعده جون لوك(1) الذي يعزى إليه الفضل في أنه جعل السلطة في الشعب ووضع مبادئ الحرية للشعب الذي لا بد أن يدبر شؤونه بنفسه ، وقد انتقده البعض بأنه تحدث عن الحرية ونسي المساواة ، ولعل السبب يعزى إلى انتمائه لحزب Whigs الإنكليزي الذي لا يؤمن بالمساواة بين الناس في الثروة ، بينما يؤمن بالفردية والحرية(2) .
هذه هي جذور الفردية التي تشكلت منها الرأسمالية والديمقراطية والليبرالية والعلمانية وإلى جانب ذلك يوجد مذهبان آخران لهما تأثير في النظام الرأسمالي من قريب أو بعيد ألا وهو المذهب النفعي ، والمذهب العضوي ، فالمذهب النفعي يعد من فروع المذهب الآلي وقد تبناه جرمي بتنام(3) ، والمذهب النفعي يعتمد المنفعة الشخصية أو العامة ـ حسب المبنى الفلسفي لكل واحد من الفلاسفة ـ أساساً لتمييز الخير والشر في الأعمال ، ويرى أن كل ما يؤدي إلى السعادة أو المنفعة فهو خير وكلما لا يؤدي إلى ذلك فهو شر ، ويقول بنتام عن الدولة : «إن الذي يميز الدولة عن غيرها من النظم هو أنها مصدر القانون ، والقانون هو أحد جزاءات أربعة تسيطر على الحياة الإنسانية وهي الجزاء الطبيعي الذي

(1) جون لوك (John Locke) : ولد عام 1042هـ (1632م) وتوفي عام 1116هـ (1704م) وكان والده محامياً وعضواً في المجلس النيابي في انكلترا أثناء الحروب الأهلية ، وقد تخرج من جامعة أكسفورد ، يعد من أعظم المفكرين السياسيين بعد هوبز ، شغف الفلسفة اثر مطالعته مؤلفات ديكارت كما شغف العلوم الطبيعية عندما صادق روبرت بويل (Boyle) فتخرج طبيباً فيلسوفاً ، له عدد من الأبحاث والمحاضرات ، ومن مؤلفاته : «رسالتان عن الحكومة المدنية» .
(2) راجع أساطين الفكر السياسي والمدارس السياسية : 212 ، راجع أيضاً تاريخ الفكر السياسي : 260 ـ 263 .
(3) جرمي بنتام (Bantham) : ولد عام 1161هـ (1748م) وتوفي عام 1248هـ (1832م) وكانت ولادته في أسرة جميع أبناءها من الأثرياء المحامين إلا أنه فشل في المحاماة ، عندما كان يدرس في اكسفورد فكرس نفسه للدراسات الإنسانية فتوصل إلى بعض النظريات لإسعاد البشرية حسب رأيه ، له عدد من المؤلفات : «فصل عن الحكومة» و«مقدمة مبادئ الأخلاق والتشريع» و«التشريع المدني والجنائي» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 125

يتمثل في الحوادث الطبيعية ، والجزاء الأخلاقي الذي يتمثل في الشعور العام للمجتمع ضد الشخص المخالف ، والجزاء الديني ، ثم الجزاء القانوني أو السياسي وهو الجزاء الذي تصبه الدولة على الأفراد المخالفين لقوانينها ، فأساس وجود الدولة هو أنها تضع القوانين بقصد الوصول بالمجتمع إلى السعادة حسب تفسيره لها .
ويفرق بنتام كغيره من النفعيين بين الحرية الطبيعية وهي حرية الإنسان في أن يفعل كلما يريده وبين الحرية المدنية وهو أن يفعل الفرد كلما يريده شرط أن يكون ذلك غير منافي مع المصالح العامة للجماعة التي يعيش فيها ، ويرى أيضاً أن القانون الخير ليس ذلك القانون الذي يزيد من حرية الأفراد بل ذلك الذي يزيد من سعادتهم ، والسعادة عنده تقوم في الأمة على أربعة أشياء رئيسية : الرخاء ، المساواة ، الطمأنينة (الأمن) والغذاء ، وكان بنتام من القائلين بأن الفرد سابق على الدولة لأن الغرض من الدولة هو إسعاد الفرد كما أنها هيئة تقوم على ثقة الأفراد وعلى ذلك فالدولة في رأيه يجب أن تكون ديمقراطية . ويأتي جون ستوارت ميل(1) ليتبنى هو الآخر المذهب النفعي وحيث يرى ضرورة الحكم الديمقراطي لتوفير الحرية للشعب شرط أن تكون الظروف المحيطة بالشعب ملائمة للنظام الديمقراطي ، ويؤكد أن الدولة نظام صناعي يرجع إلى إرادة الإنسان التي أوجدتها والتي هي أساس كل النظم الاجتماعية ويقول : بأن فرداً ذا إرادة يساوي كقوة اجتماعية تسعة وتسعين شخصاً لا إرادة لهم ، ثم يطالب بتحسين حال الطبقات الفقيرة وبذلك اعتنق كثيراً من مبادئ الاشتراكية ولا ينظر إلى الملكية كما كان ينظر سلفه بنتام إذ لم تكن في نظره شيئاً مقدساً فهو ينتقد الحالة الرأسمالية التي كانت تحيط به من أن الأرض والصناعة والعلم كلها محتكرة لأقلية ضئيلة من أفراد المجتمع وهو ينظر إلى عدم التوزيع المتكافئ لملكية الأراضي الزراعية على أنه ظلم وشر ، ورغم

(1) جون ستوارت ميل (John stuart Mill) : ولد عام 1221هـ (1806م) وتوفي عام 1290هـ (1873م) تعلم اليونانية فقرأ ما كتبه فلاسفة اليونان ، وقد أخذ معظم علومه من والده جيمس ميل (James mill) ، أسس جمعية أصحاب المذهب النفعي وله من العمر ستة عشر عاماً ، ومن مؤلفاته : نظام المنطق ، مبادئ الاقتصاد السياسي ، وكتاب مقال عن الحرية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 126

خروجه نوعاً ما على المذهب النفعي إلا أنه يعد من أصحابه(1) .
وأما المذهب العضوي الذي تولاه جان جاك رسو(2) فقد تفرع من المذهب الآلي حيث أخذ بعض المفكرين يبتعد عن تلك ليكوّنوا مذهباً مستقلاً ظهرت معالمه في القرن الثالث عشر الهجري (19 م) وذلك عندما توصلوا إلى أن دراسة الفرد مستقلاً عن الجماعة شيء لا معنى له حيث أن دراسة الأفراد كذرات منفصلة تسير سيراً آلياً ميكانيكياً وذلك بعد دراستها دراسة عميقة ، فأصبحوا ينتقدون المذهب الآلي تحت رغبتهم في التمتع بالحرية والإفلات من سلطة الدولة حيث أصبحت الحرية عندهم تعني أن يتصرف الإنسان وفق قانون يشعر بأنه يطابق رغباته الحقيقية ويتناسب مع شخصه سواء سمي هذا القانون بالقانون الطبيعي أو بالقانون الإلهي أو قانون العقل ، ولم تكن الدولة إلا الوسيلة الوحيدة لتحقيق الحرية ، وأصبح فلاسفة القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري (18 ـ 19 م) يرون أن فكرة «أن الإنسان آلة» لا تتفق مع كرامة الإنسان بل يجب أن ينظر إليه بأنه أكثر من ذلك وأسمى ولذلك اهتموا بتاريخ الشعوب وتطورها وتوصلوا إلى أن كل دولة تولد وتنمو وتنضج ثم تضمحل كالكائن الحي وبذلك بدؤوا يصورون الدولة تصويراً عضوياً . ويرى روسو : أن طبيعة الإنسان متكونة من غريزتين : غريزة حب النفس وغريزة حب المشاركة (الاجتماعية) وهما غريزتان مقيدتان وخيريتان أكثر من أن تكون ضارتان حيث أن الإنسان بطبيعته خير ، ومن رغبة الإنسان إرضاءها هاتين الغريزتين ومنه ينتج الضمير

(1) راجع أساطين الفكر السياسي والمدارس السياسية : 213 .
(2) جان جاك روسو (Rousseau) ولد عام 1124هـ (1712م) وتوفي عام 1192هـ (1778م) ولد في جنيف من أسرة فرنسية هاجرت في منتصف القرن العاشر الهجري (16م) إلى سويسرا وكان والده إسحاق بائع ساعات ، نشأ غبياً مهملاً ثم لصاً غير منضبط ، وأخيراً اشتغل بالموسيقى إلى أن اشتغل عند سفير فرنسا بالبندقية وعندها ارتبط بشخصيات أدبية وعلمية وبرز عام 1163هـ (1750م) حين قدم خطاباً عن العلوم والفنون ، وكتب مصنفه التالي : «أصل التفاوت بين الناس» ثم كتب : «اميل» وآخر : «العقد الاجتماعي» واثر نشره للكتابين الأخيرين تقرر القبض عليه بتهمة دفاعه عن حقوق الأفراد ضد الطغيان فاضطر إلى الفرار من فرنسا إلى سويسرا ، وكان قد ترك في شبابه المذهب البروتستانتي إلا أنه عاد إليه في شيخوخته .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 127

وهو يحتاج إلى قائد يقوده وهو العقل .
ويرى أيضاً أن الإنسان ولد حراً إلا أنه مكبل بسلاسل (اجتماعية) وأن الأسرة هي المجتمع الطبيعي الوحيد ويأتي بعده المجتمع الاصطناعي الذي هو من صنيع الإنسان وهو يتم بالعقد أو الاتفاق لا بالقوة ، وإنما العقد الاجتماعي يمثل الأساس السليم الذي يجب أن يتخذه الأفراد كأساس لمجتمعاتهم وهذا العقل سيحل العدل محل الغريزة في علاقات الناس بعضهم ببعض وسيحول الإنسان من حيوان غبي إلى كائن مفكر عاقل وسيعطي للأفعال الإنسانية صبغة أخلاقية ، وللوصول إلى هذه الغاية يعقد الأفراد عقداً مع جمهورهم أو مجموعهم فلا يعقد العقد مع الحكومة لأنها مجرد عميل لهم ، وفي مثل هذا المجتمع لن يكون ثمة خضوع إلا للقانون وهو الذي يجعل العدل والحرية يسودان بين الناس وهو ناتج عن إرادة الجميع ومن ثم يكون إجباراً إلزامياً يطيعه الجميع على السواء فهذا أساس المساواة بينهم ، والقانون ليس إلا صوتاً مقدساً يملي على كل مواطن مبادئ العقل العام وهو الذي يعلم الإنسان كيف يتصرف وفق حكم وضعها هو بنفسه(1) .
ومما تقدم يتبين بأن الرأسمالية الديمقراطية ولدت من رحم المذهب الفردي وهو بدوره كان وليد الاضطهادات التي مارستها الكنيسة والملوك ، ففي القرن السابع الهجري (13 م) قام البارونات في بريطانية في مواجهة طغيان الملك جون مواجهة مسلحة مما أدى إلى توقيع الملك على العهد الأعظم والذي اعتبر هذا كوثيقة حقوقية وبمقتضاها حددت سلطة الملك وسلطانه وعلى أساسه انتقلت السلطة إلى الشعب ، وفي ظل هذا التحول ولد الفيلسوف هوبز الإنكليزي فبدأ يكتب عن حرية الناس وأنهم ولدوا أحراراً ولكنهم لم يستطيعوا العيش في حالة من الفوضى فتنازلوا عن حرياتهم متعاقدين فيما بينهم ليقوم مجتمع يحكمه فرد منهم .
ولعل هذا أول حديث عن سلطة الشعب من خلال الفرد ، ولكن جاء

(1) راجع أساطين الفكر السياسي والمدارس السياسية : 224 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 128

بعده الفيلسوف لوك الإنكليزي فطوَّر هذه النظرية في اتجاهين الأول : أن الأفراد لم يتنازلوا عن العقد عن كل حقوقهم وحرياتهم بل عن جزء منها بما يلزم لقيام المجتمع ، الثاني : أن الرئيس كان طرفاً في العقد وليس خارجاً عن العقد كما فهم من كلام هوبز .
وبذلك قوض نظرية هوبز المؤيدة للحكم المطلق الذي يتمتع به الحاكم والمستمد من الشعب كما صوره هوبز ، وكانت لكتابات لوك ونظرياته الفلسفية الفضل الكبير في تقويض الحكم المطلق للتاج البريطاني وذلك عام 1099 هـ (1688 م) .
وفي القرن الثاني عشر الهجري (18 م) تلقى فلاسفة فرنسا والذي من أبرزهم جان جاك روسو(1) هذه النظريات فصاغها في نظرية العقد الاجتماعي(2) والتي نظّر لها على أساس أن الأفراد كانوا أحراراً يتمتعون بالحقوق كافة لكنهم أمضوا عقداً اجتماعياً نشأت بموجبه :
1 ـ إرادة عامة لمجموع الأفراد ، 2 ـ إرادة المجموع كبديل عن الإرادات الفردية السابقة على التعاقد .
إذاً فالإرادة العامة ترعى حقوق الأفراد الطبيعية التي يتنازلوا عنها جميعاً وإنما تنازلوا عن جزء منها ليقوم المجتمع .
وقد دعم أرباب المدرسة الطبيعية نظريات المذهب الفردي في افتراض الحقوق الطبيعية للأفراد ، حيث أن المدرسة الطبيعية من مبادئها إقرار الحقوق الطبيعية للأفراد بشكل غير قابل للانفصال عن ذواتهم وشخصياتهم ، فَعَنْ كل هذا نتج انتقال السلطة من الملوك إلى الشعوب

(1) سبق وقلنا أن روسو كان فرنسي الأصل ولد في سويسرا كان يعيش فيها .
(2) العقد الاجتماعي : قيل بأن هذه النظرية تقوم على عقد يبرم بين الشعب والحاكم ويضمّنه الشعب موافقته على اسناد السلطة إلى الحاكم مع مراعاة أن تبقى هذه السلطة ملكاً للشعب باعتبار أن ذلك أمر مستفاد من حالة الطبيعة السابقة على نشأة المجتمع السياسي والتي كانت حالة حرية ومساواة بين الأفراد ، ولا يخفى أن هذا نوع من أنواع البيعة التي تتم بين الحاكم والمحكومين .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 129

ممثلة في المجالس النيابية ، وصارت الديمقراطية علماً على هذا الخليط من النظام وهي تعني حكومة الشعب والاعتراف بسيادة الشعب والتي تقوم على مبدأ سيادة القانون الذي يحفظ للأفراد حقوقهم ، وقد تمثلت حرياتهم في مبادئ ثلاثة .
1 ـ مبدأ سيادة الامة ، 2 ـ مبدأ الشرعية ، 3 ـ الحقوق والحريات العامة(1) .
ومن هنا جاءت نداءات فولتير(2) وروسو وغيرهما من مفكري وفلاسفة فرنسا في القرن الثاني عشر الهجري (18 م) وبعدها بقليل انفجرت الثورة الفرنسية عام 1203 هـ (1789 م) لتتحرر من سلطة الكنيسة واستبداد الملوك ولذلك أطلقت الشعار التالي : «اقتلوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس» ، ومن هنا أيضاً جاء شعار «العلمانية» وشعار فصل الدين عن الدولة ، ومسألة حقوق الإنسان ، ومن ثم برزت النهضة الصناعية(3) .
ومن الجدير ذكره أن الفكرة وضعت في الأساس في المجال الاقتصادي إلا أنها سرعان ما طبقت في المجال السياسي لتحدد وظيفة الدولة في أمور ثلاثة : الأمن ، والسكينة ، والصحة ، وطبقت في المجال الاجتماعي أيضاً لتطلق حريات الفرد .
وفي القرن الثالث عشر الهجري (19 م) اعتنق جماعة من المفكرين في إسبانيا المبادئ الدستورية البريطانية التي سبق وأشرنا إليها والتي كانت تهدف إلى تقييد سلطة الحاكم وكفالة حقوق الأفراد وكونوا

(1) راجع الاتجاهات الفكرية المعاصرة : 135 .
(2) فولتير فرانسوا : ولد عام 1105هـ (1694م) وتوفي عام 1192هـ (1778م) فيلسوف ومفكر فرنسي ، نشأ في باريس وتعلم في كلية لويس الأكبر اليسوعية ، اتهم بإهانة الوصي فيليب الثاني دوق أورليان فعوقب بالسجن في الباستيل وهناك أعاد كتابة مسرحية أوديب ، وبدأ ملحمة عن هنري الرابع فنال شهرة كبيرة وفي عام 1138هـ (1726م) أدين وسجن في الباستيل لاتهامه بإهانة أحد النبلاء ولما اطلق سراحه هاجر إلى انكلترا فاعجب بحرية الفكر السائدة هناك وتأثر بأفكار نيوتن ولوك فألف كتابه : رسائل فلسفية ، تاريخ شارل 12 ، عناصر فلسفة نيوتن .
(3) راجع الاتجاهات الفكرية المعاصرة : 73 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 130

حزباً سياسياً سموه بالحزب الليبرالي (Les Liberales) وسعوا في حدود عام 1225 هـ (1810 م) إلى تطبيقها في الحياة السياسية الإسبانية وسرعان ما شاع هذا المصطلح في أرجاء أوروبا ، وقُصد به ـ في ذلك الحين ـ أنصار النظام النيابي ودعاة حرية الفكر وحرية التجارة وحرية الملكية الخاصة .
واعتمد المذهب الليبرالي على التيار العقلاني حيث لا ينتسب المذهب الليبرالي إلى فيلسوف أو مدرسة فلسفية معينة أو إلى حدث بذاته ، وإنما كان ثمرة تفاعل عدة عوامل فكرية ومادية أفرزت ـ في خاتمة المطاف ـ المذهب والدولة الليبرالية ، وعرف بالتيار العقلاني أيضاً ، ويقوم هذا التيار على الإيمان بالفرد وقدرته بوصفه كائناً عاقلاً على أن يستخدم عقله في مواجهة الطبيعة وسبر غورها والوقوف على سننها توطئة لتسخيرها لخدمة أهدافه .
وبتاثير التيار العقلاني هذا ظهرت فلسفة تنادي بتكثيف الدور الإيجابي للفرد في الوجود ونادت بأن عقل الإنسان هو الذي يصنع أساس القانون والدولة والذي هو نظام الحياة الاجتماعية بأسرها .
ودعا مفكروا هذا التيار بالتخلي عن النظام التقليدي واستحداث نظام يرتكز على العقل والطبيعة ليحافظ على حقوق الفرد ورفعوا شعار الحرية والمساواة ، وشعار سيادة الشعب ، وأعلنوا بأنها تعبر عن إرادته الحرة ، وأصبحت إرادة الشعب من الناحية النظرية هي ركيزة الشرعية ، وتخلوا عن سلطة المَلِك بكل ما صاحبها من امتيازات طبقية كما رفضوا زعم السلطة الملكية المطلقة بأنها تعكس إرادة الله على الأرض(1) .
وللمذهب الليبرالي ظهور في الجانب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وقد ساهمت المدارس الفكرية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا في إرساء المفاهيم السياسية الليبرالية وقد قامت هذه المفاهيم بدورها على الدعوة لإطلاق حرية المبادرات الفردية بوصفها الضمان الأساسي لسعادة الأفراد في حياتهم الاجتماعية وحذرت من اعتداء

(1) راجع تطور الفكر السياسي : 189 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 131

الدولة على الحريات الطبيعية للأفراد .
ولنرجع الكلام إلى المرتكزات في السلطة الديمقراطية المباشرة للشعب حسب ما أورده روسو إذ يقول : «إذا بحثنا عما يتكون منه بالضبط أكبر قدر من الخير للجميع وهو ما ينبغي أن يكون هدف كل نظام تشريعي سنجد أنه يتلخص في شيئين رئيسيين الحرية والمساواة ، الحرية لأن كل تبعية خاصة هي قدر من القوة ينقص من جسد الدولة ، والمساواة لأنه لا بقاء للحرية بدونها»(1) .
فالحرية : أي استقلال الرأي والذي يشكل أساس النظام التشريعي يتأصل فلسفياً بالاستقلال المعنوي للإنسان وينبع من الأساس الروحي المرتكز في طبيعته التي تجعله جديراً بالحرية لأن الروح خلافاً للجماد تتمتع بالحرية ، فالنظرة إلى الطبيعة تفيد أن الجماد خاضع لحتمية القوانين العلمية كما أن الحيوانات تسيرها غرائزها ويبقى أن الإنسان من دون المخلوقات الأخرى كائناً حراً لأنه من طبيعة روحية ومزود بحق الاختيار(2) .
ويقول الفيلسوف الألماني كانت(3) : «كل إنسان يحوز حرية الاختيار ، والعقل يقع عليه الالتزام يتحمل مسؤولية تصرفاته»(4) ، ويقول روسو : «لكل فعل حر سببان يجتمعان لإنتاجه أحدهما معنوي وهو الإرادة

(1) راجع كتاب تطور الفكر السياسي : 59 عن كتاب العقد الاجتماعي لروسو ، الكتاب الأول ، الفصل : 11 .
(2) راجع الديمقراطية والمشاركة لكابيتان : 152 .
(3) كانت عمانوئيل : ولد عام 1136هـ (1724م) وتوفي عام 1219هـ (1804م) فيلسوف الماني يعد من أعظم الفلاسفة جميعاً على ما قيل ـ كانت ولادته في كونكربرج وفي جامعتها تعلم المنطق والميتافيزيقية فند مذهب الشك الذي قال به هيوم لأنه لم يحلل المعرفة الإنسانية تحليلاً وافياً بأن جعلها معتمدة على الحس وحده ، مع انها تعتمد كذلك على مقولات ومبادئ عقلية لولاها لأصبحت معطيات الحواس خليطاً ، من أهم مؤلفاته : نقد العقل الخالص ، أسس الجانب الميتافزيقي من الأخلاق ، نقد العقل العلمي .
(4) الاستبداد الديمقراطي : 117 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 132

التي تحدد الفعل ، والآخر مادي وهو المقدرة على التنفيذ»(1) .
وأما المساواة فقد كتب روسو فيما يتعلق بالثروة مثلاً : «المساواة تعني ألا يبلغ أي مواطن من الثراء ما يجعله قادراً على شراء مواطن آخر وألا يبلغ مواطن من الفقر ما يدفعه إلى بيع نفسه ، وإذا أردت أن تضفي على الدولة ثباتاً ، قرّب بين الحدود بقدر الإمكان ، فلا يبقى فيها غنى فاحش ولا فقر مدقع فهذان الوضعان اللذان لا ينفصلان عن بعضهما البعض مُضرّان بالخير العام ، ان أحدهما يؤدي إلى وجود أعوان الطغاة والآخر إلى الطغاة ، وفيما بينهما تشترى الحرية وتباع أحدهما يشتريها والآخر يبيعها»(2) .
ومما تجدر الإشارة إليه أنهم ذكروا فوارق بين الحرية الديمقراطية والحرية الليبرالية ، فقالوا : إن الحرية الديمقراطية هي استقلال أي خضوع إرادي للقانون فهي إذاً حرية تتوافق والقانون . والحرية الليبرالية : هي حرية خارج الدولة تستخدم في مواجهة الدولة .
إذاً فالأولى حرية مدنية ، والثانية حرية طبيعية ، ومن هنا تعكس المقولة الرأسمالية : «دعه يفعل ودعه يمر» فهي تعني أن الحرية الليبرالية تتحقق حيث ينتفي تدخل القانون وتفترض ممارستها ابتغاء وجود المشرع ، وهو نابع عن إيمانهم بالنظام الطبيعي ، وليس من الضروري أن يخضع المجتمع الطبيعي بكامله للدولة ، فيتعين على ذلك استبعاد صلاحيات سلطة السلطان السياسية بحيث يتحقق التعايش بين حالة الطبيعة والحالة المدنية ، ويكون لكل مجاله الذاتي الخاص به ، فالحرية تختص بحالة الطبيعة والسلطة تختص بالحالة المدنية .
إذاً فالديمقراطية هي استقلال الإرادة الفردية أما النظام الليبرالي فيقوم

(1) راجع كتاب تطور الفكر السياسي : 70 عن كتاب العقد الاجتماعي الكتاب الثاني ، الفصل : 11 .
(2) راجع كتاب تطور الفكر السياسي : 75 عن كتاب العقد الاجتماعي : الكتاب الثاني ، الفصل : 11 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 133

على الحكم النيابي الذي يعترف للأفراد بحق المشاركة في سن تشريعات الدولة ، والاستقلال القانوني الذي يشكل مبدأ الديمقراطية هو نتيجة للاستقلال المعنوي للإنسان فالدولة تقوم على مبدأ استقلال الإرادة الفردية نتيجة لأخذ الديمقراطية بمفهوم الطبيعة الروحية للإنسان ، أما الفلسفة الليبرالية فتقوم على نظرة مادية للوجود ، فالنظرة الليبرالية للإنسان دارت على : أن الإنسان يسعى قبل أي شيء إلى مصلحته الشخصية .
ومن فوارق المساواة الديمقراطية والمساواة الليبرالية ، أن الديمقراطية تنفي السلطة الشخصية سواء كانت فرداً أو طبقة ، وبعبارة أخرى أنها تنفي سلطة السيطرة من جانب طرف على طرف آخر ، والمساواة إذاً في المنظور الديمقراطي تتكامل مع الحرية ، والمساواة لا تعني انتقاصاً من حرية الغير وإنما تعني المساواة في الحريات وفي استقلال الإرادات ، وهي تهدف إلى بناء المجتمع على أساس استقلال إرادة جميع أعضاء المجتمع بحيث يكونون متساوين في التمتع باستقلال الإرادة ، وليس على أساس استقلال إرادة فرد أو طبقة .
وأما مفهوم المساواة الليبرالية هو مساواة في الخضوع لقانون لم يشارك الجميع في صنعه أي أنها مساواة الأتباع وليس مساواة السادة ، وقد أقروا مبدأ المساواة في الحظوظ أو الفرص ضد عدم المساواة المستند إلى الامتيازات السائدة في العهد السابق ، وأخذت الليبرالية بمقولة الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي واستندت إلى ذلك لاستبعاد قطاع كبير من النشاط الاجتماعي خارج الدولة وهو القطاع الذي أطلق عليه تسمية قطاع الحرية الطبيعية فمثل هذه الحرية الطبيعية هي بحسب تعريفها فوضوية تسمح باستغلال القوة وتقود إلى قهر الضعفاء أي أنها حرية شريعة الغاب وتفرز نظاماً اجتماعياً من عدم المساواة شكل سمة المجتمع الرأسمالي القائم على عدم المساواة في الثروات وعدم المساواة بين الطبقات .
هذا ويقصد بالمجتمع المدني دائرة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية أي عالم العمل والإنتاج وعالم العلاقات الخاصة الأسرية أو الاجتماعية ، بينما يقصد بالمجتمع السياسي دائرة العلاقات العامة والمؤسسات السياسية والدولة ، فالمجتمع المدني يخاطب المنتج والمستهلك ورب الأسرة والفرد

السابق السابق الفهرس التالي التالي