دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 134

في أوقات فراغه ، بينما المجتمع السياسي فلا يعني إلا بالمواطن(1) .
ويذكر بأن السيد ستيورات ميل هو الذي نظّر للرأسمالية(2) .
وتعتبر مؤلفات الأعلام الذين سبق ونقلنا بعض نظرياتهم من مصادر الرأسمالية إلا أنها لا تقتصر عليهم لأنه طرأ الكثير من التجديد لسنا هنا بصدد كل ذلك . ويعد كلٌ من فرانسوا كيزني(3) وجون لوك(4) وتروجو(5) وميرابو(6) وساي(7) وباستيا(8) ، وآدم سميث(9) ودافيد (داوود) ريكاردو(10)

(1) راجع تطور الفكر السياسي : 198 .
(2) الفكر السياسي عند الشيعة : 120 .
(3) Francois Quensnay له كتاب الجدول الاقتصادي Economaique Le tableau «أسس المذهب الطبيعي» ، مضت ترجمته .
(4) John Loke «صاغ النظرية الطبيعية الحرة» . سبقت ترجمته .
(5) Turgot , Anne Robert Jacques : ولد في باريس عام 1139 (1727م) وتوفي بها عام 1195هـ (1781م) فيلسوف فرنسي تخصص في الاقتصاد والقانون والفلسفة الدينية ، تخرج من جامعة السوربون ، كان عضواً في المجلس النيابي في باريس ، تولى مناصب أخرى ، جمع بين الفكر المادي والإلهي حيث كان يرى أن الله مصدر للوجود ، وكان من أوائل من وضع نظرية المراحل الثلاثة للتقدم الاجتماعي : الدين ، التنظير العلم ، وكان يرى أن السياسة والاقتصاد هما اللذان يوحدان العالم ، شارك في وضع موسوعة فلسفية ، له مؤلفات منها : نظرة في تكوين وتوزيع الثروة ، وكتاب رسائل في حرية تجارة الحبوب ـ راجع الموسوعة السوفيتية : 26/134 ، الموسوعة البريطانية : 12/54 .
(6) ميرابو (Mirabou) : هو ميرابو اونريه جابرييل ريكتي كونت دي 1163 ـ 1206هـ (1749 ـ 1791م) سياسي فرنسي ، دخل البرلمان الفرنسي نائباً عن الطبقة العامة ، وكان خطيباً بارعاً ، حاول أن يضع للملكية الفرنسية دستوراً على النمط البريطاني ولم يفلح .
(7) ساي (J.B.Say) : هو ساي جان باتست 1181 ـ 1248هـ (1767 ـ 1832م) اقتصادي امريكي ، له نظرية قانون الأسواق ، من مصنفاته : محاضرات في الاقتصاد السياسي .
(8) (Bastyau) :
(9) آدم سميث (A .Smith) : ولد عام 1135هـ (1723م) في مدينة كير كالدي الاسكوتلندية وتوفي عام 1204هـ (1790م) درس الفلسفة ، تولى دراسة المنطق في جامعة كلاسكو ، سافر إلى فرنسا وهناك التقى أصحاب المذهب الحر ، يعد أشهر الكلاسيكيين على الإطلاق ، من مؤلفاته : بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم .
(10) دافيد ريكاردو (David Ricardo) : ولد عام 1186هـ (1772م) وتوفي عام 1239هـ =
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 135

وروبرت مالتوس(1) وجون ستيورات ميل(2) واللورد كينز(3) ودافيد (داوود) هيوم(4) وادمون برك(5) وغيرهم(6) من المنظرين للرأسمالية .

= (1823م) صاحب النظرية المعروفة «قانون تناقص الغلة» قام بشرح قوانين توزيع الدخل في الاقتصاد الرأسمالي .
(1) روبرت مالتوس (Robert Maltus) : ولد عام 1180هـ (1766م) وتوفي عام 1252هـ (1836م) من كبار علماء الاقتصاد الانكليز ، له نظرية اقتصادية في تزايد عدد السكان بشكل هندسي .
(2) جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) : ويعد الحلقة الوصل بين المذهب الفردي والاشتراكي ، له كتاب مبادئ الاقتصاد السياسي ، مضت ترجمته .
(3) اللورد كينز (Keyns) : ولد عام 1300هـ (1883م) وتوفي عام 1365هـ (1946م) عرف بنظريته حول البطالة والتشغيل ، له كتاب النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود .
(4) دافيد هيوم : ولد دافيد عام 1123هـ (1711م) وتوفي عام 1190هـ (1776م) صاحب النظرية النفعية (Pragmastism) .
(5) ادمون برك : هو من المدافعين عن الملكية الخاصة على أساس النظرية التاريخية أو نظرية تقادم الملكية .
(6) راجع الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة : 231 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 136

2 ـ النظام الاشتراكي

الاشتراك في اللغة تعدد المحور سواء في الرأي أو الحقوق أو الحصص وهي تعادل التوزيع تارة والاختلاط تارة أخرى والتعددية أيضاً والشريك هو المشاركة في القرار أو في الحقوق أو الحصص أو ما إلى ذلك .
وفي الاصطلاح الفلسفي : هو عبارة عن فلسفة مادية قائمة على نظرية مشاركة المجتمع في القرار والنتائج على شكل مؤسسات في الاتجاهات الثلاثة السياسية ، الاقتصاد ، والاجتماع .
وللاشتراكية مذاهب متعددة منها الاشتراكية العلمية (الماركسية) ، الاشتراكية النازية(1) ، والاشتراكية الفاشية(2) ، وأشهر تلك المذاهب هو المذهب الاشتراكي القائم على النظرية الماركسية والمادية الجدلية(3) .
وهذا النظام الاشتراكي القائم في قبال النظام الإسلامي والرأسمالي ينسب إلى ماركس(4) الذي قام بتهذيب ثم تفعيل نظرية الفيلسوف هيگل(5)

(1) النازية : نسبة إلى الحزب النازي الذي انشأ في المانيا وترأسه هتلر ، وفي عام 1342هـ (1923م) دخل الانتخابات وفشل ، والحزب النازي هو الحزب الوطني الاشتراكي الذي حكم المانيا ما بين 1352 ـ 1365هـ (1933 ـ 1945م) .
(2) الفاشية : نسبة إلى الحزب الفاشي الذي أسسه بنيتو موسوليني الإيطالي ، وذلك عام 1338هـ (1919م) تحالف الحزب الفاشستي الإيطالي مع النازي الألماني عندما تولى كل من موسوليني وهتلر الحكم في بلادهما .
(3) فلسفتنا : 24 .
(4) ماركس : (Marx) هو كارل ماكس ، ولد في تريف ـ المانيا عام 1233هـ (1817م) يهودي الأصل توفي في انگلترا عام 1300هـ (1883م) من رجال السياسة والفلسفة الاجتماعية ، حرّر البيان الشيوعي الأول فردريك انجلز في باريس عام 1264هـ (1848م) ، من آثاره : كتاب رأس المال وهو عرض لنظريته التي أصبحت فيما بعد دستور الماركسية والنظام الشيوعي .
(5) هيگل : (Hegel) ويكتب هيجل وهيغل وهو جورج فلهلم فردرك المولود في شتوتغارت =
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 137

والتي اعتمدت على نظريات قديمة جداً كانت تداول في أروقة فلاسفة اليونان الماديين وإنما قام هيگل بصقلها وإعادة صياغتها وترتيبها وشرحها وتصحيح بعض ثغراتها حسب نظرته الخاصة للحياة .
وقد عرفت فلسفة هيگل باسم فلسفة الفكرة(1) «وبحسب مصطلحات هذه الفلسفة فإن المقصود بالفكرة أو العقل المطلق أو الإرادة العالمية في ذاتها ومن أجل ذاتها أو روح العالم هو شيء واحد فهذه كلها اصطلاحات مترادفة ، وهيگل يعلن أنه من أنصار القانون الطبيعي والقانون العقلي وهو يأخذ على عاتقه الدفاع عن العقل الذي اتهم وأهين دائماً وبغير حدود ، كما ينادي بالوحدة بين ما هو واقع وبين ما هو معقول «فكل ما هو عقلي هو حقيقي وكل ما هو حقيقي هو عقلي» وبالتالي فالدولة تعتبر شيئاً معقولاً في ذاته ، بل يرى أن الدولة هي تجسيد للفكرة والإرادة العالمية تجسيد لله ، فالدولة كما يقول هي مجيء الله على الأرض ولذلك تجب عبادتها باعتبارها التجسيد الإلهي على الأرض»(2) .
وكان ماركس ممن اكتشف تناقضات النظام الرأسمالي وسلبياته والذي كان قائماً ولا زال على الفردية ، فعمد عندها إلى النظرية الشيوعية(3) فتبناها وأخرجها من مجرد نظرية لتصل إلى حيز التطبيق فلذلك نسبت إليه(4) .
ولم يكن خيار لنين(5) للاشتراكية إلا بعد فشله من تطبيق نظرية

= الألمانية عام 1184هـ (1770م) والمتوفى عام 1246هـ (1831م) فيلسوف آلماني قال أن الكائن والفكر شيء واحد هو الفكرة ، والفكرة تتطور على مراحل : الإثبات ثم النقض ثم الخلاصة ، من آثاره كتاب : المنطق الكبير ، مبادئ فلسفة الحق .
(1) فلسفة الفكرة : (Philosophie de L'idee) .
(2) راجع النظرية العامة للقانون : 186 ـ 187 .
(3) الشيوعية : تعتمد على محو الملكية الخاصة وعلى محو السلطة السياسية .
(4) ويذكر أن ماركس هو الذي وضع نظرية الماركسية وقام لينين وستالين بعملية التطبيق .
(5) لنين : أو لينين (Lenine) هو فلاديمير أليتش بوليانوف المولود عام 1287هـ (1870م) ، توفي عام 1343هـ (1924م) زعيم الثورة الروسية ومؤسس الحزب الشيوعي في روسيا ،
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 138

الشيوعية الخالصة ومحاولاته الحثيثة فوجدها غير عملية فاعتمد الاشتراكية بطريقته الخاصة بعد أن أجرى عليها بعض التعديلات حيث كان يأخذ المادة من الفكرة الشيوعية ويحاول تطبيقها حتى إذا استعصت عليه حرفها كما تنسجم مع الواقع ، وكلما سئل عن ذلك اعتذر بأنّ الشيوعية لا تطبق فجأة ولا تنزل من السماء ونحن نطوي فترة الانتقال ، ومما صرح به : «أن الإنسانية لا تستطيع الانتقال مباشرة من الرأسمالية إلا إلى الاشتراكية»(1) ولما جاء ستالين(2) اعتمد هذا النظام أيضاً ودعمه .
والنظام الاشتراكي الماركسي يعتبر أقوى المذاهب التي طبقت على أرض الواقع وهو يقوم بالإجمال على الفلسفة التالية :
1 ـ محو الطبقية ليتحول المجتمع إلى طبقة واحدة ، فقد وجدوا بأن الملكية الفردية هي من وراء ، الطبقية وذلك لأنها قسمت المجتمع إلى مالك ومحروم ، وعلى أثر هذه الدراسة أُلغيت الملكية الخاصة تماماً لتتحول الملكية إلى مؤسسة الدولة .
2 ـ استلام الحزب الواحد المتمثل بالبروليتاريا(3) مقاليد الحكم والإدارة السياسية ، ورغم أن فلسفة الاشتراكية تشكلت على مشاركة الشعب وبالاخص الكادحين والعمال ـ كرد فعل ـ في الحكم بشكل فاعل إلا أن زعماء الاشتراكية توصلوا إلى ضرورة الأخذ بزمام الأمور ليكونوا قادرين على تحقيق الأهداف وتطبيق سياسة النظام الإشتراكي والمحافظة على تلك المبادئ من التحريف فيما لو وصل إلى الحكم ممن لم يتثقفوا بالثقافة

= أعاد تنظيم الحزب البلشفي عند نشوب الثورة بمساعدة ستالين عام 1336هـ (1917م) .
(1) الاقتصاد : 173 .
(2) ستالين : (Staline) هو جوزيف فاديونفتش زوجا شفلي ، ولد في بلدة جورى في جورجيا عام 1297هـ (1879م) وتوفي في موسكو عام 1373هـ (1953م) من كبار رجال الدولة الروس ، الأمين العام للحزب الشيوعي ، أعد الدستور وأصبح عام (1941م) مفوض الدفاع الوطني ورئيس مفوضي الشعب ، ثم قائداً عاماً لجيوش السوفيات عام 1362هـ (1943م) .
(3) بروليتاريا : كلمة روسية تعني طبقة العمال الذين يعيشون من أجورهم ويعتمدون في وجودهم على عملهم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 139

الاشتراكية أو ممن يناهضها لصرفه عن مساره ، وقد صرح كل من ماركس وانگلز(1) بطبقية السلطة الحاكمة في قولهما : «أما هدف الشيوعيين المباشر فهو الهدف نفسه الذي ترمي إليه جميع أحزاب العمال أي تنظيم البروليتاريا في طبقة ، وهدم سيادة البرجوازية(2) واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية»(3) .
3 ـ تأميم مصادر الثروة الطبيعية ووسائل الإنتاج الرأسمالي لتصبح مؤسسة الدولة هي المالكة الحقيقية لكل الثروات الطبيعية وللمصانع والمؤسسات التجارية أيضاً ، وبذلك يعود نتاجها إليها ، وقد نص الدستور السوفياتي السابق على ما يلي : «إن الأرض وما في بطنها والمياه والغابات والمصانع والمعامل والمناجم والمعادن والسكك الحديدية والمواصلات المائية والجوية والمصارف ووسائل المخابرات والمشاريع الزراعية الكبيرة المنشأة من قبل الدولة.. وكذلك مشاريع البلديات والمجموعات الرئيسية من المساكن في المدن والمراكز الصناعية هي ملك للدولة»(4) .
4 ـ توزيع المواد الاستهلاكية ضمن مشروع مؤسسة الدولة حسب حاجة الفرد على قاعدة «كل حسب طاقته ، لا حسب نوعية عمله» وبذلك تحقق العمل الإجباري للفرد كما تفرضه مؤسسة الدولة كماً وكيفاً وعندها يتساوى أبناء الشعب الواحد كافة في الكم الزمني لخدمة مؤسسة الدولة

(1) انگلز : ويكتب انجلز وانغلز (Engels) هو فردريك ولد عام 1236 ـ 1313هـ (1840 ـ 1895م) فيلسوف ألماني وزعيم اشتراكي ، اشترك مع كارل ماركس في وضع البيان الشيوعي عام 1264هـ (1848م) أقام في انگلترا ، من كتبه : معالم الاشتراكية العلمية ، الدولة والملكية الخاصة ، وأصل الأسرة .
(2) البرجوازية : (Bourgeoisie) كلمة فرنسية تعني الطبقة الوسطى من مالكي وسائل الانتاج ، وكانت في الأصل اطلقت على سكان المدن الفرنسية ، وقد اكتسبت الكلمة دلالة خاصة لدى أصحاب الفكر الاشتراكي ولا سيما الماركسيين الذين تنصرف عندهم هذه الكلمة إلى الطبقة الرأسمالية التي تملك أدوات الانتاج تمييزاً لها عن الطبقة الكادحة (البروليتاريا) وهي طبقة العمال الذين لا يملكون ويعتمدون على كدهم في كسب عيشهم ، وعند الماركسيين أن النظام الرأسمالي ينطوي على صراع بين البورجوازية والبروليتاريا .
(3) البيان الشيوعي : 43 .
(4) الاقتصاد : 182 عن الدستور السوفياتي : 4/ المادة : 6 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 140

بينما يستحصل كل واحد منهم على الكم الاستهلاكي دون تمييز في نوعية العمل أو الجنس البشري أو ما إلى ذلك وعندها تلغى الطبقية كما تلغى الحريات العقائدية والاجتماعية كما ألغيت من الجانب الاقتصادي دور الأخلاق والأسرة .

مصادر التشريع عند الاشتراكيين

لقد اعتمد النظام الاشتراكي على النصوص التي صدرت من قبل زعماء الشيوعيين والاشتراكيين أمثال كارل ماركس ولنين وستالين وانگلز وغيرهم ، ثم جاء الفقهاء الاشتراكيون وقاموا بشرح وتحليل تلك النصوص وتولد منه القانون .
وفي هذا المجال يُذكر بأنّ مهمة القادة البلاشفة(1) بعد ثورة اكتوبر(2) أن يصوغوا نصوصاً جديدة استناداً إلى النظرية المتكاملة التي هيَّأها ماركس وانگلز ولنين وغيرهم من الماركسيين الكلاسيكيين(3) لقد ساهم لنين شخصياً في صياغة بعض القوانين الأولى بعد ثورة اكتوبر ولكن مع ذلك بقي عملاً شاقاً مرّ عَبْرَ صراعات داخلية حادة ، تطلب القيام بتفسير النظرية بهدف صياغة أفضل الحلول الملائمة لسير ثورة محاصرة .
وعليه كانت المؤلفات الماركسية الكلاسيكية المصدر الوحيد للقانون الاشتراكي ، والقانون لم يكن سوى تطبيق لهذه النظرية التي تشكل أساس سياسة الدولة ، وإلى جانب المؤلفات الماركسية يستند المشرع كتقليد ما

(1) البلاشفة : البلشفيك كلمة روسية معناها الأقلية وتقابلها المنشفيك والتي تعني الأكثرية ، والبلشفيك الاسم الذي اختاره زعماء الشيوعيين لحزبهم الشيوعي حينما كانوا أقلية .
(2) ثورة اكتوبر : سميت بثورة أكتوبر نسبة إلى التقويم القديم : إذ أن البلاشفة بقيادة لنين سيطروا على زمام الحكم في 7/11/1917 ، وأقام دكتاتورية الطبقات الكادحة أي الحزب الشيوعي ، وتم إسقاط الحكم القيصري ، وقد استفاد البلاشفة من هزائم روسيا في الحرب العالمية الأولى في السيطرة على الحكم .
(3) الكلاسيك : في مقابل الخيال والرومانسية ، ويقال لها الماركسية العلمية أو الاشتراكية العلمية في مقابل الاشتراكية الخيالية القائمة على الانفعالات الحادة والمشاعر الجيّاشة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 141

زال باقياً على مقررات مؤتمرات الحزب التي تتضمن أسس التشريع المزمع إصداره ، ولا شك أن هذه المصادر ليست قانوناً بالمعنى الدقيق للكلمة ولكن لا نقاش في أهميتها الفكرية .
ولكن بعد سنوات من قيام النظام الاشتراكي برز الفقه إلى السطح ليساهم في إبداء ملاحظات تفيد في شرح وإبراز أصالة النظام القانوني السوفياتي ، وكان الفقه في البداية متوجساً يحسب خطاه على مهل ، ولكن بعد ثبات النظام الاشتراكي وتوسيع رقعته والتخلص من الجمود العقائدي في الخمسينيات انطلق الفقهاء يمارسون دورهم الهام في تقديم القانون(1) .
هذا ويحدد گالونسكي(2) وستروكوفتش(3) الفقيهان الاشتراكيان «القانون الاشتراكي» من وجهة نظرهما بأنه : «مجموعة قواعد السلوك الإنساني»(4) وعند شرح هذه المقولة في إطار القانون الاشتراكي جاء ما يلي : «وبما أن القانون كذلك فإنه ينظم تصرفات وعلاقات الأفراد فيما بينهم ومع أجهزة الدولة ومع الدولة نفسها ، وأن العلاقات الإنسانية في المجتمع تدعى بالعلاقات الاجتماعية التي ترى الماركسية اللنينية بأن جميع الحياة الاجتماعية تستند إلى علاقات الإنتاج حيث يقول عنها ماركس : «أن مجموع هذه العلاقات يشكل البناء الاقتصادي للمجتمع ، الأساسي الحقيقي الذي يشاد عليه البناء الفوقي ، القانوني والسياسي ، يطابقه شكل محدد من الوعي الاجتماعي»(5) .
ومن الواضح جداً أن تشريع القانون الاشتراكي يعتمد كلياً على مسألة الاقتصاد وبهذا يصرح انگلز حين قال : «في الدولة الحديثة يجب على القانون ألا يكون فقط مطابقاً للوضع الاقتصادي العام ومعبراً عنه ، بل

(1) راجع نظرية القانون الاشتراكي : 178 ـ 179 عن مجلة القانون الدولي والقانون المقارن : 19 ـ 34 عام 1968م .
(2) گالونسكي Calczynski :
(3) ستروكوفتش :
(4) نظرية القانون الاشتراكي : 22 عن فلسفة القانون في الاتحاد السوفياتي : 4/200 .
(5) مساهمة في فقه الاقتصاد السياسي : 29 لكارل ماركس .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 142

يجب أن يكون تعبيره هذا ملتحماً به ، وإلا يسفه نفسه بتناقضات داخلية»(1) .
ومن أهم مصادر التشريع عندهم
1 ـ الأرقام التوجيهية لخروتشوف
2 ـ الأسس اللنينية لستالين
3 ـ الاشتراكية بين الخيال والعلم لفردريك انگلز
4 ـ البيان الشيوعي لماركس وانگلز
5 ـ بيان اللجنة المركزية الشيوعية لخروتشوف
6 ـ حركة التحرر الوطني في الشرق للنين
7 ـ حول دور النقابات ومهماتها للنين
8 ـ الدولة والثورة للنين
9 ـ الرأسمال لفريدريك انگلز
10 ـ رأس المال لكارل ماركس
11 ـ القضايا الاقتصادية الاشتراكية لستالين
12 ـ المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية لستالين
13 ـ مرض الطفولة في الشيوعية للنين
14 ـ مهمات منظمات الشباب للنين
15 ـ المختارات 1/10 للنين

وهذه المؤلفات تعكس آراء زعماء الشيوعية والاشتراكية في تشريع النظام الاشتراكي والتي تعد المصادر الرئيسية في هذا المجال .

(1) نظرية القانون الاشتراكي : 29 عن رسالة انگلز إلى كونراد شمدت .
ومن الشخصيات التي برزت في هذا المجال بروشتاين تروتسكي الذي ولد عام 1296هـ (1879م) واغتيل بتدبير من ستالين عام 1359هـ (1940م) وهو يهودي كانت له مكانة هامة في الحزب الشيوعي وقد تولى الشؤون الخارجية بعد الثورة ثم اسندت إليه شؤون الحرب .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 143


الدولة الاشتراكية

كان كارل ماركس وسائر زعماء الشيوعيين والاشتراكيين يحلمون بإلغاء الدولة ، ولكنهم مارسوها بالنيابة عن الطبقة الكادحة كما صرحوا بذلك في أكثر من خطاب وُجِّه إلى الشعب الكادح في روسيا ، وكان انگلز يرى بأن المجتمع غير الطبقي لم يعرف الدولة ولا القانون ، ولكنهم ذكروا أيضاً : بأنه لما ظهر تقسيم العمل انشق المجتمع البدائي إلى طبقتين استغلت إحداهما الأخرى فعندها ظهرت الدولة وظهر القانون معها حيث أنّ بينهما ارتباطاً وثيقاً .
هذا وقد عرفوا الدولة بأنها تنظيم سلطة الطبقة السائدة وهي مدعوة إلى إقامة وصيانة وتوطيد النظام الاجتماعي الذي يتفق وصالح وإرادة هذه الطبقة ، وبعد تأسيسها وممارستهم للاستبداد من خلالها برروا ذلك بالمعادلة النسبية بين دولتهم ودولة الرأسماليين من جهة اختلاف النوايا فقالوا : «إن كلا الدولتين الاستغلالية(1) والاشتراكية تستخدمان الاضطهاد والدكتاتورية ، تستخدمها الدولة السابقة للاشتراكية لمصلحة أقلية مستغِلة ضد أغلبية مستغَلّة ، الأمر الذي يجعلها دكتاتورية بالمعنى الأقل ديمقراطية للعبارة بينما تكون الدولة الاشتراكية الدولة التي ألغت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإعادتها إلى المجتمع وألغت كل استغلال للإنسان ، هذه الدكتاتورية ليست سوى ديكتاتورية بالمعنى الأكثر ديمقراطية للكلمة»(2) .
فالدولة الاشتراكية كما يقولون جاءت لتطبيق النظام العام دون الخاص ولذلك يعد هذا أصلاً من أصولهم حيث كتب لنين إلى كاوتسكي(3) : «لا يوجد بعد الآن قانون خاص ، كله أصبح قانوناً عاماً» ولأهمية هذه المقولة فقد استخدمها الحقوقيون والفقهاء الاشتراكيون جميعاً

(1) أريد بها دول الرأسمالية .
(2) نظرية القانون الاشتراكي : 106 ـ 107 .
(3) كاوتسكي : هو كارل كاوتسكي 1271 ـ 1357هـ (1854 ـ 1938م) ، أحد زعماء الاشتراكية الديمقراطية الألمانية والأممية الثانية ، تراجع عن المذهب الماركسي ، لَهُ نظريات سميت بالوسطية الكاوتسكية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 144

نصاً من نصوص النظام الاشتراكي(1) .
وهناك مجموعة من الفقهاء الاشتراكيين برزوا على الساحة القانونية مع بداية التشريع الاشتراكي عام 1368 هـ حيث يذكر بأن الاشتراكية بدأت مسيرتها التشريعية عام 1949 م(2) بعد تأسيس دولتها وقد عمد هؤلاء الفقهاء إلى شرح وتفسير النصوص التي صدرت من زعماء الشيوعية والاشتراكية ومن أهم فقهاء تلك الفترة :
تونكين(3) : له كتاب القانون الدولي العالم ، شارفان(4) : له كتاب نظرة إلى المفهوم السوفيتي للقانون الدولي العام ، فيشنسكي(5) : له كتاب قانون الدولة السوفياتية ، كاربوكوف(6) ، كالونسكي ، كورفين(7) ، ستروكوفتش ، ييمكينيف(8) :
وأخيراً فإن في تصريحات ونصوص المشرعين للنظام الاشتراكي(9) مآخذ كبيرة وأساسية أهمها : الاستبداد وعدم التعددية السياسية ، وحكومة الحزب الواحد ، واستخدام القوة ، وتحديد الحريات الفردية ، ومحاربة المبادئ والأخلاق ، واعراض عن ذات الإنسانية ، وقمع الأسرة والدين ، وبروز التناقضات بين الأفعال والمبادئ . وربما تمسك المنتمون إليها في الإجابة على البند الأخير وغض الطرف عن غيرها بأن هذا التناقض جار في كل المبادئ والأنظمة حيث هناك تناقض واضح بين الفكر والتطبيق ،

(1) راجع نظرية القانون الاشتراكي : 58 .
(2) راجع نظرية القانون الاشتراكي : 183 .
(3) تونكين :
(4) شارفان :
(5) فيشنسكي Andrei Vyshinsky ـ(1883 ـ 1954) ديبلوماسي سوفياتي . وزير الخارجية (1949 ـ 1953م) مثل بلاده في الأمم المتحدة خلال الحرب الكورية . كان أستاذاً في القانون ، وقد وضع نظرية تقول بأن اعتراف المتهم هو الأساس الوحيد الذي ينبغي أن تبنى عليه ادانته . المورد : 10/111 .
(6) كاربوكوف :
(7) كورفين :
(8) ييمكينيف :
(9) راجع نظرية القانون الاشتراكي .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 145

وقد عزي هذا الأمر أيضاً إلى الإسلام وإلى غيره ، ولكن الباحث يمكنه التمييز بين عمل المشرع وبين عمل من يدعي الوصل بتلك الشريعة حيث نجد في النظام الاشتراكي بالذات أن الحديث جارٍ عنها بأن التناقض واقع بين المبادئ التي طرحها مشرعو الاشتراكية وبين ممارساتهم ، بينما الرد يأتي على التناقض بين مبادئ الإسلام وبين مدعيّ الانتماء إلى الإسلام كالأمويين مثلاً وفي هذا مغالطة كبيرة .
وفي الحقيقة أن البحث يجب أن يتم أولاً وأخيراً في المبادئ والأفكار دون التطبيقات التي غالباً ما تتم عبر أصحاب المصالح الذين يتسترون بهذا المبدأ أو بذلك النظام ولذلك نرجو من القارئ مراجعة مصادر التشريع في النظام الاشتراكي ليخفف عنّا نقل تلك النصوص الكثيرة والتي فيها الكثير من المؤاخذات التي ألمعنا إلى بعضها .
وقد انتشرت الشيوعية والنظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي سابقاً والصين وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا وبولندا وألمانيا الشرقية سابقاً ، ورومانيا ، ويوغسلافيا سابقاً وألبانيا وكوبا ، بينما انتشر النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا واليابان وألمانيا الغربية سابقاً ودول أوروبية أخرى .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 146

3 ـ النظام الإسلامي

الإسلام : في اللغة هو الإخلاص كما في قوله جل وعلا : « وأسلمت وجهي لله »(1) ويأتي بمعنى الانقياد والإذعان كقوله تعالى : « ونحن له مسلمون »(2) والإسلام أيضاً هو السلامة والسَلَم كما في قوله عز شأنه : « ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم(3) لست مؤمناً »(4) .
وفي الاصطلاح : هو مجموعة من العقائد والأنظمة جاء بها الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الله تعالى كخاتمة للعقائد المرتبطة بالسماء ، والمتدين بالإسلام يسمى مسلماً والجمع مسلمون .
وهو يقوم على أسس فلسفية عميقة ومتينة ، وفي الجانب الذي يهمنا بحثه يتمحور الحديث في أن الخالق هو الأعرف بمصالح مخلوقه ودقائق أموره وعليه فما فرضه عليه أو نهاه عنه هو الأفضل له عن غيره ، ومع هذا فلم يلغ دور الإنسان في جوانب عديدة من النظام الذي يختاره لمجتمعه وشخصه فيما لا ضرر فيه .
والنظام الإسلامي يراعي العلاقات الست التي سبقت الإشارة إليها ، ويحافظ النظام الإسلامي على حقوق الله والفرد والمجتمع والبيئة ، ومجمل قوانينه تصنف إلى خمس(5) حالات في نطاق الوجود والعدم : التساوي بينهما ، وتفضيل أحدهما على الآخر ، والحسم لأحد الجانبين وبهذه المرونة يترك الحرية للإنسان في أكثر المجالات .

(1) سورة آل عمران ، الآية : 20 .
(2) سورة آل عمران ، الآية : 84 .
(3) السلم : وتقرأ السلام .
(4) سورة النساء ، الآية : 93 .
(5) الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 147

وفي الإسلام مذاهب متعددة نشأت إثر الخلاف في فهم المصدرين الأساسيين في التشريع وهما الكتاب والسنة ، ويعتبر الحديث هو التفسير للنص القرآني . وعدد المذاهب القائمة والمعترفة رسمياً في عصرنا سبعة : الإباضية ، الإمامية ، الحنبلية ، الحنفية ، الزيدية ، الشافعية ، والمالكية وتتصدر كل واحدة منها ـ على الأقل ـ المذهب الرسمي لإحدى الدول القائمة ، فعلى سبيل المثال فإن الإباضية هو المذهب الرسمي لدولة عُمان ، كما أن الإمامية هو المذهب الرسمي لإيران ، بينما الحنبلية هو المذهب الرسمي للسعودية ، وأما الحنفية فهو المذهب الرسمي لمصر بينما الزيدية هو المذهب القائم في اليمن ، وأما الشافعية فهو المذهب الرسمي في أندونسيا والمالكية في ليبيا .
وقد خضع النظام الإسلامي خلال أربعة عشر قرناً للكثير من الإرهاصات لسنا هنا بصددها وإنما مجالنا هو التشريع لا التأريخ فلا نتطرق إليها ، وبما أن هذا البحث التمهيدي خاص أساساً بالتشريع الإسلامي المقارن من خلال المذاهب السبعة القائمة فستأتي بعض التفاصيل فلا نكرر .
ولا شك أن الإسلام كنظام وفكر خضع إلى العديد من التطورات بعد أن نشأت دولته على أرض يثرب عند هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليها في شهر ربيع الأول ، وقد وضع بنيتها على البساطة والشورى والشمولية واللاعنف كما جمعت بين العقيدة والسياسة وعملت على التعددية فانضوت في سلطانها العديد من الأديان والقوميات(1) واستقلت بقوانينها وأنظمتها واعتمدت على

(1) إن في دولة الإسلام إذا كانت الأكثرية هم المسلمون فلا كلام بأن إرادة الأكثرية محترمة إذا كانت تقيم العدالة وقد ثبت بأصل الشريعة لا التطبيق أن الإسلام قد حافظ على حقوق ما يسمى بالأقلية ، راجع باب السياسة ودورها في النهضة الحسينية من هذه الموسوعة ـ ولا ينتقض بأن النظام الإسلامي إذا وضع قوانين صارمة لمثل شرب الخمر بأنها تنافي الحرية الفردية مثلاً أو أنها تمارس الاضطهاد والاستبداد وذلك لأن نظام الإسلام كما سبق وأشرنا إليه قائم على مصلحة الإنسان وفساده فبما أنه يرى في الخمر مضرة يستأصل مصدرها فهو من هذا الباب ، كما هو الحال في أي نظام مثل ما يسمى بالديمقراطية الذي يتعامل بقوة مع ما يراه مُخلاً ،
=

السابق السابق الفهرس التالي التالي