دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 148

مواهب العالمين وأمانتهم في تحمل المسؤوليات دون الاعتماد على التوزيع القومي أو القبلي(1) أو الخضوع لمجرد التكتل الحزبي أو ما شابه ذلك .
فكان الانعطاف الأول بموت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عام 11 هـ وما رافقه من الخلاف بين الخط الهاشمي الذي كان يرى أن الخلافة منصوصة ومعينة وبين الخط الآخر الذي رفض ذلك وفرض الخلافة على المسلمين .
والانعطاف الثاني كان باستلام عثمان بن عفان(2) الأمر عام 23 هـ وما قام به من تغييرات في مجال نظام الحكم مما آل الأمر إلى ثورة المسلمين عليه وقتله .
والانعطاف الثالث كان بتمرد معاوية بن أبي سفيان على الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام المنتخب عند فرقة والمنصوص عليه عند فرقة أخرى وذلك عام 36 هـ وإنشاء معاوية المملكة الأموية الاستبدادية ، أعاد فيها معالم الجاهلية ، كما اعترف به المؤرخون ، وكان هذا أول استقطاع للأرض الإسلامية وإنشاء دويلات بدلاً من الدولة الإسلامية الواحدة والعظمى .
ثم تلتها انعطافات أخرى كانت الدولة الأموية بالذات قدوة وأسوة لها وعلى مبانيها تأسست دول على المذهبية والطائفية والقومية والقبلية وقد أخذت شرعيتها منها والحديث عن هذا الجانب واسع جداً بحثنا قسماً منه في محله(3) .
وأما في الاتجاه الفكري فتارة يبحث عن الفكر السياسي والعقائدي

= ولا يخفى أن الأكثرية دائماً لا تدل على الصحة بل لا بد من مراعاة العدالة ، إذ رب ضارة اتفقت الأكثرية على ممارسته فهل من المعقول الانصياع إليها ، نعم لا بد من اتخاذ أفضل الوسائل للقضاء عليها بالسبل الحضارية .
(1) إن الإسلام لا يعارض الانتماء القبلي والقومي وممارسة العادات والتقاليد طالما لا تنافي روح العدالة وصميم الإسلام القائم على مصلحة الأمة فرداً ومجتمعاً وفساده .
(2) عثمان بن عفان : هو حفيد أبي العاص بن أمية (47 ق.هـ ـ 35هـ) ، ولد في مكة ومات في المدينة تولى أمر المسلمين بعد مقتل عمر بن الخطاب عام 23هـ .
(3) راجع باب العامل السياسي لنهضة الحسين من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 149

وتارة أخرى يبحث عن الجانب العلمي والتشريعي ، وكان لكل من الاتجاهين الأثر البالغ في ولادة عدد كبير من المذاهب التي اشتهر منها 73 فرقة اعتمدت كل واحدة منها على بعض الأسس والفلسفات أخذت حيزاً كبيراً من النقاش في باب العقائد والمناظرات وسبب شرخاً لم يندمل حتى يومنا هذا ، ولقد انقرض القسم الأكبر منها ولم يعد لها وجود ، وهو خارج من بحثنا إلا الجانب التشريعي منه والذي أفردنا له الفصل التالي تحت عنوان الشريعة الإسلامية تاريخها وتطورها .
وفي نهاية الحديث عن الأنظمة لا بد من الإشارة إلى أن قوام أية دولة لا بد أن يستند على تنظيم قانون أولويته القصوى تعالج الشؤون التالية :
1 ـ السياسة ، 2 ـ الاقتصاد ، 3 ـ القضاء ، 4 ـ الاجتماع ، 5 ـ الأمن ، 6 ـ الإعلام ، 7 ـ الثقافة ، 8 ـ الإدارة .
وقد شاع تصنيف السلطات في هيكلية الدولة إلى ثلاث ، من المفروض أن تكون لكل منها استقلاليتها في إطار القانون الموحد وهي :
السلطة التشريعية ، السلطة القضائية ، السلطة التنفيذية ، هذا في الدول غير الدينية وأما الدولة الإسلامية التي لها توجهان عقيدي ونظامي وهما أمران مترابطان متلازمان فلعل الأمر يقتضي غير ذلك .
وعلى أيّ حال فإنّ أهمية الجانب التشريعي على غيره جلي وأساسي ونرجو الله التوفيق في إتمامه ونسأله التسديد .
ورغم أن في الإسلام مذاهب متعددة إلا أن الجميع متفقون في أسس النظام الإسلامي ، بل الجميع يرى بأن الإسلام إنما جاء لإرساء قواعد لا غنى للبشرية عنها ، وسنستعرض باختصار شديد الأسس والمقومات التي اعتمدها الإسلام في تشريع نظامه مشيرين إلى أبرز من ضمن النقاط التالية :

1 ـ تكريم الإنسان

مما لا شك فيه أن الإسلام يعتمد اعتماداً كلياً على الإنسان في أصل التكوين والتشريع فقد وردت بذلك روايات كثيرة بلغت حد التواتر ، وعليه فإنه سبحانه خلق كل شيء لأجل هذا الإنسان وسخر له كل شيء كما دلت

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 150

على ذلك آيات التسخير والتي منها قوله تعالى : « ان الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة »(1) وجاء في حديث الكساء حيث يروي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرائيل عليه السلام عن الله جل وعلا : «وعزتي وجلالي إني ما خلقت سماء مبنية ولا أرضاً مدحية ، ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئة ولا فلكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فلكاً يسري إلا لأجلكم ومحبتكم»(2) حيث يخاطب الله جل ثناؤه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام والذين هم قمة الإنسانية وأكمل مصاديقها . لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان حين قال جل شأنه : « ولقد كرمنا بني آدم »(3) ومن تكريم الله له أنه أنعم عليه بالعقل الذي هو من وراء تكريمه وتحمله المسؤوليات الجسام وتفضيله على سائر المخلوقات ، والآيات والروايات في هذا الباب كثيرة لا يمكن الاستهانة بها وقد روي أن رسول الله نظر إلى الكعبة فقال : «مرحباً بالبيت ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله ، والله للمؤمن أعظم حرمة منك»(4) فلا أحد يمكنه أن يتزايد على الإسلام في تكريمه لبني آدم وقد جاء في الحديث القدسي : «إن لله عباداً أطاعوه فيما أراد فأطاعهم فيما أرادوا يقولون للشيء كن فيكون»(5) وفي حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : «ما من شيء أكرم على الله من ابن آدم»(6) .
ومن تكريم الله للإنسان أنه أمر الملائكة بالسجود لله عند خلقته حيث قال سبحانه وتعالى :« فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين »(7) وإذا ما عرفنا أن التكليف والمسؤولية منوطتان بالعقل كما ورد في الحديث «بك

(1) سورة لقمان ، الآية : 26 .
(2) الباقيات الصالحات : 341 .
(3) سورة الإسراء ، الآية : 70 .
(4) بحار الانوار : 64/71 عن مشكاة الأنوار ، وفي موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف : 8/646 إن رسول الله قال : المؤمن أعظم حرمة منك ، إن الله جعلك حراماً وحرم .
(5) كلمة الله : 143 .
(6) ميزان الحكمة : 1/360 عن كنز العمال : ح : 34621 .
(7) سورة الحجر ، الآية : 29 ، وسورة ص ، الآية : 72 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 151

أعاقب وبك أثيب» في قصة عالم الذر الذي يقول عنه جل وعلا : « وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً »(1) وإذا ما ضم إلى ذلك فلسفة الخلقة في قوله تعالى « وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون »(2) بتقريب أن العبادة هو التطبيق لشريعة الله جل وعلا ، علمنا بأن محور الحياة هو الإنسان ومحوره هو العقل الذي هو المسؤول عن تطبيق شريعة الله ، فهو إذاً المحور والأساس دون غيره من المخلوقات حتى بنحو الجزئية .

2 ـ العقل

لقد سبق الحديث عن العقل ومكانته لدى الحديث عن التصور كما سبق الحديث عنه لدى الحديث عن التصديق فالإدراك أولاً والاستنتاج ثانياً ، ولهما دوران أساسيان وطبيعيان للعقل وهو الوسيلة الأولى للمعرفة دون منازع ، وإليه ترجع حجية جميع الأدلة دون ريب ، وقد جاء الإسلام ليؤكد هذا المعنى عندما اعتبره دليلاً قائماً بذاته ، فأصبح العقل حجة فطرية طبيعية وحجة شرعية اعتبارية ، والتشريع الإسلامي أساسه العقل بالإضافة إلى أنه أحد الأدلة في المسائل والأحكام والقانون والنظام ، وفي الحديث : «أن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام وأما الباطنة فالعقول»(3) وسأل ابن السكيت(4) الإمام الرضا عليه السلام : فما الحجة على الخلق اليوم ؟ فقال الرضا عليه السلام : العقل(5) .
وقد أفرز علماء الحديث باباً خاصاً للعقل أعطوه المكانة اللائقة والمرتبة الأولى باعتباره أساس المعرفة ، كما أن علماء أصول الشريعة

(1) سورة الأحزاب ، الآية : 72 .
(2) سورة الذاريات ، الآية : 56 .
(3) بحار الأنوار : 1/137 .
(4) ابن السكيت : هو يعقوب بن إسحاق الدورقي الخوزستاني (186 ـ 244هـ) قتله المتوكل العباسي في بغداد بسبب تشيعه ، كان إماماً باللغة والأدب ، من مصنفاته : اصلاح المنطق ، غريب القرآن ، والنوادر .
(5) بحار الأنوار : 1/105 عن الاحتجاج للطبرسي : 2/438 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 152

والفقه أولوه تلك الأهمية الكبرى حيث اعتمدوا عليه في وضع الأحكام وجعلوه دليلاً مستقلاً من الأدلة .
ولم يقتصر دور العقل في الفقه والأصول والحديث بل كل الاستدلالات في علم الكلام والفلسفة هي استدلالات عقلية محضة ، وأكثر من ذلك فإن الله جل وعلا يعلمنا في كتابه العزيز كيفية الاستدلال بالأمور العقلية لإثبات المدعى والتي منها وجود الله ووحدانيته وعدله وما إلى ذلك . بل يكرر قوله جل وعلا بعد كل قضية أفلا يتدبرون أو أفلا يعقلون(1) وما في فلكهما من الصيغ التي تؤدي إلى هذا المعنى ، وهو أول ما خلقه الله من الإنسان فقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم : أول ما خلق الله العقل(2) فالاعتماد عليه في الدنيا والآخرة ، وقد قال خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم : سيد الأعمال في الدارين العقل(3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم : استرشدوا العقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا(4) ، وقال علي أمير المؤمنين عليه السلام : «العقول أئمة الأفكار»(5) .
بل إن الله سبحانه وتعالى جعل التكليف وكل شيء منوطاً به ففي حديث الباقر عليه السلام قال : لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال له : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليّ منك ولا أكملك إلا فيمن أحب ، أما إني إياك آمر وإياك أنهي وإياك أثيب(6) ، وفي حديث آخر بك أثيب وبك أعاقب .
ومن الواضح أن ميزان كل عمل وقول هو العقل وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم(7) ، وفي

(1) ومواردها تفوق 46 مورداً .
(2) بحار الأنوار : 1/97 عن غوالي اللئالي .
(3) بحار الأنوار : 1/96 .
(4) بحار الأنوار : 1/96 .
(5) بحار الأنوار : 1/96 .
(6) بحار الأنوار : 1/96 عن أمالي الصدوق .
(7) بحار الأنوار : 1/106 عن المحاسن للبرقي .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 153

حديث علي عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا(1) .
وعليه فإن الجزاء والعقاب في الدنيا والآخرة يناط بالعقل وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : إذا بلغكم عن رجل حسن حاله فانظروا في حسن عقله فإنما يجازى بعقله(2) .

3 ـ العلم

إن مرتبة العلم تأتي بعد العقل ، فمن لا عقل له لا علم له ، لأن بالعقل يمكن درك الأشياء(3) واستنتاج المسائل والعلوم ، إذ العلم مركب من التصور ثم التصديق لتصل إلى النتائج وإذا ما ركّبت النتائج بعضها مع البعض الآخر ظهرت عندك الإبداعات التي جاءت نتيجة حركة العقل وإرشاده .
والتعقل هو استخدام العلم بمقتضى العقل وقد ورد في حديث الصادق عليه السلام : «خلق الله العقل من أربعة أشياء من العلم والقدرة ، والنور والمشيئة بالأمر فجعله قائماً بالعلم دائماً في الملكوت»(4) مما يظهر أن التعقل أي العمل على مقتضى العقل يكون بالعلم بالشيء وبالقدرة على استيعابه واستخدامه والنور الذي هو الإشراقة ، والمشيئة بالأمر والذي هو العزم ، وبذلك يكون العمل المطبق على أرض الواقع ناضجاً ناجحاً ، ومن هنا يعرف التلازم بين العقل والعلم حين إرادة القيام بأي عمل ناجح .
هذا وقد عبر عنه بالنور حيث قال الصادق عليه السلام : «وليس العلم بالتعلم إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن

(1) بحار الأنوار : 1/106 عن معاني الأخبار .
(2) بحار الأنوار : 1/106 عن المحاسن للبرقي .
(3) لا يفهم من ذلك الادراك وحده وبأضعف حالاته وهو الشعور بالشيء فإن الحيوانات تدرك أي تشعر حرارة النار والمجانين يشعرون ويدركون ألم الجوع ، بل المراد به في درجاته العالية والموصلة إلى التصديق .
(4) بحار الأنوار : 1/98 عن الاختصاص .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 154

يهديه»(1) وللعلم والمعرفة والخبرة حيز كبير في أسس النظام الإسلامي بل إنها أصل من أصول النظام الإسلامي وعليها قوامه ويمكن معرفة ذلك بالرجوع إلى الآيات التي تتحدث عن المعرفة والعلم والفقه والحكمة وهي كثيرة وقد بدأ الله جل وعلا كتابه الحكيم بهذه الآية عندما كلف نبيّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتحمل أعباء الرسالة إلى البشرية جمعاء . « إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم »(2) وقد كرم الإنسان بالعلم حيث يقول أمير المؤمنين عليه السلام «قيمة كل امرئ ما يحسنه»(3) وهناك عشرات بل مئات الأحاديث التي تتحدث عن مكانة العلم والعلماء في الإسلام مما يفهم أن الدين والعلم ظاهرتان لجوهر واحد فالدين الإسلامي قائم على العلم فلذلك يصح القول بأن الدين الإسلامي علماني(4) ، إذ العلمانية بمعناها الصحيح تنطبق على النظام الإسلامي الحنيف ومن الخطأ القول بأن الدين الإسلامي لا يتنافى مع العلم بل الصحيح أن الدين الإسلام قائم على العلم فهو إذاً علماني عقلاني فالمذهب العلماني الصحيح والمذهب العقلاني الصحيح هو الدين الإسلامي ، نعم العلمانية الغربية بما أنها جاءت كرد فعل على الكنيسة التي كانت تدين بالعنف والظلم وتتخذ أساليب غير علمية ، اتهم الدين بشكل عام بمخالفته للعلم ووصم بالرجعية وما إلى ذلك .
والدين الإسلامي لم يقف يوماً من الأيام أمام العلم وتطوره بل كان

(1) بحار الأنوار : 1/225 ، واشتهرت المقولة التالية : «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء» .
(2) سورة العلق ، الآية : 1 ـ 5 .
(3) بحار الأنوار : 1/165 عن أمالي الصدوق ، عيون أخبار الرضا .
(4) العلمانية : ومع الأسف فإن الغرب قد تمسك بهذه الشعيرة المزيفة دون العمل بمقتضاها بل حرف معناها ومسيرتها فاصبحت تصور بشكل وكأنها تنافي الدين ، نعم إنها نشأت في ظروف كانت بعض متبنيات العقائد الكنسية في الغرب تخالف العلم وتمارس الظلم بحق العلماء ولكن أصبحت اليوم تطلق في قبال النظام الإسلامي والأغرب أن بعض المسلمين انجرفوا نحو هذه الشعارات المزيفة دون دراسة أصولها وجذورها وتاريخها وما يطبق على أرض الواقع .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 155

من وراء التطور والتعليم ولذلك نجد أن أئمة المسلمين من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحتى الإمام المهدي عليه السلام كانوا يحثون الإنسان إلى طلب العلم والمعرفة والمقولة المشهورة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»(1) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «اطلب العلم ولو في الصين»(2) ، وأكثر من ذلك فقد أمر الله تبارك وتعالى إلى غزو الفضاء حين قال « يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا ، لا تنفذون إلا بسلطان »(3) كل هذا دليل على أن العلم كان ولا زال أحد أعمدة هذا الدين بما لا يمكن إنكاره ، وأي مبدأ في العالم يقول : «فضل العلم أحب إلى الله من فضل العبادة»(4) ..! بل جعلها من العبادة حين قال : «أفضل العبادة الفقه»(5) ويصل أمر العلم في الإسلام إلى انه يقدم على كل شيء في أفضل ليلة عبادية في السنة ألا وهي ليلة القدر حيث يذكر في جملة أعمالها مذاكرة العلم(6) ويخال لي أن لا حاجة لسرد ما ورد في تلك الأحاديث عن العلم وطلبه وعن المتعلم والعالم ، وأخيراً فقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : العلم أكثر من أن يحصى فخذ من كل شيء أحسنه(7) ، وقال علي عليه السلام : يا كميل محبة العلم دين يدان به(8) .

4 ـ المحبة

بني الإسلام ونظامه على الحب والخير وقد اشتهر حديث المحبة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من أهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام وفيها اعتبروا أن الدين هو المحبة بدءاً بمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام وحب الخير

(1) بحار الأنوار : 1/177 عن عوالي اللئالي .
(2) بحار الأنوار : 1/177 ، ميزان الاعتدال : 1/107 .
(3) سورة الرحمان ، الآية : 33 .
(4) بحار الأنوار : 1/167 حديث نبوي رواه أئمة المسلمين بإسنادهم إلى علي عليه السلام عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، الخصال : 1/4 .
(5) بحار الأنوار : 1/167 عن الخصال وقد رواه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
(6) مفاتيح الجنان : 227 .
(7) بحار الأنوار : 1/219 عن كنز الكراجكي .
(8) بحار الأنوار : 23/45 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 156

وحب الوالدين والأهل والأخوان وانتهاء بحب الطبيعة والحيوان وكل شيء ، وينادي الإسلام بنبذ الكراهية ، وقد قال الصادق عليه السلام : ثلاثة تورث المحبة الدين والتواضع والبذل(1) ، وللحب مظاهر مختلفة ومتنوعة فقد تلبس وشاح الاحترام المتبادل بين الفرد والآخر والمجتمع كما جاء في قوله تعالى « رحماء بينهم »(2) وفي الحديث «وقروا كباركم»(3) وقد تلبس وشاح الحق فيتمثل بحقوق الجيرة والأهل والإخوان ، وقد تلبس وشاح الإخوة في الدين والإخوة في الإنسانية قال أمير المؤمنين عليه السلام «الناس إما أخ لك في الدين أو إما نظير لك في الخلق»(4) وقد ترتدي وشاح العطف والرحمة كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «ارحموا صغاركم»(5) و«ارحموا عزيز قوم ذل»(6) وقد تظهر بمظهر التزاور والمواساة حيث يقول الصادق عليه السلام : «تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم»(7) وقد تتوشح بوشاح قضاء حوائج المجتمع وتأخذ ظاهرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله جل وعلا « كنتم خير أمة.... تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر » (8)وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله فإن للجنة باباً يقال له المعروف لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا»(9) .
وقد ورد «أن المحبة هي روح الله في عباده»(10) وجاء في عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام للأشتر النخعي عندما ولاه مصر «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بالإحسان إليهم»(11) .

(1) بحار الأنوار : 75/229 .
(2) سورة الفتح ، الآية : 29 .
(3) عيون أخبار الرضا : 2/265 .
(4) بحار الأنوار : 74/241 .
(5) عيون أخبار الرضا : 2/265 .
(6) بحار الأنوار : 2/44 ، عن الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة للشهيد الأول .
(7) النظام السياسي في الإسلام : 222 .
(8) سورة آل عمران ، الآية : 110 .
(9) الكافي : 2/195 .
(10) بحار الأنوار : 14/68 .
(11) بحار الأنوار : 74/241 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 157

وهناك روايات متعددة تبين سبل المحبة وإرساء قواعدها ورغم أن الدين يدعو إلى المحبة ويعمل على توطيدها في نفوس الناس ليعيشوا بسلام إلا أن ظروف الجهل قد تصل بالأمم كما في عصرنا هذا إلى الابتعاد عن الدين كشرط للصداقة والمحبة وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد صدق تنبؤه هذا عندما قال : «سيأتي على الناس زمان لا ينال المُلْك فيه إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالغضب والبخل ، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى ، وصبر على البغضة(1) وهو يقدر على المحبة(2) وصبر على الذل وهو يقدر على العز أتاه الله ثواب خمسين صديقاً ممن صدّق بي»(3) .
وأخيراً فقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم «لا يستكمل المرءُ الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(4) .

5 ـ الاتحاد

إن الدعوة إلى الاتحاد تبدأ بتوحيد الإله ثم توحيد الأمة وتوحيد العقيدة وتقريب وجهات النظر لتختفي الخلافات الجوهرية التي مآلها التطاحن وذلك من خلال توعية الجماهير وإرشادهم دون استخدام العنف أو الإكراه حيث قال سبحانه وتعالى « لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي »(5) ، أو كبت الحريات سواء الفردية أو الاجتماعية حيث دعا الإسلام إلى ذلك حيث قال جل وعلا : « ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم »(6) ، وعدم اللجوء إلى إلغاء القوميات والأعراف الموجودة أو المتجددة حيث قال جل شأنه : « إنما خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم »(7) وهو أيضاً لا يتنافى مع التعددية التي يدعو إليها

(1) البغضة : أي صبر على بغض الناس له .
(2) المحبة : أي قادر على جلب حبهم له ، والمراد بالوسائل غير الشرعية .
(3) بحار الأنوار : 18/147 عن الكافي : 1/91 .
(4) بحار الأنوار : 69/257 .
(5) سورة البقرة ، الآية : 256 .
(6) سورة الأعراف ، الآية : 157 .
(7) سورة الحجرات ، الآية : 13 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 158

الإسلام بل الآية السابقة نفسها تدلنا على التعددية وكثيراً ما تشير الآيات إلى ذلك ، ويتمثل الاتحاد بإلغاء الطائفية في قوله تعالى : « إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون »(1) ، وبمفهوم المخالفة يتبين أن الله شاء أن تكون ها هنا طوائف ومللاً وأقواماً وأحزاباً حيث نزلت العديد من الآيات بهذا المضمون فقد قال الله تعالى : « ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة »(2) ولكنه لم يشأ ، وقد بين ذلك سببه بقوله « ولكن ليبلوكم فيما أتاكم »(3) بل فسر الاختبار بـ « أيكم أحسن عملاً »(4) في غيرها ، بل في الآية السابقة حث الناس على التنافس حيث يقول : « فاستبقوا الخيرات »(5) ولكنه نبه إلى كون المرجعية إليه سبحانه وتعالى مما تعني أن الاختلاف ليس للخلاف بل للتنافس والتعارف وما إلى ذلك .

6 ـ الحرية

إن الحرية في معناها العريض والواسع هو التمتع بالاختيار ، ولا تعني الحرية عدم القيد الذي يعادل الإفلات وذلك لأن الإنسان مقيد في إطار الإنسانية سواء في البنية الجسدية أو النفسية فما من أحدٍ إلا وتقيده حدود مادية حيث قدراته كمخلوق محدودة سواء المادية منها أو المعنوية أي أنه لا يبصر إلا محدوداً ولا يسمع إلا محدوداً كما لا يفكر إلا محدوداً ولا يفهم إلا محدوداً ، إذاً فقد خلق في الأساس محدوداً ليكون إنساناً ، كما أن خلقه بالمعنى العابر لم يكن باختياره إلا على القول بقبوله الإجمالي في عالم الذر ، ولكن المطلوب من هذا المحدود أن يكون حراً في مجال هذه المحدودية التي جبل عليها دون أن يمارس عليه الإكراه فله أن يختار ما يشاء فكرياً وجسدياً وهذا هو المعنى المقصود بالحرية ، ولقد خلقه الله جل وعلا لأن يكون مختاراً في الحدود التي رسمها له وفي القدرة التي حددها له وقد

(1) سورة الأنبياء ، الآية : 92 .
(2) سورة المائدة ، الآية : 48 ، وهناك عدد كبير من الآيات في هذا المضمون .
(3) سورة المائدة ، الآية : 48 .
(4) سورة هود ، الآية : 7 وسورة الملك ، الآية : 2 .
(5) سورة المائدة ، الآية : 48 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 159

قال جل وعلا : « إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً »(1) .
والحرية هو أن لا يكون الإنسان أسير التقاليد والأعراف بحيث لا يكون له فيها رأي صائب نابع عن دراسة وسبر للحقائق التي أودعها الله في الطبيعة ، قال جل وعلا في ذم المقلدة الذين لا يستخدمون عقولهم : « وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون »(2) وإن دعوة الله إلى ما أنزله هو دعوة إلى التدبر وإعمال العقل والتفكير في الأمر وقد ورد عن الصادق عليه السلام : «تفكر ساعة خير من عبادة ألف سنة»(3) وقد خلق الله الحواس ما ظهر منها وما بطن ليدرك الأمور ويستعرضها ليأخذ منها ما هو نافع ويترك الضار منها حيث قال : « ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون »(4) .
إذاً فالحرية هو اختيار ما يريده الإنسان دون إكراه أو جبر ، ومعنى الاختيار هو الانتقاء لا الاعتباط ، والانتقاء لا يتم إلا لما هو مدروس بدقة وإمعان وما كان كذلك لا يكون إلا حسناً يؤخذ بعين الاعتبار ما يناسب الإنسان ظروفه المادية والمعنوية وما يعايشه من أحياء ومخلوقات وبيئة ومجتمع والذي منه المصلحة العامة والخاصة حيث لم يخلق إلا محاطاً بهذه الأمور التي قيدته قبل أن يخلق فاختياره للأحسن والأفضل هو الحرية المسؤولة والمطلوبة التي لا تتناقض مع حريات الآخرين أفراداً ومجتمعات ، بيئة ومخلوقات ، أجساداً ونفوساً ، آخذاً بعين الاعتبار البارئ الذي لا زال ناصيته بيده وحاجيه إليه مستمرة ، فهو إذاً حرية ذو حدود واختيار للأحسن وانتقاء للجميل.
وللحرية ظواهر مختلفة منها حرية المعتقد فقد قال الله جل وعلا :

(1) سورة الإنسان ، الآية : 3 .
(2) سورة البقرة ، الآية : 170 .
(3) تفسير العياشي : 2/208 في تفسير قوله تعالى : « إنما يتذكر أولوا الألباب » [الرعد : 19] .
(4) سورة الأعراف ، الآية : 179 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 160

« وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليفكر »(1) ويخاطب نبيه الكريم : « أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين »(2) ، وحرية الرأي والتعبير فقد ذكر أرباب التاريخ عدداً كبيراً من المناظرات التي جرت بين أئمة المسلمين بدءاً بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومروراً بالإمام أمير المؤمنين عليه السلام وحفيده الإمام الصادق عليه السلام إلى الإمام المهدي عليه السلام وبين أرباب الفكر والرأي من المبادئ المنحرفة والهدامة ومع هذا فكانوا يستمعون إلى آرائهم ويناقشونهم بكل حرية دون أن يصادروا آرائهم ، فقد روي أنه تجمع يوماً عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهل خمسة أديان : اليهود والنصارى والدهرية والثنوية ومشركو العرب ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم في عز قدرته ، فاستمع إلى آرائهم وناقشهم في ذلك(3) .
وقد عقد المأمون العباسي مؤتمراً كبيراً وجمع فيه أقطاب المفكرين من غير المسلمين وعلمائهم ودعى الإمام الرضا عليه السلام ليحاورهم بكل رحابة صدر وعزيمة رغم أن الدولة العباسية آنذاك كانت من أعظم الإمبراطوريات في العالم(4).
وكتب التاريخ والحديث مليئة بمثل هذه الحوارات والمناقشات بل إن العهد العباسي شهد الكثير من ترجمة الكتب الفلسفية اليونانية في ظل الحكم الإسلامي ولم تشهد معارضة من قبل الحكام أو العلماء ، ورغم أن هذه كانت تخلق للمسلمين شبهات إلا أن العلماء كانت قد فتحت صدورها قبل أبوابها لمناقشة كل الشبهات دون كلل أو ملل .
ويروى المؤرخون أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطالبه عن وجهة صرفه لأموال المسلمين فأراد الأصحاب منعه إلا أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا من حقه(5) .

(1) سورة الكهف ، الآية : 29 .
(2) سورة يونس ، الآية : 99 .
(3) راجع الحرية الإسلامية : 63 ، راجع باب مسند الإمام الحسين عليه السلام من هذه الموسوعة ، أيضاً راجع كتاب الاحتجاج للطبرسي : 1/27 .
(4) راجع الحرية الإسلامية : 94 ، والاحتجاج للطبرسي : 2/401 .
(5) ورد ذلك في الأثر ، إلاّ أنه غاب عنا المصدر وخانتنا الذاكرة في حفظ النص ، ولكن بمراجعة رواية الأعرابي وقوله : «يا محمد احمل» ، ورواية «اعدل» الذي قالها التميمي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم دلالات على ذلك وغيره ـ راجع سفينة البحار : 2/682 ، وبحار الأنوار : 18/113 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي