دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 161

وترك الإسلام المجال مفتوحاً أمام حرية الفكر بل حث على ذلك وطالبهم بذلك وبحرية القرار ، وهذا الإمام الحسين عليه السلام عندما رأى في مقاتلي المعسكر الأموي ذلك الخنوع والخضوع خاطبهم بقوله «إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم»(1) وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعمل على تعميق الفكر في المسلمين ويحثهم إلى الثقافة والمعرفة وكان عليه الصلاة والسلام يستخدم الأسارى لتعليم المسلمين من القراءة والكتابة والعلوم والفنون .
وفي مجال حرية العمل فلم يقف النظام الإسلامي أمام العمل والعامل بل حث المسلمين وغيرهم على العمل ففي الحديث النبوي الشريف : «إذا قامت الساعة وبيد أحدٍ فسيلة فليغرسها»(2) .
كما رفع مكانة العامل حتى عده حبيباً لله فقال : «الكاسب حبيب الله»(3) وقد روي أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أيام حكومته خرج يتفقد حال رعيته مع ثلة من معاونيه وفيهم خازن بيت المال (وزير المالية) فشاهد من يتسول في الطرقات فغضب الإمام عليه السلام وقال ما هذا ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين نصراني ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : استعملتوه حتى إذا كبر وعجز منعتموه ، أنفقوا عليه من بيت المال(4) .
لقد سأل الإمام عن العمل وليس عن الشخص حيث استخدم كلمة «ما» ، وفي جوابه عليه السلام إشارة واضحة إلى تساوي الناس في الحقوق والواجبات فلا معنى لتقسيمهم إلى مواطن وأجنبي فمن تواجد على أرض له حرية العمل دون قيد أو شرط ضمن شروط وضعت لمصلحة الفرد أو المجتمع والتي منها مسألة الغش والربا والفساد .
وحتى لا نتوسع كثيراً في هذا المجال فإن الإسلام فتح الآفاق

(1) مقتل الحسين للمقرم : 275 .
(2) موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف : 1/367 عن الكامل في الضعفاء لابن عدي .
(3) مصباح الفقاهة : 5/476 ، شرح الأسماء الحسنى : 1/246 .
(4) وسائل الشيعة : 15/66 عن تهذيب الأحكام : 6/292 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 162

للإنسان في المجالات التالية : الحرية الاجتماعية والحرية المدنية والحرية الاقتصادية ، ووضع لها ضوابط منعاً لحدوث الفوضى واغتصاب الحقوق وهدر الطاقات .
وهذه الحريات لم يتحدث بمجموعها نظام قط قبل الإسلام الذي مضى عليه أكثر من أربعة عشر قرناً ، ولا زال العالم يبحث عن تلك الحريات التي جاء بها الإسلام وطبقها على أرض الواقع ، وقد أشاد بعض المنصفين من علماء الغرب بالحريات والتسامح الذي رسخه الإسلام ونادى به ، منهم : دوزي(1) حيث يعبر عن التسامح الديني في ظل الحكومات الإسلامية التي نحن نرفض الكثير من جوانبها ونعدها غير مثالية بل لا نعتبرها على المستوى الذي أرادها الإسلام ومع هذا فوجود هامش من الحرية الإسلامية فيها جعل دوزي يصف بتقدير حالة تعايش الأقليات غير الإسلامية في ظل حكومة الأندلس ، ويذكر المجال الواسع الذي تركه الإسلام من الحريات التي كانت تلك الأقليات تتمتع بها فيقول : «إن العرب ـ المسلمين ـ كانوا يتحلون بكثير من التسامح فلم يرهقوا أحداً في شؤون الدين . ولم يغمط النصارى للعرب ـ المسلمين ـ هذا الفضل بل حمدوا للعرب ـ المسلمين ـ تسامحهم وعدلهم وآثروا حكمهم على حكم الجرمان والفرنج»(2) .
ويقول جولدتسهير(3) عن سياسة المسلمين مع الأقليات التي حكموها : «إن المؤمنين بمذاهب التوحيد كاليهود والنصارى والزرداشتية كان في وسعهم متى دفعوا ضريبة الرأس(4) أن يتمتعوا بحرية الشعائر

(1) دوزي : واسمه رين هارت (1236 ـ 1300هـ) مستشرق هولندي من أصل فرنسي كان أستاذاً في جامعة ليدن ، من كتبه تاريخ مسلمي اسپانيا حتى غزو المرابطين للأندلس ، وتكملة المعاجم الصربية .
(2) النظام السياسي في الإسلام : 187 عن مواقف حاسمة : 21 .
(3) جولدتسيهر : واسمه إجنتس (1267 ـ 1340هـ) مستشرق روماني هاجر إلى سوريا ثم مصر فدرس في الأزهر ، من تصانيفه : مذاهب المسلمين في تفسير القرآن ، الظاهرية مذهبهم وتاريخهم ، والعقيدة والشريعة في الإسلام .
(4) ضريبة الرأس : أراد بها ضريبة الجزية ، وهي ضريبة إسلامية سنوية تجبى من غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي ويقابلها ضريبة الزكاة والخمس التي تجبى من
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 163

وحماية الدول الإسلامية.. لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة ففي الهند مثلاً كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل والمعابد في ظل الحكم الإسلامي»(1) .
وللأقليات في النظام الإسلامي قوانين وأحكام أفرز الفقهاء في مصنفاتهم باباً خاصاً بهم ، فلو أنهم التزموا بالشروط العامة والتي من أهمها المحافظة على الأمن ، ودفع الجزية فعندها يكون لهم ما للمسلمين ، ولا يخفى أن في كثير من العهود كانت الضريبة التي تجبى من غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي أقل بكثير من الضريبة التي تجبى من المسلمين .
وفي نهاية المطاف نشير إلى وصية الإمام علي عليه السلام لابنه الحسن المجتبى عليه السلام : «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»(2) . ويقول جل وعلا : « كلا إنه تذكرة ، فمن شاء ذكره »(3) .

7 ـ العدل

إن إرساء قواعد العدل والعدالة تعد من أهم المبادئ التي نادى بها الإسلام وعمل على تطبيقها في كل الاتجاهات ، وقد جاءت العدالة بذاتها كصفة هي عين ذاتة الله جل جلاله وعدت من أصول الدين فالعدل لا يشرع إلا عدلاً ويحث عباده على ذلك ، بل اشترطها في رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومن نصبهم أئمة من بعده .
إن الدعوة الإسلامية قائمة على بسط العدل بين الناس وقد قال جل

= المسلمين ، ولا حد لمقدار الجزية بل للإمام العادل تقدير ذلك حسب المصلحة ولها شروطها حيث لا تؤخذ من النساء والصغار وكبار السن والعبيد والمرضى ، وإنما تؤخذ الجزية في قبال ما تقدمه الحكومة الإسلامية من الأمن لهذه الأقليات وتحميهم بل وسائر الأمور التي تحملتها الدولة وهي تؤخذ من الأشخاص أو من الأرض ولا يخفى أن التعبير بضريبة الرأس مصطلح غربي ولا زالوا يتعاملون معه في هذه الأيام .
(1) النظام السياسي في الإسلام : 187 عن مواقف حاسمة : 20 .
(2) نهج البلاغة : 566 .
(3) سورة المدثر ، الآية : 54 و55 ، وقريب منه سورة عبس ، الآية : 12 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 164

وعلا « إن الله يأمر بالعدل والإحسان »(1) وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها»(2) .
والعدل هو عدم الجور والظلم ومنه المساواة والحرية ووضع القانون وإقامة الدولة والشورى والتعددية وما إلى ذلك ، ومن العدل في الحكم قوله تعالى : « وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل »(3) ، ومن عدل الحاكم قوله تعالى : « إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله »(4) ، ومن العدل في الشهادة قوله سبحانه : « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً »(5) ، ومن العدل في القول قوله تعالى : « وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى »(6) ، ومن العدالة الاجتماعية قوله تعالى عن رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم : « وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم »(7) ، ومن العدالة الاجتماعية العامة قال عز من قائل : « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى »(8) .

8 ـ المساواة

ومن الأسس التي نادى بها الإسلام هي مسألة المساواة ، وقد أعطاها الإسلام أهمية قصوى لم يولها نظام على وجه البسيطة على الإطلاق ، ولم يعرف التاريخ مجتمعاً عالمياً حظي بالمساواة من التي وضعها النظام

(1) سورة النحل ، الآية : 90 .
(2) جامع السعادات : 2/219 .
(3) سورة النساء ، الآية : 56 .
(4) سورة ص ، الآية : 26 .
(5) سورة النساء ، الآية : 135 .
(6) سورة الأنعام ، الآية : 152 .
(7) سورة الشورى ، الآية : 15 .
(8) سورة المائدة ، الآية : 8 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 165

الإسلامي ، وقد شهد بذلك غير المسلمين فهذا نهرو(1) يقول : «إن نظرية الأخوة الإسلامية والمساواة التي كان المسلمون يؤمنون بها ويعيشون فيها أثرت في أذهان الهندوس تأثيراً عميقاً وكان أكثر خضوعاً لهذا التأثير البؤساء الذين حرّم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية»(2) .
ويقول كارليلي(3) : «إن في الإسلام خلة من أشرف الخلال وأحبها وهي المساواة بين الناس»(4) ، إن هامش المساواة والحرية اللتان تتواجدان في بعض الأنظمة فهي من الإسلام المتمحض بالحرية والمساواة والمبادئ العالية .
إن الإسلام أزال كل الفوارق الجنسية والقبلية والقومية واللغوية والعرفية واللونية والطبقية وحتى المذهبية حيث قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى مالك الأشتر لما ولاه على مصر : «فإنهم ـ الناس ـ صنفان الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»(5) وهذا لا يعني أن الإسلام لا يعترف بوجود هذه الفوارق ، بل المقصود بأنه لا يتعامل مع الشعوب على أسس هذه الفوارق فمن الطبيعي مثلاً أن المرأة تختلف عن الرجل والخنثى ، والمسلم عن الكتابي والمشرك ، والشيخ عن الشاب والطفل في الأحكام والواجبات والمسائل الأخلاقية كتعامل الإنسان مع النار والماء والتراب ومع التفاح والتمر والحنطة ، والأجناس الصلبة والسائلة والغازية حيث أن لكل منها بنيتها الخاصة بها وجبلت عليها ولها

(1) نهرو : هو جواهر لآل نهرو (1307 ـ 1384هـ) زعيم هندي ولد في مدينة الله آباد ، تعرض للسجن بسبب مواقفه السياسية ، شغل منصب رئاسة الوزارة حتى وفاته ، من كتبه : لمحات من تاريخ العالم ، نحو الحرية ، وكشف الهند .
(2) النظام السياسي في الإسلام : 203 .
(3) كارليلي : (كارلايل) هو توماس (1210 ـ 1298هـ) فيلسوف لاهوتي انگليزي ، تفرغ لبحث الأدب والفلسفة الألمانية ، انتقد المجتمع الانگليزي في كتاباته من مصنفاته : سارتو رزاتوس ، الثورة الفرنسية ، وفي الأبطال وعبادة البطولة وعنصر البطولة في التاريخ .
(4) النظام السياسي في الإسلام : 203 .
(5) نهج البلاغة : 600 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 166

مكوناتها وحالاتها ، بل العدالة تقتضي أن لا تتعامل مع الحديد كتعاملك مع الخشب ولا مع الخشب كالثلج ، وبعبارة أخرى إن في مسألة المساواة لا بد من مراعاة مسألة العدالة ، كما أنك في مسألة حرية الفرد لا بد من مراعاة حرية المجتمع وهذه الأمور من مسؤولية النظام إذ أن من أبرز مسؤوليات النظام والقانون هو تنظيم موارد التعارض وتنسيقها ، ومن أهم مواصفات المشرع مراعاة العدالة لدى التشريع ولدى التطبيق ولدى الجزاء ، وليس من العدالة أن تطلب من الله أن لا يعاقبك على الانتهاكات بل لك أن تطالبه بلطفه .
والمساواة لا تعني بخس حق العامل في قبال العاطل ، والعالم في قبال الجاهل ، ولا الصالح في قبال الطالح ، حيث يقول سبحانه وتعالى : « هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون »(1) ويقول أيضاً : « قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون »(2) ولا يخفى أن المراد بالبصارة والعمى النابع عن القلب والفكر لا العين ، وقال تعالى شأنه : « لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً »(3) فلا شك أن لكل مكانته وشرافته ولكل درجته ومقامه وإلا لانهارت الفضيلة وماتت وعمت الرذيلة وأحييت ، نعم إنها في الحقوق والواجبات بشكل عام متساوون ، وأمام الحكم متساوون ، وفي الحياة العامة متساوون ، وعند الرأي متساوون فللعالم رأي واحد وللجاهل رأي واحد ، ولكن في الاستشارة مثلان متفاوتان ، فإنك تستشير العالم فيما يخصه دون الجاهل كما أنهما في نوعية العمل متفاوتان فكل يعمل حسب اختصاصه فالزارع يختلف موقعه العملي عن الطبيب إلا أنهما في فرص العمل متساويان .
فالمساواة الاجتماعية لها صور متعددة ، منها : مسألة القومية وقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : «لا فرق لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ،

(1) سورة الزمر ، الآية : 9 .
(2) سورة الأنعام ، الآية : 50 .
(3) سورة النساء ، الآية : 95 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 167

ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى»(1) وعن المساواة الطبقية قال صلى الله عليه وآله وسلم : «كلكم بنو آدم وآدم من تراب»(2) وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم في المساواة في اللون : «ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان إلا بالحق»(3) وعن المساواة في المسؤولية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»(4) ، وعن المساواة أمام القانون قال صلى الله عليه وآله وسلم : «والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها»(5) ، وقال علي عليه السلام في المساواة بين المسلم وأهل الكتاب عندما تخاصما عند عمر بن الخطاب فقال له عمر قم يا أبا الحسن وقف مع خصمك فتغير وجه علي عليه السلام ، فقال له عمر يا أبا الحسن لعله ساءك أمري أن تقف مع خصمك اليهودي ، قال عليه السلام : «كلا وإنما ساءني أنك كنيتني ـ وسميته ـ ولم تساو بيني وبين خصمي والمسلم واليهودي أمام الحق سواء»(6) .

9 ـ النظم

إن من أولويات وأوليات كل مجتمع متحضر إيجاد النظام الذي يقوّم مجتمعه على تلك المبادئ التي اختارها ، وإلا ضاعت تلك المفاهيم والمبادئ وانهار معها المجتمع ، ولا يمكن بناء أية حضارة دونها إذ هي عمادها وركيزتها الأولى ، فإن أي تجمع ولو كان تجمعاً أسرياً وبدائياً لا يجمع عقده إلا بنظم أمره ، وقد أكد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنيه الحسن والحسين عليهما السلام : «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم»(7) .
ومن الجدير بالذكر أن الإسلام بحد ذاته نظام في كل صغيرة وكبيرة وبما أن نظامه مستمد من السماء فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق السماوات

(1) الدر المنثور : 6/108 في تفسير سورة الحجرات ، الآية : 18 .
(2) النظام السياسي في الإسلام : 207 .
(3) النظام السياسي في الإسلام : 208 .
(4) كنز العمال : 6/22 ، الحديث : 14670 .
(5) الخراج لأبي يوسف : 50 .
(6) النظام السياسي في الإسلام : 210 .
(7) نهج البلاغة 593 ، كتاب : 47 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 168

والأرض وما فيهما في أمتن نظام وأحكم قانون وجعل لكل شيء نظاماً ولم يصدر منه شيئاً عبثاً وباطلاً ، ولم يترك الأمور وشأنها لتؤول إلى الفوضى بل أودعها نظماً رهيبة يحاول الإنسان أن يصل إلى بعضها ليتمكن من تسخيرها لمصالحه .
والنظام الإسلامي وضع لكل شيء نظاماً لم يعهد أن قام أي تجمع في العالم منذ أن عرف الإنسان نفسه أن وضع مثله وهو يكمن في الأحكام الخمسة الواجب والحرام والمستحب والمكروه والمباح بالإضافة إلى المسائل الأخلاقية في صورها المتعددة والتي هي أيضاً تخضع لهذه الأحكام .
إذاً فلم يترك الإنسان سدى بل خلقه وأودع فيه الروح النظامية وأبلغه بنظامه الأمثل لمسيرة حياته ولم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا وبين نظامها ورتبتها ، فبيّن أنظمة لخلوة الإنسان ومعاشرته ضمن أسرته وضمن عشيرته وضمن مجتمعه الأكبر وهكذا ، ووضع قوانينا لاستحمامه وتخليته ولنومه وحياته الزوجية ولمرضه ومماته ولإقامة دولته وحكمه وحربه وسلمه ولبيئته وفضائه ولكل حركة تخطر بالبال أو لم تخطر ، كل هذه الأنظمة ألفت الألوف المؤلفة من الأحكام والتي جعل بعضها إلزامية لضرورتها وحث على بعضها الآخر دون الإلزام لمزيد سعادته وراحة باله وأباح أخرى لفتح مناخ يمكن للإنسان تحديد مصالحه بنفسه ويؤطرها حسب ظروفه .
والإسلام الذي يدقق حتى في صفوف صلاة الجماعة بهذه الدقة الغريبة والعجيبة حيث روى النعمان عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوّى بها القداح حتى رأى أنّا قد غفلنا عنه ثم خرج يوماً فقام حتى كاد أن يكبر ، فرأى رجلاً بادياً صدره ، فقال : «يا عباد الله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم»(1) .
ومثال آخر فقد وضع الإسلام قوانين لبيت الخلاء من حيث البناء واختيار المكان ووجهة البناء وهندسته وكيفية الدخول إليه والجلوس وما إلى ذلك ضمن مباني صحية دقيقة تعود بالفائدة إلى الإنسان كفرد

(1) ميزان الحكمة : 10/96 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 169

ومجتمع وبيئة ، مما يجعلنا نؤمن بأن الإسلام يريد بالإضافة إلى تلك الأسباب أن ينمي في نفوس الناس الروح النظامية ويبعده عن الفوضى ويجنبهم متاهاتها ، تقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في خطاب لها عن بيان علل الشريعة والأحكام قائلة : «الطاعة نظاماً للملة»(1) وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «الإمامة نظاماً للأمة»(2) وقال أيضاً : «العدل نظام الآخرة»(3) ، ومن يراجع ما ورد في هذا الباب من الآيات والروايات يجد عندها عظمة هذا النظام الإلهي بما يمتلك من قوة نظمه وحبك نسيجه في مهام الأمور وغيرها ، ويصدق قوله جل وعلا « ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين »(4) ، وفي تلك الروايات الواردة في هذا الشأن تأكيدات شديدة في هذا الاتجاه ولا حاجة لسردها في هذا الموجز .

10 ـ الشورى

الشورى ويقابلها الاستبداد ، ولا يجتمع الأمران لأنهما متضادان متناقضان فمتى ما حلت الشورى غاب الاستبداد بل بمقدار ما حلت الشورى يبتعد الاستبداد حكمهما حكم الحق والباطل ، وهذا ما دعى إليه الإسلام ومارسه بالتدريج عندما بزغ نوره على مجتمع كان الاستبداد رمزاً لها لتصبح الشورى أساساً يعتمد عليه في جميع المسائل الفردية والاجتماعية ، وأصبحت سنة من سنن الحياة الإسلامية ، ورغم أن القيادة الإسلامية الأولى كانت محصنة بالعصمة إلا أنها كانت ملزمة بالشورى وذلك لترسيخها في النفوس وتدريب المسلمين عليها لما بعد فقدهم القيادة الأولى أو بعدهم الجغرافي أو الزمني عنها ، وهي سنة للقيادات كما للشعوب كبقية السنن التي لا بد للقيادات الالتزام بها وإن كان المؤدى كان حاصلاً حتى لا تخترق السنة لأهميتها ، وللمثال فإن غسل المولود وما يتبعه من سنن الولادة أو غسل الميت وما إلى ذلك قد لا ينطبق من حيث الحكمة على القادة المعصومين حيث إنهم مطهرون إلا أن إجراء السنة أمر لا محيص له كما

(1) بحار الأنوار : 6/107 .
(2) بحار الأنوار : 6/111 .
(3) معجم غرر الحكم ودرر الكلم : 1109 .
(4) سورة الأنعام ، الآية : 59 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 170

أشاروا هم إلى ذلك ، فالشورى ملزمة للجميع والاستبداد منهي عنه كما وردت بذلك روايات جمة تحث الفرد والمجتمع على إعمال الشورى ونبذ الاستبداد وسنأتي على سردها والحديث عنها قريباً إن شاء الله تعالى .
ولا يخفى أنه هناك فوارقاً بين الشورى والديمقراطية وبين الاستبداد والديكتاتورية فإن الشورى أكثر سعة وأشمل حكمة من الديمقراطية كما أن الاستبداد أعم من الديكتاتورية وأوسع نطاقاً منها ، ولعلنا نبحث الفوارق في مكان آخر إن اقتضت الحاجة .

11 ـ النزاهة والإخلاص

عنوانان قد يتصور في الوهلة الأولى لا يرتبط كل منهما بالآخر إذ النزاهة بمعناها العام هي التقى والعدالة وطهارة الضمير والجوارح ، ورغم أن لكل هذه المفردات معاني خاصة بها إلا أن النزاهة تجمعها وهي في الواقع الطهارة المادية والمعنوية ، العضوية والنفسية ، وعليها اعتماد النظام الإسلامي أفراداً ومجتمعات ، حركات ومؤسسات إذ المطلوب أن يكون الحاكم والموظف والفقيه والقاضي والشاهد والمستشار نزيهاً كما أن المؤسسات الحاكمة والقضائية أو التشريعية والقانونية والتنفيذية والأحزاب والمنظمات نزيهة ، فإن من النزاهة الإخلاص ، ولعل البعض يقدم الإخلاص عليها تقديماً رتبياً ، وعندها لا يكفي ذلك الإخلاص لبناء أعمدة الإسلام لأنه سيكون إخلاصاً لعمل أو لشخص معين أو لمؤسسة معينة ، بينما إذا نتج الإخلاص من النزاهة لا يؤطر بإطار بل تكون ملكة وخصلة تستخدم في كل المجالات دون استثناء ، والنزاهة تبدأ بالعصمة الكبرى في الأنبياء والأئمة . وبالعصمة الصغرى في الأولياء والصلحاء ، ومروراً بالعدالة العليا في المراجع والفقهاء وبالعدالة الدنيا في الشهادة ، وإمامة الصلاة ، وتنتهي بالتقى والصلاح في عامة مرافق الحياة ، وإذا ما استخدمت النزاهة عنصراً أساسياً في جميع مناحي الحياة سواء كشرط الزامي في كثير من الموارد أو كشرط مفضل كما في موارد كثيرة أخرى ، فقد اختفت من ذلك المجتمع الرذيلة وسادته الفضيلة ، وما أحلى المجتمع الذي يسوده الصدق والأمانة وحب الخير والإصلاح وما إلى ذلك من مكارم الأخلاق والفضائل والذي لا يعرف الكذب والدجل والخداع والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل والخيانة وما في فلكها .

الحسين والتشريع الاسلامي (الجزء الأوّل) 171

ومن الملاحظ أن كل المبادئ والتجمعات تدعو الناس إلى ذلك بشكل او بآخر مما يمكن أن نستكشف منها أن الجميع متفق على هذه المبادئ الحيوية ولكن الذي يلفت انتباه الباحثين أن الإسلام لم يكتف بحث المؤمنين به ـ بل كل البشرية ـ على تطبيق هذه الفضائل في كل المجالات ، بل جعلها شرطاً أساسياً فيها ينتفي المشروط بانتفاء الشرط في كثير منها ، وهذا الباب واسع جداً وقد وضع العلماء في هذا المجال مجموعة كبيرة من المصنفات والمؤلفات والأبحاث بل هناك من صنفها حسب قطاعات المجتمع ، وآخرون صنفوها حسب مراحل حياة الإنسان ، وإلى تصنفيات أخرى ، فليراجع مظانها .

12 ـ المواهب والكفاءات

عنوانان في المآل يحققان التخصص ، إذ أن المتخصص إنما يصل إلى ذلك لامتلاكه مؤهلات سواء كانت كسبية أو فطرية ، ولا شك أن العقلاء يولون مهام أمورهم إلى من له خبرة في ذلك الأمر الذي يوكل إليه ، وقد علمنا الله جل وعلا الاصطفاء ونبذ العفوية التي لا تؤدي إلى النتائج المرضية ، ولذلك نجده سبحانه يستخدم كلمة الاصطفاء في تحديد أنبياءه ورسله ، وقد قال جل من قائل : « إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم »(1) وبغض النظر عن الماورائيات فإن اختياره جل وعلا لخاتم الأنبياء لهذا المنصب الخطير لم يكن إلا لأنه يمتلك كل المؤهلات المادية والمعنوية التي لا تجدها مجموعة في غيره ، وكان اختياره لابن عمه للإمامة لذات الحكمة والتي اعترف بها حتى من عادوه ، ولذلك أجبرهم الواقع إلى القول بجواز تقديم المفضول على الفاضل كما هو مشروح في محله وكانت تلك شقشقة هدرت .
هذا وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم جزءاً من حوار بني إسرائيل مع نبيهم اشموئيل في انتخاب سلطان يقود الحرب على الطغاة حيث اختار لهم الله طالوت لامتلاكه القوة المادية والقوة المعنوية معاً ، وقد قال الله تعالى : « وقال لهم نبيهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنّى يكون له

(1) سورة آل عمران ، الآية : 33 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 172

الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ، قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم »(1) .
وقد رفض الله أن يكون امتلاك المال من مواهب القائد أو كونه من بيت ينسب إليه أحد من ذوي الحكم والقيادة ، حيث استنكروا على طالوت أنه لم يكن من أرباب الملايين ولا كونه من العوائل والبيوتات الملكية ، حيث لم يكن من أبناء يهوذا بن يعقوب الذي كان الملك فيهم بل كان من أبناء ابن يامين (بنيامين) ابن يعقوب كما كان الثراء في أبناء تلك السلسلة أيضاً .
وإلى هذا المعنى أي الاختصاص تشير الآية الكريمة « فاسألوا أهل الذكر »(2) حيث خصص السؤال ممن له خبرة في القرآن دون من لا معرفة له بظواهرها وبواطنها ، ومن هنا أيضاً كان اختيار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام لإبلاغ آية البراءة إلى المشركين(3) واختياره أيضاً لحمل الراية في حرب خيبر بعدما اختبر الآخرين فلم يجد فيهم ما يؤهلهم لهذه الإمارة ، وقد علله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على قدرته على الفتح(4) .
ومن موارد التخصيص أيضاً ما يذكر بأن عبد الله بن عمر بن العاص إنما قبله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كاتباً لأنه كان يعرف الكتابة ويتكلم السريانية والعبرانية(5) ، كما أمر صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن ثابت بتعلم اللغة السريانية لما كانت ترد عليه صلى الله عليه وآله وسلم كتب بهذه اللغة فتعلمها حيث تولى الكتابة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(6) .
هذا ونجد الفقهاء قد اعتمدوا في الموضوعات بل وغيرها على أهل الخبرة كما يدرك ذلك من له أدنى معرفة بالفقه ، بل إن أصل مسألة التقليد جاء من باب رجوع الجاهل إلى العالم والذي هو من ذوي الاختصاص

(1) سورة البقرة ، الآية : 247 .
(2) سورة النحل ، الآية : 23 ، وسورة الأنبياء ، الآية : 2 .
(3) راجع فضائل الخمسة : 2/184 عن صحيح مسلم وغيره .
(4) راجع فضائل الخمسة : 2/382 عن صحيح الترمذي وغيره .
(5) راجع الأعلام للزركلي : 4/111 وغيره .
(6) قاموس الرجال : 4/536 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 173

والخبرة ، وأقوى الأدلة لإثبات شرعية العمل بالتقليد هو الدليل العقلي الذي يعتمد هذا الأمر ألا وهو الرجوع إلى ذوي المواهب والكفاءات أعني بهم الاخصائيين من الفقهاء والمراجع الذين تخصصوا بعلم الشريعة .
وإلى هنا نكتفي بهذا القدر مما قدمنا وفيه بيّنا أهم الأسس التي اعتمدها الإسلام في وضع نظامه الحضاري وهي اثنتا عشرة عيناً معينةً انبجست(1) منها تلك الحضارة العالمية التي أقامت الدنيا ولم تقعده بعد ، نسأل الله جل وعلا أن يرد كيد أعداء الفضيلة وشرهم ويحفظ شرعته منهم والذي أودعها في كتابه الكريم وقال عن ذلك « إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون »(2) وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام : «أن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل لكل شيء حداً وجعل عليه دليلاً يدل عليه وجعل على من تعدّى ذلك الحد حداً»(3) .
ولا يخفى أن الحديث عن النظام الإسلامي يتطلب وضع مجلدات تفي بالمطلوب والحديث عنه ذو اتجاهات مختلفة ، أسأل الله أن يوفقني لتحقيق أمنيتي(4) في وضع مواد النظام الإسلامي إنه نعم المولى ونعم النصير .

(1) فيه تورية لآية 160 من سورة الأعراف : « فانبجست منه اثنتا عشرة عينا » .
(2) سورة الحجر ، الآية : 9 .
(3) الكافي : 1/59 .
(4) كنت قد عزمت على وضع النظام الإسلامي ضمن مواد تواكب العصر لأشفعها بالأدلة المقنعة (القانونية) بالمستوى ذاته وما أن وطأت نفسي لذلك وعزمت المضي قدماً لاستحصل بعض الموسوعات التي وضعت في مجال النظام الغربي لتكون عوناً لي على الأسلوب وقمت بزيارة المكتبة العامة في كربلاء ، المكتبة الوحيدة التي كانت تتواجد بها هذه المصادر إلا وعلمت بأن تلك المصنفات التي كنت قد شخصتها قد سرقت أيام اتخاذ المكتبة مقراً للحرس القومي في عهد عبد السلام عارف ، وكان من الصعوبة علينا آنذاك الحصول عليها لجهات شتى وتوالت الأحداث فقذفتنا الأمواج الأمنية المدعوة بالسياسيات الآحادية على ضفاف الجزيرة العجوز هذه .

السابق السابق الفهرس التالي التالي