دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 174

الشريعة الإسلامية تاريخها وتطورها

وبعد عرض هذه المقدمة الوجيزة عن الشرائع الإلهية والأنظمة البشرية فلا بد من الرجوع إلى حديثنا الأساس واستعراض كافة جوانب الشريعة الإسلامية ولو بإيجاز . لقد بدأ التشريع الإسلامي في صورته الأولى حين بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً نبياً وكان هذا أول بزوغ فجر الإسلام وبداية تاريخه ، ومنذ ذلك إلى يومنا الحاضر مرَّ التشريع بعدد من المراحل سنذكرها ضمن نقاط موجزين الحديث عنها حيث طال الحديث عن التشريع بشكل عام وخوفي من أن تأتي المقدمة أكبر من ذي المقدمة وهو غير متعارف وإن كانت المقدمة بحد ذاتها الأساس في أصل هذا الباب .

المرحلة الأولى

تسمى هذه المرحلة بعصر الوحي وتبدأ بـ 27 رجب 13 ق.هـ وتنتهي في 27 صفر 11 هـ بموت الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وينقطع الوحي ، حيث ان التشريع كان يستند مباشرة إلى الوحي من قبل الله جل وعلا وذلك عبر ثلاث قنوات :
الاول الوحي القرآني :


وهو جميع ما بين دفتي القرآن الذي بين أيدينا حيث نزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بحدوده وخصوصياته محفوظاً إلى يومنا هذا دون زيادة أو نقيصة ، ولم يختلف في نصه أحد إلا اللهم في القراءات ورسم الخط وعلامات التنقيط وما شابه ذلك مما لا يمس جوهره وإن اختلف بسببه بعض الأحكام والتفسيرات ، وقد نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكة حتى عام الهجرة ثم في المدينة حتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ، 86 سورة مكية(1) وطبيعتها بشكل عام تتحدث عن العقيدة الإسلامية ويغلب

(1) بحوث في تاريخ القرآن وعلومه : 339 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 175

عليها القصر في الآيات ، والخطاب فيه للناس غالباً(1) و28 سورة مدنية(2) وطبيعتها بالإجمال تتحدث عن التشريع والأحكام وغلب على آياتها الطول ، والخطاب فيه للمؤمنين غالباً(3) وقد رتب القرآن بهذا الشكل بأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجمع في عهده ، وفيه جميع أبواب الأحكام الفقهية وأسس المسائل الشرعية « ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين »(4) و« اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً »(5) .
الثاني الوحي القدسي


وهو عبارة عن الأحاديث التي أملاها الله عز شأنه على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبر الوحي والتي عرفت بالأحاديث القدسية وقد تضمنت عدداً من التفسيرات للقرآن وبعض الأحكام والمسائل الاجتماعية والأخلاقية وهي عدل القرآن إلا أنها ليست بمصافه ولا بد من التحقق عن طريق وصولها إلينا ، شأنها شأن سائر الأحاديث الواردة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام ، وبالإجمال فلها قيمتها في التشريع وفي سائر المجالات وتكشف الكثير من جوانب الغموض وفيها الكثير من شرائع من سبقنا من الأنبياء والرسل وبالأخص أولي العزم منهم ، وقد وصلتنا عبر معاجم الأحاديث إلا أن الله قوض جماعة من الأعلام فجمعوها في صحيفة خاصة مما سهل تناولها ، منهم : الحر العاملي(6) حيث سمى كتابه هذا بالجواهر السنية في الأحاديث القدسية(7) الذي يقول عنها : «اتفق على نقلها كلا

(1) راجع تاريخ التشريع الإسلامي للخضري : 17 .
(2) بحوث في تاريخ القرآن وعلومه : 339 .
(3) راجع تاريخ التشريع الإسلامي للخضري : 17 .
(4) سورة الأنعام ، الآية : 59 .
(5) سورة المائدة ، الآية : 3 .
(6) الحر العاملي : هو محمد بن الحسن بن علي (1033 ـ 1104هـ) ولد في قرية مشغرة بجبل عامل ـ لبنان ـ وتوفي بمشهد ـ إيران ـ من علماء الإمامية وأعلامها ، له مصنفات كثيرة منها : الفوائد الطوسية ، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ، وبداية الهداية .
(7) الجواهر السنية ، يقع في 379 صفحة إلى جانب المقدمة والفهرس ، طبع في بيروت عبر مؤسسة الوفاء بحجم 17×24 سم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 176

الطائفتين وصحت أسانيدها من الطريقين وانعقد عليها إجماع الفريقين قد تجاوزت بكثرتها حد التواتر المعنوي»(1) ، ومنهم : ابن عربي(2) وقد سمى مصنفه هذا بالأحاديث القدسية(3) ذكر فيه : «أنه لما وقف على الحديث المروي في فضائل الأربعين بمكة سنة 599 هـ جمعها بشرط أن تكون من المسندة إلى الله تعالى»(4) .
الثالث الوحي التفسيري


وهو في الحقيقة الأحاديث التي أملاها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم على أهل بيته الأطهار عليهم السلام وأصحابه ، وتعد مضامينها من الوحي الإلهي ، أما صيغتها وألفاظها فهي نبوية ، وقد تحتوي على مقاطع إلهية إلا أنها غير مشخصة وربما شخّصها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمناسبة ، وإنما عُدّت من الوحي لقول الله تعالى في حق نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم « وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى »(5) والرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما أنه البوابة الوسيعة ، والأخيرة إلى حظيرة القدس الإلهي فلا بد أن تكون جميع تصرفاته بمقتضى العقل والنقل مدروسة ومتزنة بالاتزان الإلهي ومصقولة بصقل الوحي ، لأن كل تصرفاته مهما كانت خفية فهي حجة على العباد ، ولما كان الوحي المنصوص يحتاج إلى تفسير وتوضيح ومزيد من البيان لتلك الكنوز العلمية التي احتوته فلا بد أن يقوم الله بإيضاح تلك الأسس وبيان تفاصيلها عبر حبيبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما الأحكام إلا ممارسات ، فكل ممارسة صدرت من الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فهو حكم شرعي موحى من قبل الله بإمضائه وتقريره وما محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا

(1) الجواهر السنية : 7 .
(2) ابن عربي : هو محمد بن علي بن محمد بن عربي (560 ـ 638هـ) ولد في الأندلس ومات في دمشق ، وهو القائل بوحدة الوجود ، لَهُ مصنفات كثيرة منها : الفتوحات المكية ، فصوص الحكم ، وديوان شعر .
(3) الاحاديث القدسية : يحتوي الكتاب على 101 حديثاً ، بدأ أولاً بجمع أربعين حديثاً مسندة إلى الله تعالى ، ثم أتبعها بأربعين عن الله مرفوعة إليه غير مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم اردفها بأحد وعشرين حديثاً .
(4) كشف الظنون : 1/14 .
(5) سورة النجم ، الآية : 3 ـ 4 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 177

معلم البشرية بكل ما لديه من الوسائل المعبرة والموصلة إلى البشرية ، ويبقى أن نطمئن إلى صدور تلك الممارسات الكلامية أو العملية أو ما شابهها من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الأمر ضروري للتحقق من مصدره ، ويثبت عبر توثيق الرواة الذين لعبوا دور الإيصال إلينا ، ومجال التحقيق هو علم الرجال .
فالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحقيقة هو الناقل الأمين لأحكام الرب الرؤوف والمفسر العالم بإرادة البارئ المتعال ، وبإلحاق روحه الشريفة بالرفيق الأعلى انتهت هذه المرحلة الخطيرة من حياة التشريع .

المرحلة الثانية

تسمى بعصر الإمامة حيث انتهت النبوة وإلى الأبد وانتهى معها الوحي ، وتبدأ بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في 27/صفر/11 هـ وتنتهي عند الإمامية بالغيبة الأخيرة للإمام المهدي عليه السلام والتي يعبر عنها بالغيبة الكبرى والتي تمت في 15/شعبان/329 هـ والتي ستنتهي بظهوره في آخر الزمان ليقيم دولة الإسلام ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، بينما ينتهي عصر الإمامة عند اتباع المدارس الأخرى بعهد الخلافة الراشدة وذلك برحيل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في 21/رمضان/40 هـ ، وحتى لا تتضارب التقسيمات فالأفضل أن نقسم هذه المرحلة إلى ثلاث فترات زمنية : الأولى فترة الخلافة الراشدة ، والثانية فترة التابعين ، الثالثة فترة نشوء المذاهب .
فترة الخلافة الراشدة


في هذه الفترة بالذات دخل التشريع في معترك عصيب حيث انقسم أرباب الحل والعقد من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما فيهم أهل البيت عليهم السلام إلى مجموعتين تمسكت المجموعة الأولى بالكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الطاهرة وهم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واتباعهم ، بينما تمسك الثانية بالرأي وبالأخص فيما لا نص فيه وهم أتباع مدرسة الخلفاء حسب بعض التسميات ، وسيأتي الحديث عن المدرستين بما فيه في الكفاية إن شاء الله .
فترة التابعين


كان في بداية هذه الفترة الزمنية أي في عام 40 هـ وجودٌ لعددٍ من

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 178

الصحابة إلا أنهم انقرضوا في خلالها ، فانتهت بوفاتهم الرواية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بصورة مباشرة وبدأت الواسطة تأخذ دورها في نقل الشريعة وبدء في هذه الفترة دور التابعين ، وعلى أثرها نشأ علم الرجال والدراية وبدء الشرخ يزداد بين القادة الروحيين والزمنيين من جهة وبين الفصيل العلمي والفصيل السياسي من جهة أخرى ، مما مهدت هذه الفترة في نشوء مذاهب مختلفة وصراعات فكرية وصلت ذروتها عندما كفّرت إحداهما الأخرى وقد كان للسطات دور في ذلك .
فترة نشوء المذاهب


وفي خضم هذه الأحداث برزت بعض هذه المذاهب الفقهية لعوامل سياسية ـ سنأتي على بيان بعض التفاصيل عنها إن شاء الله تعالى ـ فقد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه وتوسع إعمال الاجتهاد إلى حد التفريط أو الإفراط مما حدا بالبعض إلى تحريمه فيما أساء البعض استخدامه .
وبما أن الاجتهاد ـ كما سيأتي الحديث عنه ـ يعود بجذوره إلى عهد النبوة الخاتمة فهو لم يكن غائباً عن أئمة الفقه والحديث ولكن التطور الزمني والحاجة الاجتماعية بشكل عام وانفصال الفقاهة عن السلطة جعلته يأخذ أبعاداً أخرى آلت إلى الاجتهاد وخلقت منه مذاهب ، تميز كل منه بمميزات ، وبما أن مدرسة أهل البيت عليهم السلام كانت تتمتع بوجود الأئمة المعصومين عليهم السلام فقد تأخر عندهم حركة تطوير الاجتهاد إلى بعد غيبة الإمام المهدي عليه السلام (260 ـ 329 هـ) ، وأما بعض المذاهب الإسلامية الأخرى فقد سبقوهم في الأخذ بالاجتهاد من بابه الواسع في القرن الثاني ، إلا أنهم توقفوا عن العمل بالاجتهاد بشكل عام واكتفى أتباع كل مذهب بالأخذ بآراء أئمتهم .
وأما الأصوليون من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام فقد واجهوا المدارس الأخرى في اتجاهين الأول في التفريط الاجتهادي كالأخذ بالرأي الذي أصبح عنواناً لعدد من المذاهب الإسلامية ، والثاني أتباع تلك المذاهب في تقليد أئمتهم دون النظر في المسائل الشرعية ، وكانوا في الآن نفسه قد واجهوا المدرسة الاخبارية الرافضة للاجتهاد برمته كإفراط منها في هذا الجانب ، وقد أخذ الاخباريون رويداً رويداً يتوجهون نحو الأصول فلم

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 179

يعد هناك من لا يعمل منهم بالاجتهاد بالمفهوم الأصولي عملياً ، وهناك من ذهب إلى انسداد باب العلم والعلمي واعتمد الظن بشكل واسع إلا أن دورهم اضمحل أيضاً(1) ، وأما أتباع المدارس الإسلامية الأخرى فهم أيضاً بدؤوا يفعّلون عندهم عملية الاجتهاد بعد أن أقروها سابقاً كنظرية وأهملوها كممارسة .
وهنا نود الإشارة إلى أن مسألة التمذهب في الفقه لا بد وأن تؤول إلى الانتهاء إذ أن المذاهب الإسلامية ليست هي إلا اجتهادات فقهية ، فلو أخذناها مجردة من المسائل العقائدية المذهبية والمسائل الكلامية لوجدنا أن المذاهب الإسلامية السبعة المتواجدة اليوم على أرض الواقع مختلفة في مسائل جزئية لا تصلح لهذه الفرقة التي التزمتها جماعة متطرفة من المسلمين ، وغذتها فئة معادية من غير المسلمين وهذا المقدار من الاختلاف لا يضر بوحدة الصف الإسلامي شأنه شأن أي اختلاف علمي في العلوم الاجتماعية والطبية وغيرهما بل في سائر الشؤون .
ومن الأجدر بنا دراسة المباني الفقهية والاصولية والرجالية ومناقشتها بروح رياضية عالية ـ بمنأى عن الماضي والمسائل العقائدية ـ لأجل الحد من الخلافات في الجزئيات أولاً ولدقة النظر في المسائل العلمية ثانياً ، وللتحول إلى إنشاء مؤسسات علمية تضم فقهاء أخصائيين لأخذ القرارات المناسبة في قبال التحديات التي تواجهها الامة جمعاء في مثل هذه الظروف القاسية .
وسنتحدث عن المرجعية بشكل عام والطموحات إن شاء الله في الفصول القادمة .

(1) وكان الخلاف سائداً بين الفقهاء هل يجوز تقليد المجتهد القائل بانسداد باب العلم والعلمي فحرمه بعضهم كالأخوند الخراساني في الكفاية : 464 حيث قال : «فجواز تقليد الغير عنه في غاية الاشكال» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 180

مصادر التشريع

وقبل الحديث عن مصادر التشريع لا بد من التذكير بأن في الشريعة الإسلامية وربما في غيرها ثوابت ومتغيرات وإن شئت فسمها بالساكن والمتحرك ، ثوابت كالجبال الراسخات لا يمكن أن تطالها يد التغيير مهما ترسخت في العلم ونالت بسطة في الحكم حيث أنها حدود الله التي أمرنا بأن لا تمس إذ يقول الله جل وعلا : « تلك حدود الله فلا تقربوها وكذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون »(1) ويقول جل شأنه : « تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون »(2) ويقول جل ذكره : « تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه »(3) ويقول جل اسمه : « ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين »(4) وهو المعبر عنه في الفقه والكلام بالضرورات ، ولكنها تشمل جميع الأحكام المبينة من المحكمات وما ورد فيه نص إلهي أو نص نبوي أو إمامي مما لا خلاف عليه فلا يمكن تعديه ، هذا هو الثابت من الشريعة وما تبقى خارج هذه الدائرة فهو المتحرك من هذه الشريعة ، والمتغير من القانون ، حيث تُرك المجال مفتوحاً أمام الفقيه أو الحاكم ليملأه حسب الحاجة طبقاً للكتاب والسنة بل ويمكن عد المباحات بالنسبة إلى المكلفين منها ، والمصادر التشريعية لعملية الاجتهاد تابعة لهذا الثابت والمتغير (الساكن والمتحرك) ومن أوليات وأولويات الفقيه قدرته على التمييز بين الثابت والمتغير .

(1) سورة البقرة ، الآية : 287 .
(2) سورة البقرة ، الآية : 229 .
(3) سورة الطلاق ، الآية : 1 .
(4) سورة النساء ، الآية : 14 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 181

هذا وقد سبق وتحدثنا عن تعريف التشريع ونرجع هنا لنؤكد بأن التشريع مصطلح يختص بالأحكام الشرعية وليس من شأنه بيان المسائل العقائدية وإن كانت ترتبط به ارتباطاً وثيقاً ، وعليه فموضوعه هو الفقه وليس الكلام ، غير أنه لا يمكن بحثه بمعزل عن الكلام في كثير من الأحيان ، فمادة التشريع أو مصادره(1) هي الأمور التي يمكن الاعتماد عليها في استنباط الحكم ، ولا يختلف اثنان من المسلمين على أن للتشريع مادتين أساسيتين وهما :
1 ـ الكتاب (القرآن الكريم) .
2 ـ السنة (النبوية) .
ولكن الخلاف(2) وقع بين المذاهب الإسلامية في مواد أخرى وهي :
1 ـ سنة أهل البيت النبوي .
2 ـ الإجماع .
3 ـ العقل .
4 ـ القياس .
5 ـ آراء الفقهاء(3) .

(1) قال المفيد في أصول الفقه : 18 «اعلم أن أصول الأحكام الشريعة ثلاثة أشياء : (كتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأقوال الأئمة الطاهرين من بعده صلوات الله عليهم وسلامه ، والطرق الموصلة إلى علم الشرع في هذه الأصول ثلاثة : أحدها : العقل وهو سبيل إلى معرفة حجية القرآن ودلائل الأخبار ، والثاني : اللسان وهو السبيل إلى معرفة معاني الكلام ، وثالثها : الأخبار وهي السبيل إلى إثبات أعيان الأصول من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة عليهم السلام» .
(2) جاء في التشريع الجنائي الإسلامي : 1/164 «من المتفق عليه بين جمهور الفقهاء أن مصادر التشريع الإسلامي أربعة : 1 ـ القرآن ، 2 ـ السنة ، 3 ـ الإجماع ، 4 ـ القياس» ، والظاهر أنه أولاً أراد بيانه بنحو الإجمال دون الخوض في التفاصيل في مفهوم هذه المصادر وحدودها ، وثانياً اعتبر العقل والقياس واحداً باعتبار أن القياس من المسائل العقلية ، وإلا فإن الخلاف واقع في غير الأولين بغض النظر عن الشروط .
(3) تاريخ التشريع الإسلامي للخضري : 7 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 182

6 ـ الاستحسان .
7 ـ المصالح المرسلة .
8 ـ فتح الذرائع وسدها .
9 ـ العرف .
10 ـ شرع من قبلنا .
11 ـ مذهب الصحابي .
12 ـ القرعة .
13 ـ الحيل الشرعية .
14 ـ الشهرة .
15 ـ السيرة .
16 ـ الأصول العملية .
وستأتي مناقشتها الواحدة تلو الأخرى إن شاء الله تعالى .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 183

القرآن

هو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما بعثه رسولاً نبياً ، وللقرآن مرادفات أخرى كالفرقان والكتاب والذكر ، ولكن التسمية بالقرآن طغت على سائر الأسماء الأخرى ، والمذاهب الإسلامية كلها على أن ما بين الدفتين من الألفاظ والمعاني والأسلوب نزل من قبل الله دون نقص أو زيادة ، وليس لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي دخل في صياغته ووضعه ، فالقول بالتحريف مردود من قبل كافة المذاهب ، وما قيل من التحريف في القرآن فهي آراء فردية نُجلّها إلا أنها لا تعكس إلا رأي قائلها ولا يمكن نسبتها إلى المذاهب ، ومما لا خلاف بين المسلمين ومذاهبهم بأن القرآن حجة ، بل هو الركيزة الأولى في التشريع .
ولا يخفى أن هناك كلاماً نزل من قبل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرف بالأحاديث القدسية فهي بتصريح من جميع المذاهب أنها ليست من القرآن ، كما أن ما جاء من التفاسير سواء التي فسرت القرآن بالأحاديث أو بغيرها فهي أيضاً ليست من القرآن بشيء وإنما هي آراء وتطبيقات وشروح واستنتاجات .
ولا شك أن القرآن نزل باللغة العربية فلا يصدق على التراجم الموجودة بأنه قرآن لجهات أهمها : أن ترجمة القرآن محال فيما لو قلنا بأن القرآن هو مجموع اللفظ والمعنى بما له من باطن وظاهر ويحتوي على مجموعة من المفاهيم ، فلا بد أن يكون المترجم بمنزلة عالية من المعرفة والإدراك لما هو مودع فيه من المعاني والإرادات الربانية ، فعليه فلا بد أن يكون المترجم إما الله بنفسه أو من صانه الله من الخطأ وخصه بنفسه ، ولا ينتقض بقول بعضهم من جواز قراءة القرآن بلغة أخرى في الصلاة لأنه خارج عن موضوعنا .
والقرآن يحتوي على مئة وأربع عشرة سورة أولها سورة الفاتحة

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 184

وآخرها سورة الناس وجميعها تشكل ستة آلاف وثلاثمائة واثنتين وأربعين آية(1) وقد حددوا كلماتها وحروفها وحركاتها وسكناتها ، إلا أنهم اختلفوا في ذلك بسبب تقطيع الآيات والكلمات ، ولكنهم لا يختلفون في جوهرها(2) ، وأول آية نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى : « بسم الله الرحمن الرحيم : اقرأ باسم ربك الذي خلق »(3) وذلك في شهر رمضان عام البعثة 13 ق.هـ في مكة ، وآخر آية نزلت عليه هي قوله تعالى : « اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً »(4) وذلك في شهر ذي الحجة عام 10 هـ وهو في طريق الرجوع إلى المدينة ، والآيات والسور إما مكية أو مدنية وعدد آياتها 1456 آية ، ومن مميزات الآيات المكية أنها قصار بعكس الآيات المدنية ، بالإضافة إلى أن معظم الآيات المكية جاءت في العقيدة بينما المدنية منها اختصت بالتشريع والأحكام ، كما أن الغالب في المكية الخطاب بـ « يا أيها الناس » بينما غلب الخطاب في الآيات المدنية بـ « يا أيها الذين آمنوا »(5) ، إلى غيرها .
هذا مجمل ما يمكن الحديث عنه هنا عن القرآن ، وأما الحديث عنه فيما يخص بالتشريع فيقع في أبحاث .

(1) لقد وقع الخلاف في عدد الآيات من حيث تقطيع بعضها أو عد البسملة جزءاً من كل سورة ، إلا أنها ليس بالكثير ، وقد ذكروا بأن عدد آياته (6216) وقيل (6666) .
(2) جاء في دائرة المعارف الشيعية العامة : 14/300 ، «أكثر القراء ذهبوا إلى أن سور القرآن بأسرها (114) سورة ، وإلى أن آياته (6666) آية ، وإلى أن كلماته (77437) كلمة ، وإلى أن حروفه (322670) حرفاً ، وإلى أن فتحاته (390243) فتحة ، وإلى أن ضمّاته (40804) ضمة ، وإلى أن كسراته (39586) كسرة ، وإلى أن تشديداته (19253) تشديدة ، وإلى أن مداته (1771) مدة ، وإلى أن همزاته (3273) همزة ، وإلى أن الفاته (48872) ألفاً ، والخلاف واقع في عدد حروف العطف والقسم هل هي كلمة أم يعد مع ما بعدها كلمة ، وإلى عدد الكلمات المتقاطعة هل أن كل واحد منها كلمة أم جميعها كلمة ، وهكذا ـ راجع كتاب الاتقان للسيوطي ومرآة العقول للمجلسي .
(3) سورة العلق ، الآية : 1 .
(4) سورة المائدة ، الآية : 3 .
(5) راجع تاريخ التشريع الإسلامي للخضري : 17 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 185



البحث الأول :

في حجية القرآن :
وأما الحديث عن حجيته فهو إلى جري العادة أقرب منه إلى الحقيقة إذ من الخطأ الاستدلال على حجيته بعدما أصبح من ضروريات الدين ولكن لا بأس بالإشارة إلى تلك الأدلة ـ كما جرى عليه ديدن الباحثين :
1 ـ العقل : فإن المجرد منه يحكم بوجوب إرشاد الناس من قبل خالقهم ـ حيث لم يخلقهم عبثاً ـ عبر الرسل الناطقة والصامتة وتلازم الرسالتين في غاية الوضوح .
2 ـ الإجماع : لقد أجمع المسلمون كافة على كون القرآن حجة في كل مرافق الحياة والتي منها التشريع ، ولا خلاف بين المذاهب والعلماء بل بين المسلمين أيضاً.
3 ـ الإعجاز : أثبت القرآن بأنه معجز إلهي عجز البشر في جميع العصور من الإتيان بمثله ومجاراته ، ومتى ما كان بهذه المرتبة من الإعجاز فلا بد من صدوره من الله سبحانه ، ولا شك في حجية ما صدر عنه تعالى .
4 ـ السنة : لقد دلت كل الأدلة على عمل الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصادق الأمين بالقرآن كما صرح هو بذلك أيضاً ، ولم ينكر الرسول عمل المسلمين بمضامينه ونصوصه ، بل حثهم على ذلك والتمسك به كما ورد في الأحاديث المتواترة .
ورغم أن القرآن هي المادة الأساس في التشريع الإسلامي فإن هناك شبهة تُطرح في المقام ، وهي أن طريق معرفة القرآن تم عبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيكون مرجعه إلى السنة التي تتمثل في قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو فعله أو تقريره ، ومآل ذلك إلى : اعتماد القول بأن حجية القرآن مستمدة من حجية السنة ، والسؤال الذي يطرح نفسه : «القرآن أولاً أم الرسالة ـ البعثة ـ ؟» في ظل البعد الزمني ، وبعبارة أخرى : إن القرآن من نقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأخذ بقوله سنة فالقرآن إذاً صورة ، من صور السنة ، والقرآن إذا ثبت بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فحجيته تكون متأخرة عن حجية السنة بل جزءاً منها ، وعليه تترتب شبهة أخرى وهي أن السنة إنما قيل بحجيتها بدليل من الكتاب أو بالكتاب نفسه فحاصله أن حجية كل منهما متوقف على حجية الآخر فيلزم الدور .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 186

والجواب عن الدور بأنه غير حاصل كما سيأتي ، وعلى فرض حصوله فهو من الدور المعي الذي لا يمتنع وقوعه كما هو الحال في توقف عدم سقوط حجرين أحدهما على الآخر(1) .
ولكنه ليس بدور وذلك لأن الرسالة إنما ثبتت بإلقاء القرآن عليه ومن المعروف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في غار حراء عندما أنزل عليه جبرائيل سورة إقرأ ، ولم يثبت بأنه أعلن رسالته قبل ذلك ، فرسالته ثبتت بنزول القرآن عليه ولو جزئياً ، وكان القرآن ولا زال الدليل الأقوى على صدق رسالته لأنها المعجزة الخالدة وفيها التحدي(2) لكل من سولت نفسه للطعن في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو القرآن نفسه ، وعليه فالرسالة والقرآن جاءا معاً وهما توأمان ، فالقرآن مصدق للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا مجال للخدش في ذلك حيث أن القرآن دليل على مدعي الرسالة وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبالقرآن ثبت صدق كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبآياته اثبتت نبوة حامله ثم حجية ما يصدر عنه .
إذاً فالقرآن أثبت بنفسه حجيته كما أثبت حجية ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
نعم إذا لم يكن القرآن بنفسه معجزة تُثبت أنه من قبل الله ، أو كان

(1) إن السلالم الثنائية التي تعتمد كل جانب على الجانب الآخر لا يعتبر من الدور المحال الذي هو أما دور مصرح أو مضمر ، ومن الدور المعي كتوقف القلب على المخ وهو على القلب فإن علماء الطب يذكرون بأن من خصائص القلب تغذية أعضاء الجسم وتحريكها بما فيها المخ ، ومن خصائص المخ تنظيم شؤون الجسم بما فيه القلب ، وقوام كل واحد منهما بالآخر فلو عطل أحدهما اختل وضع ثانيهما وانتهى عمله فلذلك يحق للأطباء القول بأن حياة القلب متوقف على حياة المخ كما يصح القول بأن حياة المخ متوقف على حياة القلب وهو دور إلا أنه غير باطل لأنه معي . وهذا كالمولد الكهربائي الذي يتوقف حركة عجلاته على المولد نفسه كما صنعته في سالف الزمان عبر بعض المبكرات للتجربة ، ولا يخفى أن الحركة الأولى لا دخل له في الدور حيث أنه كنفخ الروح في الإنسان إذ انها هي الحركة الأولى لجهاز الإنسان كما هو الحال في المولد الكهربائي المذكور ، ومن ذلك أيضاً العين والعوينات .
(2) يقول الله جل وعلا : « قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله » [الإسراء : 88] .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 187

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ثبتت رسالته قبل نزول القرآن لأمكن القول بالدور المذكور ، ولكن القرآن كان معجزته الكبرى لتصديق نبوته كما كان في الوقت نفسه دليلاً على كونه منزل من قبل الله فلا يتحقق الدور .

البحث الثاني :

بما أن القرآن مصدر من مصادر التشريع وحجة يعتمده الفقيه في استنباط الأحكام الشرعية بإجماع المسلمين فلا بد من الالتزام بما يلي :
1 ـ صيانة القرآن عن التحريف : إذ أن القول بالتحريف مناقض لحجيته ، ويستوجب سلب الاعتماد على مجمل النصوص القرآنية ، وهو مرفوض ، ويؤيده إجماع المسلمين على عدم وقوع التحريف بل هو من معتقداتهم الأصيلة ولم يتفوه بالتحريف إلا عدد ضئيل من علماء المذاهب الإسلامية في العهود الغابرة استناداً إلى روايات غير معمول بها في قبال الروايات الصحيحة التي تؤكد عدم وقوع التحريف في القرآن والتي اعتمدها الأعلام من كافة المذاهب الإسلامية ، ومن تلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(1) إلى غيرها من الروايات المؤيدة لقوله تعالى : « إنا نحن نزلنا الذكر

(1) الجامع الصحيح (سنن الترمذي) : 5/662 ـ 663 باب مناقب سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حلية الأولياء : 1/355 ، 9/64 ، ومثله أو قريب منه في مسند الإمام أحمد بن حنبل : 3/18 ـ 22 ، 4/448 ، 5/216 ـ 225 ، المستدرك على الصحيحين : 3/161 ـ 118 ، ينابيع المودة : 3/107 ، الجامع الصحيح (صحيح مسلم) : 7/122 ـ 123 ، باب فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام ، كنز العمال : 1/172 ـ 173 ، 178 ، 185 ـ 189 ، 13/104 ، 140 ، إحياء الميت بفضائل أهل البيت : 30 ، 33 ، 44 ، 45 ، 56 ، مشكلات الآثار : 2/211 ، السنن الكبرى (سنن البيهقي) : 10/194 ، سُنن الدارمي : 2/524 ، أُسْدُ الغابة : 2/13 ، خصائص الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (خصائص النسائي) : 150 ، المعجم الكبير : 5/166 ، التفسير الكبير (تفسير الرازي) : 8/173 ، الطبقات الكبرى : 2/194 ، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة : 2/56 ، عن الصواعق المحرقة : 75 ، مجمع الزوائد : 9/163 ، وفيض القدير : 3/14 ، وقصص الأنبياء للثعلبي : 14 ، والرياض النضرة : 2/177 .
وهناك أكثر من ثلاثين مصدراً قد اطلعنا عليها في نظرة سريعة ذكرت هذا الحديث عن طرق العامة فمن أراد فليراجعها في مظانها .

السابق السابق الفهرس التالي التالي