دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 188

وإنا له لحافظون »(1) وقوله جل وعلا : « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد »(2) وتفصيل ذلك موكول إلى محله(3) .
2 ـ كونه قابلاً للفهم : إذ القول بغموضه مناف لكونه كتاب حياة وهداية وإرشاد ، ولا يعني ذلك أنه من البساطة بشكل يفهمه الجاهل ، بل المراد أنه نزل على البشرية ليعرفه غير الجاهل منهم ، ومن المؤكد أن القرآن عندما نزل بلغة العرب تبنى طريقتهم في عرض أفكاره وكانوا يفهمونه ويسيرون على وفقه ، وإلا فإن الإسلام لم يعتمد طريقة خاصة في التفاهم ، نعم هناك من النصوص ما لا يمكن فهمها بهذه البساطة وهذا شأنه شأن الأمور والاختصاصات التي قد يعسر معالجتها إلا عبر الاخصائيين إذ تحتمل أكثر من معنى ، وهو المعبر عنه في القرآن بالمحكم والمتشابه ، بينما المعبر عن الاخصائيين بأهل الذكر والراسخين في العلم ، ودائماً يمكن التلاعب بالألفاظ ولكن المناط فيها ظواهرها التي لا بد وأن تكون هي المراد منها في لغة التفاهم وهي الحجة في مجال العمل .
هذا وللغموض صور مختلفة فلا بد من عرضها ولو بإيجاز ضمن نقاط :
الأولى :


المحكم والمتشابه المصرح به في قوله تعالى : « منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات »(4) والتي في ظاهرها تدلنا على وجود آيات قابلة للأخذ والرد ، وعليه تختلف النتائج والاستنتاجات التي أخبرنا الله بها وأمرنا باتباع الحق في نهاية تلك الآية مباشرة حيث قال : « فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكَّر إلا أولوا الألباب »(5) .

(1) سورة الحجر ، الآية : 9 .
(2) سورة فصلت ، الآية : 42 .
(3) راجع البيان في تفسير القرآن : 195 ـ 240 .
(4) سورة آل عمران ، الآية : 7 .
(5) سورة آل عمران ، الآية : 7 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 189

إذاً فكلتاهما : المحكمات والمتشابهات يجري العمل بمقتضاها إلا أن الفئة الأولى واضحة لا تحتاج إلى التأويل والتفسير مثلما تحتاج الثانية والتي يتم وضوحها بعد إرجاعها إلى الله عبر أهل الذكر وهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار(1) سواء قلنا بأن جملة «يقولون» وقعت خبراً لـ «الراسخون» أو قيل بأنها حالٌ لـ «الراسخون» . كما أن الاعتماد في حل المتشابهات على المحكمات وعليه فلا تبقى النصوص القرآنية متصفة بالغموض من هذه الناحية وتبقى ظواهرها حجة يستعين بها الفقهاء .
ومما يجدر ذكره أن المتشابه أمر نسبي سواء بالنسبة إلى الآيات الأخرى أو بالنسبة إلى المتعامل معه ، فرب آية متشابهة في قبال آية أخرى ومحكمة في قبال ثانية من جهة أخرى ، أو أنها متشابهة بالنسبة إلى زيد دون عمرو ، ففي الحديث سئل أبو عبد الله (الصادق عليه السلام) عن المحكم والمتشابه قال : «المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله»(2) .
والحاصل : فعلى ما قدمناه فإن وجود المتشابه أمر طبيعي ولا يبقى غامضاً لأنه يفسر بالمحكمات(3) وهو من تفسير القرآن بعضه ببعض ، بالإضافة إلى أن تحديد المفسَر بالمفسِر من مميزات الراسخون في العلم والذين هم ممن نزل في بيوتهم القرآن(4) .
الثانية : الناسخ والمنسوخ


إن مجرد وجود آيات منسوخة في القرآن يوجب بعض الغموض وسوء الفهم لعدم معرفة أيهما ناسخ أو منسوخ ولو بعد حين .

(1) جاء في بصائر الدرجات : 224 في حديث الصادق عليه السلام : «نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله» ، وكذلك في الأصول من الكافي : 1/213 .
(2) تفسير العياشي : 1/162 .
(3) فقد جاء في عيون أخبار الرضا : 2/261 قال الرضا عليه السلام : «من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم» ثم قال : «إن في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ، فردوا متشابهها إلى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا» وهذه الرواية تفيدنا أن المتشابه أمر طبيعي يرد حتى في الروايات .
(4) وللتفصيل راجع حقائق التأويل : 5/1 ، وتفسير الميزان : 3/19 ـ 86 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 190

ولكن مآل المنسوخ يكون إلى المتشابه وقد ورد في حديث الباقر عليه السلام : «فالمنسوخات من المتشابهات»(1) وقد تقدم الكلام عنها .
ومن الجدير ذكره أن النسخ لم يختص بالأحكام الشرعية بل أعم منها ، كما أن البداء الوارد في قوله تعالى : « يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب »(2) من النسخ ، كما أن الناسخ لا يقل مصلحته عن المنسوخ كما ورد في قوله تعالى : « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها »(3) ولا شك أن الناسخ أوفَرُ حظاً من المنسوخ ومعه الحكمة وعليه فيرتفع الغموض بذلك بالإضافة إلى أن المتقدم من الآيتين نزولاً منسوخ والمتأخر منهما ناسخاً وبهذا تبين أن لا غموض ولا منافاة بين كون القرآن كتاب هداية وبيان وإرشاد وبين وجود الناسخ والمنسوخ .
الثالثة : وجوه الإعراب والقراءات


إن الخلاف الواقع في إعراب الآيات وقراءاتها يوجب الغموض في المراد من النص القرآني ومن ذلك على سبيل المثال في قوله تعالى : « فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن »(4) فمن اعتمد قراءة «يطهر» بالتشديد على أنه من باب التفعيل قال بعدم جواز مقاربة النساء إلا بعد الغسل ، ومن اعتمد قراءته بدون التشديد على أنه فعل ثلاثي مجرد قال بجواز المقاربة بمجرد انقطاع الدم .
ومن ذلك أيضاً قوله عز من قائل : « فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين »(5) فمن عطف الأرجل على الرؤوس قال بوجوب مسح الأرجل ، ومن عطفها على الوجوه قال بوجوب غسلها ، بالإضافة إلى الخلاف في تحديد معنى «إلى» .

(1) الكافي : 2/28 .
(2) سورة الرعد ، الآية : 39 .
(3) سورة البقرة ، الآية : 106 .
(4) سورة البقرة ، الآية : 222 .
(5) سورة المائدة ، الآية : 6 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 191

ومثل هذه الأمور لا توجب الغموض لمن راجع أهل الذكر المأمور باتباعه والذي جعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قريناً للقرآن .
وهذا أيضاً مآله إلى المتشابه الذي يرتفع غموضه بالرجوع إلى الروايات التي أمرنا بالرجوع إليها .
الرابعة : المفاهيم


لقد احتوى القرآن الكريم على العديد من المفاهيم المختلفة التي لها صلة بحياتنا بشكل عام إلا انها عدت من المجاهيل كمفهوم الجن مثلاً وهذا بحد ذاته يؤدي إلى الغموض الذي يتنافى مع كونه كتاب هداية وإرشاد .
والحقيقة أن هذا الأمر حدث بسبب تقسيم القرآن إلى ما هو ضروري في حياة الإنسان وما ليس بضروري ، وعدوا من الأول آيات الأحكام والتي حددت بخمسمائة آية(1) من أصل 6342 أية فأَوْلوا اهتمامهم بها دون غيرها وهذا يعني إلغاء دور 5842 آية من القرآن ، ليس أقل في جانب الأحكام الشرعية ، مع العلم أن معظم هذه الآيات إن لم نقل كلها ، لها دور حقيقي في فهم الأحكام الشرعية بينما لا بد من إدخال بعضها الآخر في عداد آيات الأحكام وإنما أقصيت للغفلة أو استحدثت لتطور العلم ، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن قوله تعالى : « خلق من ماء دافق ، يخرج من بين الصلب والترائب »(2) يمكن الاستفادة منها في مجال تحديد المني وهل للمرأة مني أم لا وعليه يترتب طهارة أو نجاسة الرطوبات الخارجة من المرأة إلى غيرها من الأحكام ، وهناك الكثير من الآيات والمفاهيم القرآنية التي لها دور في الأحكام الشرعية أو في سلوك الإنسان اليومي لم يتم البحث عنها في ظل المفهوم الخاطئ ، والأغرب من ذلك قول كثيرين ممن ناقشتهم في

(1) المدخل إلى علم أصول الفقه : 20 ، وفي المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 1/347 نقلاً عن مجلة العربي العدد : 153/ الصفحة : 28 . «يرى ابن القيم أن آيات الأحكام لا تتجاوز 150 آية ، أما غاية ما بلغ العادون لها فهي 864 آية» .
(2) سورة الطارق ، الآيتان : 6 ـ 7 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 192

تلك الأمور وكانت النتيجة النهائية : «أن هذه المفاهيم ليست من الضروريات حتى يتم دراستها» وكأنهم يريدون بذلك إلغاء دور القرآن ككتاب حياة والذي جاء لإسعاد البشرية وإراءة الطريق لها ، تاركاً وراءه حوالي 78.8% من القرآن باعتباره ليس من آيات الاحكام .
وعلى كل فإن هذا النوع لا يعد غموضاً بل تجاهلاً ومع دراستها وإلقاء الضوء الكاشف عليها تنحل عقدة الغموض بما لا يتنافى مع حجية ظواهرها .
الخامسة : وجود المخصصات والمقيدات


وهي تارة تكون من النصوص القرآنية أيضاً وأخرى تكون من الروايات والأحاديث ، وبتعبير آخر نعلم علماً إجمالياً بوجود تلك المخصصات للعمومات أو المقيدات للمطلقات مما يفقد النصوص ظهورها ، وذلك لأن العلم الإجمالي بطبيعته منجز ، وعندها لا يمكن العمل بالمطلقات والعمومات أي لا يمكن الاعتماد على أصالتي العموم والإطلاق ، وبالنتيجة فالغموض مكتنف بالنص القرآني .
ولكن الواقع يملي علينا غير ذلك فإن العلم الإجمالي يتلاشى بعد المعرفة بالعام والخاص والمطلق والمقيد إذ يتحول إلى العلم التفصيلي وينتهي عندئذ الغموض ، ومعرفة المخصصات والمقيدات ليست بالعسيرة على أنهما من الأمور الطبيعية التي لا تختص بالنص القرآني كما أثاره الاخباريون بل الأحاديث هي الأخرى تخضع لهذه التقسيمات ولعل احتواءها ومعرفتها أصعب بكثير من الآيات .
وبعد هذا العرض السريع والموجز لا بد من الإشارة إلى أن النصوص القرآنية على قسمين واضحة وغامضة ، فالأول لا شك في حجية ظواهرها ولا يتعارض ببعض الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي(1) أو الروايات الناهية عن العمل بالكتاب دون الرجوع إلى أهل

(1) منها ما جاء في وسائل الشيعة : 18/140 في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 193

البيت عليهم السلام(1) أو تلك التي يفهم منها حصر فهم القرآن بمن خوطب به ، وذلك لأنها منصرفة عن مثل هذه النصوص الواضحة ، ولا توجب التوقف عن العمل بظواهرها وهي خارجة عنها تخصصاً لأن التفسير إنما يصدق فيما إذا كانت غامضة ، وأما الواضحة فلا معنى لتفسيرها ، والمفروض أن الظواهر واضحة للدلالة فلا تحتاج إلى التفسير بالرأي أو الرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام أو حصر فهمها بهم .
وأما القسم الثاني وهي النصوص الغامضة فهي التي تشملها هذه الروايات الناهية عن تفسيرها بالرأي أو ما شابه ذلك ، وقد عرفت بأن هذه النصوص لا يبقى لها غموض بعد مراجعة أهل الذكر والراسخين في العلم وتحري موارد الغموض ومعرفة الناسخ عن المنسوخ والمطلق والمقيد والعام والخاص والمجاز وغيرها ، ولم أجد من أجاز العمل بهذا النوع من النصوص قبل رفع الغموض عنها وتفصيل الكلام موكول إلى محله(2) .
إذاً فلا يجوز العمل بظاهر هذه الآية مثلاً « إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة »(3) إلا بعد مراجعة « أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم »(4) .
كما لا يمكن البت في معنى هذه الآية مثلاً : « وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة »(5) دون الرجوع إلى قوله تعالى : « لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار »(6) أو قوله تعالى : « لن تراني »(7) .

(1) منها ما جاء في وسائل الشيعة أيضاً : 18/148 في حديث الصادق عليه السلام : «إنما هلك الناس في المتشابه لأنهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرفونهم» .
(2) راجع فرائد الأصول للأنصاري فصل العمل بظواهر الكتاب .
(3) سورة المجادلة ، الآية : 12 .
(4) سورة المجادلة ، الآية : 13 .
(5) سورة القيامة ، الآية : 23 .
(6) سورة الأنعام ، الآية : 103 .
(7) سورة الأعراف ، الآية : 143 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 194

هذا وقد ورد بيان ذلك وأمثاله في الأحاديث المتواترة عن أهل البيت عليهم السلام بطرق صحيحة لا غبار عليها ، ولكن دراسة القرآن بمعزل عن فكر أهل البيت عليهم السلام هي التي أوصلتنا إلى هذه المتاهة التي فرقت الأمة الإسلامية الواحدة وجعلتهم مختلفين فيما بينهم وكان قد تدارك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذه الظاهرة عندما قال : «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(1) وهي من الروايات التي لم يختلف عليها اثنان في صحة صدورها عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ورغم التحريفات والإضلالات ظلت هذه الصحيحة حجة دامغة لمن سولت نفسه بالعبث بالسنة والشريعة ، وسيجري البحث عنها في باب السنة إن شاء الله تعالى .
وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا الغموض في بعض النصوص القرآنية سواء بالمنسوخ أو المتشابه أو المجاز من أمور لفظية تارة ومعنوية أخرى ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتشعب فتخرجنا عن المراد ، ولعل الاكتفاء بجانب أو جانبين ولو بالإيجاز هو الأنسب ، وهو أن التفهيم والخطاب إنما يتم عبر الألفاظ وهي قاصرة لاستيعاب المعاني جميعها أولاً ، ثم إن جمالية اللغة العربية بل كل اللغات تقتضي ذلك فلو أعرض عنها لما اتصف القرآن بالإعجاز ثانياً والتفصيل أيضاً موكول إلى محله(2) .

(1) راجع فضائل الخمسة من الصحاح الستة : 2/56 ، رواه بأسانيد مختلفة ونصوص متقاربة وقد سبق وأوردنا المصادر التي أوردت هذا الحديث .
(2) راجع الميزان في تفسير القرآن : 3/56 ، الوصائل إلى الرسائل : 2/31 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 195

السنة

للسنة في اللغة معان كثيرة تفوق العشرة وما يتربط بنا ، هي المعاني التالية :
1 ـ الطريقة ويقال إن أصله مأخوذ من قولهم : «سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنّا أي طريقاً» .
2 ـ السيرة : سواء كانت حسنة أو قبيحة ، وهذا المعنى مأخوذ من المعنى الأول .
3 ـ الأحكام : يقال سنّة الله أي أحكامه كما يقال من سن سنة حسنة أي وضع قانوناً حسناً أو شريعة حسنة فهي تقابل كلمة القانون اليونانية الأصل .
وأما في الاصطلاح فهي تختلف باختلاف المصطلحين عليه ، وما يعنينا منهم فئتين الأولى الفقهاء والكلاميون والثانية الأصوليون والمحدثون ، فقد قصدت الفئة الأولى من السنة ما يقابل البدعة ، فكل ما استند إلى أصول الشريعة قيل له سنة وكل ما خالفه قيل له بدعة ، وللفقهاء مصطلح آخر حيث أطلقوا السنة في قبال الواجب وأرادوا به المستحب ، وهناك من أراد به الواجب والمستحب في قبال الأحكام الثلاثة الأخرى (المحرم والمكروه والمباح) .
وأما الفئة الثانية فقد اصطلحوا عليها بما صدر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما يمكن أن يكون مصدراً للشريعة من قول أو فعل أو تقرير ، أو أكثر من ذلك وهذا هو مورد بحثنا .

مدلول السنة

اختلف أرباب المذاهب في مدلول السنة سعة وضيقاً إلى مدارس مختلفة وهي كالتالي :

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 196

1 ـ حجية قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقط دون فعله وتقريره كما ذهب إلى ذلك جمع من الخوارج(1) ممن لا تواجد لهم على الساحة الفقهية .
2 ـ حجية ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقط دون غيره وهذا الرأي تبناه الحنابلة والموالك والأحناف والشوافع .
3 ـ حجية ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقول أهل البيت عليهم السلام وهو اختيار الزيدية .
4 ـ حجية ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وابنته الزهراء والأئمة الاثني عشر أولهم الإمام علي عليه السلام وآخرهم الإمام المهدي عليه السلام وهذا الرأي تبنته الإمامية .
5 ـ وهناك من يقول بحجية قول الصحابي أيضاً ، وقد اختاره بعض المذاهب كما سيأتي .

2 ـ حجية السنة (النبوية)

هناك فكرة تشاع من هنا وهناك في هذه الأيام ملخصها عدم الحاجة إلى السنة يكفينا كتاب الله ، ولعل الفكرة كانت حصيلة لردة الفعل التي جاءت إثر اختلاف الفقهاء في الفتاوى وتضارب الأحاديث بعضها مع البعض الآخر ـ هكذا صوره الخضري(2) لدى بحثه عن السنة ـ(3) لكن الحقيقة تملي علينا بأن هذه الفكرة قديمة جداً يرجع تاريخها إلى عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما منعت قريش عبد الله بن عمرو بن العاص(4) عن كتابة ما يقوله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(5) وتكرر ذلك في اللحظات الأخيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

(1) وربما قال البعض بحجية القول والفعل دون التقرير .
(2) الخضري : هو محمد بن عفيفي الباجوري (1289 ـ 1345هـ) باحث خطيب درس في القاهرة وتوفي بها ، كان قاضياً في الخرطوم ثم مدرساً في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة وأستاذاً للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية ، من مؤلفاته : إتمام الفائدة ، نور اليقين ، مهذب الأغاني .
(3) تاريخ التشريع الإسلامي للخضري : 118 ـ 119 .
(4) ابن العاص : (7 ق.هـ ـ 65هـ) ، كان يحسن اللغة السريانية ، حفظ عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم 700 حديث ، ناصر الدولة الأموية وحارب إلى جانب معاوية في صفين ، ثم اعتزل بيعة يزيد ، وعمي في آخر حياته .
(5) سيأتي الحديث عنه لدى الاستدلال بحجية السنة بالسنة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 197

حين أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب وصيته للمسلمين درءاً للخلاف فاعترض عليه عمر ابن الخطاب قائلاً : كتاب الله حسبنا(1) ، ولما حكم أبو بكر قال للمسلمين : لا تحدثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله(2) ، ولما تولى عمر بن الخطاب نهى الناس عن الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحبس المحدثين ، ولما قدم أحدهم إلى العراق قالوا له حدثنا ، قال : نهانا عمر(3) ، كما منع عمر بن الخطاب التدوين وحرق مِن قبله أبو بكر الأحاديث التي كانت عند ابنته عائشة(4) .
ثم إن بعض الخوارج اعتمدوا الفكرة في التشريع فقالوا بأن القرآن وحده المصدر الحقيقي للتشريع ولذلك فقد احتجوا بعدد من الأمور واعتبروها تجاوزاً على القرآن ، منها : قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رجم المحصنات حيث هو مخالف لقوله تعالى : « فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب »(5) فيرون بأن فرض الرجم على المحصنات ينافي القرآن لما أن الرجم يوجب هلاك النفس وهو غير قابل للتبعيض للإماء كما ورد في الآية « فعليهن نصف ما على المحصنات » فعلم من ذلك أن السنة ليس بحجة وأن عذاب المحصنات هو الجلد لا الرجم(6) .
وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد حذر من ذلك حين قال : «لا ألفينّ أحدكم على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»(7) ومع هذا فقد بدأت هذه النعرة من جديد واستدلت بأمور واهية ، ملخصها ينتهي إلى أن السنة ليست كالقرآن فإن الحديث ظني الصدور بينما القرآن قطعي الصدور فلا يمكن أن تقرن

(1) صحيح البخاري : 1/39 و7/156 ، فتح الباري : 1/277 ، و10/155 و13/414 .
(2) تذكرة الحفاظ : 1/2 وسينقل الحديث كاملاً ، تحت عنوان التدوين إن شاء الله .
(3) تذكرة الحفاظ : 1/7 ، المستدرك على الصحيحين : 1/ح 347 .
(4) تذكرة الحفاظ : 1/5 .
(5) سورة النساء ، الآية : 25 .
(6) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 268 .
(7) كتاب في الحديث النبوي : 16 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 198

بالقرآن ، ولا يخفى أن فيها مغالطة واضحة سنتحدث عنها في محله .
هذا وقد جرت العادة لدى الأصوليين الاستدلال على حجية السنة عبر الأدلة الأربعة : العقل والكتاب والسنة والإجماع كل واحدة منها بشكل مستقل بحيث إذا وقعت الخدشة في إحداها لا يضرب الدليل الآخر .
1 ـ العقل


فإنه يحكم بأنها ضرورة من ضرورات الدين وذلك لأن عدم قبولها يعني عدم قبول القرآن ، ولا شك بالتلازم بين حجيتها وحجية القرآن إذ لو لم تكن سنته صلى الله عليه وآله وسلم حجة لما أمكن القول بحجية القرآن لأننا سبق وقلنا بأن الطريق إلى أصل القرآن ومعرفته كان قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن البديهي أن جزئيات الأحكام وتفاصيلها من الأوامر والنواهي وصلتنا عبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كهيئة الصلاة وتفاصيل مناسك الحج وحدود الزكاة والصيام ، إلى غيرها من الأحكام ، وبعدم قبول حجيتها تنسف الأحكام جميعها وهو مرفوض عقلاً ، وإن إنكار حجيتها يؤول إلى إنكار نبوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
2 ـ الكتاب :


بعدما ثبت حجية القرآن بالقطع فقد حمل إلينا آياته حجية السنة أيضاً ومن تلك الآيات ما يلي :
1 ـ الآية المباركة : « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم »(1) .
2 ـ قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول »(2) .
3 ـ قوله جل وعلا : « فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً »(3) .
4 ـ وقال جل شأنه : « من يطع الرسول فقد أطاع الله »(4) .

(1) سورة آل عمران ، الآية : 31 .
(2) سورة النساء ، الآية : 59 .
(3) سورة النساء ، الآية : 65 ، وقد سبقها قوله تعالى : « وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله » [النساء : 64] .
(4) سورة النساء ، الآية : 80 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 199

5 ـ وقوله عز من قائل : « وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم »(1) .
6 ـ وكلامه المجيد : « وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى »(2) .
7 ـ وقوله الكريم : « وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا عنه »(3) .
8 ـ وبلاغه المبين : « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته »(4) .
9 ـ وقول العزيز : « وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم »(5) .
10 ـ وقال جل ذكره : « يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم »(6) .
11 ـ ومنه قوله : « إنما قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون »(7) .
12 ـ وأنزل تعالى : « ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون »(8) .
وهذه الآيات واضحة الدلالة على المقصود إلا أن ظاهرها يدل على حجية القول إلا إذا قيل بأن البيان هو أعم من القول والفعل والتقرير ، كما لا شك بأن المراد منها ليس الذكر بل مطلق قوله ، كما يفسر بعضه بعضاً .

(1) سورة الأحزاب ، الآية : 36 .
(2) سورة النجم ، الآية : 3 .
(3) سورة الحشر ، الآية : 7 .
(4) سورة المائدة ، الآية : 67 .
(5) سورة النحل ، الآية : 44 .
(6) سورة الأنفال ، الآية : 24 .
(7) سورة النور ، الآية : 48 .
(8) سورة النور ، الآية : 52 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 200

3 ـ السنة


إن الاستدلال بالسنة على حجية السنة يلزم الدور ومع هذا فقد استدل الأصوليون بذلك ولعله من باب المؤيدات بعد إثباتها بالعقل والكتاب والإجماع ، والروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته كثيرة فلا حاجة إلى ذكرها ، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها .
4 ـ الإجماع


على فرض كون الإجماع أصل مستقل من أصول الاستدلال ، وقلنا بأن مصدره لم يكن السنة ، أو قلنا بحجية فعندها يصح الاستدلال به على حجية السنة ، وعلى كل فقد أجمع علماء المسلمين من كافة المذاهب الإسلامية على حجية السنة إلا من شذ من بعض الفرق الذي لم يعد له وجود وقد سبقت الإشارة إليه ، وفي قباله من اعتمد السنة أكثر من القرآن باعتبار أن القرآن له ظاهر وباطن وتفسير وتأويل فلا بد من فهمه عبر السنة وقد أشرنا إلى ذلك .
والحاصل : أن عمل الأصحاب والفقهاء منذ اليوم الأول على الأخذ بالسنة ، وقد نقل عمر عبد الله(1) «الإجماع العملي من عهد الرسول إلى يومنا هذا على اعتبار السنة دليلاً تستمد منه الأحكام فإن المسلمين في جميع العصور استدلوا على الأحكام الشرعية بما صح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يختلفوا في وجوب العمل بما ورد في السنة»(2) .
وقال الحكيم(3) : «ولا يعلم مخالف في ذلك من المسلمين على الإطلاق إلا ما يبدو من أولئك الذين رد عليهم الشافعي وهم على طوائف ثلاث وجل أقوالهم تنصَبُّ على السنة المروية لا على أهل السنة»(4) .

(1) عمر عبد الله : .
(2) سلم الوصول إلى علم الأصول : 261 .
(3) الحكيم : هو محمد تقي بن سعيد بن حسين (1343 ـ ...هـ) من أساتذة الحوزة العلمية وعلماء الإمامية ، من مصنفاته : تاريخ التشريع الإسلامي ، عبد الله بن العباس ، ومن تجارب الأصوليين في المجالات اللغوية .
(4) الأصول العامة للفقه المقارن : 127 ، تاريخ الفقه الإسلامي : 227 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي