دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 201

وقال الخضري(1) : «اجمع عليها المسلمون ونطق بها القرآن»(2) .
هذا ولم نجد من العلماء طيلة التاريخ من ينكر دور السنة في التشريع وإن وجد من يقول بذلك فهو قول شاذ لا توافقه الشهرة المستفيضة في كافة الأعصار والأمصار .

3 ـ حجية سنة أهل البيت النبوي

وهذا يعني أن سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الثلاثة عشر المعصومين حجة قولاً وفعلاً وتقريراً .
ترى الإمامية الاثنا عشرية أن الإمامة منصوص عليها من قبل الله عبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد استدلوا على ذلك بالعقل والكتاب والسنة وإجماع علمائهم ، وقد تقدم البحث عنه في محله(3) وانطلاقاً من هذه القاعدة فإنهم يعتبرونهم حملة الرسالة المحمدية والحافظين لها وأنهم امتداد للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم يبلغون رسالات الله التي أنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم ليسوا بمجتهدين كما لم يكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مجتهداً وأنهم معصومون عصمة مطلقة وعامة كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وعليه فإن أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم حجة حيث لا يصدر عنهم شيء إلا وقد أعلمهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، واستدلوا على حجية ما صدر عنهم بما يلي :
1 ـ الكتاب


وما سنستعرضه هنا من كتاب الله جل وعلا هي الآيات الدالة على الرجوع إلى المعصومين عليهم السلام ولزوم التمسك بهم وحجية ما صدر عنهم تاركين موارد المدح والثناء من الفضائل والمكرمات التي لا تكفي وحدها في اعتبار الحجية لما صدر عنهم والتي هي كثيرة ، ومن تلك الآيات التي يستدل بها على حجية ما صدر عنهم قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى

(1) الخضري : مرت ترجمته .
(2) أصول الفقه : 334 .
(3) راجع فصل إمامة الحسين عليه السلام من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 202

الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً »(1) .
والكلام يقع في قوله «أولي الأمر» المعطوف على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو على جملة أطيعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد وقع الخلاف بين الإمامية وغيرهم حول تحديد «أولي الأمر» فقد ذهب الإمامية إلى أن المراد به الأئمة المعصومون عليهم السلام المفترض طاعتهم وعددهم اثنا عشر إماماً أولهم علي ابن أبي طالب وآخرهم محمد المهدي بن الحسن العسكري عليهما السلام ، وأما غيرهم فقد ذهبوا في تفسيره إلى مذاهب ولسنا هنا بصدد ذلك بقدر ما نحن بصدد إقامة دليل الإمامية ومناقشته ، وقد استشكل الرازي لدى تفسيره لهذه الآية على الإمامية بقوله : «وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد» وبيّن وجوهاً ثلاثة في استبعاد هذا المعنى ، اثنتان منهما فيهما مغالطة واضحة أعرضنا عنهما وثالثها فيه شيء من الموضوعية وهو قوله : «ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال : «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام»(2)...
وأجاب الإمامية على ذلك بأمور :
1 ـ إن الرد على الأئمة هو رد على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه ثبت بآية المباهلة أن عليا نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت بالروايات المتواترة التي وردت في حق الأئمة بأنهم من رسول الله وهو منهم ، مضافاً إلى أن الله ساوى بين طاعتهم وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فالرد على رسوله هو رد على الله من جهة كما أن الرد عليهم رد على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
2 ـ إن الله سبحانه وتعالى صرح بعده بقليل بالرد عليهم في قوله تعالى : « وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم »(3) .
3 ـ إن الفخر الرازي لدى تفسيره لهذه الآية قال بأن الآية تدل بالجزم على عصمة أولي الأمر حيث يقول : «إن الله تعالى أمر بطاعة أولي

(1) سورة النساء ، الآية : 59 .
(2) التفسير الكبير : 10/144 .
(3) سورة النساء ، الآية : 83 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 203

الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوماً عن الخطأ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يضفي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وأنه محال ، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً»(1) ، فإذا كانت العصمة ملازمة لأولي الأمر فلا بد أن يكون المراد بهم الأئمة لأن القول بعصمة الآخرين لم يرد ، بل لم يتحدث عنه أحد ، وأما المعنى الذي ذهب إليه الرازي وجماعة كبيرة ممن على مذهبه بأن المراد بأولي الأمر هو أهل الحل والعقد من الأمة مناقض لقوله : «إن أولي المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً» وذلك لأنه من المسلمات أن أهل العقد والحل ليسوا معصومين من الخطأ والنسيان ، إلا إذا أريد بالمعصوم أنه حجة بمعنى عدم الوقوع في الخطأ ، وهذا المعنى خلاف الظاهر ويحتاج إلى تكلف .
4 ـ سبق وقلنا إن المفسرين ومنهم الرازي خلصوا إلى أربعة أقوال في تفسير «أولي الأمر» .
الأول : الخلفاء الراشدون .
الثاني : أمراء السرايا .
الثالث : العلماء .
الرابع : الأئمة المعصومون .
وذهب إلى أن القول بتفسير خامس يوجب خرقاً للإجماع المركب وعليه فلا بد من إثبات المراد بالكتاب والسنة بل العقل وما دام أنه خلاف للأقوال الأربعة فهو خلاف للإجماع المركب من جهة ولا يمكن الاعتماد

(1) التفسير الكبير : 1/144 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 204

على إحدى الأقوال إلا بالدليل من جهة أخرى فلا بد من البحث عن الدليل على أحد الأقوال الأربعة ، وبما أن الأقوال الثلاثة الأُول غير مدعومة بدليل من الكتاب والسنة(1) فلا بد من الإذعان إلى القول المدعوم بهما .
وبما أن البحث عن دلالة اللفظ على إحدى المعاني لا يمكن أن يتم بمعزل عن العصمة التي تسالم عليها المفسرون بل لعلها هي بالذات تصلح للكشف عن المعنى المراد وذلك لورود عدد من الآيات في حق أهل البيت عليهم السلام كآية الولاية(2) وآية التطهير(3) وأمثالهما مضافاً إلى الأحاديث التي وردت في حقهم كحديث الثقلين(4) وحديث السفينة (5) وأضرابهما والتي دلت على عصمة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام فلذلك لزم اعتماد القول الرابع .
5 ـ دلت روايات مستفيضة على أن المراد بأولي الأمر هم الأئمة المعصومين عليهم السلام . منها رواية الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية : قال : أولوا الأمر هم الأئمة من أهل البيت(6) .
ومنها رواية جابر الأنصاري(7) قال : لما أنزل الله عز وجل على نبيه

(1) راجع التفسير الكبير : 10/144 ، والميزان : 4/389 .
(2) آية الولاية : « إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون » [سورة المائدة : 55] .
(3) آية التطهير : « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً » [سورة الأحزاب : 33] .
(4) حديث الثقلين : مضت الإشارة إليه .
(5) حديث السفينة : (إنما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من دخلها نجا ومن تخلف عنها هلك) ، وفي حديث آخر : (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، فمن قوم نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك ، ومثل باب حطة في بني إسرائيل) كنز العمال : 12/98 ، إحياء الميت بفضائل أهل البيت : 47 ـ 48 .
(6) ينابيع المودة : 114 .
(7) جابر الأنصاري : هو ابن عبد الله بن عمرو الخزرجي السلمي (16 ق.هـ ـ 78هـ) ، من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأجلاء ، روى لَهُ البخاري ومسلم وغيرهما (1540) حديثاً ، ولَهُ مسند .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 205

محمد صلى الله عليه وآله وسلم « يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم » قلت : يا رسول الله عرفنا الله ورسوله ، فمن أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم سميي محمد وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيه على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان»... الحديث(1) ، وقال الصادق عليه السلام أيضاً في تفسير هذه الآية : «أولو الأمر هم الأئمة من أهل البيت»(2) .
إلى غيرها من الروايات التي وردت في تفسير هذه الآية ومن أراد التفصيل فليتحرى مظانها(3) ، مضافاً إلى الروايات التي فسرت الآية 83(4) من سورة النساء أيضاً والتي منها رواية الصادق عليه السلام في تفسيرها قال في حديث طويل : «فكان علي ، ثم صار من بعده حسن ، ثم حسين ، ثم من بعده علي بن الحسين ، ثم من بعده محمد بن علي ، وهكذا يكون الأمر ، أن الأرض لا تصلح إلا بإمام»(5) .
ومنها ما جاء في خطبة الإمام الحسن عليه السلام في أيام خلافته بعد مقتل أبيه أمير المؤمنين التي قال فيها : «فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة ، إذ

(1) تفسير البرهان : 1/381 ، وتجد ذكر الأئمة بأسمائهم كذلك في ينابيع المودة : 3/99 .
(2) ينابيع المودة : 114 .
(3) راجع تفسير البرهان وتفسير القمي والعياشي وغاية المرام وينابيع المودة والدر المنثور ، وأهل البيت في القرآن ، وعلي في القرآن ، وتفسير الميزان ، وغيرها .
(4) تمت الإشارة إليها .
(5) علي في القرآن : 1/143 ، أهل البيت في القرآن : 59 عن ينابيع المودة : 321 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 206

كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة» ثم قرأ قوله تعالى(1) : « ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم »(2) إلى غيرها من الروايات في هذا المجال(3) .
2 ـ السنة


إن الاستدلال بالسنة على شمولية السنة على ما صدر عن الائمة المعصومين عليهم السلام(4) يستلزم الدور ، إلا إذا استدل بالروايات التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حق أئمة أهل البيت عليهم السلام بعدما ثبت حجية سنته صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقواله صلى الله عليه وآله وسلم في الأئمة المعصومين عليهم السلام كثيرة جداً ولئلا نقع في الاطناب نكتفي باستعراض حديث الثقلين فقط والذي يعد من أهمها وهذا الحديث له نصوص عديدة إلا أنها متفقة في مضمونها ، نذكر تلك النصوص معرضين عن تعدد سندها خوف الإطالة .
منها ما رواه زيد بن الأرقم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إني قد تركتُ فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض...»(5) .
ومنها رواية زيد بن ثابت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»(6) .

(1) سورة النساء ، الآية : 83 .
(2) مروج الذهب : 3/9 .
(3) جاء في المستدرك على الصحيحين : 3/131 ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني» وفي صفحة 139 ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : «مَن أطاعني فقد أطاع الله ومَن عصاني فقد عصى الله ومَن أطاعك فقد أطاعني ومَن عصاك فقد عصاني» .
(4) ورد في كنز العمال : 1/179 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «السنة سنتان من نبي وإمام عادل» ومما لا شك فيه أن الثاني لا ينطبق إلا على أئمة أهل البيت عليهم السلام .
(5) كنز العمال : 13/104 .
(6) مسند أحمد بن حنبل : 5/216 و225 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 207

ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(1) .
ومنها ما رواه زيد بن أرقم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(2).
ومنها ما رواه زيد بن أرقم أيضاً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «كأني دعيت فأجبت أني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(3).
ومنها ما رواه عبد الله بن حنطب قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجحفة فقال : «ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : فإني سائلكم عن اثنين القرآن وعترتي»(4) .
هذه مجمل النصوص المتفاوتة في هذا المجال وأما الأسانيد فكثيرة أعرضنا عنها حيث لا مجال لذكرها . إذاً فالمضمون واحد وهو وجوب التمسك بالكتاب والعترة وأنهما لن يفترقا ، وأما سند الحديث فهي بمكانة لا يمكن الخدشة فيه بأي وجه من الوجوه وقد قال شرف الدين(5) «والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة وطرقها بضع وعشرين صحابياً متضافرة وقد صدع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف له شتى ، تارة يوم غدير خم ، وتارة يوم عرفة في حجة الوداع ، وتارة بعد انصرافه من

(1) مسند أحمد بن حنبل : 3/18 و22 .
(2) المستدرك على الصحيحين : 3/161 .
(3) المستدرك على الصحيحين : 3/118 .
(4) إحياء الميت بفضائل أهل البيت : 58 .
(5) شرف الدين : هو عبد الحسين بن يوسف الموسوي (1290 ـ 1377هـ) ، ولد في الكاظمية وتوفي في صور ودفن في النجف ، من أعلام الإمامية ، من مصنفاته : الفصول المهمة في تأليف الأمة بغية الراغبين ، والكلمة الغراء في تفضيل الزهراء .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 208

الطائف ، ومرة على منبره في المدينة ، وأخرى في حجرته المباركة في مرضه ، والحجرة غاصة بأصحابه إذ قال : (أيها الناس يوشك أن أقبض سريعاً فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم إلا أني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال : هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض)(1) وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور حتى قال ابن حجر(2) عندما أورد حديث الثقلين : «ثم اعلم أن لحديث التمسك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً ، ومر له طرق مبسوطة في الشبهة الحادية عشر ، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة وفي أخرى أنه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى أنه قال ذلك لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مر ، ـ ثم ـ قال : ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها ، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة»(3) إلى آخر كلامه ، وحَسْبُ أئمة العترة الطاهرة أن يكونوا عند الله ورسوله بمنزلة الكتاب لا يأتين الباطل من بين يديه ولا من خلفه... على أن المفهوم من قوله (لن تضلوا) إنما هو ضلال من لم يتمسك بهما معاً كما لا يخفى ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم فمن حديث الثقلين عند الطبراني(4) «فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم»(5) قال ابن حجر : وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ، دليل

(1) الصواعق المحرقة : 57 .
(2) ابن حجر : هو أحمد بن علي بن محمد الكنّاني العسقلاني (773 ـ 852هـ) ، ولد وتوفي في القاهرة ، من مصنفاته : الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة ، لسان الميزان ، وتهذيب التهذيب .
(3) الصواعق المحرقة : 89 .
(4) الطبراني : هو سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي (260 ـ 360هـ) ، ولد بعكا وتوفي بأصبهان ، من مصنفاته (ثلاثة معاجم في الحديث) ، دلائل النبوة ، والأوائل .
(5) المعجم الكبير : 5/167 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 209

على أن من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدماً على غيره»(1) إلى آخر كلامه(2) .
هذا ولم يرق للبعض هذه حتى قام بتحريف الروايات ووضع السنة بدل العترة في روايات عديدة انحصرت في التالي :
رواية مالك بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه»(3) .
وروى محمد بن إسحاق عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً أمراً بيناً كتاب الله وسنة نبيه»(4) .
ورواية ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم»(5) .
ورواية أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض»(6) .
ورواية أبي هريرة الثانية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(7) .
ورواية عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

(1) الصواعق المحرقة : 135 .
(2) المراجعات : 21 .
(3) الموطأ بشرح السيوطي : 2/208 . ويشار هنا : أن مالك بن أنس المتوفى عام 179هـ قد تفرد بالحديث ، وهو من الآحاد ، وقد جاء مرسلاً مما يحمل معه ضعفه ـ راجع مدخل إلى علم الفقه : 106 ـ .
(4) سيرة ابن هشام : 4/603 .
(5) المستدرك على الصحيحين : 1/171 .
(6) المستدرك على الصحيحين : 1/172 ، فيض القدير : 3/240 ، كنز العمال : 1/171 ـ 186 ـ 187 .
(7) السنن الكبرى : 10/195 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 210

«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم»(1) .
ورواية أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «أيها الناس إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي فلا تفسدوه وأنه لا تعمى أبصاركم ولن تزل أقدامكم ولن تقتصر أيديكم ما أخذتم بهما»(2) .
هذا كلما في الباب من روايات وردت بلفظ السنة بدلاً من العترة ، ولا يخفى أن سند هذه الروايات كلها مخدوشة لا يصلح للأخذ بها ومن إرادة التفصيل فليراجع مظانها(3) وقد فند الميلاني(4) سند هذه الروايات بعد مناقشة دقيقة اتسمت بالموضوعية بعدما أشار إلى أمور جديرة بالاهتمام وهي :
1 ـ أن هذا الخبر ـ خبر السنة ـ مما أعرض عنه البخاري ومسلم ولم يخرجاه في كتابيهما المعروفين بالصحيحين ، وكم من حديث صحيح سنداً لم يأخذ به القوم معتذرين باتفاق الشيخين على تركه .
2 ـ إنه خبر غير مخرّج في شيء من سائر الكتب المعروفة عندهم بالصحاح ، فهو خبر اتفق أرباب الصحاح السنة وغيرهم على تركه .
3 ـ إنه خبر غير مخرج في شيء من المسانيد المعتبرة كمسند أحمد ابن حنبل وقد نقلوا عن أحمد أن ما ليس في المسند فليس بصحيح .
4 ـ إنه قد صرح غير واحد من رواة هذا الخبر بغرابته ، قال الحاكم : «ذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب» وقد نص على صحة سند

(1) الموطأ : 2/208 طبعة مصطفى البابي الحلبي عن الأصول العامة للفقه المقارن : 171 .
(2) الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع : 8 .
(3) راجع مجلة تراثنا القمية العدد : 29/ السنة : 7/ التاريخ : شوال 1412هـ ، الصفحة : 171 ، مقالة بعنوان «حديث الوصية بالثقلين الكتاب والسنة» لعلي الميلاني .
(4) الميلاني : هو السيد علي أصغر بن نور الدين بن محمد هادي الميلاني الحائري ولد في كربلاء في الستينات الهجرية ونشأ بها وانتقل إلى قم ، كاتب وناقد ومحقق له مؤلفات ولا زال يمارس مهامه الدينية والعلمية في المهجر .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 211

الخطبة المشتملة على الاعتصام بالعترة ، وقال أبو نصر السجزي(1) ـ كما في كنز العمال : «غريب جداً»(2) .
وأما الحكيم بعد أن استعرض مناقشة أبو زهرة(3) في قوله «إن كتب السنة التي ذكرته ـ الحديث ـ بلفظ سنتي أوثق من الكتب التي روته بلفظ عترتي» قال : إن الصادر منه صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يكون إلا واحدة منها فتقديمه لكلمة سنتي لا أعرف له وجهاً لأن حديث التمسك بالثقلين متواتر في جميع طبقاته ، والكتب التي حفلت به أكثر من أن تحصى ، وطرقه إلى الصحابة كثيرة ورواته منهم ـ أي الصحابة ـ كثيرون جداً ، وفي رواياته عدة روايات كانت في أعلى درجات الصحة ، كما يشهد بذلك الحاكم وغيره ، بينما ترى الحديث الآخر لا يتجاوز في اعتباره عن كونه من أحاديث الآحاد ، ولقد كنت أحب للسيد أبي زهرة أن يتفضل بذكر الكتب السنية التي روت حديث «وسنتي» ، لنرى مدى ادعائه الاوثقية لها وأي كتب أوثق من الصحاح والسنن والمسانيد ومستدركاتها التي سبق ذكرها وذكر روايتها للحديث لتقدم عند المعارضة» .
ويضيف قائلاً : «وفي حدود تتبعي لكتب الحديث ، واستعانتي ببعض الفهارس لم أجد رواية «وسنتي» إلا في عدد من الكتب لا تتجاوز الأصابع لليد الواحدة(4) وهي مشتركة في رواية الحديثين معاً ، اللهم إلا ما يبدو من مالك حيث اقتصر في الموطأ على ذكرها فحسب ، ولم يذكر الحديث الآخر ـ إن صدق تتبعي لما في الكتاب ـ يقول راوي الموطأ : (وحدثني عن مالك : أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنة نبيه) ويكفي في توهين الرواية أنها

(1) السجزي : هو عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي البكري ، من سجستان سكن مكة وتوفي فيها سنة 444هـ ، من حفاظ الحديث ، من مصنفاته : الإبانة عن أصول الديانة .
(2) مجلة تراثنا القمية العدد : 29/ السنة : 7/ التاريخ : شوال 1412هـ ، الصفحة : 177 .
(3) أبو زهرة : هو محمد بن أحمد (1316 ـ 1394هـ) ولد بمدينة المحلة الكبرى في مصر وتوفي في القاهرة ، من أعلام الشريعة ، لَهُ أكثر من 40 كتاباً ، منها : الحرية والعقوبة في الشريعة الإسلامية ، محاضرات في مقارنات الأديان ، والجدل في الإسلام .
(4) أو اليدين باختلاف سندها ونصوصها .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 212

مرفوعة ، ولم يذكر الكتّاب رواتها مما يدل على عدم اطمئنان صاحبها إليها ولسانها (عن مالك أنه بلغه أن رسول الله) ، ولعل الموطأ هو أقدم مصادرها في كتب الحديث ، كما أن ابن هشام هو أقدم رواتها في كتب السير(1) فيما يبدو ، وما عدا هذين الكتابين فقد ذكرهما ابن حجر في صواعقه مرسلة وذكرها الطبراني فيما حكي عنه(2) .
ومثل هذه الرواية ـ وهي بهذه الدرجة من الضعف لأنها لا تزيد على كونها مرفوعة أو مرسلة [أو ضعيفة] ولو قدر صحتها فهي لا تزيد على كونها من أخبار الآحاد ـ هل يمكن أن تقف بوجه حديث الثقلين (الكتاب والعترة) مع وفرة رواته في كتب السنة وتصحيح الكثير من رواياته(3) .
ورغم كل هذا فلو فرضنا صحة سندي النصين فلا تعارض بينهما ـ ليلغى نص العترة في قبال السنة ـ بل إن رواية العترة مخصصة لرواية السنة ، فيكون المراد من السنة هو حديث العترة .
هذا ويستفاد من حديث الثقلين بالإضافة إلى لزوم التمسك بهما أمور من أهمها إثبات العصمة للعترة ـ الأئمة المعصومون ـ والتي تم مناقشتها في ذيل عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وملازمة العترة والكتاب ، وعلى تميزهم علم الشريعة بل بكل ما احتواه الكتاب من العلوم .
إلى غيرها من النصوص النبوية في ذلك كحديث السفينة(4) وحديث النجوم(5) وحديث الإمامة(6) وغيرها .

(1) حديث الثقلين : 18 .
(2) حديث الثقلين : 18 .
(3) الأصول العامة للفقه المقارن : 171 .
(4) مرّ ذكره .
(5) نص الحديث : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس» المستدرك على الصحيحين : 1/162 ، وفي ذخائر العقبى : 17 ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : «النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض» ، في حديث آخر : «النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي» .
(6) المراد الأحاديث التي وردت في تحديد الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي كثيرة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 213

3 ـ الإجماع


لقد أجمع الإمامية على حجية ما صدر عن المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام وعليه اعتمادهم ، ولعل الإجماع الافتراضي قام بالنسبة إلى المذاهب الأخرى بمعنى أنه لو ثبت عندهم عصمتهم لالتزموا حجية سنتهم ، وقد أجمع علماء الزيدية بحجية سنتهم في الجملة(1) .
4 ـ العقل


الدليل العقلي هنا يأتي نتيجة لحكم العقل بضرورتين الاولى : ضرورة وجود قوّام وحفظة لهذه الشريعة التي أرادها الله أن تكون عامة وشاملة وباقية ما بقي الدهر ، والثانية : ضرورة أن يكون قوامها وأمناؤها معصومين لهم تأثير على مجرى الشريعة من قريب أو بعيد فعليهما يحكم العقل بوجوب التمسك بما يصدر عنهم في جوهر الشريعة أو بيانها .
والحاصل أن هذا الدليل قائم على فرض ثبوت قاعدتين الأولى إمامة الأئمة ، الثانية عصمة الأئمة . فلو ثبّتنا بالدليل العقلي كان الدليل على ثبوت حجة سنة الأئمة دليلاً عقلياً صرفاً وإلا فهو مبني على أدلة نقلية لا يصلح اعتبارها دليلاً مستقلاً ، ولكن ثبتت ـ في محله ـ أن الإمامة والعصمة لهم بحكم العقل إلى جانب سائر الأدلة النقلية(2) .
إلى هنا جرى الحديث عن مجمل أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحجية سنتهم بالأدلة الأربعة وأما تحديدهم فهذا ما سنبحثه بإيجاز فيما يلي وهم الأئمة الاثنى عشر .

الإمامة :

في اللغة : هي المتابعة من أَمَّ القوم وأَمَّ بهم إذا تقدمهم ، والإمام من ائتم به من رئيس أو غيره سواء كان على الضلالة أو الحق ، وإمام الصلاة

(1) لقد قالت الزيدية بحجية أئمة أهل البيت وهم الإمام علي عليه السلام وابنيه الإمام زين العابدين عليه السلام وبما أنهم يرون انتقال الإمامة إلى زيد عبر علي بن أبي طالب ثم الحسين بن علي عليه السلام ، ثم علي بن الحسين عليه السلام فلذلك ذهبوا إلى حجية سننه .
(2) ومن أراد التفاصيل فليراجع مظانه ومنها كتاب سنة أهل البيت لمحمد تقي الحكيم .

السابق السابق الفهرس التالي التالي